تعزيز اليقين وهداية الحيران

القرآن الكريم في مواجهة الشبهات

الرئيسية / بنك المعلومات / القرآن الكريم في مواجهة الشبهات

الكتب

الكون والقرآن

كتاب يبحث في علم الفلك يقول المؤلف انه وضعه ردا على اسئلة الكثيرين حول السماء.والنجوم والاجرام السماوية وما فوقها، وردا على الملحدين وهاديا للجاهلين
تحميل

الإجابة - القرآن وأسئلتك الوجودية

من أبرز المحاور التي يتناولها الكتاب: هل يوجد إله؟ من خلق الله؟ شبهات الربوبيين والغاية من الخلق، لماذا يكون الإيمان بالغيب؟ شبهات حول وحدانية الله، لماذا خلقنا الله وهو لا يحتاجنا؟ شبهات حول البعث واليوم الآخر، أسئلة القدر، سؤال وجود الشر والألم في الدنيا، شبهات حول النبوات والوحي والرسالة،
تحميل

القراءات في نظر المستشرقين والملحدين

المستشرق (جولد زيهر) دأب على الطعن في القرآن والإسلام، فتصدى له مؤلف كتابنا وناقش المستشرق بأسلوب علمي قوي مبرزا حقائق القراءات وأسرارها، مبينا أن لكل قراءة معنى، وأن تلك المعاني غير متضاربة؛ بل هي تنوع محمود يوضح ثراء لغة القرآن الكريم.
تحميل

القرآن والملحدون

لطالما تظاهر الملحدون العرب بأن مصلحة أمتهم وعزتها وقوتها هي قصدهم وأمنيتهم زاعمين أن دعوتهم لأجل ذلك غافلين أن بدعوتهن لنبذ الإسلام والقرآن يدعون امتهم من حيث لا يدرون لقطع صلاتها بتراثها الباذخ الذي صارت وظلت به وحده امة واحدة ذات رسالة إنسانية خالدة...
تحميل

العلم وحقائقه بين سلامة القراَن الكريم وأخطاء التوراة والإنجيل

يُعتبر الحديث في قضايا العلم الطبيعي والإيمان الديني من أكثر مسائل السجال إثارةً في الساحة المعرفية العالمية؛ وذلك بسبب خصومة الأسفار المقدسة للكنيسة مع أنصار المذاهب الإلحادية واللادينية في الغرب منذ القرن التاسع عشر.
تحميل

هل القرآن مقتبس من كتب اليهود والنصارى؟

اليوم .. تعرف المكتبة العربيّة لأوّل مرّة في تاريخها كتابًا خاصًا بشرح هذه الشبهة، وتفكيكها، ونقضها من كلّ أوجهها في قرابة سبعمائة صفحة .. في هذا الكتاب ..
تحميل

القرآن والأساطير أيهما اقتبس من الآخر؟

يتحدث الكتاب عن شبهة اقتباس القرآن الكريم من الأساطير السومرية والبابلية وغيرها بتوضيح التعاريف ونقاط الاختلاف ونماذج للمقارنة
تحميل

شبهات مزعومة حول القرآن الكريم

شبهات مزعومة حول القرآن الكريم
تحميل

تنزيه القرآن عن المطاعن

الكتاب عبارة عن دراسة موضوعية ومنهج بحثى واقعى عن طريق سرد عدة مقالات فى فصول الكتاب المختلفة بأسلوب سلس ولغة واضحة يبحث من خلالها الكاتب فى تفسير ضافٍ للقرآن من منظور المعتزلة،
تحميل

شبهات حول القرأن وتفنيدها

شبهات حول القرأن وتفنيدها
تحميل

الافتراءات الوارده على الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن

الافتراءات الوارده على الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن
تحميل

دفاع عن اللقرآن الكريم في وجه الملاحدة والمعرضين

يتناول المؤلف في هذا الكتاب موضوع دفاعه عن القرآن الكريم وردَّه على الملاحدة والمغرضين. يحتوي الكتاب على دراسة شاملة لمفاهيم الإسلام والقرآن الكريم، وكذلك على تحليل لأساليب التعامل مع الملاحدة والمغرضين. يقدم المؤلف في هذا الكتاب نظرة شاملة على كيفية تطبيق أحكام دفاع المسلمين عن الإسلام والقرآن الكريم .
تحميل

القرآن الكريم في مواجهة الماديين الملحدين

يقوم منهجنا في هذه الدراسة- بعون الله- على النهج القرآني: حسبما نفهمه من كتاب الله تعالى، في دراسة موضوعية لمواجهة الماديين في كل ما أثاروه من قضايا: في القرآن والدين والألوهية، والنبوات، والبعث والجزاء والقيم الإنسانية الرفيعة.
تحميل

القرآن الكريم في مواجهة الماديين والملحدين

محاولة لتنبيه المشتغلين في مواجهة ظاهرة الإلحاد المعاصرة إلى حقيقة أولية ينبغي الانطلاق منها والتشبّع بها قبل أي مواجهة فكرية مع الإلحاد. هذه الحقيقة هي أنّ القرآن الكريم قد حوى بين دفتيه ما يحتاجه الإنسان في كل عصر من أسباب الهداية.
تحميل

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل

هذا الكتاب من أهم الكتب التي فسَّرت متشابه القرآن، ويعتبر أهم مؤلَّفات ابن الزبير رحمه الله الذي كثيرًا ما يعتمد عند تفسيره على القراءات المختلفة، وعلى أسباب النزول.
تحميل

الانتصار للقرآن

كتاب فيه الحديث عن القرآن الكريم من حيث نزوله، وثبوته، ودقة عبارته، وجزالة ألفاظه، وتواتر نقله، كما تناول الباقلاني رحمه الله أيضًا بحوثًا في علوم القرآن الكريم أوفاها حقَّها؛
تحميل

القرآن المحفوظ بين التاريخ والإلحاد

لقد تعهد الله عز وجل بحفظ كتابه: "إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافظون"، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات ولم يكن القرآن أو الذكر مجموعاً كله في كتاب أو بين دفتين، فالحفظ إذن لما جُمع، لما أجمعت عليه الأمة
تحميل

النَّبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن

– تكمن أهمية الكتاب في أن مؤلفه استطاع أن يثبت بالأدلة العقلية والتاريخية والحالية بأن القرآن كلام الله، وأنه يستحيل أن يكون مكذوبا أو مختلقا أو محرفا.  – وهو بحق من أبدع ما كتبه المعاصرون، ومن أقوى ما يؤسس القناعة بصدق القرآن ومن أشد ما يبدد الشكوك حول مصدره وصدقه.
تحميل

تفسير القرآن بالسريانية دسائس وأكاذيب

تفسير القرآن بالسريانية دسائس وأكاذيب
تحميل

كشف أكاذيب القسيس زكريا بطرس وأمثاله حول القرآن الكريم

كشف أكاذيب القسيس زكريا بطرس وأمثاله حول القرآن الكريم
تحميل

غلبت الروم - واقع الإعجاز وحفيفة العجز

يقدم لنا دراسة نقدية عن نبؤة سورة الروم تاريخيا وجغرافيا توضح صدق تنبؤ القرىن الكريم بغلبة الروم في بضع سنين، ودقة وصف القرآن لمناطق المعارك بأنها " أدنى الأرض"، ويعرض لنا المؤلف في هذا البحث الموجز الكثير من الاعتراضات المثارة حول هذا الباب ويفندها ويرد عليها من الناحية التاريخية والعقلية والنقلية كذلك.
تحميل

المرئيات

تشغيل الفيديو

أسرار من تحت الكبري

تشغيل الفيديو

الإلحاد والحوار القرآني

تشغيل الفيديو

قصص واقعية

تشغيل الفيديو

دراهم يوسف… هل تشكيك في مصداقية القرآن؟

تشغيل الفيديو

سريانية القرآن الكريم حقيقة أم أكذوبة

تشغيل الفيديو

تأويلات شحرور لنصوص القرآن الكريم… 

تشغيل الفيديو

أوهام شحرور في مفردات القرآن

تشغيل الفيديو

نفي الترادف بين الكتاب والقرآن

تشغيل الفيديو

محمد شحرور يحل محرمات في نص القرآن الكريم!

تشغيل الفيديو

خيانة علمية وأوهام وتعقيد في تأويلات القراءة المعاصرة لشحرور

تشغيل الفيديو

هل القرآن كتاب هداية أم علم؟

تشغيل الفيديو

هل القرآن تأليف بشري؟

تشغيل الفيديو

كيف يستطيع العالم أجمع الاستفادة من الإسلام والقرآن؟

تشغيل الفيديو

قصة المصحف الشريف من الغار حتى الطباعة

تشغيل الفيديو

من فسّر القرآن؟

تشغيل الفيديو

العلم والقرآن، هل يتعارضان!؟

تشغيل الفيديو

ما معنى أن آية السيف نسخت ما قبلها ؟

تشغيل الفيديو

المعرفة بين نظرة القرءان والنظرة العلموية

تشغيل الفيديو

ثنائية الشُبهات والشهوات في القرآن

تشغيل الفيديو

رسائل القرآن

تشغيل الفيديو

قصة الإسلام

تشغيل الفيديو

سلامة القرآن من التحريف

تشغيل الفيديو

الأدلة العقلية في القرآن

تشغيل الفيديو

الربوبية والكمال الإلهي

تشغيل الفيديو

بطلان تعدد الأرباب

تشغيل الفيديو

خمسة أصول قرآنية في نقض الشبهات الفكرية

تشغيل الفيديو

حوار القرآن مع أهل الكتاب

تشغيل الفيديو

سمات الأدلة الشرعية

تشغيل الفيديو

كيف تحاور ملحدًا بالقرآن؟

تشغيل الفيديو

محاضرة بيان البيان

تشغيل الفيديو

نظرية المعرفة .. نظرة قرآنية

تشغيل الفيديو

سلطان القرآن في مقابل الجدل الكلامي

تشغيل الفيديو

آيات في كتاب الله

تشغيل الفيديو

هل تعدد القراءات القرآنية من جنس تحريف كتب أهل الكتاب ؟

تشغيل الفيديو

هل تعدد القراءات القرآنية يشير إلى وقوع التحريف ؟

تشغيل الفيديو

جواب شبهة عن قوله تعالى {ومن كل شيء خلقنا زوجين}

المقالات

ادعاء اشتمال القرآن الكريم على كلام زائد لا معنى له

مضمون الشبهة:

ادعى المشككون أنه قد جاء في فواتح بعض سور القرآن الكريم ألفاظ لا معنى لها؛ فمثلا قوله )طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1)( (النمل)** ليس بمعجز ولا هو بالمبين كما يفهم من الآية، بل بالعكس هو شيء مبهم، فأين البيان فيه؟! ويزعمون أن فواتح السور المسماة ب “الحروف المقطعة” ليست من القرآن، وأنها رموز لمجموعات الصحف، التي كانت عند المسلمين الأولين قبل أن يوجد المصحف العثماني؛ فمثلا: حرف الميم كان يرمز لصحف المغيرة، والنون لصحف عثمان، والصاد لصحف سعد بن أبي وقاص، والهاء لصحف أبي هريرة رضي الله عنهم… وهكذا1.

ويقولون: إن الحروف المقطعة في القرآن قد أخذها عثمان رضي الله عنه من كلمات كان المسيحيون يستخدمونها باعتبارها لغة سرية للفرار من بطش الرومان بهم، وهذه الكلمات هي: “أبجد هوز حطي كلمن”.

وجوه إبطال الشبهة:

قال المفسرون في فواتح السور أقوالا؛ أهمها: أنها حروف إعجاز وبيان، إن المتأمل للقرآن الكريم يجد فيه من البلاغة، وحسن النظم، وروعة البيان والأسلوب ما يأخذ بالألباب، ويستحوذ على المسامع والقلوب، ومن ذلك أن فواتح تسع وعشرين سورة في القرآن جاءت حروفا مقطعة، من أمثلة ذلك: “الم، المر، المص، ص، ق، كهيعص…”، وقد جاءت هذه الحروف المقطعة لتعجز العرب، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، واللسان والبيان، ولكن المشككين ادعوا أنه يحتوى على كلام زائد لا معنى له، وقد رد عليهم المفسرون والعلماء قولهم هذا بوجوه عدة؛ من أهمها:

1) إن الآية الكريمة “طس” تنطق هكذا: “طا سين”؛ لأنها حروف، والرسول – صلى الله عليه وسلم – كان أميا لا يعرف أسماء الحروف، فهي إذن دليل على أن القرآن من عند الله، لا من عند محمد صلى الله عليه وسلم.

2) إن أكثر السور المبدوءة بالفواتح نزلت في المرحلة التي بلغ فيها عتو المشركين أقصى المدى، فواجههم القرآن بالتحدي أن يأتوا بسورة من مثلة.

3)  للعلماء آراء وتوجيهات في هذه الحروف وتقديمها، ومقتضى هذه التوجيهات أن في ذلك حكمة بالغة وبلاغة باهرة وفصاحة كاملة.

التفصيل:

أولا. إن “طس” تنطق هكذا “طا سين”؛ لأنهما أسماء حروف، وفرق بين اسم الحرف ومسماه، فكل من الأمي والمتعلم يتكلم بحروف، يقول مثلا: كتب محمد الدرس، فإن طلبت من الأمي أن يتهجى هذه الحروف لا يستطيع؛ لأنه لا يعرف اسم الحرف، وإن كان ينطق بمسماه، وأما المتعلم فيقول: كاف تاء باء، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان أميا لا يعرف أسماء الحروف.

لذلك كانت مسألة توقيفية، فالحروف “الم” نطقنا بها في أول البقرة بأسماء الحروف “ألف لام ميم”، أما في أول الانشراح فقلنا )ألم نشرح لك صدرك (1)( (الشرح) بنطق أصوات الحروف نفسها[1].

ولو كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يعرف القراءة والكتابة لكان من الطبيعي أن ينطق بأسماء الحروف، فإذا جاء بها وهو أمي دل ذلك على أن هذا إعجاز من الله عز وجل[2].

ثانيا. إن أكثر السور المبدوءة بالفواتح “الحروف المقطعة” نزلت في المرحلة التي بلغ فيها عتو المشركين أقصى المدى، وأفحشوا في حمل الوحي على الافتراء، والسحر، والشعر، والكهانة، فواجههم القرآن بالتحدي وأعجزهم مجتمعين ومن ظاهرهم من الجن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، أو حتى بسورة واحدة مثله، ما داموا يزعمون أن محمدا افتراه وتقوله، فعجزوا جميعا أن يأتوا بسورة من مثله، مع أنه كتاب عربي؛ ألفاظه من لغتهم، وحروفه هي حروف معجمهم، تلك الحروف التي تقرأ مقطعة، مفردة أو مركبة فلا تعطى دلالة ما، لكنها حين تأخذ مكانها في القرآن الكريم يتجلى سرها وسحرها البياني، والبلاغي المعجز[3].

ثالثا. للعلماء آراء وتوجيهات في هذه الحروف وتقديمها، ومن أهم هذه التوجيهات الآتي:

أنها حروف يتألف منها اسم الله الأعظم، ورووا عن سعيد بن جبير أنها أسماء الله تعالى مقطعة، لو عرف الناس تأليفها تعلموا اسم الله الأعظم، قال ابن عباس: إلا أنا لا نعرف تأليفه منها.

أنها اسم ملك من ملائكته تعالى، أو نبي من أنبيائه.

أنها دوال على أسماء الله الحسنى، أو مفاتيح لها، فما من حرف منها إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله تعالى، فالكاف من الكريم، أو الكبير، والهاء من الهادي، والعين من العزيز أو العليم أو العلي، والصاد من الصمد أو المصور، والألف من الله، والراء من الرحمن…، ونحو ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن قوله تعالى: (آلم): أنا الله أعلم، وفي (الـمص): أنا الله أفصل، وفي (الر) أنا الله أرى.

أنها أسماء للسور التي افتتحت بها، وقال الزمخشري. “وعليه – أي على هذا الوجه – إطباق الأكثر، ولا يعنى هذا عنده أنها أسماء السور حقيقة، بل هي التسمية بما افتتحت به واستهلت، ونظيره قولهم: فلان يروي “قفا نبك، عفت الديار”، وقول القائل: قرأت من القرآن “الحمد لله”، و ” براءة” وقريب من قول من قال: إن الفواتح من أسماء القرآن، كـ “الفرقان”.

أنها أصوات للتنبيه كما في النداء، عمد إليها القرآن؛ ليكون في غرابتها ما يثير الالتفات، وقد تركوا ما ألفوا من ألفاظ التنبيه إلى ما لم يألفوا؛ لأنه لا يشبه كلام البشر، ولكي يكون أبلغ في قرع الأسماع، ثم اختلفوا فيمن يكون المقصود بهذا التنبيه، فأبو حيان يرى أنها تنبيه للمشركين إلزاما لهم بالحجة لسماع القرآن، على حين يتجه بها الرازي إلى تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم لا المشركين.

أنها من حروف حساب الجمل، أو ما يسمونه “حساب أبي جاد”، ويعنون به الأبجدية: “أبجد هوز حطي كلمن”، واتجهوا بدلالة الأعداد فيها إلى مدة الملة، أو مدة الأمم السابقة أو مدة الدنيا.

أنها تشير إلى غلبة مجيئها في كلمات هذه السورة، فكل سورة بدئت بالحروف المفردة، فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له.

أنها سر من مكنون علمه تعالى، وجاء عن أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – عنه أنه قال: “في كتاب الله سر، وسر الله في القرآن في الحروف التي في أوائل السور”[4].

الأسرار البلاغية وأوجه الإعجاز في هذه الحروف المقطعة:

القرآن كتاب معجز، وأوجه الإعجاز فيه أكثر من أن يحصيها إنسان، ومن ذلك ما قد تنبه السلف إلى أن مجموع هذه الحروف المفردة التي جاءت في القرآن بغير المكرر منها، أربعة عشر حرفا هي نصف الحروف العربية، كما أطال بعضهم النظر في هذه الحروف، وكان ما آثار انتباههم أن ها نصف الحروف الهجائية، على أي وجه من الوجوه التي اصطلح عليها علماء اللغة بعد نزول القرآن بزمن طويل، ففيها خمسة مهموسة، وعدد المهموس من العربية عشرة، وفيها كذلك نصف الحروف المجهورة، وفيها ثلاثة من حروف الحلق هي: نصف الحروف الحلقية، كما أن فيها نصف الحروف غير الحلقية، وفيها نصف الحروف الشديدة، ونصف الحروف الرخوة، وفيها حرفان من الأحرف الأربعة المطبقة، ونصف الحروف الأخرى، المنفتحة غير المطبقة، وفيها الحروف المستعلية، ونصف الحروف المنخفضة، وقد ذهب قوم منهم الباقلاني إلى أن مجيء هذه الحروف على حد التصنيف مما تواضع عليه العلماء بعد العهد الطويل، هو من دلائل الإعجاز من حيث لا يجوز أن يقع هكذا إلا من الله عز وجل؛ لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب، وإن يكن في موضع آخر قد عدها معنى من معاني إعجاز القرآن ببديع نظمه وعجيب تأليفه وتناهيه في البلاغة[5].

بهذا الإعجاز يبطل القول بأن هذه الحروف لا معنى لها أو أنها من كلمات كان يستخدمها المسيحيون لغة سرية للفرار من بطش الرومان، أو أنها رموز لصحف بعض الصحابة.

(*) الفكر الاستشراقي: تاريخه وتقويمه، د. محمد الدسوقي، دار الوفاء، مصر، ط1، 1415 هـ/ 1995م. الاستشراق والقرآن العظيم، د. محمد خليفة، دار الاعتصام، القاهرة، ط1، 1994م. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م. موسوعة القرآن العظيم، عبد المنعم الحنفي، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2004م. مناهل العرفان، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، 1417هـ/ 1996م. موقع أقباط مصر المتحدة، عزت أنداروس.

تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1991م، ج17، ص10727.

تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1991م، ج1، ص103 بتصرف.

[3]. الإعجاز البياني للقرآن الكريم، د. عائشة عبد الرحمن، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1984م، ط2، ص180.

[4]. الإعجاز البياني للقرآن الكريم، د. عائشة عبد الرحمن، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1984م، ص143: 150 بتصرف.

[5]. إعجاز القرآن، الباقلاني، إعداد: ممدوح حسني محمد، دار الأمين، القاهرة، ط1، 1414هـ/ 1993م، ص58: 62.

المصدر

ادعاء اضطراب القرآن الكريم في استخدام الضمائر

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن في القرآن الكريم اضطرابا في استخدام الضمائر، ويستدلون على ذلك بقوله عز وجل: )إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9)( (الفتح)؛ حيث يرون أن في الآية اضطرابا في استخدام الضمير من وجهين: الأول: في قوله: “أرسلناك” الذي خاطب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم عدل إلى مخاطبة المؤمنين في قوله: “لتؤمنوا”. الثاني: أن الضمير المنصوب في “تعزروه” و “توقروه” عائد على الرسول المذكور آخرا، وفي “تسبحوه” عائد على لفظ الجلالة المذكور أولا رغم تأخره. ويقولون: فإن كان القول: “تعزروه وتوقروه وتسبحوه” عائدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يعد كفرا؛ لأن التسبيح لا يكون إلا لله فقط، وإن كان عائدا على الله، فإن هذا يعد كفرا أيضا؛ لأن الله – عز وجل – لا يحتاج لمن يعزره ويقويه**.

وجوه إبطال الشبهة:

الأصل في اللغة أن يعود الضمير على اسم قبله متقدم عليه لفظا ورتبة، وإن تعددت الأسماء، وتعددت الضمائر العائدة عليها، ويجب أن تعود الضمائر مرتبة حسب ترتيب الأسماء، وقد خالفت الآية في وهم بعضهم ذلك الترتيب في قوله تعالى: )لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9)( (الفتح)؛ وذلك في العدول عن مخاطبة الرسول – صلى الله عليه وسلم – في “أرسلناك” إلى مخاطبة المؤمنين في “لتؤمنوا”، ثم في عدم مراعاة الترتيب بين الضمائر، بحسب الترتيب بين الأسماء وتقدم الضمير في “تعزروه”، و “توقروه” على الضمير في “تسبحوه” يخالف ترتيب بين لفظ الجلالة “الله” و “رسوله”.

وهذا التوهم مدفوع ومردود عليه من وجوه:

1)  العدول عن مخاطبة النبي – صلى الله عليه وسلم – في قوله: )أرسلناك( إلى مخاطبة المؤمنين في قوله: )لتؤمنوا( من أساليب الالتفات في الخطاب، وهو أسلوب معروف في لغة العرب، وأشعارهم، ولم يبتدعه القرآن الكريم.

2)  لا حرج في عود الضمائر في )وتعزروه وتوقروه وتسبحوه( جميعا على الله؛ لأن من معاني التعزير والتوقير: النصرة والتعظيم، ومن ثم فلا اضطراب في عود الضمائر في هذه الآية الكريمة على لفظ الجلالة.

3)  إن بعض الضمائر في الآية يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها يعود على الله عز وجل، ولا يوجد في ذلك أي اضطراب؛ لأن السياق يوضح مرجعية كل ضمير على صاحبه.

التفصيل:

أولا. إن العدول عن مخاطبة النبي – صلى الله عليه وسلم – والتي جاءت في قوله: )أرسلناك( إلى مخاطبة المؤمنين في قوله: )لتؤمنوا( من أساليب الالتفات في الخطاب، وأسلوب الالتفات من الأساليب المعروفة في كلام العرب، و الالتفات فن عريق من فنون البلاغة العربية، طرقه الشعراء في الجاهلية، وشاع في كلامهم، ووردت منه نماذج كثيرة في القرآن الكريم، وفي أحاديث خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وأسراره لا تحصر، ودلالته لا تنضب، وكفاه فضلا أنه يروح عن مشاعر السامعين، وينتقل بهم من لون إلى لون في معرض جذاب لا يقدره حق قدره، إلا من رزق حسن الفهم، والقدرة على التذوق لمرامي الكلام[1].

والالتفات في رأى الزمخشري يحقق فائدتين:

فائدة عامة: وهي إمتاع المتلقي وجذب انتباهه بتلك التحولات التي لا يتوقعها في نسق التعبير.

فائدة خاصة: تتمثل فيما تشعه كل صورة من تلك الصور في موقعها من السياق الذي ترد فيه، من إيحاءات، ودلالات خاصة[2]. وقد كثر ورود هذا الفن في أشعار العرب، مثل قول النابغة الذبياني:

يا دار مية بالعلياء فالسند

أقوت وطال عليها سالف الأمد

فقد عدل من “الخطاب” إلى “الغيبة” في هذا البيت، وهو جائز في اللغة، بل هو من مظاهر البلاغة العربية، والشواهد كثيرة في أشعار العرب على ذلك، ومن ثم فإن العدول عن ضمير الخطاب المفرد في “أرسلناك” إلى ضمير الخطاب الجمع في قوله “لتؤمنوا بالله”، هو من أسلوب الالتفات المعروف لدى العرب.

ومن ثم فلا يوجد أي اضطراب في استخدام الضمائر في الآيتين كما يتوهمون؛ لأن أسلوب الالتفات هو الأنسب لمعنى الآيتين ولأن الإرسال خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، بينما التكليف بالإيمان له ولسائر المخاطبين ممن يبلغهم القرآن الكريم. فأين هذا الاضطراب المزعوم في استخدام الضمائر في هاتين الآيتين؟!

ثانيا. إن المتأمل في استخدام الضمائر في قوله: )وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا( لا يجد أي مانع لغوي أو شرعي في عودة الضمائر كلها على الله عز وجل، بل إن ظاهر الآية – والذي قال به كثير من المفسرين – يفيد ذلك؛ لأن التعزير في اللغة هو التعظيم والتفخيم، يقول القرطبي: “وتعزروه”، أي: تعظموه وتفخموه، قاله الحسن والكلبي. وقال قتادة: تنصروه، وقال بعض أهل اللغة: تطيعوه[3]، أما قوله: “وتوقروه” فهو التعظيــم. ومنــه قــول نـوح لقومـه: )مـا لكـم لا ترجــون لله وقارا (13)( (نوح)، أي: تعظيما له، وذكر الطبري في تفسيره أن قوله: )وتعزروه وتوقروه( بمعنى: تجلوه وتعظموه، وعن ابن عباس: “وتعزروه” يعني: الإجلال، “وتوقروه” يعني: التعظيم، وروى ابن وهب: قال ابن زيد في قوله: )وتعزروه وتوقروه( قال: الطاعة لله، وهذه الأقوال متقاربة المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها، ومعنى “التعزير” في هذا الموضع: التقوية بالنصرة والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال.

ومن ثم فلا نرى أي غضاضة في عودة الضمائر في قوله: )وتعزروه وتوقروه( على الله عز وجل، فلا يعد هذا كفرا – كما يزعم هؤلاء – ولا منقصة في حق الله تعالى؛ لأن معناهما هو الإجلال والتعظيم، كما ذكرنا.

ولا شك أن الضمير في قوله: )وتسبحوه( عائد على الله عز وجل؛ لأن التسبيح معناه: تنزيهه سبحانه من كل قبيح، أو هو الصلاة التي فيها التسبيح، ولا يكون ذلك إلا لله عز وجل، ومن ثم فإن القول بأن في القرآن اضطرابا في استخدام الضمائر، هو قول أبعد ما يكون عن الصحة؛ لأن كل الضمائر في هذه الآية يجوز أن تكون عائدة على

الله عز وجل.

ثالثا. إن القول بعودة بعض الضمائر على النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها على الله – عز وجل – في قوله: )وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا( ليس فيه أي اضطراب في استخدام الضمائر كما يدعي هؤلاء؛ لأن السياق في الآية الكريمة يوضح مرجعية كل ضمير على صاحبه، ولا شك أن السياق يسهم إسهاما هاما في نصوص العربية، فلا بد من مراعاته من جانب المتلقي؛ للوصول إلى الفهم الصحيح للنص، والمتأمل في هذه الآية الكريمة تتضح له أهمية مراعاة السياق في تحديد عودة الضمائر؛ فلا شك أن الضمائر في )وتعزروه وتوقروه( عائدة على النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا كان المعنى التقوية والنصرة، أو كما قال القرطبي: أي: تدعوه بالرسالة والنبوة، لا بالاسم والكنية، أو ما قاله ابن عباس وعكرمة: تقاتلون معه بالسيف[4]، أما الضمير في “وتسبحوه” فلا شك أنه عائد على الله عز وجل؛ لأن التسبيح لا يكون إلا لله، وهذا معلوم بالبديهة، وعلى هذا فلا يوجد لبس ولا اضطراب في معنى هذه الآية الكريمة، ولا في استخدام الضمائر فيها لدلالة السياق عليها.

الأسرار البلاغية:

إن قوله: )إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8)( (الفتح)، استئناف ابتدائي، وتأكيده بحرف التأكيد “إن” للاهتمام بما سيخبر عنه، وهو إرسال محمد – صلى الله عليه وسلم – وكونه شاهدا ومبشرا ونذيرا.

أما السر من تقدم البشارة على النذارة؛ فلأن النبي – صلى الله عليه وسلم – غلب عليه التبشير؛ لأنه رحمة للعالمين؛ ولكثرة عدد المؤمنين في أمته.

أما قوله: “نذيرا” ولم يقل: “منذرا”؛ فلأن الإنذار هو إخبار بحلول حادث مسيء، أو قرب حلوله، فناسب ذلك أن يأتي بلفظ يدل على المبالغة في التحذير والإنذار، وللإيماء إلى تحقيق ما أنذرهم حتى كأنه قد حل بهم، وكأن المخبر عنه مخبر عن أمر قد وقع، وهذا لا يؤديه إلا اسم النذير[5]، هذا وقد شمل اسم النذير جوامع ما في الشريعة من النواهي والعقوبات.

أما قوله: )إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8)( (الفتح) فنجد أنه قد التفت من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطاب المؤمنين، والالتفات – كما ذكرنا – من الأساليب البلاغية عند العرب، وفائدته هي الترويح عن مشاعر السامعين، والانتقال بهم من لون إلى لون في معرض جذاب.

أما قوله: )بكرة وأصيلا( فهما كناية عن استيعاب الأوقات بالتسبيح، والإكثار منه، كما يقال: شرقا وغربا؛ لاستيعاب الجهات، وقيل: التسبيح هنا: كناية عن الصلوات الواجبة[6].

(*) عصمة القرآن وجهالات المبشرين، إبراهيم عوض، مكتبة زهراء الشرق، مصر، 2004م. الأخطاء اللغوية في القرآن، إبراهيم عوض، مكتبة زهراء الشرق، مصر، د. ت.

[1]. حقائق القرآن وأباطيل خصومه: شبهات وردود، عبد العظيم المطعني، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر، 1423هـ/ 2002م، ص137.

[2]. أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية، د. حسن طبل، دار الفكر العربي، القاهرة، 1998م، ص26.

[3]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج16، ص266 بتصرف يسير.

[4]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ص267 بتصرف يسير.

[5]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج11، ج22، ص53 بتصرف.

[6]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج12، ج26، ص156.

المصدر

ادعاء اضطراب القرآن الكريم في المطابقة بين المبتدأ والخبر في النوع

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن القرآن الكريم لم يراع المطابقة بين المبتدأ وخبره؛ فأخبر بالمذكر عن المؤنث، وهذا يخالف قواعد اللغة التي توجب المطابقة بين المبتدأ والخبر في التذكير والتأنيث، ويستدلون على ذلك بقوله عز وجل: )إن رحمت الله قريب من المحسنين (56)( (الأعراف)، وقوله عز وجل: )وما يدريك لعل الساعة قريب (17)( (الشورى)، فكلمة “قريب” في الآيتين خبر لـ “إن” و “لعل” على الترتيب، وقد جاءت مذكرة مع أنها خبر لمبتدأ مؤنث، والصواب في ظنهم أن يقال: “إن رحمة الله قريبة”، ويقال: “لعل الساعة قريبة” بتأنيث الخبر**.

وجوه إبطال الشبهة:

الأصل في الخبر المفرد أن يوافق المبتدأ ويطابقه في النوع – التذكير أو التأنيث – والعدد – الإفراد أو التثنية أو الجمع – كما في: “إن الشجرة مثمرة”، فقد توافق الخبر “مثمرة” مع المبتدأ اسم إن “الشجرة” في أمرين هما: النوع والعدد، وبتطبيق هذه القاعدة على الآيتين الكريمتين قد يتصور بالنظرة العجلى أن بالآيتين مخالفة للقاعدة اللغوية المشروحة؛ حيث يظن أن الخبر فيهما – وهو كلمة قريب – قد خالف المبتدأ – اسم إن “رحمة” في الآية الأولى، واسم لعل “الساعة” في الآية الثانية – في النوع، والأولى في زعمهم أن يقال: “إن رحمت الله قريبة”، و “لعل الساعة قريبة”؛ حتى يتم الاتفاق في النوع، ومن هنا توهم بعض المغالطين أن القرآن الكريم به أخطاء لغوية، ومثلوا بهاتين الآيتين, وللغويين والبلاغيين وجوه في توجيه هذه المخالفة وإزالة هذا اللبس؛ منها:

1) أن لفظة “قريب” تأتي للدلالة على قرابة النسب، أو قرب المسافة. فـإن وردت بمعنى قرابة النسب تؤنث بلاخلاف، أما إن دلت على قرب المسافة – كما في الآيتين – فيجوز فيها التذكير والتأنيث.

2)  أن “قريب” صيغة مبالغة على وزن “فعيل” وهي تأتي على ضربين:

أحدهما: بمعنى فاعل؛ كقدير، وسميع، وعليم.

والآخر: بمعنى مفعول؛ كقتيل، وجريح، وكحيل.

فإذا أتت بمعنى “فاعل”، فحقها إلحاق تاء التأنيث مع المؤنث دون المذكر؛ كجميل وجميلة، وشريف وشريفة، وصبيح وصبيحة، وصبي وصبية، ومليح ومليحة، وطويل وطويلة.. ونحو ذلك.

وإذا أتت بمعنى “مفعول” فلا تخرج عن حالين:

إما أن تكون الصفة مصاحبة للموصوف، أو منفردة عنها؛ فإن كانت الصفة مصاحبة للموصوف استوى فيها المذكر والمؤنث؛ تقول: رجل قتيل، وامرأة قتيل، ورجل جريح، وامرأة جريح.

وإن لم تكن الصفة مصاحبة للموصوف فإنها تؤنث إذا جرت على المؤنث؛ نحو قتيلة بني فلان. وهذا المسلك هو أقوى مسالك النحاة في توجيه الآية.

3)  أننا لو تتبعنا المبتدأ وخبره في الآيتين لوجدنا أن كلا منهما يجوز فيه التذكير والتأنيث:

فالمبتدأ اسم إن “رحمة”، واسم لعل “الساعة” من قبيل المؤنث المجازي لا الحقيقي، ومعلوم في الاستعمال اللغوي أن المؤنث المجازي يجوز تأنيث خبره وصفته على حد سواء.

أما الخبر “قريب” فهو من الألفاظ التي يستوي فيها التذكير والتأنيث، ومهما يكن فالمطابقة بين المبتدأ وخبره في الآيتين جائزة.

4)  أننا لو أمعنا النظر في تأويل المبتدأ وخبره، لتبين لنا مطابقة أحدهما للآخر بما ينفي توهم المخالفة بينهما:

فقد يكون المبتدأ في الآية الأولى “رحمة”: على تأويل الترحم، وفي الآية الثانية “الساعة”: على تأويل البعث؛ وكلاهما يصح الإخبار عنه بالمذكر “قريب”.

وقد يكون خبر المبتدأ مذكرا محذوفا تقديره “شيء” أو “أمر”، و “قريب” صفته، والتقدير: “إن رحمة الله شيء أو أمر قريب”، و “لعل الساعة أمر أو شيء قريب”.

5) أن من الوجوه التي أثبتها أهل العلم: أن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر؛ لكونه تبعا له، ومعنى من معانيه؛ فإذا ذكر أغنى عن ذكره، لأنه يفهم منه. والاستغناء عادة عربية.

وقريب من هذا ما ذكره ابن القيم، قال: “إن الرحمة صفة من صفات الرب تبارك وتعالى، والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه؛ فالرب تبارك وتعالى قريب من المحسنين، ورحمته قريبة منهم، وقربه يستلزم قرب رحمته. ففي حذف التاء ههنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة. ولو قال: إن رحمة الله قريبة من المحسنين، لم يدل على قربه تعالى منهم؛ لأن قربه تعالى أخص من قرب رحمته، والأعم لا يستلزم الأخص. فلا تستهن بهذا المسلك، فإن له شأنا، وهو متضمن لسر بديع من أسرار الكتاب”.

التفصيل:

قبل أن نجيب عن هذه الشبهة، من المفيد أن نقول في البداية: إن كلمة “رحمت” في الآية التي بين أيدينا، قد كتبت بالتاء المفتوحة في المصحف الشريف، لا بالتاء المربوطة، كما هي في الكتابة الإملائية المعتادة؛ وتعليل ذلك: أنها هكذا رسمت في المصحف العثماني.

إذا تبين هذا، نشرع في الإجابة عن هذه الشبهة، فنقول: إن للعلماء توجيهات عديدة في الإجابة عن هذه الشبهة، بيد أننا نقتصر هنا على أقوى التوجيهات، وأقومها رشدا، وأقصدها سبيلا، فمن تلك التوجيهات قولهم:

أولا. تأتي لفظة “قريب” للدلالة على قرابة النسب، أو قرب المسافة. فإن وردت بمعنى قرابة النسب تؤنث بلا خلاف، أما إن دلت على قرب المسافة ماديا أو معنويا – كما في الآيتين – فيجوز فيها التذكير والتأنيث.

فالعرب تفرق بين كلمة “قريب” إذا كان المراد بها قرابة النسب، أو المراد بها قرب المسافة، فتؤنث إذا كانت تدل على قرابة النسب أو أخبرت عن مؤنث حقيقي التأنيث. أما إذا كانت بمعنى المسافة المكانية أو الزمانية، فإنه يجوز فيها الوجهان: التذكير والتأنيث؛ لأنها قائمة مقام المكان والزمان، فنقول: فلانة قريبة وقريب، والتقدير هي في مكان قريب، ودليل ذلك من لغة العرب قول الشاعر عروة بن حزام:

عشية لا عفراء منك قريبة

فتدنو ولا عفراء منك بعيد

فقد جمع الشاعر بين الوجهين؛ التأنيث والتذكير، مع أن الموصوف مؤنث؛ لأن قريب و بعيد أريد بهما قرب المكان وبعده[1].

ولو نظرنا للآيتين الكريمتين: )إن رحمت الله قريب من المحسنين (56)( (الأعراف: ٥٦)، )وما يدريك لعل الساعة قريب (17)( (الشورى)، نجد أن المراد قرب الزمان، والعرب – كما أسلفنا – تجيز فيه الوجهين: التأنيث والتذكير. ولامرئ القيس – وهو من شعراء الجاهلية، وشعره حجة في إثبات اللغة – بيت نحا فيه هذا المنحى، يقول:

له الويل إن أمسى ولا أم هاشم

قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا

والشاهد من البيت تذكير “قريب” مع جريانه على مؤنث هو: أم هاشم وهو نظير قريب[2]، في الآيتين؛ وعليه فليس ثمة مخالفة بين المبتدأ وخبره في التذكير والتأنيث كما يتوهمون.

ثانيا. إن “قريب” على وزن “فعيل” وهي تأتي على ضربين:

أحدهما: أن تأتي بمعنى فاعل؛ كقدير، وسميع، وعليم.

والآخر: أن تأتي بمعنى مفعول؛ كقتيل، وجريح، وكحيل.

فإذا أتت بمعنى “فاعل” فحقها إلحاق تاء التأنيث مع المؤنث دون المذكر؛ كجميل وجميلة، وشريف وشريفة، وصبيح وصبيحة، وصبي وصبية، ومليح ومليحة، وطويل وطويلة.. ونحو ذلك.

وإذا أتت بمعنى “مفعول” فلا تخرج عن حالين: إما أن تكون الصفة مصاحبة للموصوف، أو منفردة عنها؛ فإن كانت الصفة مصاحبة للموصوف، استوى فيها المذكر والمؤنث؛ تقول: رجل قتيل، وامرأة قتيل، ورجل جريح، وامرأة جريح؛ وإن لم تكن الصفة مصاحبة للموصوف، فإنها تؤنث إذا جرت على المؤنث؛ نحو قتيلة بني فلان. وهذا المسلك هو من أقوى مسالك النحاة في توجيه الآية. وقد تكون على وزن “فعيل”: بمعنى المصدر، والمصدر على هذا الوزن يلتزم فيه التذكير، وإن جاء خبرا لمؤنث.

وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، وحق المصدر التذكير؛ كقوله: )فمن جاءه موعظة( (البقرة: ٢٧٥). وهذا قريب من قول الزجاج؛ لأن الموعظة بمعنى الوعظ.

ومن ثم فإن كلمة “قريب” في الآيتين، مصدر استعمل استعمال الأسماء مثل: النقيق، وهو صوت الضفدع، والضغيب، وهو صوت الأرنب، لهذا جاز أن يأتي مذكرا بالرغم من أنه خبر لمؤنث[3]، وأيا ما كان معنى صيغة اللفظة فقد ثبت فيها لزوم التذكير: إن كانت بمعنى المصدر أو كانت بمعنى المفعول، وعليه فكلمة “قريب” التي في سورة الأعراف ليس المراد منها أن رحمة الله هي التي تقرب من المحسنين؛ فإن الرحمة هي المقروبة، والإحسان هو الذي يقرب إليها”[4].

ثالثا. إننا لو تتبعنا حكم المبتدأ وخبره في الآيتين لوجدنا أنه مما يجوز فيه التذكير والتأنيث: فالمبتدأ أو اسم إن “رحمة”، واسم لعل “الساعة” من قبيل المؤنث المجازي لا الحقيقي، ومعلوم في الاستعمال اللغوي أن المؤنث المجازي يجوز تأنيث خبره وصفته على حد سواء.

ويرى بعض العلماء أن السر في تذكير كلمة “قريب” في الآيتين، أنها تخبر عن مؤنث مجازي لا حقيقي، فكلمة “رحمة” في سورة الأعراف، وكذلك كلمة “الساعة ” في سورة الشورى مؤنثتان تأنيثا مجازيا لا حقيقيا؛ وعليه فهما مما يجيز فيهما الاستعمال اللغوي تأنيث الخبر والصفة، وتذكيرهما على حد سواء، وهذا – كما يقول الحلبي تلميذ أبي حيان، وهما من الأئمة الأعلام في النحو – يجيء على مذهب ابن كيسان في الشعر، وفي النثر كذلك[5].

أما الخبر “قريب” فهو من الألفاظ التي يستوي فيها التذكير والتأنيث.

ولقد نزل القرآن بلغة العرب، وعند العرب ألفاظ يستوي فيها التذكير والتأنيث؛ فقد جاء استخدام القرآن للألفاظ على غرار استخدام العرب لها، ومن الألفاظ التي تستخدم للمذكر والمؤنث: صبور، معطاء، فنقول: رجل صبور، وامرأة صبور، ولا نقول: صبورة، ونقول: رجل معطار؛ أي يكثر من استخدام العطر، وكذلك امرأة معطار؛ للدلالة على المعنى ذاته، ولا نقول: امرأة معطارة.

وقد سمحت اللغة بذلك لحكم وعلة؛ فنحن حين نقول: رجل صبور، أو امرأة صبور: نذكرها لأن الصبر يقتضي الجلد والعزم والشدة، فالتذكير أبلغ وأقوى في الدلالة؛ لذلك لا نقول: امرأة صبورة.

وكذلك حينما نتأمل كلمة “قريب” في الآيتين نجدها جاءت على صيغة “فعيل” التي يستوي فيها المذكر والمؤنث، ومنها قوله تعالى: )والملائكة بعد ذلك ظهير (4)( (التحريم)، فالملائكة لفظها: مؤنث، ولم يقل الحق عز وجل: ظهيرة؛ لأن ظهير يعني: معين، والمعونة تتطلب القوة، والعزم، والمدد[6].

رابعا. هناك احتمالات وتأويلات قائمة في الآيتين تنفي عنهما توهم المخالفة، منها:

أنه يجوز تذكير كلمة “قريب” في قوله تعالى: )إن رحمت الله قريب من المحسنين (56)( (الأعراف)، على تأويل الرحمة بالرحم، أو الترحم كما ذكر الزمخشري، وأولها آخرون على الإحسان أو الغفران، وقال الأخفش: الرحمة هنا المطر.

أمـا في سـورة الشـورى: )وما يدريـك لعـل الساعـة قريـب (17)( (الشورى) فقد أولوا الساعة بالبعث أو الحشر، وكلاهما مذكر؛ ومن ثم فلا وجه للخطأ في تذكير كلمة “قريب” في الآيتين.

وقد ذكر بعض العلماء أن كلمة “قريب” في الآيتين صفة لخبر مذكر محذوف، تقديره في آية الأعراف: “إن رحمة الله شيء – أو أمر – قريب”، وفي سورة الشورى تقديره: “لعل الساعة أمر – أو وقت أو واقع – قريب”، ودليل تقدير هذا المحذوف في الآيتين هو تذكير “قريب”[7].

خامسا. ثمة توجيه آخر للآية حاصله: أن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر لكونه تبعا له، ومعنى من معانيه؛ فإذا ذكر أغنى عن ذكره؛ لأنه يفهم منه. ومنه على أحد الوجوه قوله تعالى: )إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4)( (الشعراء)، فاستغنى عن خبر “الأعناق” بالخبر عن أصحابها. ومنه أيضا قوله تعالى: )والله ورسوله أحق أن يرضوه( (التوبة: ٦٢)، فالمعنى عليه: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك. فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله؛ إذ إرضاؤه هو إرضاء لرسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يقل: يرضوهما. فعلى هذا يكون الأصل في الآية: “إن الله قريب من المحسنين”، و “إن رحمة الله قريبة من المحسنين”، فاستغني بخبر المحذوف عن خبر الموجود، وسوغ ذلك ظهور المعنى.

وقريب من هذا ما ذكره ابن القيم – رحمه الله – في “بدائع الفوائد” بعد كلام نقله عن بعض العلماء في قوله تعالى: )إن رحمت الله قريب من المحسنين (56)( (الأعراف)؛ فعلى هذا يكون الأصل في الآية: “إن الله قريب من المحسنين”، “وإن رحمة الله قريبة من المحسنين”، قلت: ففي الآية ما يشبه الاحتباك [8]، فاستغني بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ذلك ظهور المعنى.

والذي ينبغي أن يعبر عنه به: أن الرحمة صفة من صفات الرب تبارك وتعالى، والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه؛ لأن الصفة لا تفارق موصوفها، فإذا كانت”قريبة” من المحسنين فالموصوف تبارك وتعالى أولى بالقرب منه، بل قرب رحمته تبع لقربه – هو تبارك وتعالى – من المحسنين.

فالرب عز وجل “قريب” من المحسنين ورحمته “قريبة” منهم، وقربه يستلزم قرب رحمته؛ ففي حذف التاء ههنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة، وأن الله تعالى قريب من المحسنين، وذلك يستلزم القربين؛ قربه وقرب رحمته، ولو قال: إن رحمة الله “قريبة” من المحسنين؛ لم يدل على قربه تعالى منهم؛ لأن قربه تعالى أخص من قرب رحمته، والأعم لا يسلتزم الأخص بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص استلزم الأعم، وهو قرب رحمته.

قال ابن القيم: فلا تستهن بهذا المسلك فإن له شأنا وهو متضمن لسر بديع من أسرار الكتاب.

وإذا كان المعنيان متلازمين صح إيراد كل واحد منهما، فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين من التحريض على الإحسان، واستدعائه من النفوس، وترغيبها فيه غاية حظ.

فكان في العدول عن “قريبة” إلى “قريب” من استدعاء الإحسان، وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلف بعده إلا من غلبت عليه شقاوته، ولا قوة إلا بالله تعالى.

وبعد هذه المطارحة، فلا وجه لما توهم في الآيتين من خطأ.

الأسرار البلاغية في الآيتين الكريمتين:

في قولـه ـ عز وجل ـ: )ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها( (الأعراف: ٥6) مجاز مرسل علاقته الكلية؛ حيث ذكر الكل – الأرض – وأراد الجزء الذي هو مكان إفسادهم، والسر في ذلك تفظيع الفساد؛ لأنه وإن كان في جزء معين من الأرض، إلا أنه بمنزلة الإفساد في الأرض كلها؛ لأنه تشويه لمجموعها[9].

قوله عز وجل: )بعد إصلاحها( دليل على أن الله – عز وجل – قد خلق الأرض من أول أمرها على صلاح، وهذا يبين إكرام الله للإنسان، فقد أصلح له الأرض، ثم استخلفه فيها، وكذلك التصريح بالبعدية هنا )بعد إصلاحها( تسجيل لفظاعة الإفساد؛ لأنه إفساد لما هو نافع، فلا معذرة لفاعله، ولا مسوغ لفعله عند أهل الأرض.

وقوله )إن رحمت الله قريب من المحسنين (56)( (الأعراف): جملة واقعة موقع التفريع عن جملة “وادعوه”؛ فلذلك قرنت بـ “إن” الدالة على التوكيد؛ وهو لمجرد الاهتمام بالخبر، إذ ليس المخاطبون بمترددين في مضمون الخبر، ومن شأن “إن” إذا جاءت على هذا الوجه أن تفيد التعليل، وربط مضمون جملتها بمضمون الجملة التي قبلها؛ فتغني عن فاء التفريع؛ ولذلك فصلت الجملة عن التي قبلها، فلم تعطف؛ لإغناء “إن” عن العاطف.

دل قوله عز وجل: )قريب من المحسنين( على مقدر في الكلام، أي: وأحسنوا؛ لأنهم إذا دعوا خوفا وطمعا، فقد تهيئوا لنبذ ما يوجب الخوف، واكتساب ما يوجب الطمع، ويتحقق ذلك بالإحسان في العمل، ويلزم من الإحسان ترك السيئات، فلا جرم أن تكون رحمة الله قريبا منهم، وسكت عن ضد المحسنين رفقا بالمؤمنين، وتعريضا بأنهم لا يظن بهم أن يسيئوا فتبعد الرحمة عنهم[10].

 أما قوله – عز وجل – في سورة الشورى: )الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17)( (الشورى) ففيه الكثير من الوجوه والأسرار البيانية، منها:

قوله عز وجل: )الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان(: تمهيد لقوله: )وما يدريك لعل الساعة قريب(، وهو يؤذن بمقدر يقتضيه المعنى، تقديره: فجعل الجزاء للسائرين على الحق، والناكبين عنه في يوم الساعة، فلا محيص للعباد عن لقاء الجزاء )وما يدريك لعل الساعة قريب(، وهذه الجملة موقعها من الآية السابقة لها: )والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيـب لـه حجتهـم داحضـة عنـد ربهـم وعليهـم غضـب ولهـم عـذاب شديـد (16)( (الشورى)، موقع الدليل، والدليل من ضروب البيان؛ ولذلك فصلت الجملة عن التي قبلها؛ لشدة اتصال معناها بمعنى الأخرى.

“الميزان” هنا مستعار للعدل والهدى، بقرينة قوله: “أنزل”، فإن الدين هو المنزل، والدين يدعو إلى العدل والإنصاف، فشبه الدين بالميزان في تساوي رجحان كفتيه.

كلمة “وما يدريك” جارية مجري المثل، والكاف منها خطاب لغير معين بمعنى: قد تدري، أي: قد يدري الداري، وسر استعمال “ما” الاستفهامية: التنبيه والتهيئة، و “يدريك” من الدراية بمعني العلم، وقد علق الفعل “يدري” عن العمل بحرف الترجي “لعل”.

فإن قيل: لكن لـم قال تعالي: “وما يدريك” ولم يقل: “وما أدراك”؟! كان الجواب كما قال ابن عباس: لأن كل ما يأتي من الكلام بعد الفعل “ما أدراك” فقد أعلمه الله به، أي: بينه له نحو: )وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11)( (القارعة)، وكل ما جاء فيه وما يدريك لم يعلمه به، أي: لم يعقبه بما يبين إبهامه، نحو: )وما يدريك لعل الساعة قريب(، ولعل معنى هذا الكلام: أن الاستعمال خص كل صيغة من هاتين الصيغتين بهذا الاستعمال[11].

وبعد هذا البيان الشافي، وهذا العرض لبعض الأسرار البلاغية في الآيتين الكريمتين، يتبين لنا مدى دقة القرآن الكريم في استخدام التراكيب والألفاظ، مما يبطل حجة من يتوهم أي خطأ في لغة القرآن الكريم.

(*) عصمة القرآن وجهالات المبشرين، إبراهيم عوض، مكتبة زهراء الشرق، مصر، 2004م. الرد على كتاب “أخطاء إلهية في القرآن الكريم”، مجمع البحوث الإسلامية، دار السعادة للطباعة، مصر، 2003م. رد مفتريات على الإسلام، عبد الجليل شلبي، دار القلم، الكويت، ط1، 1402هـ/ 1982م. www.ebnmareyam.com. www.islameyat.com

[1]. معاني القرآن، الفراء، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط2، 1980م، ج1، ص380.

[2]. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م، ص188.

[3]. انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطابع النصر الحديثة، الرياض، 1954م، ج4، ص313. الكشاف، الزمخشري، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، د. ت، ج2، ص83.

[4]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1991م، ج7، ص4182.

[5]. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م، ص187. إعراب القرآن الكريم وبيانه، محيي الدين الدرويش، دار الإرشاد، دمشق، 1408هـ/ 1988م، ج2، ص371.

[6]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1991م، ج7، ص4181.

[7]. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م، ص187 بتصرف يسير.

[8]. الاحتباك لغة: من الحبك، ومعناه: الشد والإحكام، وتحسين أثر الصنعة في الثوب. واصطلاحا: أن يؤتى بكلامين في النص، في كل منهما متضادان، أو متشابهان، أو متناظران، أو منفيان، أو يشترك نوع منهما في نص واحد، فيحذف من أحد الكلامين كلمة أو جملة؛ إيجازا، ثم يأتي ما يدل على المحذوف الثاني، ويحذف من الثاني كلمة أو جملة أيضا قد أتى ما يدل عليها في الأول، فيكون باقي كل منهما دليلا على ما حذف من الآخر، فيكمل كل جزء الجزء الآخر ويتممه، ويفيده من غير إخلال في النظم ولا تكلف.

[9]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج5، ج9، ص174 بتصرف يسير.

[10]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، ص176، 177.

[11]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج6، ج12، ص68.

المصدر

ادعاء أن القرآن الكريم أقر أزلية المسيح

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن الكريم أقر أزلية المسيح – عليه السلام – ويستدلون خطأ على زعمهم بقوله سبحانه وتعالى: )إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم( (آل عمران: 45)، قائلين: إن القرآن شهد للمسيح بأنه كلمة الله، وبما أن الله له صفة القدم، فإن كلمة الله قديمة، ونتيجة لذلك يكون عيسى – عليه السلام – أزليا.

وجها إبطال الشبهة:

1) الأزلي هو الذي لا أول لوجوده، ولا يكون إلا ذاتا وهو الله – سبحانه وتعالى – وما عداه فهو حادث له أول، وبهذا يتضح مفهوم الأزلية، وأنه لا ينطبق على أحد من الخلق.

2)  إن المراد بلفظ )بكلمة( يقع على خمسة أوجه هي:

المراد بالكلمة كلمة التكوين، لا كلمة الوحي.

لفظ “الكلمة” أطلق على المسيح – عليه السلام – لمزيد إيضاحه لكلام الله الذي حرفه اليهود حتى أخرجوه عن وجهه.

لفظ “الكلمة” أطلق على المسيح للإشارة إلى بشارة الأنبياء به.

المراد “بالكلمة” كلمة البشارة.

المراد “بالكلمة” الآية.

التفصيل:

أولا. الأزلي هو الذي لا أول لوجوده ولا يكون إلا ذاتا وهو الله – سبحانه وتعالى – وما عداه حادث له أول:

إن كل موجود يسأل عمن أوجده، فهو حادث، ومن أوجده إما أن يكون أزليا أو حادثا، فإن كان حادثا فهو يسأل أيضا عمن أوجده، وهكذا تنتهي سلسلة المحدثات بنا إلى موجود واحد ليس قبله موجود وهو الله – عز وجل – فالأزلي هو الله وحده، وصفاته أزلية؛ لأنه لا يكون إلها حقا إلا بتحققه بصفاته، والصفات لا تتحول إلى ذوات، كما زعموا تحول الكلمة إلى المسيح، وزاد بعضهم الأمر جهلا على جهل حينما زعموا أن عيسى – عليه السلام – كلام الله، وليس فقط كلمته، فخالفوا كتابهم المحرف، ومن على دينهم، وأضافوا إلى باطلهم باطلا! كيف يكون عيسى كلام الله؟ هل يقصدون أن الإنجيل هو عيسى – عليه السلام – مثلا؟!

 ثانيا. المراد بلفظ ” كلمة ” يقع على خمسة أوجه هي:

أن الكلمة هي كلمة التكوين لا كلمة الوحي؛ ذلك أنه لما كان أمر الخلق والتكوين وكيفية صدوره عن الباري – عز وجل – مما يعلو على عقول البشر، فقد عبر عنه – سبحانه وتعالى – بقوله: )إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82)( (يس)، فكلمة “كن” هي كلمة التكوين وهنا يقال: إن كل شيء قد خلق بكلمة التكوين، وخص المسيح – عليه السلام – بإطلاق الكلمة عليه؛ لأن الأشياء تنسب في العادة والعرف عند البشر إلى أسبابها، ولما فقد في تكوين المسيح تلقيح ماء الرجل لما في الرحم من البويضات التي يتكون منها الجنين، أضيف هذا التكوين إلى كلمة الله؛ لأن الله أكمل هذه الحلقة المفقودة في عملية خلق المسيح – عليه السلام – بقوله: )كن( فكان.

لفظ “الكلمة” أطلق على المسيح – عليه السلام – لمزيد إيضاحه لكلام الله الذي حرفه اليهود حتى أخرجوه عن وجهه، وجعلوا الدين ماديا محضا، قاله الرازي، وجعل من قبيل ذلك وصف الناس للسلطان العادل بظل الله ونوره؛ لأنه سبب لظهور ظل العدل، ونور الإحسان، قال: فكذلك كان عيسى سببا لظهور كلام الله – عز وجل – بسبب كثرة بياناته له، وإزالة الشبهات والتحريفات عنه.

لفظ “الكلمة” أطلق على المسيح – عليه السلام – للإشارة إلى بشارة الأنبياء به. فقد عرف بكلمة الله، أي: بوحيه إلى أنبيائه، والكلمة تطلق على الكلام، كقوله سبحانه وتعالى: )ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171)( (الصافات).

المراد بالكلمة “كلمة البشارة” فقوله: )بكلمة منه( أي: بخبر عنده أو بشارة، وهو كقول القائل: ألقى إلى فلان بكلمة سرني بها، أي: أخبرني خبرا فرحت به، قاله ابن جرير، واستشهد له بقوله سبحانه وتعالى: )وكلمته ألقاها إلى مريم( (النساء: ١٧١) أي: بشرى إلى مريم بعيسى – عليه السلام – ألقاها إليها[1]، قال القرطبي: وقيل: “كلمته” إشارة الله تعالى لمريم – عليها السلام – ورسالته إليها على لسان جبريل – عليه السلام – وذلك قوله: )إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه( (آل عمران: 45).

قيل: الكلمة هاهنا بمعنى الآية، قال الله سبحانه وتعالى: )وصدقت بكلمات ربها( (التحريم:١٢) و )ما نفدت كلمات الله( (لقمان: ٢٧)، وكان لعيسى – عليه السلام – أربعة أسماء: المسيح، وعيسى، وكلمة، وروح، وقيل غير هذا مما ليس في القرآن، ومعنى: )ألقاها إلى مريم( أمر بها مريم[2].

وذهب بعضهم إلى أن “عيسى” سمي كلمة الله – عز وجل – من حيث إنه صار نبيا، كما سمي النبي – صلى الله عليه وسلم – رسولا، وعلى كل فليس إطلاق “كلمة” على المسيح يعد إطلاقا حقيقيا، فالكلمة لا تتجسد لتكون كائنا حيا، وهذا الكائن يكون إلها – كما يزعمون – حل في بطن مخلوق، فكيف تكون الكلمة الأزلية متصفة بصفات الحوادث؛ من حلوله في بطن مخلوق، وكونها محاطة بجدران الرحم، ودخول وخروج من الرحم، وغير ذلك من الصفات الخاصة بالحوادث، والتي لا تصلح صفات للقديم ولا للأزلي.

الخلاصة:

الأزلي لا أول لوجوده ولا يكون إلا ذاتا غير محدثة، وعيسى – عليه السلام – لا يصح أن نقول: إنه ذات أزلية؛ لأنه كلمة الله فهو محدث من جهة، ومن جهة أخرى الكلمة صفة، والصفات لا تتحول إلى ذوات.

مجيء الضمير في الآية )اسمه المسيح عيسى ابن مريم(في “اسمه” مذكرا لا مؤنثا “اسمها”؛ لأنه يدل على مسمى الكلمة – وهو عيسى – لا لفظ الكلمة.

المراد بـ “الكلمة” كلمة التكوين لا كلمة الوحي، وخص المسيح بإطلاق الكلمة عليه لما فقد في حلقة تكوينه من تلقيح ماء الرجل لما في الرحم، فأضيف هذا التكوين إلى كلمة الله؛ لأن الله – سبحانه وتعالى – أكمل بكلمة منه الحلقة المفقودة في مراحل خلق عيسى عليه السلام.

(*) موقع الكلمة. مواجهة صريحة بين الإسلام وخصومه، د. عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة، مصر، 1426 هـ/ 2005م. نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، د. أحمد علي عجيبة، دار الآفاق العربية، القاهرة، د. ت.

[1]. تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار الفكر، بيروت، د. ت، ج3، ص250.

[2]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج6، ص222.

المصدر

ادعاء أن القرآن الكريم يقرر ألوهية المسيح عليه السلام

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن الكريم يقرر أن المسيح إله، ويستدلون على ذلك بقوله – سبحانه وتعالى – عن المسيح: )وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه( (النساء: 171)، وقوله – سبحانه وتعالى – حكاية عن عيسى عليه السلام: )أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم( (آل عمران: 49)، فيستدلون بالآية الأولى على أن المسيح ابن الله، والآية الثانية على أنه يشارك الله – سبحانه وتعالى – بصفات منها: صفة الخلق وإحياء الموتى وعلم الغيب، كما يزعم هؤلاء أن المسيح – عليه السلام – قال عن نفسه: أنا ابن الله، وأن الإسلام لا ينكر عقيدة المسيحيين في ألوهية المسيح، مستدلين على ذلك بما جاء في تفسير أبي السعود من قول السدي: إن أم يحيى قابلت أم عيسى، ثم قالت لها: إن ما في بطني – يحيى عليه السلام – يسجد لما في بطنك – عيسى عليه السلام – والسجود لا يكون إلا لإله. وهم بهذا التقول على القرآن الكريم وعلى علماء المسلمين يهدفون إلى إثبات الألوهية للمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام.

وجوه إبطال الشبهة:

1)  الكلمة في هذه الآية: )إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه( (النساء: 171) هي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وليست شيئا خارجا عن ذاته، أو قد تكون هي أمر التكوين أي قوله: )كن(، ومن هنا صح إطلاق الكلمة على عيسى – عليه السلام – من باب إطلاق المصدر على المفعول في اللغة العربية.

2)  الله – سبحانه وتعالى – هو الذي أوجد المعجزات وأظهرها على يد عيسى – عليه السلام – تأييدا وتصديقا له في نبوته ورسالته.

3)  لم يثبت عن المسيح – عليه السلام – أنه قال عن نفسه: إنه ابن الله، بل إن فريقا من النصارى هم الذين زعموا ذلك، ولا يوجد عند النصارى شهادة صريحة على لسان المسيح تؤيد ألوهيته، بل على النقيض من ذلك يوجد الكثير من الدلائل على بشريته.

4)  حوار النبي – صلى الله عليه وسلم – مع نصارى نجران، حول طبيعة المسيح أثبت عقلا، ونقلا بشرية المسيح وعدم ألوهيته.

5)  ما نسب إلى السدي – على فرض صحة نسبته إليه – ليس حجة على الإسلام؛ لأنه لم يرد في القرآن الكريم، أو السنة المطهرة ما يؤيده، والسجود هنا بمعنى التقدير والاحترام، وليس سجود العبادة كما فهم المتوهمون.

التفصيل:

أولا. الفهم الصحيح لمعنى الكلمة في الآية:

لتفنيد هذه الشبهة لا بد من تفصيل القول في جزأين رئيسين في الآية التي معنا، الجزء الأول قوله سبحانه وتعالى: )وكلمته ألقاها إلى مريم(، والجزء الثاني قوله سبحانه وتعالى: )وروح منه(، ولنبدأ بالجزء الأول، فنقول:

إن “كلمة الله” مركبة من جزأين: مضاف “كلمة”، ومضاف إليه “الله”، وإذا كان الأمر كذلك، فإما أن نقول: إن كل مضاف لله – عز وجل – هو صفة من صفاته، أو نقول: إن كل مضاف لله – عز وجل – ليس صفة من صفاته، وبعبارة أخرى، إما أن نقول: إن كل مضاف لله مخلوق، أو إن كل مضاف لله غير مخلوق، وإذا قلنا: إن كل مضاف لله صفة من صفاته وهو غير مخلوق؛ فإنا سنصطدم بآيات في القرآن، وكذلك بنصوص في الإنجيل، يضاف فيها الشيء إلى الله، وهو ليس صفة من صفاته، بل هو مخلوق من مخلوقاته.

كما في قوله سبحانه وتعالى: )ناقة الله( (الأعراف: ٧٣) وكما نقول: بيت الله، وأرض الله وغير ذلك، وإذا عكسنا القضية، وقلنا: إن كل مضاف لله مخلوق؛ فإننا كذلك سنصطدم بآيات ونصوص أخرى، كما نقول: علم الله، وحياة الله، وقدرة الله. إذن لا بد من التفريق بين ما يضاف إلى الله؛ فإذا كان ما يضاف إلى الله شيئا منفصلا قائما بنفسه، كالناقة، والبيت، والأرض فهو مخلوق، وإذا كان ما يضاف إلى الله شيئا غير منفصل، أي: صفة من صفاته، فيكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، ومن البدهي أن يكون هذا غير مخلوق، إذ الصفة تابعة للموصوف ولا تقوم إلا به، فلا تستقل بنفسها بحال.

أما الجزء الثاني، فهو “كلمة الله”، وهي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فـ”الكلمة” هي صفة الله تعالى، وليست شيئا خارجا عن ذاته حتى يقال: إن المسيح هو الكلمة، أو يقال: إنه جوهر خلق بنفسه كما يزعم النصارى.

فخلاصة هذا الوجه أن “كلمة الله” صفة من صفاته وكلامه كذلك، وإذا كان الكلام صفة من صفاته فليس شيئا منفصلا عنه، لما تقرر آنفا من أن الصفة لا تقوم بنفسها، بل لا بد لها من موصوف تقوم به، وأيضا فإن “كلمة الله” ليست – بداهة – جوهرا مستقلا، فضلا عن أن تتجسد في صورة المسيح كما يزعم النصارى.

إن أبي المغرضون ما سبق، وقالوا: بل المسيح هو “الكلمة” وهو الرب، وهو خالق وليس بمخلوق، إذ كيف تكون الكلمة مخلوقة؟ فالجواب: إذا سلمنا بأن المسيح هو “الكلمة” وهو الخالق، فكيف يليق بالخالق أن يلقي إلى مخلوق (السيدة مريم)، إن الخالق حقيقة لا يلقيه شيء، بل هو يلقي غيره.

فلو كان خالقا ما ألقي، ولما قال الله: )وكلمته ألقاها( (النساء: ١٧١) أي: المسيح عيسى، ومن ثم كان لزاما علينا أن نبين المراد بكلمة الله الواردة في الآية موضوع النقاش: )وكلمته ألقاها إلى مريم(، والجواب على ذلك أن نقول: إن المراد من “كلمة الله” يشتمل على معنيين كلاهما صحيح، ولا يعارض أحدهما الآخر:

المعنى الأول: أن قوله: “وكلمته” الكلمة هنا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، ومعنى الآية على هذا: أن كلمة الله – التي هي صفته – ألقاها إلى مريم – عليها السلام – لتحمل بعيسى – عليه السلام – وهذه الكلمة هي الأمر الكوني الذي يخلق الله به مخلوقاته وهي كلمة “كن”؛ ولهذا قال تعالى في خلق آدم عليه السلام: )إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59)( (آل عمران) فكما أن آدم خلق بكلمة “كن”، فكذلك خلق عيسى، فـ “الكلمة” التي ألقاها الله إلى مريم هي كلمة “كن”، وعيسى خلق بهذه “الكلمة” وليس هو “الكلمة” نفسها. 0

المعنى الثاني: أن قوله “كلمته” هو من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فـ”الكلمة” هنا عيسى – عليه السلام – وهو مخلوق؛ لأنه منفصل، وقد بينا سابقا أن إضافة الشيء القائم بذاته إلى الله، هو من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فيكون المراد بـ “الكلمة” هنا عيسى وأضافه الله إلى نفسه تشريفا له وتكريما. فإن قلتم: كيف يسمي الله – عز وجل – عيسى “كلمة”، والكلمة صفة الله؟ فالجواب: أنه ليس المراد هنا الصفة، بل هذا من باب إطلاق المصدر، وإرادة المفعول نفسه، كما نقول: هذا خلق الله، ونعني: هذا مخلوق الله؛ لأن خلق الله نفسه فعل من أفعاله، لكن المراد هنا المفعول، أي المخلوق، ومثل قولنا: أتى أمر الله، يعني المأمور به، أي ما أمر الله به، وليس نفس الأمر، فإن الأمر فعل من الله تعالى.

والمعنى الثاني للآية راجع عند التحقيق إلى المعنى الأول؛ فإننا إذا قلنا: إن عيسى “كلمة الله” بمعنى أنه نتيجة “الكلمة”، ومخلوق بـ “الكلمة”، فهذا يدل على “الكلمة” أساسا، وهو فعل الله، ويدل على عيسى – عليه السلام – وهو الذي خلق بـ “الكلمة”.

فحاصل هذا الجزء من الآية أن “كلمة الله” تعالى التي ألقاها إلى مريم هي أمر التكوين، أي قوله )كن(، فكان عيسى – عليه السلام – ومن هنا صح إطلاق الكلمة على عيسى – عليه السلام – من باب إطلاق المصدر على المفعول، وكما يسمى المعلوم علما، والمقدور قدرة والمأمور أمرا، فكذلك يسمى المخلوق بالكلمة كلمة.

هذا جواب ما يتعلق بالجزء الأول من الآية، أما الجزء الثاني، وهو قوله سبحانه وتعالى: )وروح منه( فليس فيه أيضا دلالة على ألوهية المسيح أو بنوته لله، فضلا عن أن يكون فيه أي دليل لما يدعيه النصارى عن طبيعة عيسى – عليه السلام – وبيان ذلك فيما يلي:

أن قول الله سبحانه وتعالى: )وروح منه( ليس فيه ما يدل على أن عيسى جزء من الله تعالى، أو أن جزءا من الله تعالى قد حل في عيسى، وغاية ما في الأمر هنا أننا أمام احتمالين لا ثالث لهما: فإما أن نقول: إن هذه “الروح” مخلوقة، وإما أن نقول: إنها غير مخلوقة؛ فإذا كانت الروح مخلوقة، فإما أن يكون خلقها الله في ذاته، ثم انفصلت عنه، ولهذا قال عنها: “منه”، أو خلقها الله في الخارج؛ فإذا كانت هذه الروح غير مخلوقة فكيف يصح عقلا أن تنفصل عن الله تعالى لتتجسد في شخص بشري؟ وهل هذا إلا طعن في الربوبية نفسها، لتجويز التجزؤ والتبعض على الخالق – عز وجل – وإذا كانت الروح مخلوقة، وخلقها الله في ذاته، ثم انفصلت عنه، فهذا معناه تجويز إحداث الحوادث المخلوقة المربوبة في ذات الإله سبحانه، وهذا عين الإلحاد والزندقة، أما إذا كانت الروح مخلوقة، وخلقها الله في الخارج، فهذا يدل على أن الله – عز وجل – خلق الروح ونفخها في مريم، ليكون بعد ذلك تمام خلق عيسى – عليه السلام – ومولده.

هذا هو عيسى في التصور الصحيح، أما ما سوى ذلك فهو مجرد ترهات تأباها الفطر السليمة، فضلا عن العقول المستقيمة.

ما دمتم تقرون أنه ليس ثمة أحد يحمل صفات الألوهية، أو البنوة لله – عز وجل – إلا المسيح – عليه السلام – وتستدلون على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: )وروح منه(، فحينئذ يلزمكم أن تقولوا: إن آدم – عليه السلام – أحق بالبنوة من عيسى، حيث قال الله في آدم: )فإذا سويته ونفخت فيه من روحي( (الحجر: ٢٩)، ولا شك أن القول بهذا حجة عليكم لا لكم، فإذا كان قوله سبحانه وتعالى: )من روحي(في حق آدم معناه الروح المخلوقة، وأن هذه الروح ليست صفة لله – عز وجل – فهي كذلك في حق عيسى؛ إذ اللفظ واحد، بل إن الإعجاز في خلق آدم بلا أب ولا أم أعظم من الإعجاز في خلق عيسى بأم بلا أب، وحسب قولكم يكون آدم حينئذ أحق بالبنوة والألوهية من عيسى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ولو سلمنا بأن الروح في الآية هو جزء من الإله، فهذا يقتضي أن يكون في الإله أقنومان – حسب اعتقاد النصارى – أقنوم الكلمة، وأقنوم الروح، وفي هذا تناقض في موقف النصارى؛ إذ إنهم لا يقولون إلا بأقنوم “الكلمة”، ولا يقولون بأقنوم “الروح”.

لو كان معنى “منه” أي: جزء من الله، لكانت السماوات والأرض وكل مخلوق من مخلوقات الله جزءا من الله، ألم يقل الله سبحانه وتعالى: )وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه( (الجاثية: ١٣)، وقال عن آدم: )ونفخت فيه من روحي(، وقال سبحانه وتعالى: )وما بكم من نعمة فمن الله( (النحل: ٥٣)، إن معنى “منه” وفق السياق القرآني، أي: منه إيجادا وخلقا، فـ “من” في الآية لابتداء الغاية، وليس المعنى أن تلك الروح جزء من الله تعالى.

وبعد ما تقدم نقول: إن القرآن الكريم في هذا الموضع وفي غيره، يقرر بشرية المسيح – عليه السلام – وأنه عبد الله ورسوله، وأنه ليس له من صفة الألوهية شيء، وقد قال الله – عز وجل – في نفس الآية نفسها: )إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله( (النساء: 171)، فهو ابن مريم وليس ابن الله، وهو رسول الله وليس هو الله، وقال سبحانه وتعالى: )لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم( (المائدة: 72)، وقال سبحانه وتعالى: )لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة( (المائدة: 73)[1].

فهل بعد هذا الاستدلال العقلي؛ والبيان القرآني يبقى متمسك بشبهات أوهى من بيت العنكبوت؟ أو يلصق بالقرآن ما ليس منه؟

ثانيا. إن الله – سبحانه وتعالى – هو الذي أوجد المعجزات وأظهرها على يد عيسى – عليه السلام – تأييدا وتصديقا له في نبوته ورسالته:

إن الاستدلال على ألوهية المسيح بالمعجزات التي جسدت على يديه باطل؛ فعيسى – عليه السلام – لم يوجد هذه المعجزات، وإنما الله – عز وجل – هو الذي أوجدها وأظهرها على يديه، وعيسى – عليه السلام – لما نفخ في الأموات، أو ناداهم كما أمره الله، فكان عقب هذا أن أحياهم الله – عز وجل – فنسب الإحياء إلى عيسى على اعتبار أنه باشر أسبابه بأمر الله، وهذه معجزة دلت على صدقه في نبوته ورسالته؛ ولذلك صدر الحديث عن هذه المعجزات بقوله – سبحانه وتعالى – على لسانه: )أني قد جئتكم بآية من ربكم( (آل عمران: ٤٩).

وإننا إذ نتحدث عن معجزات عيسى – عليه السلام – يجب أن نلاحظ شيئا مهما، هو أن الله – سبحانه وتعالى – أكد على نسبة الإرادة لله تعالى – بإذن الله – رغم أن عيسى – عليه السلام – رسول مؤيد من الله، فقال الله سبحانه وتعالى – على لسان عيسى عليه السلام: )ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49)( (آل عمران).

ذلك أن الله – سبحانه وتعالى – قد احتفظ بسر خلقه لنفسه، ولم يعطه لعبد من عباده، ومن هنا كان لزاما أن تأتي كلمة “بإذن الله” بمعنى أن الخلق يتم لا بمعجزة ذاتية ولكن بإذن الله – سبحانه وتعالى – ثم تمضي السورة: )وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله( ذلك أن الشافي هو الله – سبحانه وتعالى – وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا كانت هذه المعجزات إعلانا من الله وهو الفاعل لا يشرك أحدا معه في ذلك، وإذا كانت هذه المعجزات قد تمت على يد رسول؛ فإنها تتم بإذن الله، فإنه هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يشفي من المرض.

فعيسى – عليه السلام – من أنبياء الله ورسله الذين أيدهم الله بالمعجزات وإحياء الموتى، والله لم يجر المعجزات على يد عيسى – عليه السلام – وحده، ولكنه أجراها على يد غيره من الأنبياء كذلك، فلو كان ذلك دليلا على ألوهية عيسى؛ لكان – كذلك – دليلا على ألوهية كل من ظهر على يديه إحياء الموتى.

ولقد ظهر إحياء الموتى على يد موسى – عليه السلام – عندما احتكم إليه المختصمون من قومه في شأن القتيل؛ قال سبحانه وتعالى: )وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها( (البقرة: ٧٢)، وأحيا الله – عز وجل – على يد إبراهيم – عليه السلام – الطير بعد أن ذبحها وقطعها، وخلطها، وجعل على كل جبل منهن جزءا، قال سبحانه وتعالى: )وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260)( (البقرة).

فإن قالوا: استدللنا على كون المسيح إلها؛ لأنه أحيا الموتى، ولا يحيي الموتى إلا الله، قلنا لهم: فاجعلوا موسى إلها آخر؛ فقد أحيا بإذن الله السبعين الذين ماتوا من قومه، وأتى من ذلك بشيء لم يأت المسيح بنظيره، ولا ما يقاربه، فقد جعل العصا حيوانا عظيما – ثعبانا – فهذا أبلغ وأعجب من إعادة الحياة إلى جسم كانت فيه أولا.

فإن قلتم – أيها النصارى -: جعلناه إلها للعجائب التي ظهرت على يديه، قلنا: إن عجائب موسى أعجب وأعجب، وهذا إيلياء النبي بارك على دقيق العجوز، ودهنها فلم ينفد ما في جرابها من الدقيق، وما في قارورتها من الدهن سبع سنين.

وإن جعلتموه إلها؛ لكونه أطعم من الأرغفة اليسيرة آلافا من الناس، فهذا موسى قد أطعم أمته أربعين سنة من المن والسلوى، وهذا محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – قد أطعم العسكر كله من زاد يسير جدا حتى شبعوا وملئوا، وسقاهم كلهم من ماء يسير لا يملأ اليد حتى ملئوا كل سقاء في العسكر، وهذا منقول عنه بالتواتر، فهل قال المسلمون بأنه إله؟!

وإن قلتم: جعلناه إلها؛ لأنه كان يعلم الغيب؛ إذ كان ينبئ أصحابه بطعامهم وشرابهم الذي يأكلونه أو يدخرونه في بيوتهم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: )وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم( (آل عمران: ٤٩).

فإننا نقول لكم: إن مصدر علمه بذلك هو الوحي، وقد جرت مثل هذه المعجزة على يدي نبي الله يوسف – عليه السلام – حيث أخبر صاحبه في السجن: )قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي( (يوسف: ٣٧)[2].

كما أن علم عيسى – عليه السلام – لبعض الأمور ليس من ذاته، وليس علما مطلقا بكل غيب، ولكنه بإعلام الله له، وإيحائه إليه، وهو بعض الغيب، وليس كله، فالغيب كله لا يعلمه إلا الله: )قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله( (النمل: ٦٥)، والعلم الذاتي لأي معلوم ليس إلا لله سبحانه وتعالى: )ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء( (الأعراف:١٨٨)، فالله يعلم رسله من الغيب ما يجعله آية لهم على صدقهم، كما قال سبحانه وتعالى: )عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27)( (الجن).

ولو كان عيسى – عليه السلام – إلها لعلم الغيب – كل الغيب – بذاته من غير إعلام الله له، ولعلم يوم القيامة، متى يكون؟ وقد أعلن في الإنجيل أنه لا يعلمها، وأن الله وحده هو الذي يعلمها.

جاء في إنجيل مرقس: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة، فلا يعلم بها أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن إلا الآب، انظروا، اسهروا وصلوا؛ لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت”. (مرقس 13: 32)[3].

فلو كان عيسى – عليه السلام – إلها لعلم الغيب علما ذاتيا، ولعلم موعد الساعة، فما علم بالذات لا يتخلف، لكنه اعترف بعدم علمها، وأنه لا يعلمها إلا الله عز وجل.

إن معجزات عيسى – عليه السلام – مثلها كمثل معجزات غيره من الأنبياء والرسل كناقة صالح، وعدم إحراق النار لإبراهيم، وكونها بردا وسلاما عليه، وعصا موسى، ومعجزة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الخالدة، التي ما زالت تتحدى العالمين، وكل يوم يثبت للعقلاء صدقها وصدق من نقلها، وهي القرآن الكريم.

وخلاصة القول أن غرابة الخوارق التي جرت على يد المسيح لا تجعل منه إلها، بل تجعله آية على قدرة خالقه، كما في قوله سبحانه وتعالى: )ولنجعله آية للناس( (مريم: ٢١).

ثالثا. لم يثبت عن المسيح أنه قال عن نفسه: إنه ابن الله، بل إن فريقا من النصارى هم الذين زعموا ذلك:

إن عقيدة المسلمين في المسيح عيسى ابن مريم – عليه السلام – أنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وقد أمر المسيح – عليه السلام – أتباعه بعبادة الله وحده، وحذرهم من عاقبة الشرك بالله، قال سبحانه وتعالى: )وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72)( (المائدة: ٧٢)، فالمسيح – عليه السلام – لم يقل عن نفسه: إنه ابن الله، بل إن فريقا من النصارى الذين غالوا فيه، ورفعوه عن درجة البشرية إلى درجة الألوهية هم الذين زعموا ذلك، يقول سبحانه وتعالى: )وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30)( (التوبة).

وقد جاء في إنجيل يوحنا على لسان عيسى: “الحق أقول لكم، من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان”. (يوحنا 1: 51)، وكذلك ورد أن عيسى – عليه السلام – يخاطب ربه على أنه الإله الواحد، وأنه رسوله وليس ابن إله ولا إله: “وهذه هي الحياة الأبدية أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته”. (يوحنا: 17: 3).

فإن جعلتموه إلها؛ لأنه ادعى ذلك كما تقولون، فإما أن يكون الأمر كما تقولون عنه، أو يكون كما ادعيتم عليه فهو أخو المسيح الدجال، وليس بمؤمن ولا صادق، فضلا عن أن يكون نبيا كريما، وجزاؤه جهنم وبئس المصير، كما قال سبحانه وتعالى: )ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم( (الأنبياء: ٢٩)، وكل من ادعى الألوهية من دون الله، فهو من أعظم أعداء الله كفرعون، والنمرود، وأمثالهما من أعداء الله، فأخرجتم المسيح عن كرامة الله، ونبوته، ورسالته، وجعلتموه من أعظم أعداء الله، ولهذا كنتم أشد الناس عداوة للمسيح في صورة محب موال!

ومن أعظم ما يعرف به كذب المسيح الدجال، أنه يدعي الألوهية، فيبعث الله عبده ورسوله مسيح الهدى ابن مريم فيقتله، ويظهر للخلائق أنه كان كاذبا، هذا فضلا عن أنه لو كان إلها لم يقتل، فضلا عن أن يصلب، ويسمر ويبصق في وجهه كما زعمتم!

ولو كان المسيح قد أقر بأنه عبد، ونبي، ورسول، كما شهدت بهذا الأناجيل كلها ودل عليه العقل، والفطرة، وشهدتم أنتم له بالألوهية – وهذا هو الواقع – فلم لم تأتوا على ألوهيته ببينة؟ وقد ذكرتم عنه في أناجيلكم في مواضع عديدة ما يصرح بعبوديته، وأنه مربوب مخلوق، وأنه ابن البشر، وأنه لم يزد عن كونه نبيا رسولا، وكنتم بهذا مكذبين له ولكتابكم، وصدقتم من كذب على الله وعليه وحرف في كتابكم!

وها هي نقول من الكتاب المقدس تؤكد على لسان المسيح نفي الألوهية عنه منها:

“أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة؛ لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني”. (يوحنا 5: 30).

“قال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان، فحينئذ تفهمون أني أنا هو، ولست أفعل شيئا من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علمني أبي، والذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الآب وحدي؛ لأني في كل حين أفعل ما يرضيه”. (يوحنا 8: 28).

“فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قد قام فينا نبي عظيم، وافتقد الله شعبه”. (لوقا 7: 16).

“فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم”. (يوحنا 6: 14).

“قال لها يسوع:«لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم:إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم”. (يوحنا 20: 17).

“يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم”. (أعمال الرسل 2: 22).

“ولا تدعوا لكم أبا على الأرض؛ لأن أباكم واحد، الذي في السماوات، ولا تدعوا معلمين؛ لأن معلمكم واحد المسيح”. (متى 23: 9، 10).

“تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال:«أيها الآب، قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضا، إذ أعطيته سلطانا على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته. وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”. (يوحنا 17: 1 – 3).

” إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى”. (مرقس 12: 29، 30).

“ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة: من هذا. فقالت الجموع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل”. (متى 21: 10، 11).

“الحق الحق أقول لكم: إنه ليس عبد أعظم من سيده، ولا رسول أعظم من مرسله”. (يوحنا 13: 16).

“ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله”. (يوحنا 8: 40).

“الله لم يره أحد قط”. (يوحنا 1: 18).

“أبي أعظم مني”. (يوحنا 14: 28).

ومن الواضح أن المقصود بالابن: العبد؛ إذ لو كان المسيح ابن الله، لصار النصارى كلهم أبناء الله، إذ يقول الكتاب المقدس: “إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم”، أو آلهة كما يزعمون، وهذا ما لم يدعه أحد منهم. وهذه النصوص كما أسلفنا صريحة في نفي الألوهية عن المسيح، وتوقع النصارى في التناقض[4].

رابعا. حوار النبي – صلى الله عليه وسلم – مع نصارى نجران، حول طبيعة المسيح أثبت عقلا ونقلا بشرية المسيح وعدم ألوهيته:

لقد رد القرآن على أهل التثليث، وأوضح في رده عليهم أن عيسى – عليه السلام – إنما أتى بعقيدة التوحيد، كما أنكر عيسى نفسه أن يكون إلها، أو أن توصف أمه بالألوهية، ولكن عبد الله ورسوله، وقد حذر قومه من الشرك بالله – عز وجل – ودعاهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، ويدل على ذلك آيات كثيرة من القرآن، منها قوله سبحانه وتعالى: )لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72)( (المائدة). وذكر القرآن أن تأليه عيسى – عليه السلام – ليس إلا نوعا من الغلو، والقول على الله بغير حق، ولذلك يجب العدول عنه: )يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله( (النساء: 171).

ولم يكتف القرآن بالحديث عن بشرية عيسى – عليه السلام – ورسالته، وعبادته لربه، وتنزيهه لله – عز وجل – عن أن يكون له شريك في الألوهية، بل وصفه بصفات هي من صفات البشر، والله يتنزه عن هذه الحاجة وعما يرتبط بها، من جوع وضعف وهزال، وعما يترتب عليها من هضم وتخلص من بقايا الطعام، فالله – عز وجل – يطعم ولا يطعم، وهو الرازق للعباد وهم لا يرزقونه، ويطعمهم من خيره وهم لا يطعمونه، وهو الغني عن العالمين وهم مفتقرون إليه: )ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58)( (الذاريات).

فإذا كان المسيح – عليه السلام – يأكل الطعام، فإن ذلك دليل حاسم على أنه بشر وليس بإله، وقد جاء في السنة النبوية ما يؤيد حجة القرآن ويفصلها، وذلك في جدال الرسول – صلى الله عليه وسلم – لنصارى نجران حول طبيعة المسيح – عليه السلام – فقد أثبتوا له الألوهية؛ لأنه ولد من غير أب، وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: من أبوه؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ فقالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيوم على كل شيء يكلؤه، ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى. قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب الشراب ويحدث الحديث؟ قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ قال: فعرفوا، ثم أبوا إلا جحودا، فأنزل الله عز وجل: )الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2)( (آل عمران)[5].

وقد كان مما جاء في هذه الآيات وصف الله تعالى بأنه الحي القيوم “الحي الذي لا يموت”، وقد مات عيسى وصلب – في قولهم – والقيوم: القائم على مكانه، من سلطانه في خلقه لا يزول، وقد زال عيسى – في قولهم – عن مكانه الذي كان به، وذهب عنه إلى غيره.

وكان مما وصف الله – عز وجل – به نفسه قوله: )هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء( (آل عمران: ٦)، أي: قد كان عيسى ممن صورهم الله في الأرحام، ومثيرو هذه الشبهة لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، فكيف يكون عيسى إلها، وهو بذلك المنزل[6]؟!

خامسا. ما نسب إلى السدي – على فرض صحة نسبته إليه – ليس حجة على الإسلام؛ لأنه لم يرد في القرآن أو السنة المطهرة ما يؤيده، والسجود بمعنى الاحترام والتقدير لا العبادة:

استدل فريق من النصارى على ألوهية المسيح بما جاء في تفسير أبي السعود من قول السدي: إن أم يحيى قابلت أم عيسى ثم قالت لها: إن ما في بطني – يحيى عليه السلام – يسجد لما في بطنك – عيسى عليه السلام – قالوا: السجود لا يكون إلا لإله؟ والحق أننا لا نستطيع أن نجزم بصحة نسبة هذا القول للسدي، ولو صحت نسبته إليه فلا تصح نسبته إلى أم يحيى؛ لأنه من كلام القصاصين.

وعلى فرض صحته، فالمراد بالسجود هنا التقدير والاعتراف بالفضل والنبوة، وليس سجود العبادة. وعلى كل فهذا القول ليس حجة على الإسلام، ما دام لم يرد في القرآن الكريم، ولا في السنة المطهرة، ولا عصمة لأحد بعد الأنبياء – عليهم السلام – وهذا الكلام لا ينهض أمام النصوص القاطعة بأن عيسى – عليه السلام – عبد الله ورسوله، وأن الإله هو الله – عز وجل – وحده دون سواه.

أما الانتقال من هذا الدليل الضعيف إلى الزعم أن علماء المسلمين، ونصوص القرآن تقر بأن المسيح هو الله، فهذا عبث، وكلام مرسل يصطدم بواقع الإسلام وإجماع النصوص من القرآن والسنة. تلك النصوص التي تؤكد دون أدنى شك، أو مواربة أن السيد المسيح إن هو إلا عبد الله ورسوله، وأنه يتبرأ من دعوى تأليه الناس، قال سبحانه وتعالى: )لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا( (المائدة: ١٧). وقال سبحانه وتعالى: )لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73)( (المائدة)[7].

الخلاصة:

لم يفهم النصارى القرآن الكريم، وما عرفوا أن الكلمة في قوله سبحانه وتعالى: )وكلمته ألقاها إلى مريم( هي )كن( أي: بكلمة الله كان عيسى – عليه السلام – وهذا واضح في قوله سبحانه وتعالى: )إن الله يبشرك بكلمة منه(.

إن قوله سبحانه وتعالى: )وروح منه( ليس فيه أيضا دلالة على ألوهية المسيح – عليه السلام – أو بنوته لله؛ لأن هذا يؤدي إلى ألوهية آدم وبنوته لله، فقد قال الله في آدم: )فإذا سويته ونفخت فيه من روحي(، وهذا ما لم يقل به أحد.

المعجزة هي الأمر الخارق للعادة، الذي يجريه الله على يد الأنبياء تصديقا لهم، وما حدث لعيسى – عليه السلام – من معجزات إنما كان بإذن الله ومشيئته، وقد حدث مثلها مع أنبياء الله مثل: إبراهيم، وموسى، ويوسف – عليهم السلام – ولم يزعم أحد أنهم آلهة أو أبناء لله.

إن الباحث في الكتاب المقدس لا يجد مثل هذا النص الذي يحتج به أهل التثليث على أن المسيح – عليه السلام – قال لهم: إنني أنا الله، فاعبدوني وصلوا لي وصوموا لأجلي؟ بل إن كتابهم المقدس يدل على أنه جاء ليدعوهم إلى عبادة الله، والإيمان برسالته، أي: إنه رسول وليس إله.

إن ما نسبه أبو السعود في تفسيره للسدي، لا يصح أن يكون دليلا على ألوهية المسيح – عليه السلام – لأننا لا نستطيع أن نجزم بصحة هذا القول للسدي، وإن ثبتت صحته، فلا يعد حجة على الإسلام، ما دام لم يرد في قرآن ولا سنة.

(*) مناظرة بين الإسلام والنصرانية، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، دار الحديث، القاهرة. ط2، 1412هـ. مواجهة صريحة بين الإسلام وخصومه، د. عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة، مصر، 1426هـ/ 2005م.

[1]. هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن القيم، دار ابن القيم، القاهرة، 1979م، ص25 وما بعدها.

[2]. مدرسة الأنبياء: عبر وأضواء، محمد بسام الزين، دار الفكر، بيروت، ط2، 1419هـ/ 1999م، ص327 بتصرف.

[3]. رسالة للرد على رسالة تنصيرية شهيرة تزعم ألوهية المسيح من القرآن، إعداد وترتيب: محمود مهران، د. م، د. ن، د. ت.

[4]. انظر: البهريز في الكلام اللي يغيظ، علاء أبو بكر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 2006م.

[5]. أخرجه الطبري في تفسيره (6/ 154) برقم (6544).

[6]. أصول العقيدة الإسلامية، د. محمد أبو خليفة، دار الهاني، القاهرة، 1426هـ/ 2005م، ص180.

[7]. الشبكة الإسلامية، الخميس 8/ 9/ 2004م (شبهات حول القرآن وشبهات أخرى).

المصدر

ادعاء أن القرآن أخطأ في إخباره أن من عثر على موسى- عليه السلام – هي امرأة فرعون

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن الكريم أخطأ في إخباره أن من عثر على موسى – عليه السلام – بعد أن وضعته أمه في التابوت وألقته في اليم هي امرأة فرعون ويستدلون على ذلك بقوله: )وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9)( (القصص). ويزعمون أن التي عثرت عليه – عليه السلام – هي ابنة فرعون، كما ورد في التوراة.

وجها إبطال الشبهة:

1) لم ينص القرآن الكريم على أن من عثر على موسى – عليه السلام – هي امرأة فرعون، ولكنه نص على أن من التقطه هم آل فرعون بصفة عامة.

2) نحن لا نحتكم إلى ما ورد في الكتاب المقدس للحكم بصدق ما جاء به القرآن، فالكتاب المقدس تناولته الأيدي البشرية وهو بصورته الحالية محل لانتقادات وتناقضات كثيرة.

التفصيل:

أولا. لم ينص القرآن الكريم على أن من عثر على موسى – عليه السلام – هي امرأة فرعون، ولكنه نص على أن من التقطه آل فرعون بصفة عامة:

اختلف المفسرون في أول من عثر على التابوت الذي وضع فيه موسى – عليه السلام – صغيرا، فمنهم من ذهب إلى “أن الجواري التقطته من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن[1]على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه، فاستوهبته منه ودفعت عنه وقالت: )قرت عين لي ولك( (القصص: 9) [2]، فقال لها: أمالك فنعم، وأما لي فلا”[3].

“ويروى أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر، فأمرت بسوقه إليها وفتحه، فرأت فيه صبيا صغيرا فرحمته وأحبته، فقالت لفرعون: )قرت عين لي ولك( [4] وذهب فريق ثالث إلى أن حرس القصر الفرعوني رأوا صندوقا يمر على سطح النيل من جهة القصر، فحملوه إلى فرعون، ولما فتح الصندوق رأى فرعون بداخله غلاما فأمر بقتله، واعترضت امرأة، عندما رأت وجهه يتلألأ نورا، وألقى الله عليه محبة منه”[5].

وكل هذه آراء اجتهادية لا تستند إلى دليل واضح، أما الحقيقة الواضحة فإن القرآن لم يذكر اسم أول من عثر على تابوت موسى عليه السلام، حيث إن قوله:)آل فرعون( قابل لأن يفسر بامرأة فرعون، أو ابنة فرعون أو جواريه أو غيرهن من “آل فرعون” أو اشترك في التقاطه وتداوله أكثر من واحد، فهذا يأخذه من “اليم” وآخر يحمله منه، وثالث يتلهف على هذه المفاجأة فيحمله ناظرا إليه، وهذا ما يفهم من الآية الكريمة، ويصور هذا الحدث المفاجئ أصدق تصوير)فالتقطه آل فرعون( (القصص:8)وليس واحدا منهم بعينه.

ثانيا. نحن لا نحتكم إلى ما ورد في الكتاب المقدس للحكم بصدق ما جاء به القرآن، فالكتاب المقدس بصورته الحالية محل لانتقادات وتناقضات كثيرة:

لقد صدق القرآن الكريم في كل ما أخبر به؛ لأنه تنزيل رب العالمين، ومن الأمثلة الدالة على صدق القرآن فيما يخبر، إخباره بغلبة الروم على الفرس يقول: )الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهـم مـن بعـد غلبهـم سيغلبــون (3) فـي بضـع سنيـن( (الروم) يقول القرطبي: “وكان في هذا الإخبار دليل على نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – لأن الروم غلبتها فارس، فأخبر الله – عز وجل – نبيه محمدا – صلى الله عليه وسلم – أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين… فكان هذا من علم الغيب الذي أخبر الله – عز وجل – مما لم يكن علموه”[6].

والأمثلة على ذلك كثيرة مما أخبر به القرآن ووقع بالفعل كإخباره بحفظ القرآن من التحريف وظهور الإسلام على سائر الأديان، وموت أبي لهب والوليد بن المغيرة على الكفر، وغيرها مما حدث بالفعل.

وكذلك أخبر القرآن عن إثبات حركة الشمس بقوله تعالى: )والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38)( (يس) تدل الآية على أن الشمس متحركة وليست ثابتة، وهي تجري لمستقر لها وفق ناموس[7] إلهي ثابت، وهذا ما انتهى إليه البحث العلمي مؤخرا، مع العلم بأن العلماء إلى وقت قريب كانوا يعتقدون أنها ثابته[8].

وأمثلة الاكتشافات العلمية الحديثة التي أشار إليها القرآن الكريم كثيرة ومتعددة مثل حركة الشمس وشكلها، وعملية تكون السحب، وحفظ توازن الأرض بالجبال، وانتشار الزوجية من كل شيء.

أما إذا ذهبنا إلى التوراة فإننا نجد كلماتها مشكوكا فيها، والدليل على ذلك: أن اسم الرجل في موضع يأتي من موضع آخر باسم آخر، وكذلك المرأة وهذا يتكرر كثيرا، فإسماعيل – عليه السلام – كانت له ابنة اسمها محلث وتزوجت العيس بن إسحاق – عليه السلام – كما جاء في سفر التكوين: “فذهب عيسو إلى إسماعيل وأخذ محلة بنت إسماعيل بن إبراهيم، أخت نبايوت، زوجة له على نسائه”. (التكوين28: 9)، وفي ترجمة لبنان “محلة”، وفي ترجمة البروتستانت “بسمة” كما جاء في سفر التكوين أيضا: “وبسمة بنت إسماعيل أخت نبايوت”. (التكوين 3: 36)، والشيخ الكبير في أرض مدين مختلف في اسمه، ففي الخروج “رعوئيل”: “فلما أتين إلى رعوئيل أبيهن قال: ما بالكن أسرعتن في المجيء اليوم”. (الخروج2: 18)، وفي موضع آخر من سفر الخروج “يثرون”: “فمضى موسى ورجع إلى يثرون حميه وقال له: أنا أذهب وأرجع إلى إخوتي الذين في مصر لأرى هل هم بعد أحياء. فقال يثرون لموسى: اذهب بسلام”. (الخروج18: 4) [9]. والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى مما تناقضت فيه التوراة.

وبناء على هذا فإن القرآن الكريم حجة فيما يذكر؛ لأنه كلام الله – عز وجل – الذي لم ولن تمتد إليه يد البشر، قديما ولا حديثا، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه )وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122)( (النساء)، )ومــن أصــدق مــن الله حديثــا (87)( (النساء).

أما ما ورد في الكتاب المقدس فهو محل انتقادات كثيرة لما فيه من تناقضات وأباطيل مخالفة للتاريخ والعلم والعقل، فلا يصح أن نحكم الكتاب المقدس الظني المحرف في القرآن الكريم القطعي المعصوم من التحريف.

الخلاصة:

لم ينص القرآن الكريم على أن من عثر على موسى – عليه السلام – هي امرأة فرعون، ولكنه نص على أن من التقطه آل فرعون بصفة عامة، وهنا يمكن أن يفسر بامرأة فرعون، أو ابنته، أو جواريه، أو غيرهن.

ما ورد في الكتاب المقدس محل انتقادات كثيرة، وذلك لما ورد فيه من أباطيل وتناقضات مع التاريخ والعقل والعلم، فلا يصح أن نحكم الظني – الكتاب المقدس – في القطعي – القرآن الكريم – الذي هو الصدق كل الصدق، فهو كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

(*) موقع المتنصرين. www.mutenessrin.com

[1]. يتجاسرن: يتجرأن.

[2]. قرة عين: سببا للسرور والسعادة.

[3]. قصص الأنبياء، ابن كثير، تحقيق: محمد عبد الملك الزغبي، دار المنار، القاهرة، ط1، 1421هـ/ 2001م، ص224، 255 بتصرف يسير.

[4]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج9، ص253.

[5]. مدرسة الأنبياء: عبر وأضواء، محمد بسام الزين، دار الفكر، بيروت، ط2، 1419هـ/ 1999م، ص185 بتصرف يسير.

[6]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج14، ص5.

[7]. الناموس: القانون الثابت.

[8]. الأدلة على صدق النبوة المحمدية ورد الشبهات عنها، هدى عبد الكريم مرعي، دار الفرقان، الأردن، 1411هـ/ 1991، ص216.

[9]. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425/ 2004م، ص497 بتصرف.

المصدر

ادعاء أن القدامى انتحلوا الشعر الجاهلي لإثبات الأصالة العربية للقرآن الكريم

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المغرضين أن المفسرين والمحدثين لما أرادوا أن يدللوا على عروبة القرآن الكريم، والحديث الشريف لجئوا إلى نظم الشعر، ونحلوه لشعراء جاهليين، بل اختلقوا أسماء لشعراء ادعوا أنهم جاهليون، بينما لم يكن لأي منهم وجود حقيقي**.

وجوه إبطال الشبهة:

إن الأصل الذي قرره علماء اللغة وأخذوا به مصدرا للأدب العربي رواية الرواة الحفظة لهذا الأدب، أولئك الذين ينحدرون من قبائل عربية أصيلة.

وقد زعم بعض المعاصرين أن بعض المتأخرين في العصرين الأموي والعباسي قد نحلوا الشعر وصاغوه هم بأسلوبهم، ونسبوه إلى العصور السابقة عليهم؛ ليدللوا بذلك – أي الرواة – على عروبة القرآن الكريم، وأن له مستندا من لغة العرب، ويؤكدون زعمهم هذا بقولهم: إن كثيرا ممن نسب إليهم الشعر القديم لا وجود لهم حقيقة، بل أسماؤهم وهمية مزعومة.

ولنا في الرد على هذه الشبهة وجوه منها:

1)  أن تزوير أدب أمة بكامله يعد من المستحيلات التي يرفضها العقل.

2) القرآن نزل بلسان عربي مبين، وليس في حاجة إلى أن تتوقف عروبته على شعر جاهلي، أو غير جاهلي.

3) ما استعمله المفسرون والمحدثون من الشعر الجاهلي قليل جدا إذا قورن بما للشعراء الجاهليين من تراث شعري.

التفصيل:

أولا. إنه من المستحيل تزوير أدب أمة بكامله، فتلك قضية يرفضها العقل، ولا وجه لاحتمال قبولها أبدا، فشعر امرئ القيس – مثلا – موزع على مراحل عمره، ولشعر كل مرحلة منها خصائص فريدة. فمن – يا ترى – ذلك العبقري الذي يحسن أن يقول شعرا متفاوت السمات ثم يدعي أنه شعر امرئ القيس؟! وهكذا يقال في جميع الشعراء الجاهليين.

ثم إن شعراء الجاهلية كانوا أحرص الناس على ضبط مروياتهم؛ فاتخذ كل منهم له رواية شاعرا يأخذ عنه شعره ويبلغه الناس؛ ليضمن ضبط النقل عنه وصحة الرواية.

كما كان الشعراء يتناشدون قصائدهم في الأسواق والمواسم فتذيع عنهم وتروى، فلم يكن ثمة مجال للتزيد والكذب على أحد منهم في هذا المناخ الأدبي المحتدم.

وجاء الإسلام، وبدأ نشاط الرواية يزداد في ظل دولة بني أمية، لكنه كان محوطا بدائرة محكمة من الرقابة النقدية الصارمة التي اضطلع بها طائفة من الرواد أمثال أبي عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق والمفضل الضبي والقاسم بن سلام، وخلق سواهم، وقد وضع هؤلاء أطرا زمانية ومكانية صارمة لقبول الرواية.

إنها حلقة نقدية قوية أدارت الحركة العلمية الفتية في ذلك الوقت المبكر، وعملت على التمحيص والفحص لكل رواية؛ لتمييز الأصيل من المصنوع.

كيف إذن لمتوهم أن يعتقد أن أحدا كان يمكنه اختراق هذه الأسيجة الحصينة؛ ليزور على الأمة أدبها وثقافتها؟!

ثانيا. القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وهو ليس في حاجة إلى أن تتوقف عروبته على شعر جاهلي أو غير جاهلي، فهذا خطأ شنيع وقع فيه هؤلاء، وافتراء وجهل ليس لهما مثيل، ومفسرو القرآن وشارحو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يستشهدون بشيء من الشعر على تفسير آية أو حديث، أو كلمة في آية أو في حديث، لم يكن هدفهم التدليل على عروبة القرآن أو الحديث، بل كان هدفهم الشرح والإيضاح، أو أن العرب كانوا يقولون ذلك، وهذا على سبيل الاستئناس لا على سبيل الوجوب.

ثالثا. ما استعمله المفسرون والمحدثون من الشعر الجاهلي قليل جدا إذا قورن بما للشعراء الجاهليين من تراث شعري، ومما يدحض النتيجة التي توصل إليها مثيرو هذه الشبهة – وهي أن تزوير الشعر الجاهلي كان بهدف الاستشهاد على عروبة القرآن الكريم الأمور الآتية:

أن الشعر الجاهلي واستعمالاته للغة – إفرادا وتركيبا – أوفر بكثير مما جاء في القرآن الكريم.

أن في القرآن الكريم ألفاظا وتراكيب ليس لها نظير في الشعر الجاهلي.

أن استشهاد المفسرين والمحدثين لم يكن مقصورا على الشعر الجاهلي بل استشهدوا – كذلك – بشعر الإسلاميين في عهدي الأمويين والعباسيين.

وكما استشهد المفسرون والمحدثون بالشعر الجاهلي في التفسير وشرح الحديث، استشهد علماء اللغة والبلاغة وغيرهم على القواعد اللغوية بالآيات القرآنية، وبالأحاديث النبوية.

أن جامعي اللغة ومستنبطي أصولها وقواعدها كانوا يتحرون الدقة في الرواية، فلم يأخذوا اللغة عن كل أحد،، بل كانوا يقبلون روايات العرب الأقحاح، والبدو الخلص الذين لم تلن ألسنتهم رخاوة الحضارة، ولم تفسد لهجاتهم مخالطة الشعوب غير العربية.

أن جمع اللغة – وبخاصة الشعر – بدأ مبكرا قبل تصدي العلماء لتفسير كتاب الله، وجمع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونشير هنا – مجرد إشارة – إلى كتاب “جمهرة أشعار العرب” لأبي زيد القرشي، وكان من رجال القرن الثاني الهجري في بعض الروايات، وكتاب “طبقات فحول الشعراء” لابن سلام الجمحي المتوفى في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وهذان الكتابان من أسبق الكتب في جمع أشعار العرب الجاهليين ومن جاء بعدهم في صدر الإسلام، فهل المسبب يتقدم على السبب؟! إنهم يقولون: إن سبب تزوير الشعر الجاهلي هو حاجة المفسرين والمحدثين لإثبات عروبة القرآن والحديث، ووجود الشعر الجاهلي مزورا هو المسبب؛ وها نحن قد رأينا وجود الشعر الجاهلي قبل بدء تدوين كتب التفسير والحديث؛ وعلى هذا يلزم عن منطق هؤلاء المعوج أن: المسبب يتقدم على السبب، وهذا باطل في حكم العقل والعلم والواقع والنقل؟!

(*) قصة الحضارة، وول ديورانت، ترجمة: محمد بدارن، دار الجيل، بيروت، 1418 هـ/ 1998م. اضمحلال الإمبراطورية الرومانية، إدوار جيبون، ترجمة: محمد سليم سالم، دار الكتب المصرية، القاهرة، د. ت. دفاع عن السنة، محمد محمد أبو شبهة، مكتبة السنة، القاهرة، 1409 هـ/ 1989م. المستشرقون والقرآن، د. إسماعيل سالم عبد العال، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1410 هـ/ 1990م. افتراء المستشرقين على الإسلام: عرض ونقد، د. عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1413هـ/ 1992م.

المصدر

ادعاء أن القرآن أخطأ في ذكر عقيدة ذي القرنين

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن الكريم أخطأ في ذكر عقيدة ذي القرنين، ويستدلون على زعمهم بقوله سبحانه وتعالى: )وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88)( (الكهف). فيزعمون أن القرآن قد مدح الإسكندر الأكبر – ذا القرنين – باعتباره عبدا صالحا يؤمن بالله، في حين أن جميع مؤرخي الإغريق يجمعون على أنه كان من عبدة الأوثان!

وجها إبطال الشبهة:

1) لقد كان ذو القرنين ملكا عادلا صالحا، بلغ ملكه المشارق والمغارب، وقد أعطاه الله – عز وجل – القدرة على السير في الأرض شرقا وغربا لنشر الإسلام في ربوعها، ومن ثم فالقرآن لم يخطئ في ذكر عقيدته حين أخبر أنه كان مؤمنا بالله موحدا.

2) جمهور المؤرخين وكبار المفسرين على أن ذا القرنين الذي ذكر في القرآن الكريم، ليس هو الإسكندر الأكبر المقدوني، الذي لقب بذي القرنين تشبيها له بالأول بعدما قضى على مملكة فارس ودانت له الممالك شرقا وغربا، ومن هنا حدث الخلط بينهما عند بعض الباحثين.

التفصيل:

أولا. ذو القرنين ملك من الملوك العادلين بلغ ملكه المشارق والمغارب على نحو ما جاء في القرآن:

لقد ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا وأثنى عليه بالعدل، وأنه بلغ المشارق والمغارب، وملك الأقاليم وقهر أهلها، وسار فيهم بالعدل التام، والسلطان المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط، والصحيح أنه كان ملكا من الملوك العادلين، قال إسحاق بن بشر عن عثمان بن الساج، عن خفيف، عن عكرمة، عن ابن عباس – رضي الله عنهما -، قال: كان ذو القرنين ملكا صالحا – رضي الله عنه – عمله، وأثنى عليه في كتابه، وكان منصورا، وكان وزيره الخضر، وذكر أن الخضر – عليه السلام – كان على مقدمة جيشه، وكان عنده بمنزلة المشاور الذي هو من الملك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم، وقد ذكر الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل، وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل عليهما السلام.

وروي عن عبد الله بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما أن ذا القرنين حج ماشيا، وأن إبراهيم الخضر – عليه السلام – لما سمع بقدومه تلقاه ودعا له ورضاه، وأن الله سخر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أراد[1].

وقد اختلف في كونه نبيا أم ملكا أم عبدا صالحا، فقد جاء عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا أدري ذو القرنين كان نبيا أو لا»[2]، وذكر وهب في “المبتدأ” أنه كان عبدا صالحا، وأن الله بعثه إلى أربع أمم: أمتين بينهما طول الأرض، وأمتين بينهما عرض الأرض وهي ناسك ومنسك وتأويل وهاويل، وعن أبي الطفيل قال: «سمعت ابن الكوا يقول لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أخبرني ما كان ذو القرنين؟ قال: كان رجلا أحب الله فأحبه، بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه ضربة مات منها، ثم بعثه الله إليهم فضربوه على قرنه ضربة مات منها، ثم بعثه الله فسمي ذا القرنين». ورغم ضعف عبد العزيز أحد رواة الحديث إلا أنه توبع على أبي الطفيل، أخرجه سفيان بن عيينه في جامعه عن ابن أبي حسين عن أبي الطفيل نحوه وزاد: «وناصح الله فناصحه»، وفيه: لم يكن نبيا ولا ملكا، وقيل: كان ملكا من الملائكة حكاه الثعلبي، وهذا مروي عن عمر – رضي الله عنه – أنه سمع رجلا يقول يا ذا القرنين فقال: تسميه بأسماء الملائكة، وقيل: كان من الملوك وعليه الأكثر[3].

واختلف العلماء والمفسرون في اسمه، فقيل هو الصعب ابن ذي يزن الحميري من ولد وائل بن حمير، وبه جزم كعب الأحبار، وذكره ابن هشام في التيجان عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أيضا، وقال أبو جعفر بن حبيب في كتاب “المحبر”: هو المنذر أحد ملوك الحيرة، وأمه ماء السماء ماوية بنت عوف بن جشم، قال: وقيل الصعب بن القرن بن حمال من ملوك حمير، وأما قول ابن إسحاق الذي حكاه ابن هشام عنه من أن اسم ذي القرنين مرزبان بن مرديه، فقد صرح بأنه الإسكندر، لذلك اشتهر على الألسنة لشهرة السيرة لابن إسحاق.

قال السهيلي: والظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان أحدهما كان على عهد إبراهيم الخضر عليه السلام، ويقال إن إبراهيم الخضر – عليه السلام – تحاكم إليه في بئر السبع بالشام فقضى لإبراهيم، والآخر كان قريبا من عهد عيسى الخضرعليه السلام. ثم يقول ابن حجر: “لكن الأشبه أن المذكور في القرآن هو الأول بدليل ما ذكر من ترجمة الخضر، حيث جرى ذكره في قصة موسى قريبا أنه كان على مقدمة ذي القرنين، وقد ثبتت قصة الخضر مع موسي، وموسى كان قبل زمن عيسى قطعا”[4].

واختلف في سبب تلقيبه بذي القرنين، فقيل: لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها، رواه الزبير بن بكار عن الزهري، وقيل لأنه ملكهما، وقيل لأنه رأى في منامه أنه أخذ بقرني الشمس، وقيل لأنه كان له ضفيرتان تواريهما ثيابه، وقيل لأنه عمر حتى فني في زمانه قرنان من الناس، وقيل غير ذلك[5].

وقد أخبر الله تعالى عنه أنه مكن له في الأرض فقال: )إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84)( (الكهف)؛ أي وسعنا مملكته في البلاد، وأعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة، والمقاصد الجسيمة، قال قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك، عن حبيب بن حماز، قال: كنت عند على بن أبي طالب – رضي الله عنه – وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال له: سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له في النور، وقال: أزيدك؟ فسكت الرجل وسكت علي رضي الله عنه.

 وعن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن عبد الله الوادعي سمعت معاوية – رضي الله عنه – يقول: ملك الأرض أربعة: سليمان بن داود النبي – عليهما السلام – وذو القرنين، ورجل من أهل حلوان، ورجل آخر، فقيل له الخضر؟ قال: لا. وقال الزبير بن بكار: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه، عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران: سليمان النبي وذو القرنين ونمرود وبختنصر، وهكذا قال سعيد بن بشير: سواء، وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن الحسن قال: كان ذو القرنين ملك بعد النمرود، وكان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا، أتى المشرق والمغرب، مد الله له في الأجل ونصره حتى قهر البلاد، واحتوى على الأموال، وفتح المدائن، وقتل الرجال، وجاب[6] في البلاد والقلاع، فسار حتى أتى المشرق والمغرب، فذلك قوله تعالى: )إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84)([7].

فهل يعطي الله كل هذه الأسباب لرجل مشرك، ثم يمدحه بعد ذلك في القرآن؟!! ولقد رأينا كيف أن الله – سبحانه وتعالى – يتوعد الملوك الذين يخالفون أوامره ويصدون العباد عن عبادته وحده كفرعون والنمرود وغيرهم.

وبهذا يتبين لنا أن ذا القرنين هو ذاك الملك المسلم، الذي كان في زمن سيدنا إبراهيم، وأنه – عليه السلام – حقق العدالة ورفع الظلم، ودعا إلى عبادة الله – عز وجل – في كل البلاد التي فتحها. فكيف يدعون أن القرآن أخطأ في ذكر عقيدته؟!!

وما كان هذا الخطأ إلا نتيجة خلطهم بين ذي القرنين الملك الصالح، وبين الإسكندر الأكبر المقدوني الذي تؤرخ به الروم، وهذا ما سنوضحه في الوجه الآتي:

ثانيا. ليس الإسكندر الأكبر – المقدوني – هو ذا القرنين المذكور في القرآن:

لقد فرق العلماء وأصحاب السير بين ذي القرنين المذكور في القرآن، وبين الإسكندر الأكبر المقدوني اليوناني، يقول ابن كثير:

فأما ذو القرنين الثاني – أي الإسكندر الأكبر المقدوني – فهو إسكندر بن فيلبس بن مضريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن نونة بن سرحون بن رومة بن ثرنظ بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، كذا نسبه ابن عساكر في تاريخه، المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخرا عن الأول بدهر طويل، كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان أرسطوطاليس الفيلسوف وزيره وهو الذي قتل دارا بن دارا، وأذل ملوك الفرس وأوطأ[8] أرضهم. وإنما نبهنا عليه؛ لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيره، فيقع بسبب ذلك خطأ كبير، وفساد عريض طويل كثير، فإن الأول كان عبدا مؤمنا صالحا، وملكا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقيل إنه كان نبيا على اختلاف في ذلك.

وأما الثاني فكان مشركا وكان وزيره فيلسوفا وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا؟ لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور[9].

ويؤكد ما ذهب إليه ابن كثير ما قاله ابن القيم في “إغاثة اللهفان”:

ومن ملوكهم الإسكندر المقدوني وهو ابن فيلبس، وليس بالإسكندر ذي القرنين، الذي قص الله – عز وجل – نبأه في القرآن، بل بينهما قرون كثيرة، وبينهما في الدين أعظم تباين، فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا لله تعالى، يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكان يغزو عباد الأصنام، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها.

وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، وأما هذا المقدوني، فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته، وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستمائة سنة، والنصارى تؤرخ له وكان أرسطاطاليس وزيره، وكان مشركا يعبد الأصنام[10].

ومما يؤكد ذلك ما قاله الفخر الرازي في تفسيره: إن في كون الإسكندر ذا القرنين إشكالا قويا، وهو أنه كان تلميذ أرسطا طاليس الحكيم وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطا طاليس حق وصدق، وذلك مما لاسبيل إليه.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر – رحمه الله – عدة قرون بين ذي القرنين العبد الصالح الذي ذكر في القرآن، وبين الإسكندر الأكبر المقدوني اليوناني فقال: الأكثر على أنه، أي ذا القرنين الصالح الأول – كان من الملوك الصالحين، وفي إيراد المصنف ترجمة ذي القرنين قبل إبراهيم – عليه السلام – إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الإسكندر اليوناني؛ لأن الإسكندر كان قريبا من زمن عيسى – عليه السلام – وبين زمن إبراهيم وعيسى – عليهما السلام – أكثر من ألفي سنة، والذي يظهر أن الإسكندر المتأخر لقب بذي القرنين تشبيها بالمتقدم لسعة ملكه وغلبته على البلاد الكثيرة، أو لأنه لما غلب على الفرس وقتل ملكهم انتظم له ملك المملكتين الواسعتين الروم والفرس فلقب ذا القرنين لذلك، والحق أن الذي قص الله نبأه في القرآن هو المتقدم، والفرق بينهما من أوجه: أحدها ما ذكرته وثانيا: قول الفخر الرازي في تفسيره: كان ذو القرنين نبيا على اختلاف في ذلك، وكان الإسكندر كافرا، وكان معلمه أرسطاطاليس، وكان يأتمر بأمره وهو من الكفار بلا شك. وثالثا: كان ذو القرنين من العرب، وأما الإسكندر فهو من اليونان، والعرب كلها من ولد سام بن نوح باتفاق، واليونان من ولد يافث بن نوح على الراجح فافترقا[11].

 ثم يدلل ابن حجر على عروبته بذكر بعض الأبيات من كلام العرب، قيل: والذي يقوي أن ذا القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم، قال أعشى بن ثعلبة:

والصعب ذو القرنين أمس ثاويا

بالحنو في حدث هناك مقيم

قال الربيع بن ضبيع:

والصعب ذو القرنين عمر ملكه

ألفين أمسى بعد ذاك رميما

ويقول قس بن ساعدة:

والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا

باللحد بين ملاعب الأرياح

وقال تبع الحميري:

قد كان ذو القرنين قبلي مسلما

ملكا تدين له الملوك وتحشد

من بعده بلقيس كانت عمتي

ملكتهم حتى أتاها الهدهد

ويؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح في اسمه الصعب، ووقع ذكر ذي القرنين أيضا في شعر امرئ القيس وأوس بن حجر وطرفة بن العبد وغيرهم[12].

ويؤكد كلام ابن حجر ما قاله الشيخ تقي الدين المقريزي في “الخطط”: اعلم أن التحقيق عند علماء الأخبار أن ذا القرنين الذي ذكره الله – عز وجل – في القرآن اسمه الصعب بن الحارث، وساق نسبه إلى قحطان بن هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح – عليه السلام – وأنه ملك من ملوك حمير وهم العرب العاربة، ويقال لهم أيضا العرب العرباء، وكان ذو القرنين تبعا متوجا، ولما تولى الملك تجبر، ثم تواضع لله تعالى، وقد غلط من ظن أن الإسكندر هو ذو القرنين الذي بنى السد، فإن لفظة “ذو” عربية، وذو القرنين من ألقاب ملوك اليمن، وذلك يوناني رومي[13].

ومن خلال تتبعنا لأقوال علماء المسلمين، سواء أكانوا مؤرخين أم مفسرين أم محدثين، فإننا نجد أن ما قرروه من ضرورة التفرقة بين ذي القرنين الذي ذكر في القرآن، وذي القرنين الذي هو الإسكندر المقدوني اليوناني – يؤكده ما ذكره المؤرخون في سيرة هذا المقدوني اليوناني؛ فقد ذكروا أنه كان قائدا عظيما، وذا قدرة كبيرة على التخطيط والبراعة في الأداء والقيادة، ولكنه كان قاسيا وبلا رحمة في أوقات أخرى. ومن المعروف أنه كان سكيرا لدرجة أنه في إحدى المرات قتل صديقه كليتوس في نوبة غضب، وقد ندم كثيرا على ذلك الأمر، وقبل موته بفترة وجيزة، جعل اليونان تعبده بوصفه إلها؛ وذلك بسبب طبيعته كإله كما كان يقول عن نفسه… وقد انتهى هذا الأمر بموته، وقد استطاع أن يؤسس عام 332 مدينة الإسكندرية عند نهاية نهر النيل، والتي أصبحت بعد ذلك المركز الثقافي والعلمي والتجاري للعالم اليوناني. وكان أرسطو هو معلم الإسكندر، وقد أعطاه تدريبا كبيرا في علم البلاغة والخطابة والأدب، وحث اهتمامه بالعلوم والطب والفلسفة.

ومما يدل على أن هذا الملك اليوناني كان سييء الخلق، ولا يصح أن يطلق عليه وصف القرآن الكريم، ومدحه بالعدل والقسط والإيمان بالله – سبحانه وتعالى – أنه مات بعد أن سقط مريضا بحوالي أسبوعين، وكان قد سلم الخاتم الخاص به لقائد جيشه، وهو على فراش الموت، وطلب من الجنود زيارته في فراشه، ويبدو أن المحيطين به في تلك الفترة كانوا متآمرين عليه نظرا لتصرفاته وسلوكياته الغريبة، حيث إنه في أواخر أيامه طلب من الإغريق تأليهه في الوقت الذي كان فيه عنيفا مع الكثيرين، بالإضافة إلى إكثاره في شرب الخمر، كل هذه العوامل جعلت البعض يتربصون به ويحاولون الفتك به. وقد مات مسموما كما ذكرت بعض المصادر التاريخية.

وهذا ما أكده د. جواد علي حيث قال: وأورد أريان في كتابه قصة أخرى، خلاصتها: أن العرب كانوا يتعبدون لإلهين هما: أورانوس، وديونيوس وجميع الكواكب وخاصة الشمس، فلما سمع الإسكندر بذلك أراد أن يجعل نفسه الإله الثالث للعرب[14].

فهل يعقل أن من يريد أن يجعل نفسه إلها من دون الله يذكره الله في كتابه ويثني عليه خيرا؟!!

إن هذه الحياة التي يصورها لنا المؤرخون والمفسرون عن هذا الرجل – الإسكندر المقدوني – من كفر وسكر ومكر في معاملة قواده – لتؤكد الفرق الكبير والبون الشاشع بين هذا الذي ذكره القرآن، وبين المقدوني اليوناني.

الخلاصة:

ذو القرنين ملك من الملوك الصالحين العادلين، الذين رفع الله بهم الظلم عن العباد، وقد أعطاه الله القدرة على السير في الأرض لنشر دينه – سبحانه وتعالى – في ربوع الأرض، وقد زوده الله بالعلم والمعرفة والتقوى.

لم يخطئ القرآن في ذكر عقيدة ذي القرنين، لأنه كلام الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه )ومن أصدق من الله قيلا( (النساء: ١٢٢).

سمي الإسكندر الأكبرالمقدوني بذي القرنين تشبيها بالأول الذي ذكر في القرآن، لأن ممالك المشرق والمغرب دانت له بعد أن قضى على الفرس، وذلك سنة (336 ق. م)، ومن هنا جاء الخلط بينهما.

فرق العلماء والمؤرخون بين ذي القرنين الذي ذكره الله في القرآن وبين الإسكندر الأكبر المقدوني، فالأول كان ملكا صالحا مؤمنا يدعو إلى الله ويعمل على نشر دينه والثاني كان كافرا مشركا بالله يعبد الأصنام هو وقومه. والأول كان في زمن إبراهيم – عليه السلام – وحج معه والثاني كان قبل بعثة عيسى – عليه السلام – بثلاثمائة وست وثلاثين سنة، أي أن بينهما ما يزيد على ألفي عام، والأول على أصح الأقوال كان عربيا ويبدو هذا من ذكر بعض الشعراء العرب له في أشعارهم، والثاني كان يونانيا مقدونيا انحدر إلى الشرق بعدما استولى على أملاك الدولة الفارسية؛ فكيف يتشابهان أو يتقاربان كما قال ابن كثير وابن حجر؟!!

كان الإسكندر الأكبر المقدوني قائدا عظيما، فتح البلاد شرقا وغربا، إلا إنه كان سكيرا يشرب الخمر، وكان أحيانا يبطش بقواده، وهذا كان سببا في حقدهم عليه ومحاولتهم للتآمر عليه، على خلاف ذي القرنين المذكور في القرآن، الذي كان عادلا صالحا يخدم الناس ويقوم على مصلحتهم، وقد بنى السد بينهم وبين يأجوج ومأجوج.

(*) شبكة بلدي لمقاومة التنصير. www.balady.net

[1]. البداية والنهاية، ابن كثير، دار التقوى، القاهرة، 2004م، ج1، ص451، 450 بتصرف.

[2]. صحيح: أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الدخان (3682)، ووافقه الذهبي في التلخيص.

[3]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، ج6، ص442، 441 بتصرف.

[4]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، ج6، ص442، 443 بتصرف.

[5]. سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد، محمد بن يوسف الصالحي الشامي، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط2، 1407هـ/ 1986م، ج22، ص464 بتصرف.

[6]. جاب: طاف.

[7]. البداية والنهاية، ابن كثير، دار التقوى، القاهرة، 2004م، ج1، ص453، 452 بتصرف.

[8]. أوطأ: دخل.

[9]. البداية والنهاية، ابن كثير، دار التقوى، القاهرة، 2004م، ج1، ص452 بتصرف يسير.

[10]. إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن القيم، دار المعرفة، بيروت، 1395هـ/ 1975م، ج2، ص263.

[11]. مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، دار الفكر، بيروت، 1993م، ج21، ص172.

[12]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، ج6، ص440، 441 بتصرف.

[13]. سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد، محمد بن يوسف الصالحي الشامي، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط2، 1407هـ/ 1986م، ج2، ص465.

[14]. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي، جامعة بغداد، العراق، ط2، 1413هـ/ 1993م، ج2، ص6 بتصرف.

المصدر

ادعاء أن القرآن يأتي بأحداث لا وجود لها في الحقائق التاريخية

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن الكريم يأتي بأحداث مبهمة لا وجود لها في الحقيقة، ويستدلون على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: )وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38)( (الفرقان). ويتساءلون: من هم أصحاب الرس؟ وفي أي البلاد كانوا؟ وفي أي الأزمان عاشوا؟ ولماذا لم يوضح لنا القرآن ذلك إن كان لهم وجود؟!

وجها إبطال الشبهة:

1)  القرآن الكريم آخر الكتب السماوية وأشملها وأكملها؛ حيث جمع الله فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، كما أن عدم العلم بالشيء ليس دليلا على عدم وجوده.

2)  من قصص الأمم ما ذكرها القرآن مفصلا وكررها، وفيها ما يختصر ذكرها، ومنها ما يشير إليها إشارة عابرة، ومنها ما يطوى ذكره؛ ليحتفظ علام الغيوب به عنده.

التفصيل:

أولا. القرآن الكريم آخر الكتب السماوية وأشملها وأكملها:

القرآن الكريم هو كلام الله – عز وجل – الذي لم تمتد إليه يد البشر بالتحريف أو التبديل أو التغيير، فهو آخر الكتب السماوية وخاتمها، وأشملها، وأكملها؛ حيث جمع الله فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، ولهذا جعله الله تعالى مهيمنا، أي: شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها، فما وافق القرآن من الكتب السماوية فهو حق، وما خالفه فهو باطل. [1]

كما أن عدم العلم بقصة أصحاب الرس ليس حكما بعدم وجودها، فلم يذكر التاريخ كل شيء حتى ينكر ما لم يرد فيه، وعلى هذا فإن هؤلاء المشككين فيما ورد من حقائق في القرآن لم يعلموها، كان ينبغي عليهم أن يسألوا إذ جهلوا ويطلبوا العلم من أهله، أما أن يكون الإنسان جاهلا بالشيء ثم يدعي عدم وجوده، لا لدليل قائم لديه يقوي زعمه أو بينة تدعم قوله، فهذا هو الجهل المركب.

ثم إننا نسألهم عن مقدار علمهم وما الذي قد علموه من أحداث البداية والنهاية في الخلق وشئون الحياة منذ أن أوجدها بارئها عز وجل.. «إن موسى لما التقى بالخضر – عليهما السلام – فسلم عليه، فرد الخضر عليه السلام وقال: “هل بأرضك من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم؛ قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا. قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك؟! يا موسى، إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله، إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر»[2] [3].

فإذا كان ذلك علم الأنبياء والأولياء الذين وهبهم الله علما لم يعطه أحدا غيرهم، فما بالنا بغيرهم من البشر العاديين، ماذا يساوي علمهم في جنب علم الله؟!

ثانيا. من قصص الأمم ما ذكرها القرآن مفصلا وكررها، وفيها ما يختصر ذكرها، ومنها ما يشير إليها إشارة عابرة، ومنها ما يطوى ذكره ليحتفظ علام الغيوب بعلمه:

الرس في كلام العرب: البئر غير المطوية، والجمع رساس[4]، قال النابغة الجعدي: تنابلة يحفرون الرساسا، يعني: آبار المعادن. وأصحاب الرس: قوم من بقايا ثمود؛ لذلك لم يذكر الله – عز وجل – قصتهم إلا عرضا، فهم كقوم تبع الذين كانوا من قبائل سبأ، أغنى عن ذكرهم تفصيلا ما ذكره الله عن سبأ[5].

إن أصحاب الرس من بين الهالكين الذين لم تبق من بعدهم ذرية، ولم تبق لهم آثار تدل عليهم والله – عز وجل – ينوع في ذكر الأمم الخوالي؛ ليبين لنا أن قدرته تناولت كل مقدور، فمن هذه الأمم من بقي من بعدها ذرية لا تزال موجودة، وهم قوم موسى، ومنهم من استؤصلوا ولم يترك من بعدهم نسل وهم عاد، وثمود، وأصحاب الرس، وهناك أمم كثيرة عاشوا في قرون متطاولة، على مدى التاريخ الإنساني طوي ذكرهم، فما أكثر الهالكين! كما قال سبحانه وتعالى: )وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38)( (الفرقان) (الفرقان)، وهناك من الأمم من أهلكوا وبقيت آثارهم تدل عليهم، كقوم لوط: )ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40)( (الفرقان). وهذا التنوع في ذكر قصص السابقين مقصود ملحوظ، وهل كل ما لم يعرفه الإنسان لا وجود له؟ وهل سجل في التاريخ كل شيء حتى ينكر ما لم يرد فيه؟

ثم إن القرآن يطلب من أتباعه، بل من البشرية جمعاء أن تسير في الأرض وتبحث لتعرف ما خفي عنها، وإشارات القرآن مقصودة في ذاتها للبحث والتقصي، وما زال العلم يطلع علينا بما يكشف عن بعض الأمور التي تركها القرآن للإنسان؛ ليصل إليها بجهده وبحثه.

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن القصة في القرآن أنواع، فهناك القصة المطولة التي يسردها القرآن ويفصلها كقصة يوسف – عليه السلام – وهناك القصة المطولة التي يفصلها القرآن كقصة موسى – عليه السلام – وهناك القصص القصيرة التي يختصر القرآن ذكرها كقصة ذي القرنين، وهناك القصة تتنزل بطلب من الناس كقصة أصحاب الكهف، وهناك القصة التي يشير إليها القرآن إشارة عابرة كقصة أصحاب الرس، وقوم تبع، وهناك القصة التي يطوى ذكرها ليحتفظ علام الغيوب بعلمها[6].

الخلاصة:

القرآن الكريم هو كتاب الله الذي لم تمتد إليه يد بالتحريف والتبديل، فهو خاتم الكتب السماوية وأشملها وأكملها، وهو الحاكم عليها كلها، فما وافق القرآن من الكتب السماوية والتاريخ فهو حق، وما خالفه فهو باطل، كما أن عدم العلم بالشيء لا يدل على عدم وجود هذا الشيء.

أصحاب الرس هم قوم من بقايا ثمود؛ لذلك لم يذكر الله تعالى قصتهم إلا عرضا.

قصة أصحاب الرس هي من القصص التي أشار إليها القرآن إشارة عابرة، وهذا نوع من أنواع القصص القرآني، فهناك القصة المطولة كقصة يوسف – عليه السلام – وهناك القصة القصيرة كقصة ذي القرنين، وهناك القصة التي يشار إليها إشارة عابرة، وغيرها.

(*) موقع ابن مريم.

[1]. موسوعة القرآن العظيم، د. عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2004م، ج1، ص434 بتصرف.

[2]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب سورة الكهف (4449).

[3]. قصص القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1424هـ/ 2003م، ص216.

[4]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج13، ص32.

[5]. قصص القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1424هـ/ 2003م، ص406 بتصرف.

[6]. موسوعة القرآن العظيم، د. عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2004م، ج1، ص831.

المصدر

ادعاء أن طوفان نوح أسطورة وليس حقيقة كما ورد في القرآن

مضمون الشبهة:

ينكر بعض المشككين حادثة الطوفان الواردة في قصة نوح – عليه السلام – في القرآن الكريم ويدعون أنه أسطورة وردت في الكتب القديمة. مستدلين على ذلك بأنه لا يمكن حدوث مثل هذا السيل الذي يغطي الكرة الأرضية كلها بجبالها الشامخة، كما أن سفينة نوح – عليه السلام – لا يمكن أن تسع كل أصناف الحيوانات و مهما تكن فهي أضيق من أن تضم كل حيوانات الأرض[1].

وجوه إبطال الشبهة:

1)  أثبتت البحوث التاريخية والأركيولوجية [2] أن الطوفان العظيم غمر بلاد الرافدين القديم مما يؤكد صحة وجود الطوفان.

2)  توصل علماء المناخ والجيولوجيا [3] إلى أن الجزيرة العربية مرت بعصور مطيرة تسببت في فيضانات غامرة[4].

3)  الأدلة العلمية ترجح ما ورد في القرآن وأقوال المفسرين على ما ورد في التوراة بخصوص الطوفان.

4)  تجمعت عدة أدلة عقلية تثبت أن أحداث الطوفان كانت حدثا واقعيا وحقيقيا. وأنه لم يكن ضربا من الأساطير.

5) الطوفان معجزة إلهية، والمعجزات لا مدخل للعقل في النظر إليها، وكذلك صنع السفينة كان بوحي من الله وتعليم من الملائكة.

6) إن السياق القرآني لقصة الطوفان العظيم سياق وعظي، رام إلى اتخاذ العبرة والعظة من قوم أشركوا بالله وعصوا الرسول نوحا عليه السلام؛ فحل بهم العقاب – الطوفان العظيم – فلم يكن حديث خرافة وإنما كان حديث حق.

التفصيل:

أولا. تاريخ بلاد الرافدين القديم والكشف عن آثار الطوفان:

أثبتت البحوث التاريخية والأركيولوجية أن الطوفان العظيم غمر بلاد الرافدين القديم مما يؤكد صحة وجود الطوفان، فلقد مر التاريخ القديم لبلاد الرافدين بالعصور الآتية[5]:

العصر الحجري القديم: اكتشف العالم سويلي آثار هذا العصر سنة 1954م في كهف شانيدار شمالي شرقي الموصل، حيث عثر على بقايا هياكل عظمية تعود إلى هذا العصر.

العصر الحجري الحديث: ويتضمن ما يأتي:

حضارة جرمو: عثر الأستاذ بريد وود سنة 1948م على مركز هام من مراكز هذا العصر في قرية جرمو الواقعة في غربي مدينة السليمانية، وأرجع العلماء تاريخ هذا المركز إلى نحو 6500 ق. م، أي إلى ما بعد ظهور المجتمعات القروية الزراعية بقليل.

حضارة عصر تل حسونة: ويقع جنوبي الموصل، ويرجع عهد هذا العصر إلى حوالي سنة 5750 ق. م. وكانت بعثة مديرية الآثار العراقية قد نقبت في هذا التل سنة 1943م، ومن أغرب ما عثرت عليه البعثة تماثيل فخار صغيرة الحجم، تمثل أشكالا مصنوعة من الطين الفخارى، مما يدل على ظهور نوع من العبادات الوثنية. ووجد العالم مالوان سنة 1931م نماذج مماثلة لـ “حضارة تل حسونة” في نينوي بالقرب من الموصل، واكتشف نماذج أخرى من هذه الحضارة في أماكن متعددة في شمالي العراق.

حضارة تل حلف: عثر عليها العالم الألماني البارون فون أوبنهايم في قرية تل حلف، بالقرب من ناحية رأس العين في سورية[6].

العصر النحاسي الحجري في وادي الرافدين: تمثل حضارة هذا العصر في ثلاثة مواقع هامة وهي:

o        تل العبيد: قرب مدينة أور القديمة جنوبي بلاد الرافدين، وقد اكتشفته بعثة المتحفة البريطانية برئاسة د. هول، وتابع التنقيب[7] المؤرخ ليونانرد وولي، وعثر في أور على دمى[8] من الطين ذات مغزى ديني.

o                        حضارة عصر أوروك (الوركاء): عثرت عليها بعثة ألمانية.

o        حضارة عصر جمدة نصر: اكتشف آثار هذا العصر العالم الأثري لانكدون Langdon سنة 1920م في تل صغير يقع بالقرب من مدينة كيش القديمة يدعى جمدة نصر.

وفي نهاية هذا العصر – كما تقول كتب التاريخ – حصل الطوفان العظيم الذي غمر بلاد ما بين الرافدين فقضى على معظم السكان، ولم يبق منهم إلا عدد ضئيل[9]، وقد أثبتت الحفريات التي حفرت في أور وأورك وكيش وشوروباك، حدوث فيضان عظيم بين عصر العبيد وعصر السلالات الأولي، فيضان عظيم حصل في آخر عصر جمدة نصر. وقد وجد العالم الأثري وولي طبقات كثيفة من الغرين في مدينة أور بعمق مترين ونصف. ووجد وولي آثار السكنى البشرية فوق هذه الطبقات وتحتها، واستنتج من ذلك أن هذا الغرين قد أتت به مياه فيضانات دجلة والفرات، وقد قدر مساحة الأرض التي غمرها الفيضان بأربعمائة ميل طولا، وألف ميل عرضا.

 ثانيا. نظرة مناخية وتضاريسية:

مرت الجزيرة العربية بعصور مطيرة (البلايستوسيين) وهي اليوم جافة تجري فيها سيول عند سقوط المطر، فالظروف المناخية الحالية تختلف عن تلك التي كانت موجودة في المنطقة قديما، فبينما كانت أوربا تمر بالعصر الجليدي في بدء الدور الجيولوجي الرابع، كان الشرق الأدنى يمر بالعصر المطير (البلايستوسين)، وكانت المناطق الصحراوية الممتدة في وسط إفريقية وجزيرة العرب وإيران ذات مناخ معتدل يشبه مناخ أوربا الغربية الآن.

وقرر العلماء نتيجة لما سبق، أن الإنسان لم يكن في ذلك العصر المطير يعيش في الشرق الأدنى القديم على ضفاف الأنهار؛ لكثرة الفيضانات والمستنقعات، بل كان يعيش فوق المناطق الجبلية، وفوق الهضاب التي كانت أمطارها ومياهها ونباتاتها كثيرة، ولكنها أصبحت بعد ذلك من المناطق الصحراوية بانتهاء عصر (البلايستوسين) المطير، وما تزال كذلك حتى اليوم، ذلك أن الدفء والجفاف أخذا ينتشران فيها شيئا فشيئا، بينما كانت الثلوج تذوب في أوربا ويعتدل مناخها[10].

هذا من ناحية المناخ.. أما من الناحية التضاريسية.. فبلاد الرافدين كانت رقعتها أصغر، حتى إن دجلة والفرات اللذين يصبان اليوم معا كانا في التاريخ القديم يبعدان عن بعضهما حوالي 80 كيلو مترا، وتشكل السهل الجنوبي في العراق من رواسب هذين النهرين؛ إذ كانت مياه الخليج العربي تغمر جزءا كبيرا من هذا السهل، ويقدر العلماء أن الساحل الحالي يبعد ما يقرب من 190 كيلو مترا عن الساحل القديم، وأن الأرض اليابسة كانت تكسب من البحر ما يزيد عن أربع كيلو مترات كل مائة سنة[11].

ثالثا. الأدلة العلمية ترجح ما جاء في القرآن وأقوال المفسرين على ما ورد في التوراة بخصوص الطوفان:

ويؤكد جمهور العلماء على أن الطوفان كان في الظاهر عاما مهلكا لكل الكافرين، وحفظ الله تعالى منه نوحا – عليه السلام – ومن آمن معه، وقال بعض المفسرين: إن ظواهر الآيات تدل بمعونة القرائن على أنه لم يكن في الأرض كلها في زمن نوح – عليه السلام – إلا قومه، وأنهم هلكوا كلهم بالطوفان، ولم يبق فيها بعده غير ذريته، وهذا يقتضي أن يكون الطوفان في البقعة التي كانوا فيها من الأرض سهلها وجبالها لا في الأرض كلها، فالطوفان كان خاصا؛ لأن النوع الإنساني لم يكن في جميع الكرة الأرضية، بل كان منحصرا في بلاد الرافدين حيث نوحـ عليه السلام – وقومه.

وإذا ذكرت التوراة أن الأرض قد علاها الماء خمسة عشر ذراعا، وأباد الله كل ذي حياة من إنسان ووحش وطير على وجه الأرض، وذكرت أبعاد السفينة كما ذكرها أصحاب هذا الادعاء، كل ذلك لا يؤخذ به؛ لثبوت أن التوراة كتبت بعد موسى – عليه السلام – بزمن بعيد، فاعتراها التحريف زيادة ونقصا حسب آخر الأبحاث العلمية.

أما القرآن الكريم الذي ثبتت علميا صحته، وأن كل ما فيه حقائق ثابتة، فقد وصف السفينة بأنها:)الفلك المشحون (119)( (الشعراء)، وبأنها: )ذات ألواح ودسر (13)( (القمر).

رابعا. الأدلة العقلية على حدوث الطوفان:

تجمعت عدة أدلة عقلية تثبت أن حدث الطوفان كان حدثا واقعيا وحقيقيا وأنه لم يكن ضربا من الأساطير:

الرقم التي اكتشفت في مكتبة آشور بانيبعل، والتي ذكرت صراحة قصة الطوفان، وذكرت أنه بانتهاء الطوفان عادت الحياة إلى الأرض فابتدأت بذلك العصور التاريخية، وهذه الرقم تعود إلى 3000 سنة ق. م.

اكتشاف العالم الأثري وولي طبقات كثيفة من الغرين في مدينة أور بعمق مترين ونصف، وفيها آثار السكنى البشرية فوق هذه الطبقات وتحتها.

وجود الأصداف والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال، وهذه الأشياء لا تتكون إلا في البحار، فظهورها في رؤوس الجبال دليل على أن الماء صعد إليها مرة من المرات، ولا يكون ذلك إلا إذا كان الطوفان بلغ ذراها[12]، وصعود الماء إلى الجبال لمدة أيام معدودة يكفي لوجود الأصداف والأسماك المتحجرة في قمم الجبال.

حدوث الطوفان في أواخر العصر المطير (البلايستوسين)، أي: في ظروف مناخية وتغيرات جغرافية غير الظروف والتغيرات الحالية.

وجود قصة الطوفان في كتب الأقدمين من هنود وفرس وآشوريين.. يجعل الحدث حدثا معروفا عالميا.

في بعض أرجاء الكرة الأرضية اليوم مناطق جافة، بل معدل أمطارها صفر ملم في السنة، ومع ذلك فقد يحدث فيها فيضانات أحيانا، كما هو الحال في أسوان وسواحل البحر الأحمر الإفريقية؛ حيث معدل المطر المعروف صفر ملم، وقد حصلت عام 1979م سيول جارفة وفيضانات رهيبة تركت عشرات الضحايا وآلاف المشردين، مع أن مدة هطول الأمطار في هذه المناطق الجافة لم يستمر إلا لبضع ساعات فقط[13].

هذا، ونشرت مجلة (السفير) مقالة في عددها يوم الأحد 26/8/1984م على الصفحة الرابعة تحت عنوان (البعثة الأمريكية إلى جبل أرارات تعلن اكتشاف بقايا سفينة نوح)، نظم الرحلة رائد الفضاء السابق جيمس أروين، الذي أصبح متدينا بعدما سار على القمر عام 1971م أثناء رحلة أبولو 15، وطالبت البعثة الأمريكية الحكومة التركية أن تأذن لها بإغلاق المنطقة التي عثر فيها على الاكتشاف على ارتفاع 1585 مترا[14].

خامسا. الطوفان معجزة إلهية فلا يقاس بالعقل وكذلك السفينة كانت بوحي من الله وتعليم الملائكة:

وبعد هذا بالإمكان أن نقول: إن هؤلاء المدعين أخطئوا في أمور ثلاثة في مقدماتهم، فجاءت نتائجهم واستنتاجاتهم خطأ، وهذه الأمور الثلاثة هي:

أن الطوفان عم الكرة الأرضية كلها، وهذا خطأ قطعا برأي جمهور العلماء. وعليه فالسفينة حملت زوجين من كل الحيوانات الموجودة في هذه البقعة التي شملها الطوفان فقط وهذا ممكن. وحتى لو افترضنا أن الطوفان عم جميع الأرض على رأي بعضهم – وهم قلة – فإن السفينة كانت عظيمة جدا بحيث تسع أن تحمل زوجين من كل المخلوقات ولذلك ورد في بعض كتب التفسير أن طولها ألف زراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات طبقة فيها للوحوش والدواب وطبقة فيها للأنس وطبقة فيها للطير[15].

الظروف المناخية الحالية التي اعتمد عليها هؤلاء في قياساتهم وحساباتهم، تختلف عن الظروف المناخية قبل آلاف السنين، ومن الخطأ الفادح أن تعتمد في حسابات هؤلاء، فكمية الأمطار في أواخر العصر المطير (البلايستوسين) غير كمية الأمطار اليوم، وهذه حقيقة علمية أضحت بدهية عند الباحثين، فكيف تناساها هؤلاء المدعون؟!

وطوفان نوح معجزة إلهية لنوح عليه السلام، والمعجزة خرق[16] للقوانين المألوفة لدى البشر، أما الله – عزوجل – فلا تعجزه هذه القوانين فهو الذي أبدعها و هو القادر على تغييرها فتكون معجزة خارقة، فالموضوع إذن موضوع إيمان أو لا إيمان.

والطوفان ذكر في القرآن العظيم – كما مر معنا – ولمحات القرآن الكريم العلمية أثبتها العلم الحديث، بل جاء العلم الحديث مطابقا لها تماما؛ مما جعل العلماء من غير العرب يقولون بالسبق العلمي للقرآن في كل لمحاته الكونية والطبية والطبيعية.

يقول د. موريس بوكاي: “صحة القرآن التي لا تقبل الجدل تعطي النص مكانة خاصة بين كتب التنزيل، ولا يشترك مع نص القرآن في هذه الصحة لا العهد القديم ولا العهد الجديد”[17].

ويقول عن “رواية الطوفان في القرآن”: “يقدم القرآن رواية شاملة مختلفة ولا تثير أي نقد من وجهة النظر التاريخية، فالقرآن يقدم كارثة الطوفان باعتبارها عقابا نزل بشكل خاص على شعب نوح عليه السلام، وهذا يشكل الفرق الأساسي الأول بين الروايتين – رواية التوراة ورواية القرآن الكريم – وهذا يجعلنا نقول بضرورة – بل بحتمية – دراسة الأمور العلمية والتاريخية الواردة في الكتب المقدسة [18] على ضوء القرآن الكريم فقط، دون سواه، فهو وحده لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث”[19].

وربما كانت قصة الطوفان المذكورة في الكتب المقدسة أقدم من هذا الطوفان بعصور كثيرة، فقد أرجعها العالم الأثري كونتنو نقلا عن العالم دي مورغان إلى العصر المطير الذي تبع عصر الجليد في نهاية الدور الرابع؛ حيث هلك عدد كبير من الناس، وقد خلدت الرقم التي اكتشفت في مكتبة آشور بانيبعل هذا الطوفان، وبعد انتهاء الطوفان تذكر هذه الرقم أن الملكية عادت إلى الأرض، فابتدأت بذلك العصور التاريخية، وفي بدء هذه العصور اشتدت قوة السومريين، فسيطرت بعض السلالات على بعض المدن، وسمي أول عصر تاريخي بـ “عصر فجر السلالات” أو “عصر السلالات الأولى القديمة”[20].

عصر السلالات الأولى: أهم الكتابات عن هذا العصر كتبها المؤرخ البابلي بوحوشا أو بيروسوس، فقد ترك سجلا تاريخيا بأسماء ملوك سومر وأكاد، وينقسم هذا السجل التاريخي إلى قسمين، الأول منهما لملوك ما قبل الطوفان، وهو ينتهي بالجملة الآتية: “وبعد ذلك جاء الفيضان، وبعد الطوفان هبطت الملكية مرة أخرى من السماء”.

 سادسا. الطوفان في القرآن الكريم:

إن السياق القرآني لقصة الطوفان العظيم، سياق وعظي رام إلى اتخاذ العبرة والعظة من قوم أشركوا بالله وعصوا الرسول نوحا عليه السلام؛ فحل بهم العقاب الذي هو الطوفان العظيم فلم يكن حديث خرافة، وإنما كان حديث حق، ولقد ورد ذكر نوح – عليه السلام – في ثلاثة وأربعين موضعا من القرآن الكريم، وذكرت قصته مفصلة في السور التالية: الأعراف، وهود، والمؤمنون، والشعراء، والقمر، ونوح.

وأوضحت القصة أن قوم نوحـ عليه السلام – عكفوا على عبادة غير الله تعالى، واتخذوا لهم أصناما يعبدونها من دونه، فأرسل الله نوحا إليهم، واجتهد غاية الجهد في دعوتهم، وبذل منتهى وسعه[21] لكي يتبعه قومه في الإيمان بالله، ويقلعوا عن عبادة تلك الأصنام، وطال الزمن، وهو يقدم النصح والموعظة سرا وعلانية، وهم لا يزدادون إلا إعراضا وتأبيا[22] عن طريقته، حتى تبرموا به [23]، فأنالوه الأذى، فيئس نوح – عليه السلام – من هداية قومه، فأمره الله – عزوجل – بعمل الفلك؛ لتكون أداة لنجاته ومن معه من الغرق فسخر قومه منه، استبعادا منهم لوقوعه، فكان هو أيضا يسخر منهم، ومن غفلتهم عن الحق، وبلادتهم عن أخذ الحيطة لأنفسهم باتباعه بإحسان وتنجية أنفسهم، وصار نوح – عليه السلام – يتهددهم بذلك العذاب[24].

فلما استووا على ظهر السفينة هطلت[25] الأمطار، وانفجرت عيون الأرض، وحملت المياه السفينة ومن فيها، ومكثت ما شاء الله أن تمكث، إلى أن غرق كل ما على الأرض من إنسان وحيوان، ثم استقرت السفينة على الجودي من جبال أرارات من ديار بكر، وخرج من في السفينة، وبارك الله – عزوجل – فيهم فكثروا.

وصفوة القول: أن قوم نوح – عليه السلام – كفروا وعصوا الرسول فأغرقهم الله بالطوفان، ونجى نوحا ومن معه في الفلك، وجعل ذريته هم الباقين، قال عزوجل:)وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48)( (هود)[26]، وقال عزوجل: )كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16)( (القمر) [27].

الخلاصة:

كان للاكتشافات الأثرية الحديثة في بلاد الرافدين أثر كبير في الكشف عن آثار وجود طوفان عظيم حدث في العصور القديمة، مما يؤيد إمكانية حدوث مثل هذه الكارثة الأرضية.

النظرة المناخية التضاريسية للجزيرة العربية تبين أن الإنسان في الشرق الأدنى القديم كان لا يعيش على ضفاف الأنهار لكثرة الفيضانات، بل كان يعيش فوق المناطق الجبلية والهضاب خوفا من المياه.

ورود قصة الطوفان في الكتب المقدسة – وإن كانت متباينة في تفصيلاتها والمعلومات التي أوردتها – يؤكد وقوعها من الناحية التاريخية.

الطوفان معجزة [28] خارقة للعادة وبالتالي فليس من الصواب أن يكون العقل – ومجال عمله القوانين المطرده – هو المرجع في الحكم عليها بالنفي أو الإثبات وكذلك السفينة كانت بوحي من الله تعالى وتعليم الملائكة. فالمسألة مسألة إيمان قبل أي شيء لأن القرآن لم يذكر تفصيلاتها وإن كان العلم الحديث جاء مطابقا لما في القرآن تماما.

حديث القرآن الكريم عن الطوفان وقصة السفينة وهلاك الناس حديث صحيح، وقد أكدت الاكتشافات الحديثة العثور على بقايا سفينة نوح – عليه السلام – عند جبل أرارات من ديار بكر.

(*) آراء يهدمها الإسلام، د. شوقي أبو خليل، دار الفكر، بيروت، ط5، 1406هـ/ 1986م.

[1]. جاء في كتاب “الرياضيات المسلية” لـ “ياكوف بيريلمان”، فصل: الرياضيات وأسطورة الطوفان حرفيا ما يلي: نجد من بين الأساطير البالية الواردة في الكتب القديمة أسطورة تقول: إن العالم كله قد غرق في غابر الأزمان بفعل أمطار كانت أعلى من أعلى الجبال، وحسب ما يرد فإن الرب كان قد ندم مرة على أن خلق الإنسان على الأرض، وقال: سأهلك البشر الذين خلقتهم على سطح الأرض. وكان الإنسان الوحيد الذي أراد الله أن يرحمه عندئذ هو التقي نوح، لذلك فقد حذره الرب مما يجري من تحضيرات لهلاك العالم، فأمره ببناء سفينة كبيرة سميت “الفلك” بالمقاييس الآتية: “طول الفلك 300 ذراع، وعرضه 50 ذراعا، وارتفاعه 30 ذراعا، ويتألف من ثلاثة طوابق، وكان يجب أن ينجو على هذه السفينة نوح وأسرته وأسر أبنائه وأصناف الحيوانات على الأرض، وأصدر الرب أمره إلى نوح أن يأخذ في الفلك زوجا واحدا من كل أصناف الحيوانات، واختار الرب الفيضان الناجم عن الأمطار لإهلاك كل ما هو حي. ويذكر في الكتب القديمة أنه بعد سبعة أيام جاءت مياه الفيضان وهطلت الأمطار مدة 40 يوما و40 ليلة، وارتفع الفلك فوق الماء وغطت المياه كل الجبال العالية تحت السماء وارتفعت فوقها بمقدار 15 ذراعا، فهلك كل موجود على سطح الأرض وبقى نوح فقط وفلكه، وتروي الأسطورة أن المياه بقيت فوق الأرض مدة 110 أيام أخرى ثم اختفت، وغادر نوح الفلك ومعه كل الأحياء التي أنقذت لكي يعمر الأرض الخالية مرة أخرى. ثم يتساءل هؤلاء:

هل كان ممكنا حدوث مثل هذا السيل الذي غطى الكرة الأرضية كلها؟

هل كان يستطيع فلك نوح أن يتسع لكل أصناف حيوانات الأرض؟

 ثم أجابوا عن الأول بأنه غير ممكن؛ لأن مياه الجو لا تكفي لإحداث الفيضان، و أجابوا عن الثاني بأن السفينة كانت ضيقة، فلا يمكن أن تتسع لكل الحيوانات.

وانتهى هؤلاء إلى ما يأتي: إن الأسطورة القديمة عن الطوفان العظيم لا تتفق مع الحسابات الرياضية اليسيرة، لدرجة أنه من الصعب أن نجد في ها ولو جزءا صغيرا يطابق الواقع، وأغلب الظن أنها استوحيت من فيضان جزئي استغرق جزءا من الكرة الأرضية، أما الباقي فهو من ابتداع الخيال الشرقي الفني. (الرياضيات المسلية، بيريلمان، ترجمة د. إبراهيم محمود شوشة طباعة دار أمير للطباعة والنشر، موسكو، 1977م. فصل الرياضيات وأسطورة الطوفان، ص236).

[2]. الأركيولوجيا: Archaeology ــ Archeology علم الآثار القديمة، أو آثار حضارة أو شعب ما.

[3]. الجولوجيا: علم طبقات الأرض Geology، وتطلق أيضا على دراسة المادة الصلبة من جرم سماوي؛ كالقمر.

[4]. الغامرة: المغرقة المغطية لمعالم الأرض.

[5]. تاريخ الشرق الأدنى القديم، عبد العزيز عثمان، كلية الآداب، جامعة دمشق، سوريا، 1962م.

[6]. رأس العين: مدينة سورية إلى الغرب من القامشلي، وهي نبع نهر الخابور.

[7]. التنقيب: البحث عن الشيء والكشف عنه.

[8]. الدمى: جمع دمية، وهي الصورة المتمثلة من العاج وغيره، ويضرب بها المثل في الحسن.

[9]. الضئيل: القليل.

[10]. تاريخ الشرق الأدنى القديم، عبد العزيز عثمان، كلية الآداب، جامعة دمشق، سوريا، 1962م، ص11.

[11]. آراء يهدمها الإسلام، د. شوقي أبو خليل، دار الفكر، بيروت، ط5، 1406هـ/ 1986م، ص92.

[12]. ذراها: أعلاها.

[13]. هذا ما حدث بتاريخ 23 ـ 12 ـ 1985م في منطقة تبوك والعلا في المملكة العربية السعودية؛ حيث جرفت السيول والفيضانات ما اعترضها، تاركة وراءها أكثر من ثلاثين قتيلا.

[14]. آراء يهدمها الإسلام، د. شوقي أبو خليل، دار الفكر، بيروت، ط5، 1406هـ/ 1986م، ص95.

[15]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج9، ص32.

[16]. الخرق: المخالفة.

[17]. دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، موريس بوكاي، دار المعارف الأمريكية، مصر، د. ت، ص15.

[18]. الكتاب المقدس: العهد القديم عند اليهود، ومجموع العهدين عند النصارى.

[19]. دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، موريس بوكاي، دار المعارف الأمريكية، د. ت، ص246، 347.

[20]. تاريخ الشرق الأدنى القديم، عبد العزيز عثمان، كلية الآداب، جامعة دمشق، سوريا، 1962م، ص213.

[21]. وسعه: جهده.

[22]. تأبيا: رفضا.

[23]. تبرموا: سئموا منه وتضايقوا.

[24]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص48 بتصرف.

[25]. هطلت: سقطت وأمطرت بغزارة.

[26]. يخزيه: يذله. فار التنور: وجه الأرض؛ أي: نبع الماء منه. معزل: مكان منعزل. حال: فرق, وقف عائقا. غيض الماء: نقص وغار في الأرض.

[27]. آراء يهدمها الإسلام، د. شوقي أبو خليل، دار الفكر، بيروت، ط5، 1406هـ/ 1986م، ص91 وما بعدها.

[28]. المعجزة: الأمر الخارق للعادة يظهره الله على يد نبي؛ تأييدا لنبوته، وتكون من جنس ما نبغ فيه قومه. وقيل: هي أمر نادر الحدوث يعجز الإنسان العادي عن الإتيان بمثله. أو ما يخرج عن المألوف ويبعث على الإعجاب.

المصدر

ادعاء أن وقوع الكلام الأعجمي والغريب في القرآن الكريم ينافي كونه بلسان عربي مبين

مضمون الشبهة:

يتوهم بعض المغالطين أن في وجود كلمات أعجمية وأخرى غريبة في القرآن الكريم يتنافى مع قوله عز وجل: )نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195)( (الشعراء) **.

ويمثل بعضهم للأعجمي بكلمات مثل: “القرآن”؛ فهي من أصل سرياني، و “الفرقان”؛ فهي من أصل عبري، وللغريب بمثل كلمة: “أبا”.

وجوه إبطال الشبهة:

إن ما في القرآن من ألفاظ أعجمية أو غريبة لا ينافي كونه بلسان عربي مبين، بل يعضده ويثبته، أما ما توهمه بعضهم خلاف ذلك، فهو باطل من وجوه:

1) المقصود باللسان العربي: ما نطقت به العرب؛ لأنه أصبح من لغتهم وصار عربيا، حتى وإن كان من لغات أخرى.

2) إذا تأملنا مفهوم الغريب بالمعنى الذي أراده علماء اللغة والنقاد؛ فإنا لا نجد في القرآن الكريم لفظة واحدة من الغريب.

3) كلمتا “القرآن والفرقان” اللتان ادعى بعضهم عجمتهما ذواتا أصل عربي، وليستا من كلام العجم.

4) القرآن نزل بلسان عربي مبين، وورود بعض الكلمات ذات الأصل غير العربي فيه إنما هو من باب تداخل اللغات وتقارضها، وقد تم في اللغة قبل نزول القرآن.

التفصيل:

أولا. المقصود باللسان العربي: ما نطق به العرب، ودار على ألسنتهم؛ لأنه أصبح من لغتهم وصار عربيا، وإن كان من لغات أخرى، والمراد: أنه لم يأت بكلام جديد لا تعرفه العرب، فقبل أن ينزل القرآن كانت هذه الكلمات شائعة في اللسان العربي، ووجود مفردات غير عربية الأصل في القرآن أمر أقر به علماء المسلمين قديما وحديثا، ومن اليسير علينا أن نذكر كلمات أخرى وردت في القرآن غير عربية الأصل، مثل: “منسأة” بمعنى: “عصا” في سورة سبأ، و “اليم” بمعنى: “النهر” في سورة القصص وغيرهما.

إن كل ما في القرآن من كلمات غير عربية الأصل إنما هو ألفاظ مفردة: أسماء أعلام مثل: “إبراهيم، يعقوب، إسحاق، فرعون”، أو صفات مثل: “طاغوت، حبر”، وذلك إذا سلمنا بأن كلمة “طاغوت” أعجمية، والقرآن يخلو تماما من تراكيب غير عربية، فليس فيه جملة واحدة من غير اللغة العربية.

ووجود مفردات أجنبية في أية لغة؛ سواء أكانت اللغة العربية، أم غير العربية لا يخرج تلك اللغة عن أصالتها، ومن المعروف أن أسماء الأعلام لا تترجم إلى اللغة التي تستعملها حتى الآن؛ فالمتحدث بالإنجليزية إذا احتاج لذكر اسم من لغة غير لغته، يذكره برسمه ونطقه في لغته الأصلية – التي استعاره منها – ومن هذا ما نسمعه الآن في نشرات الأخبار باللغات الأجنبية في مصر، فإنها تنطق الأسماء العربية نطقا عربيا، ولا يقال: إن نشرة الأخبار ليست باللغة الفرنسية أو الإنجليزية مثلا؛ لمجرد أن بعض المفردات فيها نطقت بلغة أخرى.

وكذلك المؤلفات العلمية والأدبية الحديثة التي تكتب باللغة العربية، ويكثر فيها مؤلفوها من ذكر الأسماء الأجنبية، والمصادر التي نقلوا عنها، ويرسمونها بالأحرف الأجنبية والنطق الأجنبي، لا يقال: إنها مؤلفات غير عربية؛ لمجرد أن بعض الكلمات الأجنبية وردت فيها، والعكس صحيح.

وقد أسرف هؤلاء في نسبة بعض هذه المفردات التي ذكروها، وعزوها إلى غير العربية مثل: “الله، الزكاة، السكينة، آدم، الحور، السبت، السورة، مقاليد، عدن”… كل هذه مفردات عربية أصيلة لها جذور لغوية عريقة في اللغة العربية، وقد ورد في المعاجم العربية، وكتب فقه اللغة وغيرها تأصيل عربي لهذه الكلمات، فمثلا: “الزكاة” من زكا يزكو فهو زاك، وأصل هذه المادة بمعنى: الطهر والنماء[1].

وكذلك “السكينة” بمعنى: الثبات والقرار ضد الاضطراب لها جذر لغوي عميق في اللغة العربية، يقال: سكن بمعنى أقام، ويتفرع عنه: يسكن، ساكن، مسكن، أسكن[2].

إن بعض المفردات التي وردت في القرآن وظنها بعضهم أعجمية ليست كما ظنوا، بل إنها وإن لم تكن عربية في أصل الوضع اللغوي، فهي عربية باستعمال العرب لها قبل عصر نزول القرآن، وكانت سائغة ومستعملة بكثرة في اللسان العربي قبيل نزول القرآن، وبهذا الاستعمال فارقت أصلها غير العربي، وغدت عربية: نطقا واستعمالا وخطا.

قال ابن عطية: فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب وعربتها؛ فهي عربية بهذا الوجه، وقد كان للعرب العاربة – التي نزل القرآن بلسانها – بعض مخالطة لسائر الألسنة الأخرى؛ وذلك عن طريق التجارة، فمن المعروف أنه كان للعرب رحلتان في كل عام؛ رحلة إلى الشام صيفا ورحلة إلى اليمن شتاء، وأيضا السفر، كسفر ابن أبي عمرو إلى الشام، وسفر عمر بن الخطاب، وسفر عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد إلى الحبشة.. وهكذا.

وقد ذهب الطبري إلى أنه قد تتفق لغتان في لفظة.

إذن فورود مثل هذه الألفاظ في القرآن مع قلتها وندرتها إذا ما قيست بعدد كلمات القرآن لا يخرج القرآن عن كونه )بلسان عربي مبين(.

ومن أكذب الادعاءات أن يقال: إن لفظ الجلالة “الله” عبري أو سرياني، وإن القرآن أخذه عن هاتين اللغتين؛ إذ ليس لهذا اللفظ الجليل “الله” وجود في غير العربية؛ فالعبرية مثلا: تطلق على “الله” عدة إطلاقات؛ مثل: “إيل، الوهيم، أدوناي، يهوا، يهوفا”، فأين هذه الألفاظ من لفظ “الله” في اللغة العربية؟ وفي اللغة اليونانية التي ترجمت منها الأناجيل إلى اللغة العربية نجد لفظ الجلالة “الله” فيه” إلوي”، وقد وردت في بعض الأناجيل على لسان عيسى – عليه السلام – مستغيثا بربه هكذا: “إلوي إلوي” وترجمتها: “إلهي إلهي”.

ثانيا. لا وجود في القرآن لكلمة واحدة من الغريب حسب تعريف اللغويين والنقاد للغريب، فالغريب – الذي يعد عيبا في الكلام ينافي فصاحته وبلاغته – هو ما ليس له معنى يفهم منه على جهة الاحتمال أو القطع، وما ليس له وجود في المعاجم اللغوية، ولا أصل له في جذورها.

والغريب بهذا المعنى ليس له وجود في القرآن الكريم، ولا يحتج علينا بوجود الألفاظ التي استعملت في القرآن من غير اللغة العربية مثل: “إستبرق، سندس، اليم”؛ لأن هذه الألفاظ كانت مألوفة الاستعمال عند العرب حتى قبل نزول القرآن، وشائعة شيوعا ظاهرا في محادثاتهم اليومية وكتاباتهم الدورية[3].

ثم إن قيل إنها لم تكن عربية الأصل، فهي – بالإجماع – عربية الاستعمال، ومعانيها كانت – وما تزال – معروفة في القرآن، وفي الاستعمال العام، واللغة – كما هو معروف – بنت الاستعمال.

ومنها الكلمات التي ذكروها مما ليس عربيا؛ مثل: “غسلين”، ومعناها: الصديد، أي: صديد أهل النار، وما يسيل من أجسادهم من أثر الحريق، ولما كان يسيل من كل أجسامهم شبه بالماء الذي تغسل به الأدران، أما بناؤه على وزن “فعلين”، وظاهر أنه للمبالغة، ومثل: “قمطرير”، ومعناها: طويلا، أو شديدا، ومثل: “إستبرق”، ومعناها: الديباج، وهكذا كل ما في القرآن من ألفاظ غير عربية الأصل؛ فهي عربية الاستعمال بألفاظها ومعانيها، وكانت العرب تتداولها قبل نزول القرآن.

واستعارة اللغات من بعضها من سنن الاجتماع البشري، ودليل على حيويـة اللغـة، وهـذه الظاهـرة فاشيـة جـدا في اللغــات – حتى في العصر الحديث -، ويعرفها اللغويون بـ “التقارض بين اللغات”، سواء أكانت لغات سامية أم غيرها كالإنجليزية، والفرنسية… إلخ، وفي اللغة الإسبانية كلمات مستعملة حتى الآن من اللغة العربية.

أما ما اقترضته اللغة العربية من غيرها من اللغات القديمة، أو ما له وجود حتى الآن فقد اهتم به العلماء المسلمون ونصوا عليه كلمة كلمة، وأسموه بـ “المعرب” مثل كتاب العلامة الجواليقي، وقد يسمونه “الدخيل”.

وحتى لو جارينا هؤلاء الحاقدين، وسلمنا لهم جدلا بأن هذه الكلمات غريبة؛ لأنها غير عربية الأصل، فإنها كلمات من “المعرب” الذي عربه العرب واستعملوه بكثرة؛ فصار عربيا بالاستعمال، ومعانيه معروفة عند العرب قبل نزول القرآن، وما أكثر الكلمات التي دخلت اللغة العربية، وهجرت أصلها وصارت عربية، فهي – إذن – ليست غريبة؛ لأن الغريب هو ما لا يفهم معناه في اللغة المعنية، ولا وجود له في المعاجم اللغوية التي دونت فيها ألفاظ اللغة.

وقد يقال: كيف تنكرون “الغريب” في القرآن، وهو موجود باعتراف العلماء، مثل الإمام محمد بن مسلم بن قتيبة، العالم السني؛ فقد وضع كتابا في “غريب القرآن” وأورده على وفق ما جاء في سور القرآن سورة سورة؟ وكذلك صنع السجستاني وتفسيره لغريب القرآن مشهور، ومثله الراغب الأصفهاني في كتابه “المفردات في شرح غريب القرآن”. ثم الإمام جلال الدين السيوطي، فله كتاب يحمل اسم “مبهمات القرآن”!!

ألا يعد ذلك اعترافا صريحا من هؤلاء الأئمة الأفذاذ بورود الغريب في القرآن الكريم؟! ومن العلماء المحدثين الشيخ حسنين مخلوف، مفتي الديار المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، وكتابه “كلمات القرآن” لا يجهله أحد.

كما أن جميع مفسري القرآن قاموا بشرح ما رأوه غريبا في القرآن، فكيف يسوغ القول الآن بإنكار وجود الغريب في القرآن أمام هذه الحقائق التي لا تغيب عن أحد؟!

ونجيب فنقول: “إن الغريب الذي نسب في كتب العلماء رضي الله عنهم إلى القرآن، إنما هو غريب نسبي، وليس غريبا مطلقا؛ فالقرآن في عصر الرسالة، وعصر الخلفاء الراشدين كان مفهوما لجميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد في رواية صحيحة أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غاب عنهم فهم ألفاظ القرآن من حيث الدلالة اللغوية البحتة، وكل ما وردت به الرواية أن بعضهم سأل عن واحد من بضعة ألفاظ لا غير، وهي روايات مفتقرة إلى توثيق، وقرائن الأحوال ترجح عدم وقوعها، والألفاظ المسئول عنها هي: “غسلين، قسورة، أبا، فاطر، أواه، حنان”، وقد نسبوا الجهل بمعاني هذه الكلمات إما إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإما إلى ابن عباس – رضي الله عنهما – وكلا الرجلين أكبر من هذه الاتهامات.

ومما يضعف إسناد الجهل بمعنى كلمة “أبا” إلى عمر رضي الله عنه: أن عمر – كما تقول الرواية – سأل عن معناها في خلافته، مع أن سورة “عبس” التي وردت فيها هذه الكلمة من أوائل ما نزل بمكة قبل الهجرة، فهل يعقل أن يظل عمر جاهلا بمعنى “أبا” طوال هذه المدة؟!

أما ابن عباس – رضي الله عنه – فإن صحت الرواية عنه أنه سأل عن معاني “غسلين”، و “فاطر”، فإنه يحتمل أنه سأل عنها في حداثة سنه، ومشهور أن ابن عباس كان معروفا بـ “ترجمان القرآن”، ومعنى هذا أنه كان متمكنا من الفقه بمعاني القرآن، وقد ورد أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – دعا له قائلا: “اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل”.[4] هذا فيما يتعلق بشأن الروايات الواردة في هذا الصدد.

أما فيما يتعلق بالمؤلفات قديما وحديثا حول ما سمي بـ “غريب القرآن”، فنقول:

إن أول مؤلف وضع في بيان غريب القرآن هو كتاب “غريب القرآن” لابن قتيبة في القرن الثالث الهجري، وهذا يرجح أن ابن قتيبة لم يكتب هذا الكتاب للمسلمين العرب، بل كان القصد منه هو أبناء الشعوب غير العربية التي دخلت في الإسلام، وكانوا يتحدثون لغات غير اللغة العربية، أو للعرب الذين بعد عهدهم بالقرون الأولى للفصاحة والسلامة اللغوية، أو لاختلاطهم بغيرهم من أصحاب اللغات الأخرى؛ حيث دب اللحن وانتشر بينهم.

أما القرنان الأول والثاني الهجريان والنصف الأول من القرن الثالث، فلم يكن فيها – فيما نعلم – كتب حول بيان غريب القرآن، سوى تفسير عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – وكتاب “مجازات القرآن” لأبي عبيدة معمر بن المثنى، وهما ليسا من كتب الغريب، بل هما: محاولتان لتفسير القرآن الكريم: مفردات وتراكيب[5].

ولما تقادم الزمن على نزول القرآن، وضعف المحصول اللغوي عند الأجيال اللاحقة، قام بعض العلماء المتأخرين؛ مثل: الراغب الأصفهاني صاحب كتاب “مفردات القرآن”، و جلال الدين السيوطي صاحب كتاب “مبهمات القرآن” بوضع كتب تقرب كتاب الله إلى الفهم، وتقدم بيان بعض المفردات التي غابت معانيها واستعمالاتها عن الأجيال المتأخرة.

وعليه فإن ما يطلق عليه “غريب القرآن” في بعض المؤلفات التراثية – ومنها كتب علوم القرآن، وما تناوله مفسرو القرآن الكريم في تفاسيرهم – غريب نسبي لا مطلق؛ باعتبار أنه مستعار من لغات أخرى غير اللغة العربية، أو من لهجات عربية غير لهجة قريش التي بها نزل القرآن، وهو غريب نسبي باعتبار البيئات التي دخلها الإسلام، وأبناؤها دخلاء على اللغة العربية؛ لأن لهم لغات يتحدثون بها قبل دخولهم في الإسلام، وظلت تلك اللغات سائدة فيهم بعد دخولهم في الإسلام، وغريب نسبي باعتبار الأزمان، حتى في البيئات العربية؛ لأن الأجيال المتأخرة زمنا ضعفت صلتهم باللغة العربية الفصحى: مفردات وتراكيب، وكل هذه الطوائف – كانت وما تزال – في أمس الحاجة إلى ما يعينهم على فهم القرآن، وتذوق معانيه، والمدخل الرئيس لتذوق معاني القرآن هو فهم مفرداته وأساليبه.

والغريب النسبي بكل الاعتبارات المتقدمة غريب فصيح سائغ، وليس غريبا عديم المعني، أو لا وجود له في معاجم اللغة ومصادرها، وهذا موضع إجماع بين علماء اللغة والبيان في كل عصر ومصر، ولا وزن لقول من يزعم غير هذا من الكارهين لما أنزل الله على خاتم أنبيائه ورسله.

ومن أوائل من تكلم عن الغريب في القرآن ابن الأزرق، ونوجز القول عن قصته هنا إيجازا يكشف عن دورها في الانتصار للحق في مواجهة مثيري هذه الشبهات، و “مسائل ابن الأزرق” مسطورة في كثير من كتب التراث؛ مثل: ابن الأنباري في كتابه “الوقف”، والطبراني في كتابه “المعجم الكبير”، والمبرد في كتابه “الكامل”، والزركشي في كتابه “البرهان في علوم القرآن”، وجلال الدين السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن”… وغيرهم.

ولهذه المسائل قصة ملخصها: أن عبد الله بن عباس كان جالسا بجوار الكعبة يفسر القرآن الكريم، فأبصره رجلان هما: نافع بن الأزرق، ونجدة بن عويمر، فقال نافع لنجدة: “قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على القرآن ويفسره بما لا علم له به؛ فقاما إليه، فقالا له: إنا نريد أن نسألك عن أشياء في كتاب الله، فتفسرها لنا، وتأتينا بما يصادقه من كلام العرب، فإن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما، ثم أخذا يسألانه وهو يجيب بلا توقف، مستشهدا في إجاباته على كل كلمة قرآنية سألاه عنها بما يحفظه من الشعر العربي المأثور عن شعراء الجاهلية؛ ليبين للسائلين أن القرآن بلسان عربي مبين.

وقد جمع الإمام جلال الدين السيوطي هذه المسائل، وذكر منها مائة وثمان وثمانين كلمة، وقد حرص على ذكر إجابات ابن عباس – رضي الله عنه – عليها، وقال: إنه “أهمل نحو أربع عشرة كلمة من مجموع ما سئل عنه ابن عباس”.

وها نحن نورد بعض هذه النماذج:

عزين:

قال نافع بن الأزرق لابن عباس – رضي الله عنهما -: أخبرني عن قوله ـ عز وجل ـ: )عن اليميـن وعن الشمـال عزيـن (37)( (المعارج). فقال ابن عباس: عزين: الحلق من الرفاق. فسأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص:

فجاءوا يهرعون إليه حتى

يكونوا حول منبـره عزينا

يعني: جماعات يلتفون حول الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مشتق من الاعتزاء، أي: ينضم بعضهم إلى بعض. قال الراغب في “المفردات”: العزين: الجماعة المنتسب بعضها إلى بعض[6].

الوسيلة:

قال نافع: أخبرني عن قوله عز وجل: )وابتغوا إليه الوسيلة( (المائدة: ٣٥). قال ابن عباس: الوسيلة: الحاجة، قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول عنترة:

إن الرجال لهم إليك وسيلة

إن يأخذوك تكحلي وتخضبي

فالآية تعني: اطلبوا من الله حاجاتكم، واستعمال الوسيلة في معنى الحاجة كما فسرها ابن عباس فيها إلماح أن طريق قضاء الحوائج يكون إلى الله؛ لأن معنى الوسيلة: الطريق الموصل إلى الغايات.

شرعة ومنهاجا:

وسأله نافع عن “الشرعة” و “المنهاج” في قوله عز وجل: )لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا( (المائدة: 48)، فقال ابن عباس: “الشرعة”: الدين، و “المنهاج”: الطريق، واستشهد بقول أبى سفيان الحارث بن عبد المطلب:

لقد نطق المأمون بالصدق والهدى

وبين للإسلام دينا ومنهجا

ريشا:

وسأله نافع عن كلمة “ريشا” في قوله عز وجل: )يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26)( (الأعراف). ففسره ابن عباس بالمال، واستشهد بقول الشاعر:

فرشني بخير طالما قد بريتني

وخير الموالي من يريش ولا يبري

كبد:

وسأله نافع عن كلمة “كبد” في قوله عز وجل: )لقد خلقنا الإنسان في كبد (4)( (البلد). قال ابن عباس: في اعتدال واستقامة، ثم استشهد بقول لبيد بن ربيعة:

يا عين هلا بكيت أربد إذ

قمنا وقام الخصوم في كبد

وهكذا نهج ابن عباس في المسائل التي وجهت إليه كلها؛ يجيب عنها بسرعة مذهلة، وذاكرة حافظة لأشعار العرب، وسرعة بديهة في استحضار الشواهد الموافقة لفظا ومعنى للكلمات القرآنية التي سئل عنها[7].

وهذا يؤكد لنا حقيقتين أمام هذه الشبهات التي أثارها هؤلاء حول القرآن:

الأولى: كذب الادعاءات التي نسبت لابن عباس – رضي الله عنهما – من الجهل ببعض معاني كلمات القرآن، بل إنه كان على درجة عالية من الفهم والحفظ والفصاحة تدرأ عنه مظنة الجهل، وهو ترجمان القرآن.

الثانية: القرآن كله لا غريب فيه بمعنى الغريب الذي يعاب الكلام من أجله، وأن نسبة الغريب إليه في كتابات السلف تعني الغريب النسبي لا الغريب المطلق، وقد تقدم توضيح المراد من الغريب النسبي في هذا المبحث، باعتبار الزمان، وباعتبار البيئة والمكان، وأن ما وضعه القدماء من مؤلفات تشرح غريب القرآن إنما كان المقصود به إما أبناء الشعوب التي دخلت الإسلام من غير العرب. وإما للأجيال الإسلامية المتأخرة زمنا، والتي غابت عنها معاني بعض الألفاظ.

وقد يضاف إلى هذا كله الألفاظ المشتركة المعنى والمترادفة والمتضادة والاحتمالية. أما أن يكون في القرآن غريب لا معنى له فهذا محال[8].

ثالثا. “القرآن” و “الفرقان” كلمتان ذواتا أصل عربي، وليستا من كلام العجم؛ لأن الزعم بأن كلمة “الفرقان” ذات أصل عبري، وأنها تعني: المخلص والمنجي، وأن كلمة القرآن مشتقة من كلمة “قريانا” السريانية والتي معناها: القرأة المقدسة، وأنها عدلت إلى وزن “فعلان”، حتى تناسب الذوق العربي – كلام باطل إذا علمنا أن كلمتي “فرقان”، و “قرآن” أصولهما عربية؛ فأما كلمة “فرقان” فتدور معانيها حول التفرقة والتمييز عن طرق معرفة ما يميز كل عنصر؛ وغالبا ما تستخدم في مقامات التفرقة[9] بين الحق والباطل؛ فتكون حجة وبرهانا؛ ولذلك هي عربية معرقة في أصالتها.

أما كلمة “القرآن”[10]: فهي في الأصل مصدر على وزن “فعلان” بالضم؛ كالغفران والشكران والتكلان، تقول: قرأته قراءة وقرآنا بمعنى واحد أي: تلوته تلاوة، وقد جاء استعمال القرآن بهذا المعنى المصدري في قوله عز وجل: )إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأنـاه فاتبـع قرآنــه (18) ثـم إن علينـا بيانـه (19)( (القيامة)، ثم صار علما شخصيا لذلك الكتاب الكريم. وهذا هو الاستعمال الأغلب، ومنه قوله عز وجل: )إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم( (الإسراء: ٩)، ويطلق الاشتراك اللفظي على مجموع الكتاب، وعلى قطعة منه، فإذا سمعت من يتلو آية من القرآن صح أن تقول: إنه يقرأ القرآن.

ولو سلمنا – جدلا – بأن الكلمتين “القرآن، الفرقان” عبريتان أو سريانيتان كما يزعمون، فلنا أن نتساءل: أليست العبرية والسريانية منبثقتين من اللغة السامية التي تعد العربية إحدى فصائلها، وعلماء الساميات يقرون كلمات كثيرة مشتركة بين اللغات السامية حتى عصرنا الحاضر أو هي الأصل على ما قد قيل[11]؛ ولذلك فرد الكلمة إلى أصلها السامي واشتراك أكثر من لغة سامية في كلمة من الكلمات لا ينفي أصالة الكلمة في هذه اللغة.

ولا شك أن الهدف من وراء هذا التشكيك في أصالة المصطلحات الرئيسة في القرآن الكريم، وردها إلى أصول عبرية أو فارسية، أو سامية، أو آرامية، إنما هو استدراج للقارئ، وتمهيد لإقناعه بأن القرآن هو من اختراع محمد – صلى الله عليه وسلم – وتأليفه، وأنه قد تعلم هذه الألفاظ من اليهود والنصارى.

ويناقش د. عبد الرحمن بدوي مزاعم المستشرقين – في هذا الصدد – فيقول: ولكي نفترض صحة هذا الزعم فلا بد أن محمدا – صلى الله عليه وسلم – كان يعرف العبرية والسريانية واليونانية، ولا بد أنه كان لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كل الأدب التلمودي، والأناجيل المسيحية، ومختلف كتب الصلوات، وقرارات المجامع الكنيسية، وكذلك بعض أعمال الآباء اليونانيين وكتب مختلف الكنائس والملل والنحل المسيحية، ثم يعلق على ذلك فيقول: هل يمكن أن يعقل هذا الكلام الشاذ لهؤلاء الكتاب؟ إنه كلام لا برهان عليه.

إن حياة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – قبل ظهور رسالته وبعدها معروفة للجميع، ولا أحد – قديما أو حديثا – يمكنه أن يثبت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يعرف غير العربية؛ إذن كيف يمكن أن يستفيد من هذه المصادر كما يدعون؟!

والكل يتفق على أن اللغات: العربية والعبرية والسريانية تنتمي إلى سلالة لغوية واحدة هي سلالة اللغات السامية، ولا بد من أجل هذا أن يكون بينها الكثير من التشابه والتماثل؛ ومن ثم فإن القول: بأن إحدى اللغات قد استعارت ألفاظا بعينها من أخواتها هو ضرب من التعسف، لا دليل عليه.

ويمكن أن تكون هذه الألفاظ قد وجدت في العربية قبل زمن النبي – صلى الله عليه وسلم – بوقت طويل، واستقرت في اللغة العربية حتى أصبحت جزءا منها، وصارت من مفرداتها التي يروج استخدامها بين العرب.

رابعا. القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، ووجود بعض الكلمات التي تستعمل في لغات أخرى فيه؛ إنما هو من باب تداخل اللغات، ولا يقدح ذلك في أصالة اللغة إطلاقا، وذلك يتضح من خلال النقاط الآتية:

إن التوافق والتداخل والاشتراك بين اللغات في بعض الكلمات أمر شائع ومعروف ومألوف، وهو أمر قد قرره دارسو علم اللغات أنفسهم – قديما وحديثا ـ؛ فاللغة العبرية تشتمل على عدد غير قليل من الكلمات ذات الأصل العربي، ومع ذلك لا يقال عن الناطق بتلك الكلمات: إنه لا يتكلم العبرية.

وكذلك الشأن في اللغة التركية، واللغة السريانية أيضا تعد عند علماء اللسانيات شقيقة اللغة العربية في مجموعة اللغات السامية، وهي تشترك مع العربية في كلمات وعبارات وقواعد واشتقاقات كثيرة، ومثل هذه الكلمات المشتركة والمتداخلة يوجد الكثير منها في لغات العالم، وخصوصا بين الشعوب المتجاورة وذات الأصل الواحد القريب، ومنها: اللغات الكردية، والتركية، والفارسية، فلديها كلمات مشتركة كثيرة، وكذلك بالنسبة للغات ذات الأصل اللاتيني؛ كاللغة الفرنسية، والإسبانية، واللغات التي أصلها جرماني؛ كاللغة الإنجليزية، والألمانية، وعلى الرغم من ذلك فلا يقال في الكلمات المشتركة والمتداخلة بين اللغات: إن لغة ما أخذتها من الأخرى.

والتلاقح بين اللغات والتفاعل بينها عبر العصور والأزمان أمر واقع ومقرر، ومسألة التلاقح والتفاعل بين اللغة العربية واللغات الأخرى ليست وليدة اليوم، وإنما ترجع جذورها إلى العصور الزمنية التي سبقت دعوة الإسلام، وهو أمر مألوف ومشاهد بين لغات الناس اليوم؛ إذ إن ظاهرة التفاعل بين اللغات – كما يقرر علماء اللغات – سنة ثابتة من سنن الاجتماع البشري التي لا تتبدل ولا تتغير بتغير الأحوال والأزمان، وإذا تقرر هذا كان دليلا وشاهدا على ضعف هذه الشبهة وركاكتها، إذا وزنت بميزان العلم، أو قيست بمقياس الواقع.

إن ظاهرة التعريب في كلام العرب مقررة عند أهل العربية، والتعريب ليس أخذا للكلمة من اللغات الأخرى كما هي ووضعها في اللغة العربية، بل التعريب: أن تصاغ اللفظة الأعجمية بالوزن العربي؛ فتصبح عربية بعد وضعها على أوزان الألفاظ العربية كما أسلفنا، وإذا لم تكن على أوزان تفعيلاتها، أو لم توافق أي وزن من أوزان العرب عدلوا فيها بزيادة حرف أو بنقصان حرف أو حروف وصاغوها على الوزن العربي؛ فتصبح على وزن تفعيلاتهم، وحينئذ يأخذونها. يقول سيبويه في هذا الصدد: “كل ما أرادوا أن يعربـوه ألحقوه ببناء كلامهم، كما يلحقون الحروف بالحروف العربية”[12].

وإذا كانت ظاهرة التعريب أمرا ثابتا، وضرورة من ضروريات حياة اللغة نفسها، فلا يعول بعد هذا على من ينكر هذه الظاهرة، أو يقول بقول مخالف لما تقرر.

ومما يدفع هذه الشبهة من أساسها: واقع الشعر العربي في الجاهلية الذي نزل القرآن بلغته؛ فقد اشتمل هذا الشعر على ألفاظ معربة من قبل أن ينزل القرآن؛ مثل: كلمة “السجنجل”، وهي لغة رومية، ومعناها: المرآة، وقد وردت هذه الكلمة في شعر امرئ القيس في قوله:

مهفهفة[13] بيضاء غير مفاضة[14]

ترائبها[15] مصقولة كالسجنجل

وكذلك كلمة “الجمان” وهي: الدرة المصوغة من الفضة، وأصل هذا اللفظ فارسي، ثم عرب، وقد جاء في قول لبيد بن ربيعة في معلقته:

وتضيء في وجه الظلام[16] منيرة

كجمانة البحري سل نظامها

العرب الذين عاصروا نزول القرآن، وعارضوا دعوة الإسلام، لم يعرف عنهم أنهم نفوا عن تلك الألفاظ أن تكون ألفاظا عربية، وهم كانوا أولى من غيرهم في نفي ذلك لو كان، وهم أجدر أن يعلموا ما فيه من كلمات أعجمية لا يفهمونها، أو ليست من نسيج لسانهم العربي المبين، ولو كان شيء من ذلك القبيل موجودا لوجدوا ضالتهم في الرد على دعوة الإسلام، ومدافعة ما جاء به القرآن، أما وأنهم لم يفعلوا ذلك فقد دل هذا على تهافت هذه الدعوى، وسقوطها من أساسها جملة وتفصيلا.

(*) قناة الحياة الفضائية. عصمة القرآن الكريم وجهالات المبشرين، د. إبراهيم عوض، مكتبة زهراء الشرق، مصر، 2004م. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م. المستشرقون والقرآن، د. إسماعيل سالم عبد العال، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1410 هـ/ 1990م.

www.Ladeenin.net. www.islameat.com. www.alkalema.com.

ويقصدون بالكلام الأعجمي: ما كان له أصول من لغات أخرى؛ كالفارسية والهندية.. إلخ. ومن أمثلتهم: إستبرق، صراط، هاروت، أباريق.. إلخ. والكلام الغريب: الكلام الذي لم تألفه أسماع العرب؛ مثل كلمة “أبا” التي استغلقت على فهم سيدنا عمر رضي الله عنه.

[1]. لسان العرب، ابن منظور، دار الفكر، بيروت، 1994م، مادة: زكا.

[2]. لسان العرب، ابن منظور، دار الفكر، بيروت، 1994م، مادة: سكن.

[3]. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م، ص57، 58.

[4]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (2397)، وابن حبان في صحيحه، كتاب إخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند مناقب الصحابة (7055)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2589).

[5]. هذا وقد ظهرت مؤلفات أخرى في هذا الموضوع مثل “معاني القرآن” للفراء، وغيره من الأقدمين، وهي ليست من كتب الغريب، بل لها مجالات بحث أخرى؛ كالقراءات.

[6]. ومنه قول العامة “عزوة”، أي: جماعة. انظر حرفي العين والزاي في: المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، دار المعرفة، بيروت، د. ت.

[7]. انظر: الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، ط1، 1417هـ/ 1996م، ج2، ص430 وما بعدها.

[8]. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م، ص131: 138.

[9]. فرق بين القوم: أحدث بينهم فرقة، وبين المتشابهين: ميز بعضهما من بعض، وفرق القاضي بين الزوجين: حكم بالطلاق بينهما، وافترق القوم: فارق بعضهم بعضا، وتفرق الشيء تفرقا: تبدد، وتفرق الرجلان: ذهب كل منهما في طريق. والفارق: ما يميز أمرا من أمر. والفاروق: من يفرق بين الحق والباطل، وهو نعت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والفرقان: هو القرآن، كما في القرآن: ) تبارك الذي نزل الفرقان ( (الفرقان: ١)، والفرقان: يوم بدر، والفرقان: كل ما فرق به بين الحق والباطل.

[10]. روعي في تسميته “قرآنا” كونه متلوا بالألسن، كما روعي في تسميته “كتابا” كونه مدونا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى حقه من العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، نعني: أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا.

[11]. للمزيد راجع: الحلقة المفقودة في امتداد اللهجات السامية، عبد الرحمن الرفاعي، تقديم: د. كمال بشر، دار الطائف، القاهرة، 2007م.

[12]. الكتاب، سيبويه، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، ط1، د. ت، ج4، ص304.

[13]. المهفهفة: لطيفة الخصر، ضامرة البطن.

[14]. المفاضة: المرأة العظيمة البطن المسترخية اللحم.

[15]. الترائب: جمع تريبة، وهي موضع القلادة من الصدر.

[16]. وجه الظلام: أوله.

المصدر

ادعاء تناقض القرآن حول تفضيل بعض الرسل على بعض(*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المغالطين أن في القرآن الكريم تناقضا حول مسألة تفضيل بعض الرسل على بعض، مستدلين على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: )تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات( (البقرة: 253). وقوله سبحانه وتعالى: )آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله( (البقرة: 285). كما يزعمون أن المسلمين يتعصبون لنبيهم، ويفرقون بينه وبين سائر الأنبياء، ويستدلون على ذلك بقول المسلمين عن أي نبي غير نبيهم: عليه السلام، ويقولون عن نبيهم: صلى الله عليه وسلم.

وجوه إبطال الشبهة:

1)  لا تناقض بين آيات القرآن الكريم؛ لأن هناك فرقا كبيرا بين التفضيل بين الأنبياء والتفريق بينهم، فالتفاضل بين الأنبياء جائز؛ لأنهم متفاوتون في درجاتهم وقربهم من الله، أما التفريق فيعني الإيمان ببعضهم دون بعض.

2)     لقد جعل الله الأنبياء درجات، وفضل بعضهم على بعض، وحق التفضيل هذا له وحده لا للمسلمين ولا لغيرهم.

3)  المسلمون لا يتعصبون لنبيهم – صلى الله عليه وسلم – ولكنهم يفضلون من فضله الله تعالى، وصيغة الصلاة والسلام على النبي إنما هي امتثال لأمر الله تعالى، ولم يبتدعها المسلمون من عند أنفسهم.

التفصيل:

أولا. لا تناقض بين آيات القرآن الكريم؛ لأن هناك فرقا كبيرا بين التفضيل بين الأنبياء والتفريق بينهم:

إن المتأمل قوله سبحانه وتعالى: )تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض( (البقرة: ٢٥٣)، وقوله سبحانه وتعالى: )لا نفرق بين أحد من رسله( (البقرة: ٢٨٥) لا يجد هذا التناقض الذي يدعيه هؤلاء، فقوله سبحانه وتعالى: )تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض( إخبار أن الله – عز وجل – فضل بعض النبيين على بعض، فالتفضيل من الله وليس من غيره، فقوله: )تلك الرسل( استئناف مشعر بالترقي: )فضلنا بعضهم على بعض( بأن خصصنا بعضهم بمنقبة ليست لبعضهم الآخر.

وقيل: المراد التفضيل بالشرائع، فمنهم من شرع ومنهم من لم يشرع، وقيل: هو تفضيل بالدرجات الأخروية، )منهم من كلم الله( تفصيل للتفضيل المذكور وهذا التفضيل كان لموسى عليه السلام: )ورفع بعضهم درجات( أي: ومنهم من رفعه الله – سبحانه وتعالى – على غيره من الرسل بمراتب متباعدة ومن وجوه متعددة، وتغيير الأسلوب لترتيب ما بينهم من اختلاف الحال في درجات الشرف.

إذن فهناك تفاوت بين الرسل كتفاوتهم في قدمهم في الجهاد، والصبر على المحن والبلاء، ومتفاوتون في أعمارهم التي أفنوها في سبيل الله، فالتفضيل حسب جهد كل واحد منهم، وجهاده في الدعوة إلى دين الله، وتحمل المشاق والبلاء في سبيلها، كأولي العزم من الرسل، وليس التفضيل محاباة من الله – عز وجل – لأحد.

إذن فقد شاء الله – عز وجل – أن يكون الرسل والأنبياء الذين بعثهم على مر العصور متفاوتين في درجاتهم وقربهم من الله عز وجل.. والجامع المشترك بينهم أنهم جميعا مؤيدون بالوحي من الله – عز وجل – وأن على الناس أن يؤمنوا بهم جميعا، أي: أن يؤمنوا بأنهم رسل أرسلوا إلى أقوامهم، وأنهم جميعا بعثوا بعقيدة واحدة[1].

أما قوله سبحانه وتعالى: )لا نفرق بين أحد من رسله( (البقرة: ٢٨٥) فإن المراد بالتفريق بين الرسل هنا هو أن يؤمن الإنسان ببعض الرسل ويكفر ببعض، كما فعل أهل الكتاب – اليهود والنصارى – حيث آمنوا برسالة بعض الأنبياء، وكفروا برسالة آخرين، ففرقوا بين الرسل، وقد وضح الله – سبحانه وتعالى – هذا المعنى في آيات كثيرة منها قوله سبحانه وتعالى: )إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151)( (النساء). [2]

إذن فليس المراد من النهي عن التفريق بين الرسل في القرآن الكريم هو النهي عن التفضيل بينهم؛ لأنه – كما رأينا – هناك فرق كبير بين التفريق بين الرسل والتفضيل بينهم؛ وعليه فيجوز التفضيل بين الأنبياء، ولكن لا يجوز بحال من الأحوال التفريق بينهم في الإسلام.

ثانيا. لقد جعل الله الأنبياء درجات، وفضل بعضهم على بعض، وحق التفضيل هذا لله وحده:

إن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله، وليست بمعلومة عند البشر والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلا، وهذا مفضولا، لا العلم ببعضها، أو بأكثرها، أو بأقلها، فإن ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم يرد إلا في القرآن إخبارنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفاضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوا بين أنبياء الله».[3]

وجاء أن عفريتا تفلت على النبي – صلى الله عليه وسلم – ليقطع عليه الصلاة، وبعد زجره عدة مرات أمكنه الله منه، وأراد أن يربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى ينظر إليه جميع الصحابة، فقال: «ثم ذكرت قول أخي سليمان: )قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي( (ص:٣٥)».[4] وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى»[5]. والقرآن يخبر أن الله فضل بعض الأنبياء على بعض، ويبين أن الإيمان بهم يكون بلا تفضيل؛ لأنهم جميعا أنبياء الله سبحانه وتعالى.

على أننا ننبه أن نهي النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه والمسلمين من بعدهم عن التفضيل بين الأنبياء في هذه الأحاديث، إنما هو التفضيل القائم على الحمية والعصبية والانتقاص، أو التفضيل الذي يمكن أن يؤدي إلى خصومة أو فتنة بين المسلمين وأهل الكتاب، وعليه فهذا النهي ليس مطلقا ولا يتعارض مع آيات القرآن التي جاء فيها ذكر لتفضيل بعض الأنبياء على بعض، فمن الثابت أن هؤلاء الأنبياء الأطهار ليسوا بدرجة واحدة من الفضل والمكانة، بل بعضهم أفضل من بعض، وقد جعلهم الله – عز وجل – درجات، فأفضل الرسل هم أولو العزم، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد – عليهم الصلاة والسلام – فمنهم من فضل بتكليم الله مباشرة؛ مثل موسى – عليه السلام – على جبل الطور، ومحمد – صلى الله عليه وسلم – في ليلة المعراج، قال سبحانه وتعالى: )تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات( (البقرة: 253).

قال المفسرون: أراد بقوله: )ورفع بعضهم درجات( محمدا – صلى الله عليه وسلم – لأنه بعث إلى الأحمر والأسود، أي: العرب والعجم، وظهرت على يديه المعجزات الكثيرة، وأحلت له الغنائم، ولم تحل لأحد قبله، وليس أحد من الأنبياء أعطي فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطي محمد – صلى الله عليه وسلم – مثلها. ومن فضائله: أن الله – عز وجل – خاطب الأنبياء بأسمائهم مثل: يا آدم، ويا نوح، ويا إبراهيم، ويا موسى، ويا عيسى، وخاطب نبينا بالنبوة والرسالة في كلامه القديم، فقال: )يا أيها النبي( و )يا أيها الرسول( وأمر الله المؤمنين بمخاطبته بوصف الرسالة في قوله: )لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا( (النور: ٦٣)[6].

 وورد في القرآن الكريم جملة أخبار تبين عظم قدر النبي – صلى الله عليه وسلم – وشريف منزلته وتفضيله على بقية الأنبياء، منها قوله سبحانه وتعالى: )وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81)( (آل عمران).

قال أبو الحسن القابسي: اختص الله تعالى محمدا – صلى الله عليه وسلم – بفضل لم يؤته غيره، أبانه به وهو ما ذكره في هذه الآية. قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي، فلم يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا – صلى الله عليه وسلم – ونعته، وأخذ عليه ميثاقه: إن أدركه ليؤمنن به.

إن آيات كثيرة تضمنت فضل النبي – صلى الله عليه وسلم – وفضائله من وجوه متعددة، منها قوله سبحانه وتعالى: )وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7)( (الأحزاب). ومنها قوله سبحانه وتعالى: )إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا (163) ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (165) لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا (166)( (النساء).

قال عمر – رضي الله عنه – في كلام أبكى به النبي صلى الله عليه وسلم: “بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء، وذكرك في أولهم، فقال: )وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7)( (الأحزاب).

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك، وهم بين أطباقها يعذبون: )يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66)( (الأحزاب)، أي: فلم يصبنا هذا العذاب. تمنوا حيث لا ينفعهم التمني من جميع الأبواب.[7] قال أبو الليث السمرقندي: في هذا تفضيل نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – لتخصيصه بالذكر قبلهم، وهو آخرهم بعثا.

والمعنى: أخذ الله – عز وجل – عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم كالذر [8] بأن يؤمنوا بمحمد – صلى الله عليه وسلم – ويتبعوه.

دلت هذه النصوص القرآنية على تفضيل النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – على جميع الأنبياء، وإن كان متأخرا عنهم في الزمان، ويؤكدها أحاديث؛ منها: ما جاء عن أبي أمامة الباهلي – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن الله – عز وجل – فضلني على الأنبياء»[9].

ثالثا. المسلمون لا يتعصبون لنبيهم، ولكنهم يفضلون من فضله الله:

المسلمون ينقلون بأمانة عن الله – عز وجل – فهم شهداء على الأمم، وحينما يذكرون أحدا بالفضل، فليس ذلك راجعا لأنفسهم وأهوائهم، ولكنهم يفضلون من فضله الله.

فالمسلمون لا يتعصبون لمحمد – صلى الله عليه وسلم – ولكنهم ينقلون ما خصه الله تعالى به، وعندما يذكرونه بالفضل فما ذلك إلا لأن الله تعالى هو الذي فضله وخصه بما لم يخص به أحدا من خلقه: لا من الرسل ولا من الملائكة ولا غيرهم، والله سبحانه وتعالى – يقول عن أنبيائه: )قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59)( (النمل)، وقال سبحانه وتعالى: )سلام على نوح في العالمين (79)( (الصافات)، وقال سبحانه وتعالى: )فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79)( (النمل)، وقال سبحانه وتعالى: )وسلام على المرسلين (181)( (الصافات). فاكتفى سبحانه بالسلام على المرسلين فقط.

أما عن نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – فقد قال الله – سبحانه وتعالى – في حقه: )إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (56)( (الأحزاب)، والمسلمون لم يغيروا ولم يعدلوا، ولم يزيدوا ولم ينقصوا عما شرعه الله عز وجل.

وعليه فهم حينما يقولون عن أي نبي غير محمد: عليه السلام، وحينما يقولون عنه: صلى الله عليه وسلم، إنما يمتثلون لأمر الله تعالى لهم. والنبي – صلى الله عليه وسلم – جدير بكل تكريم، وأهل لكل تفضيل، فمن مثله جاهد؟ ومن تحمل من الأعباء مثلما تحمل؟ ومن خاطب الأمم كلها كما خاطب؟ ومن عم خيره ونفعه العالمين مثله؟ ومن أحدث تحولا في البشرية كلها كما فعل؟

فإذا نال النبي – صلى الله عليه وسلم – من ربه من الفضل ما لم ينله غيره؛ فلأنه كلف بما لم يكلف به غيره، أو تجمل بالأخلاق الجامعة بما تفرق في غيره، ثم إن الله – عز وجل – وضعه أمام مسئولياته، وسأله عن كل ما كلفه به، وهكذا فما من تشريف، إلا وهو مصحوب بتكليف.

الخلاصة:

الإيمان بالرسل جميعا واجب على المسلم؛ إذ لا يتم إيمان العبد إلا بالإيمان بهم جميعا بدون تفرقة، فمن آمن ببعضهم وكفر ببعضهم، فقد كفر بالله – عز وجل – ومن آمن بهم جميعا إلا عيسى، أو موسى، أو محمد – صلى الله عليه وسلم – فهو كافر أيضا، وأما التفضيل في قوله سبحانه وتعالى: )تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض( فهذا التفضيل خاص بالله – سبحانه وتعالى – وليس لنا – نحن البشر – أن نفرق بينهم، إنما الواجب علينا أن نؤمن بهم جميعا، لا نفرق بين أحد منهم.

المسلمون لا يتعصبون لمحمد – صلى الله عليه وسلم – ولكنهم ينقلون ما خصه الله – عز وجل – به، وعندما يذكرونه بالفضل، فما ذلك إلا لأن الله – عز وجل – هو الذي فضله وخصه، بما لم يخص به أحدا من خلقه، لا من الرسل ولا من الملائكة ولا غيرهم، والله – سبحانه وتعالى – قال عن أنبيائه: )قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى( (النمل: ٥٩)، وقال عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: )إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (56)( (الأحزاب).

(*) بين الدين والحياة في رحلة قطار، د. عبد الحليم حفني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994م.

[1]. لا يأتيه الباطل، د. محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، دمشق، ط1، 1428 هـ/ 2007م، ص122.

[2]. النبوة والأنبياء، محمد علي الصابوني، دار الصابوني، مكة المكرمة، 1390هـ، ص18 بتصرف.

[3]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ) وإن يونس لمن المرسلين (139) ( (الصافات) (3233)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى عليه السلام (6300).

[4]. أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب المساجد، باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد (449)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه (1237).

[5]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ) وهل أتاك حديث موسى (9) ( (طه) (3215)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب ذكر يونس عليه السلام (6310).

[6]. شمائل المصطفى، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط1، 2006م، ص48.

[7]. شمائل المصطفى، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط1، 2006م، ص49، 50.

[8]. الذر: هو صغار النمل.

[9]. صحيح: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (8/ 257) برقم (8001)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1780).

المصدر

ادعاء خطأ القرآن في عدم ذكر سبب انتباذ مريم العذراء (*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن أخطأ؛ لأنه لم يذكر السبب في انتباذ مريم مكانا شرقيا، واتخاذها حجابا من دون أهلها. ويتساءلون: هل تشاجرت مريم مع أهلها، وهم المشهورون بالتقوى؟ كما أن القرآن يقول: إنها كانت في المحراب في كفالة زكريا في حين يقول الإنجيل: إن مريم كانت في الناصرة.

وجها إبطال الشبهة:

1) هذه الدعوى لا أساس لها من الصحة؛ لأن المتأمل في القرآن الكريم، يجد أن هذه القصة سيقت لبيان سبب انتباذ مريم عليها السلام.

وكان هذا الانتباذ مرتين:

الأولى: مكانا شرقيا للعبادة والتنسك.

الثانية: مكانا قصيا أي بعيدا، وذلك بعدما أحست بحملها خوفا من رميها بالمنكر، أو أن تمس بسوء.

2) قول الأناجيل: إن مريم كانت في الناصرة – إن صح ذلك – فقد يكون في بعض تنقلاتها، فقد ذكروا أيضا أنها جاءت إلى مصر.

التفصيل:

أولا. كيف يدعي هؤلاء أن القرآن لم يذكر سبب انتباذ مريم عليها السلام، والقصة كلها مسوقة من أجل هذا الغرض:

إن هذا يدل على أن القوم حينما قرءوا القصة في القرآن لم يعقلوا منها شيئا؛ حيث إنهم لم يفهموا الغرض الواضح الذي من أجله سيقت القصة.

لقد انتبذت مريم من أهلها مرتين:

الأولى: انتبذت مكانا شرقيا للعبادة والتنسك.

الثانية: انتبذت مكانا قصيا بعيدا، وذلك بعدما أحست بحملها؛ خوفا من رميها بالمنكر، أو أن تـمس بسوء.

والمقصود بالانتباذ هنا التنحي والتباعد، وانتبذت: أي تنحت وتباعدت، والانتباذ هو الاعتزال والانفراد[1].

أما عن المرة الأولى وهي الواردة في بداية القصة في سورة مريم: )واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17)( (مريم). والسبب في هذا الانتباذ إذا لم يكن مفهوما هنا، هو عبادة الله والخلوة بمناجاته، فإنه قد ذكر صراحة في: )إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (35)( (آل عمران).

وبذلك يتبين لنا أن مريم – عليها السلام – كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه، فتنحت عن الناس لذلك ودخلت المسجد إلى جانب المحراب من جهته الشرقية لتخلو للعبادة فيه، فدخل عليها جبريل – عليه السلام – فقوله: “مكانا شرقيا” أي: مكانا من جانب الشرق، والشرق بسكون الراء: المكان الذي تشرق فيه الشمس، والشرق بفتح الراء: الشمس، وإنما خص المكان بالشرق؛ لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق من حيث تطلع الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها[2].

إذن لم يكن اعتزال السيدة مريم بسبب مشاجرة مع أهلها، كما يفترض هؤلاء هذا الافتراض السخيف الذي لا يخطر ببال عاقل يتابع ويفهم ما جاء في القرآن الكريم عن مريم – عليها السلام – ونشأتها وأبويها، وقد تعودنا ونحن نقرأ قصص القرآن أن نلاحظ أن كثيرا من التفاصيل تطوى ولا تذكر، خاصة إذا كانت تفهم من سياق القصة ولا حاجة لذكرها ولا جدوى منه.

والذي يفهم من حال مريم أنها اتخذت مكانا شرقي بيت المقدس بمعزل عن الناس؛ إمعانا في عبادة الله والأنس به وحده، وحتى لا يشغلها شاغل من البشر عن عبادة ربها[3].

وليس بلازم أن يكون المكان الذي “انتبذته” مكانا بعيدا جدا يخشى عليها فيه الخطر بسبب بعده، ولكنه يكفي لأن يكون بعيدا عن الاختلاط بالناس.

جاء في رسالة يعقوب: أن مريم وهي في سن الثالثة ذهبت بها أمها بصحبة أبيها إلى أورشليم، وسلماها إلى كهنة هيكل سليمان، وكانت علامات السرور تبدو عليها، ثم تركاها ورجعا إلى أورشليم، وعاشت مع الراهبات المنذورات إلى أن حبلت.

وإن نظرنا في خريطة فلسطين، نجد حبرون أسفل أورشليم، وقريبة منها، ونجد الناصرة على الخط نفسه وبعيدة عن أورشليم؛ فتكون أورشليم غرب الناصرة، وشرق حبرون.

أما المرة الثانية التي ذكرها القرآن بشأن انتباذ مريم فكانت بعدما أحست بحملها فخافت أن يرميها قومها بالمنكر: )فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23)( (مريم).

إذن كان خروج مريم – عليها السلام – في هذه المرة خوفا من القيل والقال، وحتى لا تمس بسوء، وقيل: “انتبذت مكانا قصيا” أي: اعتزلت بحملها وتنحت به عن الناس مكانا نائيا.[4]وقيل في “زوائد الزهد” عن نوفل: إن جبريل نفخ في جيبها فحملت حتى أثقلت وآلمها ما يؤلم النساء، وكانت في بيت نبوة فاستحيت وهربت؛ حياء من قومها، فأخذت نحو المشرق.[5] [6] وكان من فيض كرم الله عليها أنه هيأ لها الطعام والشراب والمأوى.

ولما حملت مريم – عليها السلام – ضاقت بحملها ذرعا، وعلمت أن كثيرا من الناس سيتكلمون في حقها، وهذا ما حدث، حيث تعجب “يوسف بن يعقوب النجار” وكان ابن خالها، فجعل يتعجب من ذلك عجبا شديدا؛ وذلك لما يعلم من ديانتها، ونزاهتها وعبادتها.

بل وصل الأمر إلى أكبر من ذلك حيث اتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد، وتوارت عنهم مريم، واعتزلتهم، وانتبذت مكانا قصيا، وألجأها المخاض واضطرها إلى جذع النخلة الذي كان يابسا، ولكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لبى حاجتها إلى الطعام والشــراب، حيـث قـال سبحانـه وتعالـى: )وهـزي إليك بجــذع النخلة تساقـط عليـك رطبـا جنيــا (25)( (مريم)، وقوله سبحانه وتعالى: )فكلي واشربي وقري عينا( (مريم: ٢٦)[7].

ثانيا. إن صح قول الأناجيل بأن مريم كانت في الناصرة، فإنما كان ذلك في بعض تنقلاتها:

لما كبرت السيدة مريم – عليها السلام – تفرغت للعبادة، وأوغلت فيها باعتزالها، فكانت البشرى بعيسى في قمة عبادتها لربها وأنسها به، وأما قول الإنجيل: إن مريم كانت في الناصرة، فعلى فرض صحته فإن ذلك يكون في بعض تنقلاتها، فقد ذكروا أيضا أنها جاءت إلى مصر.

وقد تبين أن الناصرة من نصيب سبط زبولون – وهو من أسباط السامريين – وهي من سبط يهوذا – على حد زعمهم – فكيف تكون من سكان الناصرة؟! وإذا كانت من سكان الناصرة، فلماذا أتت إلى أورشليم لتعد مع سكانها، وسكان أورشليم من سبطي يهوذا وبنيامين؟ فالحق ما قاله القرآن إنها كانت هارونية، ومعلوم أن زكريا وامرأته، ويوحنا المعمدان كانوا من التابعين لأهل أورشليم[8].

الخلاصة:

لم يكن اعتزال السيدة مريم – عليها السلام – بسبب مشاجرة مع أهلها كما يفترض بعض المتوهمين، بل كان اعتزالا للناس، وخلوة لعبادة الله، كما أن هناك كثيرا من التفاصيل لا تذكر في القرآن؛ لأنها تفهم من سياق الكلام، ولا حاجة لذكرها.

الانتباذ لا يدل على مشاجرة، أو كراهية، ولكنه هنا بمعنى الابتعاد والاعتزال، كما حدث مع موسى وهو طفل، ثم إن خروج مريم – عليها السلام – كان خوفا من القيل والقال، وحتى لا تمس بسوء، وقد حفظها الله سبحانه وتعالى – ورزقها المأوى والطعام والشراب.

الإعجاز في ولادة مريم هو الذي أثار تعجب اليهود، وظنوا بها أسوأ الظنون بعد أن غابت عنهم لبعض الوقت.

إذا سلمنا جدلا بقول الأناجيل: إن مريم كانت في الناصرة، فإن ذلك يكون في بعض تنقلاتها، حيث ذكروا أيضا أنها جاءت إلى مصر.

(*) هل القرآن معصوم؟ موقع إسلاميات. www.Islamiyat.com

[1]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج11، ص90.

[2]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ص90.

[3]. انظر: تفسير القاسمي، محمد جمال الدين القاسمي، دار الحديث، القاهرة، ط1، 2003م، ج7، ص94 وما بعدها.

[4]. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1420هـ/ 2000م، عند تفسير الآية.

[5]. أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (6/ 51).

[6]. روح المعاني، الألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت، عند تفسير الآية.

[7]. قصص الأنبياء، ابن كثير، تحقيق: محمد بن الملك الزغبي، دار المنار، القاهرة، 1421هـ/ 2001م، ص422: 424.

[8]. انظر: حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425/ 2004م، ص475. أضواء على المسيحية، أحمد ديدات، ترجمة: عادل جلول، دار القارئ، بيروت، ط1، 1425 هـ/ 2004م. قصص الأنبياء، ابن كثير، تحقيق: محمد بن الملك الزغبي، دار المنار، القاهرة، 1421هـ/ 2001م، ط1، 2001م.

المصدر

ادعاء تناقض القرآن في مادة خلق آدم عليه السلام، ومخالفته لما ورد في السنة النبوية

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن مضطرب في حديثه عن مادة خلق آدم عليه السلام، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: )إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون( (59) (آل عمران)، وقوله عز وجل: )ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12)( (المؤمنون)، وقوله عز وجل: )فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11)( (الصافات)، وقوله سبحانه وتعالى: )ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26)( (الحجر). وقوله عز وجل: )والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45)( (النور). ففي الموضع الأول يذكر أن مادة خلق آدم هي التراب، وفي الثاني أن مادة الخلق هي الطين، وفي الثالث أن مادة الخلق هي الطين اللازب[1]، وفي الرابع أن مادة الخلق هي الحمأ[2] المسنون[3]، وفي الخامس أن مادة الخلق هي الماء، في حين أن السنة ذكرت أن الله خلق آدم علي صورته.

وهم بذلك يشككون في اتساق آيات القرآن من جهة، ويزعمون مخالفتها لأحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – من جهة أخرى.

وجها إبطال الشبهة:

1) الفهم السليم لمراحل خلق آدم من: التراب اليابس والطين، والطين المتماسك، والحمأ والصلصال، وطبيعة كل مرحلة ـ يزيل هذا الادعاء الباطل بوقوع الاضطراب في القرآن.

2) سبب ورود حديث خلق آدم وتأويلات العلماء له يثبتان عدم التشبيه بين آدم – عليه السلام – والله – عز وجل – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا – والحديث خبر آحاد من المتشابه الذي يرد إلى المحكم قطعي الثبوت، وهو القرآن الكريم، وعليه فلا تعارض بين القرآن والسنة.

التفصيل:

أولا. الفهم الصحيح لمراحل خلق آدم يزيل هذا الادعاء:

إن حديث القرآن الكريم عن خلق آدم موزع في سور القرآن: (آل عمران، والنور، والحجر، والصافات، وغيرها)، وهذا لا يعني تعارضا أو اضطرابا، فالآيات على تعددها تذكر مراحل تكون آدم، وعناصر تكوينه، فحين يذكر القرآن أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم من تراب فهذا حق؛ لأن التراب عنصر تكوينه الأول، قال سبحانه وتعالى: )إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59)( (آل عمران)، وعندما يذكر أن آدم خلق من طين فهو حق أيضا، قال تعالى: )ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12)( (المؤمنون) ولا تناقض بين هذا النص وسابقه؛ فإن الماء إذا صب على التراب صار طينا، وقال الله – سبحانه وتعالى – أيضا: )والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45)( (النور)، وعندما نقرأ قوله عز وجل: )فاستفتهـم أهـم أشـد خلقـا أم مـن خلقنـا إنـا خلقناهـم مـن طيـــن لازب (11)( (الصافات)، فهذا حق أيضا؛ لأن الطين إذا مكث فترة فإنه يصير لازبا؛ إذ إن لازبا بمعنى لاصقا، وإذا قال الله سبحانه وتعالى: )ولقـد خلقنـا الإنسـان مـن صلصـال مـن حمـإ مسنـون (26)( (الحجر)، فهذا حق، فإن الطين إذا مكث فترة صار يابسا، فكان صلصالا، والطين إذا مكث فترة صار أسود متغيرا، وذلك هو الحمأ، ثم كان مسنونا، قال الإمام النسفي: “وفي الأول كان ترابا، فعجن بالماء فصار طينا، فمكث فصار حمأ، فصار سلالة، فصور، ويبس فصار صلصالا”؛ ومن ثم فلا تناقض بين هذه المراحل.

ولقد أخبرنا الله – عز وجل – في كتابه العزيز أنه خلق آدم من تراب شأنه شأن عيسى عليه السلام، وصفته في خلق الله إياه على غير مثال سبق إلا أن آدم قد خلق من تراب، أي: من غير أم ولا أب، فهو في الإبداع أقوى وأعظم. وقد قال عز وجل: )إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59)( (آل عمران).

ثم كونه تكوينا آخر، ذكر أطواره جملة في آيات أخر، طين ثم صلصال من حمأ مسنون، فقال: )ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26)( (الحجر)، وقال عز وجل: )الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7)( (السجدة).

والصلصال: هو الطين اليابس، والحمأ: هو الطين الأسود، والمسنون: هو المتغير بسبب التفاعل الكيميائي، وقد شبهت طينة آدم في يبسها وصلصلتها بالفخار؛ لأن الفخار – كما يقول د. محمد وصفي – لا يصنع ولا يتكون إلا من طين غني بالعناصر التي يتركب منها الإنسان، وينشأ منها النبات.

إذن فعدد الأطوار التي مر بها آدم – عليه السلام – قبل نفخ الروح فيه خمسة على الجملة لا على التفصيل هي:

طور التراب اليابس الذي لا حراك فيه، ولا حياة.

طور الطين الذي لم تتفاعل عناصره بعد.

طور الطين المتماسك الذي أشار إليه سبحانه: )فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11)( (الصافات).

وما لبث هذا الطين حتى اسود وتفاعلت عناصره، فكأنه حمأ.

طور الصلصال، فقد يبس هذا الطين – بعد أن تفاعلت عناصره – يبوسة تامة، حتى صار له رنين كرنين الفخار.

وبين كل طور من هذه الأطوار أطوار لا يعلمها إلا الله. ثم سواه الله ونفخ فيه من روحه؛ أي من سره المكنون، فصار إنسانا سويا مزودا بالعقل والعلم، وبكل المؤهلات التي تجعله قادرا بإذنه – سبحانه وتعالى – على تأدية وظيفته، التي خلقه من أجلها.

وقصة خلق آدم هي قصة خلق البشرية كلها، فهو مخلوق من طين وذريته مخلوقون من طين أيضا؛ إذ إن النطفة التي خلقوا منها هي من الطين على الحقيقة، فمن الطين كان النبات، ومن النبات كان المني، ومن المني كانت النطفة.

قال عز وجل: )هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2)( (الأنعام)، أي: ابتدأ خلقكم وخلق أبيكم من طين، وقد عرف العلماء في هذا العصر أن الطين يحمل عناصر كثيرة تبلغ في جملتها تسعين عنصرا يحمل النبات منها جملة، فإذا أكله الإنسان تحولت بعض العناصر إلى منويات، ومن هذه المنويات تتكون النطف، فتكون هذه النطف حاملة لخلاصة صالحة من هذه العناصر، يسميها الله عز وجل “سلالة” في قوله سبحانه وتعالى: )ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12)( (المؤمنون) [4].

تلك هي مراحل خلق الإنسان الأول عبر بعض سور القرآن الكريم، توالت فيها وتتابعت وتكاملت معاني المصطلحات: التراب، الماء، الطين، الحمأ المسنون، الصلصال، دونما أية شبهة للتعارض أو التناقض، إذن فالمراحل السابقة لآدم – عليه السلام – بالأصالة، ولذريته بالتبعية.

ثانيا. سبب ورود الحديث و تأويلات العلماء له يثبتان عدم التشبيه والتجسيم:

إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله آدم على صورته»[5] له سبب لم يذكره الراوي اختصارا، ذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – مر برجل يضرب ابنه أو عبده، في وجهه لطما، ويقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته»[6]. وإنما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – ذلك له؛ لأنه سمعه يقول: “قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك”. بدليل أنه نهى عن ذلك بقوله: «ولا تقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك»[7]. وذلك سب للأنبياء، والمؤمنين، فزجره عن ذلك، وخص آدم بالذكر؛ لأنه هو الذي ابتدئت خلقة وجهه على الحد الذي يحتذى عليها من بعده، كأنه ينبهه على أنك قد سببت آدم، ومن ولد، مبالغة في الردع له عن مثله[8].

وللعلماء في تأويل الحديث وجوه أخرى أشهرها وأرجحها ما تقدم، وفهم الحديث على أن الضمير يعود على لفظ الجلالة فهم ضعيف إذا الضمير في “صورته” يعود إلى أقرب مذكور وهو آدم، وإن كان للعلماء مخارج وتأويلات في ذلك بما يدفع التشبيه، والتجسيم الذي لا تقره النصوص الصريحة القاطعة في القرآن الكريم، كقوله عز وجل: )ولم يكن له كفوا أحد (4)( (الإخلاص)، وقوله سبحانه وتعالى: )ليس كمثله شيء( (الشورى: ١1) وهما من الآيات المحكمات قطعية الثبوت والدلالة، والحديث السابق، وإن كان صحيحا فهو خبر آحاد، وهو من المتشابه، والمتشابه يرد إلى المحكم ويفهم على ضوئه[9].

ويعرض شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا الحديث فيقول: “أما من يزعمون تناقض هذا الحديث مع قوله عز وجل) فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجـا ومـن الأنعـام أزواجـا يذرؤكـم فيه ليـس كمثلـــه شـيء وهـو السميـع البصيـر (11) ((الشورى:11)، فإن يسر الله لهم الجمع، فليجمعوا، وإن لم يتيسر؛ فليقولوا كما قال الراسخون في العلم: )آمنا به كل من عند ربنا( (آل عمران: 7)، وعقيدتنا أن الله لا مثيل له؛ فبهذا تسلم من الزيغ والضلال.

هذا كلام الله، وهذا كلام رسوله، والكل حق، ولا يمكن أن يكذب بعضه بعضا؛ لأنه كله خبر وليس حكما كي ينسخ، فأقول: هذا نفي المماثلة وهذا إثبات الصورة؛ لأن من قال: «إن الله خلق آدم على صورته»[10] رسول الذي قال: )ليس كمثله شيء(. والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب القرآن، والذي قال: «خلق آدم على صورته» هو الذي قال: «أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر»[11].

فهل يعتقد هؤلاء أن الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه، أم أنهم على صورة البشر، لكن في الوضاءة والحسن، والجمال، واستدارة الوجه، وما أشبه ذلك مما هو على صورة القمر، لا من كل وجه؟!

فإن قلنا بالأول؛ فمقتضاه أنهم دخلوا، وليس لهم أعين، وليس لهم أنوف وليس لهم أفواه، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار.

وإن قلت بالثاني؛ زال الإشكال، وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلا له من كل وجه.

وإن أبى هؤلاء المدعون إلا المماثلة، فهناك جواب آخر، وهو أن الإضافة هنا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؛ فقوله: “على صورته”؛ مثل قوله – عز وجل – في آدم)ونفخت فيه من روحي( (ص: 72)، ولا يمكن أن يكون الله ـ عز وجل – قد أعطى آدم جزءا من روحه، بل المراد الروح التي خلقها الله عز وجل لكن إضافتها إلى الله بخصوصها من باب التشريف؛ كما نقول: عباد الله؛ فيشمل الكافر، والمسلم، والمؤمن، والشهيد، والصديق والنبي، لكننا لو قلنا: محمد عبد الله؛ فهذه إضافة خاصة، ليست كالعبودية السابقة.

فقوله: “خلق آدم على صورته”؛ يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها؛ كما قال عز وجل: )ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11)( (الأعراف:11)، والمصور آدم، إذن فآدم على صورة الله؛ يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، )لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4)( (التين:4)، فإضافة الصورة إلى الله من باب التشريف، كأنه – عز وجل – اعتنى بهذه الصورة، ومن أجل ذلك لا تضرب الوجه؛ فتعيبه حسا، ولا تقبحه فتقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك؛ فتعيبه معنى؛ من أجل أنه الصورة التي صورها الله وأضافها إلى نفسه تشريفا وتكريما؛ أي: لا تقبحها بعيب حسي، ولا بعيب معنوي، وهذا التأول: إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف له وله نظير، كما في: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله؛ لأن هذه الصورة – أي صورة آدم – منفصلة بائنة من الله، وكل شيء أضافه الله إلى نفسه وهو منفصل بائن عنه؛ فهو من المخلوقات؛ فحينئذ يزول الإشكال.

ولكن إذا قال قائل: أيهما أسلم للمعنى الأول أم الثاني؟ قلنا: المعنى الأول أسلم، مادمنا نجد أن لظاهر اللفظ مستساغا في اللغة العربية وإمكانا في العقل؛ فالواجب حمل الكلام عليه، ونحن نجد أن الصورة لا يلزم منها مماثلة الصورة الأخرى، وحينئذ يكون الأسلم أن نحمله على ظاهره.

وإذا قالوا: ما الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟

قلنا: إن الله – عز وجل – له وجه، وله عين، وله يد، وله رجل – عز وجل – لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان؛ فهناك شيء من الشبه، لكنه ليس على سبيل المماثلة؛ كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه من القمر، لكن بدون مماثلة.

وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة؛ من أن جميع صفات الله – سبحانه وتعالى – ليست مماثلة لصفات المخلوقين؛ من غير تحريف ولا تعطيل[12]، ومن غير تكييف[13] ولا تمثيل[14].

الخلاصة:

الفهم الخاطئ لمراحل تكون آدم، وتعدد صور خلقه أدى إلى هذا الزعم، فالمراحل التي ذكرها القرآن هي: طور التراب اليابس الذي لا حراك فيه ولا حياة، ثم طور الطين الذي لم تتفاعل عناصره بعد، ثم طور الطين اللازب، ثم طور الحمأ المسنون، ثم مرحلة التسوية، ثم نفخ الروح… هذه هي مراحل تكون الخلق كما اقتضتها حكمة الله وقدرته، وإن تحدث القرآن عن تلك المراحل في سور القرآن المختلفة فلا يعني هذا تعارضا أو اضطرابا، إنما هي عملية مرحلية حتى وصلت إلى الصورة النهائية.

بالرجوع إلى سبب ورود الحديث – الذي أغفله الراوي اختصارا – يتضح لنا أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أراد زجر الرجل؛ إذ إن سب الغلام وتقبيح وجهه إنما هو سب للأنبياء والصالحين، وقد خص النبي – صلى الله عليه وسلم – آدم – عليه السلام – اعتبارا بالأصل الأول.

الحديث خبر آحاد ورد في المتشابه، والمتشابه من خبر الآحاد يرد إلى قطعي الثبوت؛ أي القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، والرد إلى الآية يثبت عدم التعارض ومن ثم فلا إشكال.

(*) البيان في تحليل وتوجيه الإشكالات التي تثار حول قصص القرآن، د. عاطف قاسم المليجي، مكتبة اقرأ، القاهرة، 2004م.

[1]. اللازب: اللاصق.

[2]. الحمأ: الطين الأسود المنتن.

[3]. المسنون: المتغير.

[4]. انظر: أطوار الخلق وحواس الإنسان، موسوعة ما فرطنا في الكتاب من شيء، د. أحمد شوقي إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 1423هـ/ 2003م، ص29: 32.

[5]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (5873)، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (7342).

[6]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة رضي الله عنـه (7319)، وابــن حبــان في صحيحــه، كتـاب الحظــر والإباحــة (5605)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (862).

[7]. حسن: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة رضي الله عنه (7414)، والبخاري في الأدب المفرد، كتاب الخدم والمماليك، باب لا تقل قبح الله وجهه (173)، وحسنه الألباني في ظلال الجنة (519).

[8]. مشكل الحديث وبيانه، ابن فورك، تحقيق: د. موسى محمد علي، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1405هـ/ 1985م، ص48، 49 بتصرف يسير.

[9]. مشكل الحديث وبيانه، ابن فورك، تحقيق: د. موسى محمد علي، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1405هـ/ 1985م، ص55 بتصرف.

[10]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، النهي عن ضرب الوجه (6821).

[11]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (3074)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفــة نعيمها وأهلهـا، بـاب أول زمــرة تدخـل الجنـة على صـورة القمـر ليلـة البــدر (7329).

[12]. التعطيل: مذهب ينكر صفات الله عز وجل.

[13]. التكييف: هو تعيين كنه الصفة؛ يقال: كيف الشيء؛ أي: جعل له كيفية معلومة.

[14]. شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية، ابن العثيمين، دار ابن الجوزي، الرياض، ط3، 1416هـ، ج1، ص109 وما بعدها.

المصدر

ادعاء تباين القرآن المدني عن المكي بشأن إبراهيم – عليه السلام – استمالة لليهود

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المغرضين أن إبراهيم – عليه السلام – ورد ذكره في القرآن المكي على أنه رسول أنذر قومه، ولم تذكر له أي علاقة بإسماعيل، ووضع قواعد البيت الحرام إلا في القرآن المدني، الذي ذكر أنه كان أول المسلمين حنيفا قانتا؛ وذلك من أجل استمالة اليهود في المدينة – بعدما ناصبوا القرآن ونبيه العداء في مكة – عن طريق الاتصال بيهودية إبراهيم – عليه السلام – واعتباره أبا للعرب وبانيا للبيت الحرام. ويستدلون على أنه لا علاقة للعرب بإبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – وأنهما لم يرسلا إلى العرب بقوله سبحانه وتعالى: )لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك( (السجدة: 3).

وجوه إبطال الشبهة:

1) آيات القرآن يكمل بعضها بعضا حسب المقام ومقتضى الحال والأغراض التي تساق من أجلها، وليس معنى ذلك أن القرآن يتباين أو يختلف في اتخاذ المواقف والإخبار عن الأمور.

2) القرآن المكي ذكر – في سورة إبراهيم – صلة إبراهيم بإسماعيل – عليهما السلام – وقصة مجيئه إلى مكة وبناء البيت الحرام، فكيف يفترى كذبا ويقال: إن هذه الأحداث لم تذكر بالقرآن المكي؟! وادعاء قطع صلة إبراهيم بإسماعيل – عليهما السلام – يهدم التوراة قبل أن يسييء إلى القرآن؛ لأنها ذكرت صلة إبراهيم بإسماعيل – عليهما السلام -.

3) لم يكن بمكة تجمعات يهودية حتى يقال: إن النبي – صلى الله عليه وسلم – أراد الاعتماد عليهم ولكنهم عادوه، ثم هل يعقل أن يلتمس التقرب إليهم في المدينة بعدما اتخذوا حياله خطة عداء بمكة؟! حسب زعمهم!!

4) إن إبراهيم – عليه السلام – ما كان يهوديا ولا نصرانيا حتى يتمسحوا به أو يكون الحديث عنه أو الانتساب إليه تقربا إليهم ولكنه كان حنيفا مسلما والنبي محمد – صلى الله عليه وسلم – بعث بالحنيفية السمحاء.

5) قوله سبحانه وتعالى: )لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك( (السجدة: 3)، أي: بعد أن تميزوا وتحققت قوميتهم وانتهت رسالة إسماعيل – عليه السلام – الخاصة بأهله وأصهاره من جرهم[1] فلم تكن عامة ولا دائمة

التفصيل:

أولا. آيات القرآن يكمل بعضها بعضا حسب المقام ومقتضى الحال وإنما التفاوت والتباين في عقول المشككين:

لقد جاء ذكر نبي الله إبراهيم – عليه السلام – في كثير من آيات القرآن الكريم، وكل الآيات التي جاءت في قصته يكمل بعضها بعضا، حسب سياق الآيات وما يتطلبه الحال؛ ففي سورة العنكبوت مثلا يخبر عن دعوة إبراهيم – عليه السلام – لقومه وأبيه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام مبينا لهم بالدليل العقلي بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام وداعيا إياهم إلى النظر في الكون وما فيه من أسرار القدرة الإلهية ودلائل الربوبية والألوهية بالبرهان والمنطق السليم: )وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25)( (العنكبوت).

وفي سورة مريم يدعو أباه إلى عبادة الله بكل أدب يتناسب مع مقام الوالد حتى ولو كان كافرا بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى إنه عندما يقسو عليه ويهدده بالرجم يتركه إبراهيم – عليه السلام – قائلا له: )قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47)( (مريم) [2].

وفي سورة الأنعام يحاج قومه ويبطل لهم بالدليل والبرهان عبادة غير الله تعالى من الكواكب والنجوم والشمس والقمر وبالأحرى عبادة الأصنام: )وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80)( (الأنعام).

وفي سورة البقرة وسورة إبراهيم يحكي قصة بناء البيت ودعاءه إلى الله سبحانه وتعالى هو وإسماعيل ولده عليهما السلام.. وهكذا تتكرر قصة إبراهيم – عليه السلام – في كثير من سور القرآن وفي كل مرة يحكي القرآن جانبا من حياته ومواقفه في سبيل الدعوة إلى الله تعالى وطاعته لأمر الله سبحانه وتعالى.

ومن اللافت للنظر أن السور التي تحدثت عن الخليل إبراهيم – عليه السلام – في القرآن المكي يغلب عليها جانب التركيز على جهاده في الدعوة إلى الله تعالى وتوحيده ومقاومة الشرك بكل صوره بالحكمة والموعظة الحسنة والبرهان القوي، من ذلك نقرأ قوله سبحانه وتعالى: )وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (74)( (الأنعام).

ونلاحظ ذلك أيضا في قوله سبحانه وتعالى: )واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45)( (مريم)، وفي قوله سبحانه وتعالى: )ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52)( (الأنبياء)، وغير ذلك من السور التي تحدثت عن ترسيخ[3] جانب التوحيد في نفوس الناس في بداية الدعوة الإسلامية.

أما القرآن في مرحلة ازدهار الدعوة الإسلامية، فنجد فيه التشريعات والقوانين الإلهية التي بلغها رسول الله للناس لكي يسيروا على هداها، وكان من بين هذه التشريعات فريضة الحج، التي تعود بالمسلمين إلى عمارة المسجد الحرام والتي بدأت في عهد إبراهيم – عليه السلام – بعد بناء البيت الحرام على يد إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، ومن المناسب في هذا المقام أن يذكر بناء إبراهيم – عليه السلام – للكعبة وتكليفه بأن يؤذن في الناس بالحج إلى بيته الحرام، وأن يذكر أمة الإسلام بأنها امتداد للحنيفية التي جاء بها إبراهيم – عليه السلام – وإن كانت قصة بناء البيت وترك إسماعيل – عليه السلام – وأمه عنده وحدهما ذكرت من قبل في القرآن المكي بسورة إبراهيم، ولكن ليس بهذا التفصيل لأنها كانت مسوقة لغرض آخر هناك، وهذا يؤكد ما سبق أن قررناه من أن حديث القرآن عن قصة إبراهيم – عليه السلام – جاء مناسبا للمقام الذي نزلت فيه تلك السور، ومن هنا يظهر مدى التوافق الذي بين آيات السور دون أدنى اختلاف أو تباين، كما يدعي هؤلاء المغرضون.

ثانيا. قصة بناء البيت الحرام، وصلة إبراهيم بإسماعيل – عليهما السلام – مذكورة في القرآن المكي:

إن الزعم القائل أن القرآن المكي لم يذكر صلة لإسماعيل بإبراهيم – عليهما السلام – هو محض افتراء على كتاب الله تعالى ويعد كذبا وزورا؛ وذلك لأن الذي أصدر مثل هذا الحكم يفترض فيه أنه استقصى كل المواضع التي تحدثت في القرآن عن علاقة إبراهيم بإسماعيل عليهما السلام – مكية كانت أو مدنية – فمثل هذا الحكم لا يكون إلا بعد استقصاء وحصر؛ وإلا عد هذا افتراء ناتجا عن خطأ أو عن جهل، وإذا كان الحكم بدون علم وعن جهل جريمة لا تغتفر فإن الافتراء عن عمد وسابق علم هو أشد شناعة وأفظع جرما.

والذي افترى تلك الفرية إنما يروج لفكرة يراد الوصول إليها – وهي أن محمدا – صلى الله عليه وسلم – ظل بعيدا عن صلة العرب بإبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – إلى أن هاجر إلى المدينة فبدت له فكرة هي أن يصل حبل العرب الذين هو منهم باليهود عن طريق إسماعيل وإبراهيم، مع أنه لا صلة للعرب بإبراهيم وإسماعيل حسب افترائهم.

وهذه الفكرة تهدم التوراة قبل أن تسئ إلى القرآن؛ لأن التوراة ذكرت صلة إبراهيم بإسماعيل – عليهما السلام – وأنه جد عدة قبائل في بلاد العرب، وحين عد المفترون السور المكية عمدوا إلى التي يذكر فيها إبراهيم مجردا عن الصلة بإسماعيل والعرب؛ لذلك تخطواسورة إبراهيم وهي مكية، وقد شهدت بعكس ما يقولون، وآياتها شاهدة بأن إبراهيم وإسماعيل بنيا البيت، وأنهما كان يدعوان الله – سبحانه وتعالى – بالهداية وأن إبراهيم – عليه السلام ـكان يدعو الله – عز وجل – أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام – ويذكر أنه أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت الله الحرام، ويدعو الله أن يرزقهم من الثمرات ويحمد الله – عز وجل – أن وهب له إسماعيل وإسحاق[4].

ولذا يقول القرآن على لسان إبراهيم عليه السلام: )وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41)( (إبراهيم) [5].

أما زعمهم أن إبراهيم – عليه السلام – لم يذكر بأنه حنيف إلا في السور المدنية فهذا أيضا كذب مفترى، فقد ذكر بأنه كان حنيفا في سورة الأنعام مرتين، وفي سورة النحل كذلك وهما مكيتان:

أما سورة الأنعام فقد ورد قوله سبحانه وتعالى: )إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79)( (الأنعام)، وقوله سبحانه وتعالى: )قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161)( (الأنعام)[6].

وأما سورة النحل فقوله سبحانه وتعالى: )إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123)( (النحل).

وبهذا يتبين فساد تلك الدعوى المضللة لبطلان أدلتها؛ بل يتضح مدى الحقد الذي يكنه[7] أصحاب تلك الدعوات على الإسلام والمسلمين، فيزيفون الحقائق ويكذبون على القرآن افتراء على الحق من أجل تشويهه: )يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32)( (التوبة).

ثالثا. لم يكن بمكة تجمعات يهودية:

لم يذكر التاريخ أن مكة كان بها يهود، ولقد ذكرت كل مصادر السير أحداث الدعوة المحمدية في مكة وأتت عليها تفصيلا لكل الجزئيات وتحليلا لكل المواقف ولم نجد من بين تلك الأحداث شيئا يتعلق باليهود؛ إذ لم يكن لهم ذكر بمكة يترتب عليه حدث تاريخي أو أثر في الأحكام، بل إن المشركين في مكة لما عجزوا عن تكذيب النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – وأرادوا أن يستعينوا في حربهم ضده بأهل الكتاب ربما يجدون عندهم شيئا يطعنون به في نبوته ورسالته لعلمهم بالكتاب الأول بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة – يثرب – يسألونهم رأيهم في دعوته – صلى الله عليه وسلم – وهم يطمعون أن يجد لهم الأحبار ما لم يهتدوا إليه مما يواجهون به تكذيبهم إياه، قالوا: فإن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء – أي صفاتهم وعلاماتهم – علم ليس عندنا، فقدم النضر وعقبة ووصفا لليهود دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – وأخبراهم ببعض قوله، فقال لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث؟ فإن أخبركم بهن فهو نبي وإن لم يفعل فالرجل متقول[8]، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وسلوه عن الروح ما هي، فرجع النضر وعقبة فأخبرا قريشا بما قاله أحبار اليهود[9].

فأنزل الله سورة الكهف وشطرا من سورة الإسراء على رسوله – صلى الله عليه وسلم – فيهما إجابة على أسئلة المشركين وإثبات نبوته صلى الله عليه وسلم.

والشاهد من هذه القصة أنه لو كان بمكة يهود لما احتاج المشركون أن يسافروا إلى المدينة ليسألوهم عما سألوهم عنه، فكيف يفتري هؤلاء المغرضون ويقولون: إن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم “أراد أن يعتمد على اليهود في مكة فما لبثوا أن اتخذوا حياله خطة عداء – فلم يكن له بد من أن يلتمس غيرهم ناصرا – هناك هداه ذكاء مسدد إلى شأن جديد لأبي العرب إبراهيم – عليه السلام – وبذلك استطاع أن يخلص من يهودية عصره ليصل حبله بيهودية إبراهيم – عليه السلام – تلك اليهودية التي كانت ممهدة للإسلام – ولما أخذت مكة تشغل جل تفكير الرسول – صلى الله عليه وسلم – أصبح إبراهيم – عليه السلام – أيضا المشيد لبيت هذه المدينة المقدس”[10].

هذه هي عبارة بعض الذين نصبوا أنفسهم لحرب الإسلام وإلصاق النقص به والعيب على القرآن وستر محاسنه ليظهروه في صورة لا تكاد تختلف عن كتبهم المحرفة فهم كما قال سبحانه وتعالى: )ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء( (النساء: 89) [11].

إن العبارة السابقة تشير إلى ما تكنه نفوسهم من حقد على الإسلام والمسلمين، هذا الحقد الذي جعل صاحبه غير متزن الفكر بعيدا عن الالتزام بمعطيات المنهج العلمي من النزاهة والدقة والبحث من أجل إبراز الحقائق لا من أجل طمسها[12] إشباعا لأهواء النفس الجامحة؛ فيدعي كذبا أن القرآن المكي لم يذكر صلة إبراهيم بإسماعيل – عليهما السلام – وقصة بناء البيت وذلك مذكور فيه ولكن تجاوزه عمدا كان لغرض التدليل على أحكام مسبقة اعتقدها هؤلاء، وليست ناتجة عن بحث علمي نزيه.

وأكثر من ذلك – اضطرابا في الفكر وتزويرا للتاريخ – أن يكذب عليه ويدعي أحداثا لم يسجلها مثل ادعائه أن اليهود كان لهم كيان[13]بمكة وأراد محمد – صلى الله عليه وسلم – أن يعتمد على هذا الكيان وذلك على عكس حقائق التاريخ التي لم يرد فيها أي أثر للتجمعات اليهودية بمكة.

والأغرب من ذلك أن يدعي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما فشل في أن يجذب اليهود إليه في مكة واتخذوا ضده خطة عداء راح يستميلهم في المدينة عندما ذكر إبراهيم – عليه السلام – وصلته بالعرب وقصة بناء البيت. هذه أفكار مشوهة ونتائج مضطربة لا يمكن أن ينسجم بعضها مع بعض ولا يمكن أن يقبلها العقل السليم أو تسير مع قواعد المنطق؛ إذ كيف يعقل أن يلتمس النبي – صلى الله عليه وسلم – التقرب إلى اليهود بالمدينة بعدما ناصبوه العداء بمكة – حسب زعمهم – بل إن الذي يفهمه العقل الرشيد والذي تبرزه نتائج المنطق السديد أن من يناصبني العداء فلا بد من أن أعاديه لاأن ألتمس التقرب إليه.

نعم لم يكن بمكة يهود – كما أسلفنا – ولكن كان بالمدينة طوائف منهم، ولما ذهب النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة وعلموا أنه نبي آخر الزمان الموصوف عندهم في كتبهم وكانوا يستفتحون[14] به من قبل على العرب ويبشرون بقرب بعثته، كان المنتظر منهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وخاصة أنهم كانوا أهل توحيد ويجانبون عبادة الأصنام ويعادون أهلها، فلما جحدوا وكفروا عن علم، استكبارا أو حسدا، صاروا كغيرهم لا فضل لهم على بقية الناس ولا ميزة؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، لذلك ما أمل النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يعتز بهم يوما، ومع ذلك لم يظلمهم النبي – صلى الله عليه وسلم – بل عقد معهم وثيقة المدينة وكانت معاهدة عادلة بين المسلمين واليهود فلما خانوا ونكثوا العهد وناصبوه العداء لم يكن بد من حربهم والقضاء عليهم.

وإننا لنتساءل كيف يلتمس النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – التقرب من اليهود في المدينة والقرآن المدني يقول: )لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا( (المائدة: 82)، وكيف يكون الانتساب إلى إبراهيم – عليه السلام – تقربا إلى اليهود، وإبراهيم – عليه السلام – ما كان يهوديا ولا نصرانيا؟!

رابعا. إبراهيم – عليه السلام – ما كان يهوديا ولا نصرانيا، بل كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين:

إبراهيم – عليه السلام – لم يكن يهوديا كما يدعي أصحاب هذه الشبهة؛ لأن اليهودية ديانة موسى وهو من نسل إسحاق بن إبراهيم، ولم تأت التوراة إلا من بعده، فكيف تنسب إلى إبراهيم؟! وهل يعقل أن ينسب الأصل إلى الفرع أم العكس؟! قال سبحانه وتعالى: )يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66)( (آل عمران).

واليهودية، والنصرانية [15] – لم تتفقا مع الإسلام في الأصول والعقيدة – فضلا عن الفروع – فكيف يذكر أن رسول الله يستميل اليهود، ولو حاول الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يفعل ذلك لكان أولى الناس بذلك أهله وعشيرته وقومه من مشركي مكة، ولكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رفض كل صور الاستمالة التي عرضت عليه من قبل قومه ومن قبل غيرهم.

وإبراهيم – عليه السلام – لم يكن أبا العرب بل هو جدهم ويشترك معهم في ذلك بنو إسرائيل، وجاء وصفه في القرآن بأنه أبو المسلمين في قوله سبحانه وتعالى: )وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78)( (الحج)، والأبوة في الآية ليست أبوة نسب فقط بل يضاف إليها أبوة انتماء كالأخوة في الإسلام، أما إسماعيل – عليه السلام – فهو أبو العرب العدنانيين.

ولم يلفق النبي – صلى الله عليه وسلم – قصة بناء الكعبة وينسبها إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، بل هي حادثة ثابتة تاريخيا بالتواتر عن العرب وغيرهم من الأمم.

يقول الشيخ الغزالي عن هؤلاء المشككين من المستشرقين: وقد استبد بهم الحماس[16] في هذا الوهم حتى أفقدهم كل اتزان علمي، فالمستشرق مرجيلوث يري أن الآيات القرآنية التي تحكي مجيء إبراهيم – عليه السلام – إلى مكة واستيطان ذريته بجوار البيت بعدما بناه هو وابنه إسماعيل آيات مفتعلة دعت إلى افتعالها رغبة الرسول – صلى الله عليه وسلم – في تألف اليهود وإثبات صلة قرابة بينهم وبين العرب؛ لذلك جاء في سورة البقرة وهي مدنية: )وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126) وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127)( (البقرة) والمستشرق الذي يوجه هذا الاتهام إلى القرآن ينسى في غمرة حماسه أمرين:

الأول: أن الحديث عن إبراهيم – عليه السلام – وزيارة مكة واتصاله بالعرب لم يبدأ في المدينة تأليفا لقلوب اليهود، وإنما بدأ في مكة حيث لا يهود فيها، وفي القرآن سورة اسمها “إبراهيم” جاء فيها قوله سبحانه وتعالى: )وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35)( (إبراهيم).

الثاني: أن العهد القديم الذي يرى هذا المستشرق أنه مقدس أثبت قدوم إبراهيم – عليه السلام – وابنه إلى بلاد العرب، فكيف يقول مستشرق متزن الفكر أن آيات سورة البقرة غير صحيحة، وأنها قيلت استرضاء لليهود، وأنها تخالف القرآن المكي[17]؟

وتأسيسـا على ما سبق؛ فإن ادعاء اليهود أن إبراهيم – عليه السلام – كان يهوديا أو أنهم على شريعة إبراهيم – عليه السلام – وملته، ومثله ادعاء النصارى ومشركي مكة أنهم على شريعة إبراهيم – عليه السلام – وملته ادعاء باطل ينقضه التاريخ والواقع والعقل، بل ينقضه جهلهم بالحنيفية السمحاء فإنهم لا قبل لهم بالمعرفة بدين إبراهيم – عليه السلام – ومن أين يعلمونه ولا مستند لهم في علمهم بأمور الدين إلا التوراة والإنجيل؟ وقد نزلا من بعد إبراهيم – عليه السلام – قال سبحانه وتعالى: )يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66)( (آل عمران).

وقوله: )والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66)( (آل عمران) يدل على أن الله أخبر في القرآن بأنه أرسل محمدا – صلى الله عليه وسلم – بالإسلام دين إبراهيم – عليه السلام – وهو أعلم منكم بذلك، ولم يسبق أن امتن عليكم بمثل ذلك في التوراة والإنجيل، فأنتم لا تعلمون ذلك، فلما جاء الإسلام وأنبأ بذلك أردتم أن تنتحلوا هذه المزية، واستيقظتم لذلك حسدا على هذه النعمة، فنهضت الحجة عليكم[18].

ويذكر الشيخ الطاهر ابن عاشور في قوله تعالى: )ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67)( (آل عمران) نتيجة للاستدلال إذ قد تحصحص من الحجة الماضية أن اليهودية والنصرانية غير الحنيفية، إذ لم يؤثر ذلك عن موسى وعيسى – عليهما السلام – لم يخبرا بأنهما على الحنيفية، فأنتج أن إبراهيم – عليه السلام – لم يكن على حال اليهودية أو النصرانية، إذ لم يؤثر ذلك عن موسى ولا عيسى – عليهما السلام -، فهذا سنده خلو كتبهم عن ادعاء ذلك، وكيف تكون اليهودية أو النصرانية من الحينفية مع خلوها من فريضة الحج، وقد جاء الإسلام بذكر فرضه لمن تكمن منه.

ومما يؤيد هذا ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى في هذه السورة: )لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136)( (البقرة) عن عكرمة قال: لما نزلت الآية قال أهل الملل: قد أسلمنا قبلك، ونحن المسلمون، فقال الله له: فحجهم يا محمد وأنزل الله: )ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا( (آل عمران: 97) فحج المسلمون وقعد الكفار ثم تمم الله ذلك بقوله: )وما كان من المشركين (67)((آل عمران) فأبطلت دعاوى الفرق الثلاث.

وقوله: )ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67)( (آل عمران) أما الاستدراك بعد نفي الضد حصرا لحال إبراهيم – عليه السلام – فيما يوافق أصول الإسلام؛ لذلك بين “حنيفا “بقوله: )مسلما(؛ لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام، فأعلمهم أن الإسلام هو الحنيفية، وقال: فنفي عن إبراهيم – عليه السلام – موافقة اليهودية، وموافقة النصرانية، وموافقة المشركين وأنه كان مسلما فثبتت موافقته الإسلام[19].

وبذلك يتبين أن الانتساب إلى إبراهيم – عليه السلام – لم يكن تقربا من اليهود؛ لأن إبراهيم – عليه السلام – لم يكن يهوديا كما ادعى هؤلاء المغرضون بقولهم “يهودية إبراهيم “، بل كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين.

خامسا. العرب لم يرسل إليهم رسول منذ أن تحققت قوميتهم:

أما استدلالهم بقوله سبحانه وتعالى: )لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك( (السجدة: 3) وغيرها من الآيات – على إنكار صلة إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – بالعرب؛ فباطل إذ لو كانا رسولين إلى العرب لتناقض ذلك مع هذه الآية التي تخبر بأن العرب لم يأتهم نذير من قبل محمد – صلى الله عليه وسلم – حسب توهمهم.

والحقيقة أن هذه الآية ونظائرها مثل قوله تعالى في سورة يس: )لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6)( (يس) واضحة في أن هؤلاء العرب المعاصرين لرسالة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – وآباءهم إلى جدهم الأعلى لم يأتهم نذير، أما رسالة إسماعيل – عليه السلام – فكانت خاصة في أهله وأصهاره من جرهم ولم يكن مرسلا إلى من بعده فتوقفت رسالته بموته، وكذلك أسلاف هؤلاء العرب مثل قوم هود وصالح الذين أتتهم الرسل، فقد كان ذلك قبل أن تتحقق قومية خاصة بهم، وبذلك يسقط استدلالهم بهذه الآية على نفي رسالة إسماعيل وإبراهيم – عليهما السلام – وصلتهما بالعرب، بل الدليل قائم على رسالة إبراهيم وإسماعيل وبنائهما البيت في القرآن والتوراة، فمعنى الآية: )لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك( منذ أن تحققت قوميتهم بعد انقضاء رسالتي إسماعيل وإبراهيم – عليهما السلام -.

يقول الشيخ ابن عاشور في تفسير آية سورة يس: )لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6)( (يس): والقوم الموصوفون بأنهم لم تنذر آباؤهم: إما العرب العدنانيون [20] فإنهم مضت قرون لم يأتهم فيها نذير، ومضى آباؤهم لم يسمعوا نذيرا، وإنما يبتدأ عد آبائهم من جدهم الأعلى في عمود نسبهم الذي تميزوا به جذما وهو عدنان، لأنه جد العرب المستعربة، أو أريد أهل مكة، وإنما باشر النبي – صلى الله عليه وسلم – في ابتداء بعثته دعوة أهل مكة وما حولها فكانوا هم الذين أراد الله أن يتلقوا الدين وأن تتأصل منهم جامعة الإسلام.

ثم كانوا هم حملة الشريعة وأعوان الرسول – صلى الله عليه وسلم – في تبليغ دعوته وتأييده فانضم إليهم أهل يثرب وهم قحطانيون فكانوا أنصارا ثم تتابع إيمان قبائل العرب[21].

ثم يوضح الشيخ ابن عاشور هذه المسألة ويفصلها ويبين المراد منها أو الغرض الذي سيقت له، وذلك عندما يفسر قوله تعالى: )لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3)( (السجدة) إذ يقول: ووصف القوم بأنهم: )ما أتاهم من نذير( قبل النبي – صلى الله عليه وسلم – والنبي حينئذ يدعو أهل مكة ومن حولها إلى الإسلام وربما كانت الدعوة شملت أهل يثرب وكلهم من العرب، فظهر أن المراد بالقوم العرب الذين لم يأتهم رسول قبل محمد – صلى الله عليه وسلم – فإما أن يكون المراد قريشا خاصة، أو عرب الحجاز أهل مكة والمدينة وقبائل الحجاز، وعرب الحجاز جذمان عدنانيون وقحطانيون؛ فأما العدنانيون فهم أبناء عدنان وهم من ذرية إسماعيل – عليه السلام – وإنما تقومت قوميتهم في أبناء عدنان: وهم مضر، وربيعة، وأنمار، وأياد، وهؤلاء لم يأتهم رسول منذ تقومت قوميتهم.

وأما جدهم إسماعيل بن إبراهيم – عليهما السلام – فإنه وإن كان رسولا نبيا كما وصفه الله – سبحانه وتعالى – في سورة مريم، فإنما كانت رسالته خاصة بأهله وأصهاره من جرهم ولم يكن مرسلا إلى الذين وجدوا بعده؛ لأن رسالته لم تكن دائمة ولا منتشرة، قال سبحانه وتعالى: )وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة( (مريم: 55).

وأما القحطانيون[22] القاطنون[23] بالحجاز مثل الأوس والخزرج وطيء، فإنهم قد تغيرت فرقهم ومواطنهم بعد سيل العرم وانقسموا أقواما جددا ولم يأتهم نذير منذ ذلك الزمن، وإن كان المنذرون قد جاءوا أسلافهم مثل هود وصالح وتبع، فذلك كان قبل تقوم قوميتهم الجديدة.

وإما أن يكون المراد العرب كلهم بما يشمل أهل اليمن واليمامة والبحرين وغيرهم ممن شملتهم جزيرة العرب وكلهم لا يعدون أن يرجعوا إلى ذينك الجذمين[24]، وقد كان انقسامهم أقواما ومواطن بعد سيل العرم، ولم يأتهم نذير بعد ذلك الانقسام كما تقدم في حال القحطانيين من أهل الحجاز، وأما ما ورد من ذكر حنظلة بن صفوان صاحب أهل الرس، وخالد بن سنان صاحب بني عبس فلم يثبت أنهما رسولان واختلف في نبوتهما، وقد روي أن ابنة خالد بن سنان وفدت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وهي عجوز وأنه قال لها: «مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه»، وليس لذلك سند صحيح، وذكره الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (8/221) وقال: لا يصح هذا، ويرد عليه الحديث الصحيح:«أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي»[25].

وأيا ما كان فالعرب كلهم أو الذين شملتهم دعوة الإسلام يومئذ يحق عليهم وصف)ما أتاهم من نذير( من وقت تحقق قوميتهم.

والمقصود به تذكيرهم بأنهم أحوج الأقوام إلى نذير، إذ لم يكونوا على بقية من هدى وإثارة هممهم، لاغتباط أهل الكتاب ليتقبلوا الكتاب الذي أنزل إليهم ويسبقوا أهل الكتاب إلى اتباعه فيكون للمؤمنين منه السبق في الشرع الأخير كما كان لمن لم يسلم من أهل الكتاب السبق ببعض الاهتداء وممارسة الكتاب السابق[26].

وهناك رأي آخر في توجيه هذه المسألة وهو أن قوله تعالى: )ما أتاهم من نذير من قبلك( أي ما أرسلنا نذيرا أو رسولا شرع لهم هذه الشرائع الشركية التي يشركون بها مع الله تعالى آلهة أخرى؛ يقول عبد الوهاب النجار: كان دين كثير من العرب عبادة الأوثان، وكان لهم قرابين يقدمونها إليها وقد سيبوا السوائب[27] وبحروا البحائر [28]ووصلوا الوصيلة[29] وسنوا لهم قواعد ما أنزل الله بها من سلطان؛ فجاء محمد – صلى الله عليه وسلم – لينذر هؤلاء القوم الذين يدعون أنهم على دين وأن الله قد أمرهم بما هم عليه مع أن الله ما أرسل إليهم نذيرا شرع لهم هذه الشرائع الباطلة؛ لأنهم كانوا إذا ظلموا أنفسهم بشرائعهم الباطلة، قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها – وقد ناقشهم الله في ذلك ورد عليهم في غير موضع من القرآن كقوله: )إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28)( (الأعراف).

وفي سورة الصافات بعد أن ذكر دعاوى الوثنيين [30] بقوله: )فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155)( (الصافات) ففي هذه الآيات من الأنباء عن السخط العظيم والإنكار الفظيع لأقاويلهم والتضعيف لعقولهم واتهامهم مع الاستهزاء بهم، وفي قوله: )فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157)( (الصافات) أي الناطق بصحة دعواكم والأمر فيه للتعجيز وإضافة الكتاب إليهم للتهكم، وفي قوله: )أم لكم سلطان مبين (156)( (الصافات) إضراب انتقالي من توبيخهم بما ذكر بتكليفهم ما لا يدخل تحت الوجود أصلا، أي: بل ألكم حجة واضحة نزلت من السماء بأن الملائكة بناته تعالى ضرورة، فإن الحكم بذلك لا بد له من سند حسي أو عقلي وحيث انتفى كلاهما فلا بد من سند نقلي وهو لا يوجد عندهم.

فالمعنى في هذه الآيات مثله في قوله تعالى: )قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4)( (الأحقاف: 4) تبكيت لهم بتعجيزهم عن الإتيان بسند نقلي بعد تبكيتهم بالتعجيز عن الإتيان بسند عقلي، فهو من جملة القول؛ أي: ائتوني بكتاب إلهي كان من قبل هذا الكتاب – أي القرآن الناطق بالتوحيد وإبطال الشرك – دال على صحة دينكم، أو أثارة من علم – أي: بقية علم بقيت عندكم من علوم الأولين – شاهدة باستحقاقهم العبادة؟! وهكذا كل آية وردت في هذا المعنى[31].

وبهذا يتبين بطلان الاستدلال بقوله تعالى: )ما أتاهم من نذير من قبلك( على قطع الصلة بين العرب وأبيهم إسماعيل وجدهم إبراهيم – عليهما السلام – لأنه لا ينفي رسالتهما بل معناه: ما أتاهم من نذير من قبلك بعد أن تحققت قوميتهم من بعد انقضاء رسالة إسماعيل – عليه السلام – الخاصة بأهله وأصهاره، أو ما أتاهم من نذير أي رسول شرع لهم تلك الشرائع الباطلة قبلك يا محمد بل اخترعوها من أنفسهم وبوحي من شياطينهم.

الخلاصة:

الادعاء أن قصة إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – وصلتهما بالعرب وبناء البيت لم تذكر إلا في القرآن المدني تقربا لليهود واستمالة لهم بعد فشل الاعتماد عليهم في مكة والاستناد إلى قوله سبحانه وتعالى: )لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك( في قطع صلة إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – بالعرب وأنهما لم يرسلا إليهم…. هذا الادعاء باطل ومردود من وجوه:

أن هذه القصة واردة في القرآن المكي بسورة إبراهيم المكية في الآيات من (35 إلى 41) فكيف يفترى كذبا خلو القرآن المكي من ذلك؟!

قطع صلة إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – بالعرب يكذبه التاريخ وسلسلة نسب العرب المحفوظة في التاريخ أيضا، وهذا القطع فكرة شيطانية تهدم التوراة قبل أن تسييء إلى القرآن؛ لأن التوراة ذكرت صلة إبراهيم بإسماعيل – عليهما السلام -، وأن إبراهيم هو جد قبائل عربية عدة.

لم يكن بمكة يهود حتى يحاول النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يعتمد عليهم، وهل يعقل أن يحاول النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يتقرب إلى اليهود في المدينة بعدما خذلوه واتخذوا حياله خطة عداء بمكة حسبما يزعمون.

كيف يحاول النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يتقرب إلى اليهود بالمدينة والقرآن المدني يحذره خطرهم وغدرهم وخيانتهم؟ بل جاء في سورة المائدة المدنية: )لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا( (المائدة: 82).

ما كان إبراهيم – عليه السلام – يهوديا ولا نصرانيا حتى يتمسحوا به أو يكون الحديث عنه والانتساب إليه تقربا إليهم، بل كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين والأدلة على ذلك كثيرة منها:

o            أن كتبهم لم تذكر أن إبراهيم – عليه السلام – كان يهوديا أو نصرانيا ولم تأمرهم باتباع ملته.

o            أنهم لا يمارسون كثيرا من شعائره كالحج، ولا توجد في كتبهم مثل هذه الشعائر فكيف يدعون موافقته؟!

أن اليهودية والنصرانية كانتا بعد إبراهيم – عليه السلام – فالتوارة أنزلت على موسى – عليه السلام – وهو من نسل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم – عليهم السلام -، فكيف ينسب إبراهيم – عليه السلام – إليها وهل يعقل أن ينسب الأصل إلى الفرع؟!

أن القرآن الكريم ذكر أن إبراهيم – عليه السلام – كان حنيفا مسلما بل هو أول المسلمين وأمر المسلمين باتباع ملته وقرر عليهم معظم شرائعه، ومنها الحج.

قوله تعالى: )لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك( لا ينفي رسالة إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – وبالتالي نفي علاقتهما بالعرب كما يدعي هؤلاء وإنما معناه: لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك بعد أن تحققت قوميتهم وذلك بعد انقضاء رسالة إسماعيل الخاصة بأهله وأصهاره.

أو معناه لتنذر قوما ما أتاهم من نذير أي رسول قبلك شرع لهم تلك الشرائع الشركية وإنما اخترعوها من تلقاء أنفسهم وبوحي من شياطينهم.

(*) موجز دائرة المعارف الإسلامية، فريق بحث من المستشرقين، ترجمة نخبة من الأساتذة، مركز الشارقة للإبداع الفكري، الشارقة، 1418هـ/ 1998م. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م. دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، محمد الغزالي، نهضة مصر، القاهرة، ط5، 2002م.

[1]. جرهم: اسم القبيلة التي تزوج منها سيدنا إسماعيل عليه السلام.

[2]. حفيا: بليغا بي في البر واللطف.

[3]. ترسيخ: تثبيت.

[4]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص98.

[5]. اجنبني: ابعدني عن, واحفظني من.

[6]. قيما: مستقيما.

[7]. يكن: يخفي.

[8]. المتقول: الذي يفتري ويختلق القول كذبا.

[9]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج7، ج15، ص242، 243 بتصرف.

[10]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص97.

[11]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص97.

[12]. طمسها: إخفائها أو تشويهها.

[13]. الكيان: الوجود.

[14]. سيتفتحون: يستنصرون على الكفار بقولهم: إن نبيا يبعث فيهم.

انظر: قصص الأنبياء، محمد متولي الشعراوي، دار القدس، القاهرة، ط1، 2006م.

[16]. استبد بهم الحماس: غلبهم فلم يقدروا على ضبطه.

[17]. دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، محمد الغزالي، نهضة مصر، القاهرة، ط5، 2002م، ص30.

[18]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج3، ج3، ص271 وما بعدها.

[19]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج3، ج3، ص274، 275 بتصرف.

[20]. العدنانيون: هم العرب المنحدرة من صلب إسماعيل ـ عليه السلام ـ ويسمون بالعرب المستعربة، وهم عرب الشمال.

[21]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج11، ج22، ص348.

[22]. القحطانيون: هم العرب المنحدرة من صلب يعرب بن يشحب ابن قحان، وتسمى “بالعرب العادية”، وهم عرب الجنوب، مهدها بلاد اليمن.

[23]. القاطنون: الساكنون.

[24]. ذينك الجذمين: هذين الفرعين لعدنان.

[25]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام (6280).

[26]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج10، ج21، ص209، 210 بتصرف.

[27]. سيبوا السوائب: تركوها دون ركون، لا يحلب لبنها إلا لضيف، وتركوها للأصنام، والسوائب: الناقة التي تنتج عشرة أبطن من الإناث.

[28]. بحروا البحائر: الناقة التي تلد خمسة أبطن آخرها ذكر كانوا يبحرون ـ يشقون ـ أذنها، ويخلون سبيلها، فلا تركب ولا تحلب، ولا يحمل عليها شيء.

[29]. وصلوا الوصيلة: وهي الشاة التي إن ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكر وأنثى معا قالوا: وصلت الأنثى أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

[30]. الوثنيون: هم الذين يعبدون الأوثان؛ أي: التماثيل من خشب أو حجر أو نحاس أو فضة أو غير ذلك.

[31]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص99، 100.

المصدر

ادعاء خطأ القرآن في ذكر قصة وفاة سليمان عليه السلام

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين خطأ القرآن في ذكر قصة وفاة سليمان – عليه السلام – ويتساءلون: كيف يموت سليمان الملك ولا يعلم أحد من رعيته – أو حتى نسائه – لمدة سنة، وهو قائم على عصاه دون صلاة أو طعام أو نوم؟!

وجها إبطال الشبهة:

1)  القرآن لم يحدد مدة مكث سليمان – عليه السلام – ميتا، بل هي نقول المفسرين عن أهل الكتاب.

2) صحة هذه الروايات أو عدم صحتها أمر لا علاقة للقرآن به، وجل هذه الروايات منقول عن أهل الكتاب والمشكوك في صحتها.

التفصيل:

أولا. القرآن لم يحدد مدة مكث سليمان ميتا، بل هي نقول المفسرين عن أهل الكتاب:

عرض القرآن الكريم قصة سليمان – عليه السلام – في أكثر من موضع، بيد أنه في عرضه للقصة لم يذكر تفاصيل قصة الوفاة، فقط أشار إلى أشياء فيها؛ حيث قال سبحانه وتعالى: )فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14)( (سبأ). فلم يذكر في الآية القرآنية مدة مكث سليمان ميتا متكئا على عصاه، وكل ما ورد في هذا الشأن إنما هي نقول للمفسرين استندوا فيها إلى الإسرائيليات وأخبار أهل الكتاب، دون التثبت من صحتها.

والآية تكتفي بالحديث عن عدم علم الجن الغيب؛ بدليل أنهم مكثوا في العمل الشاق: )العذاب المهين( وهم لا يدرون أن سليمان – عليه السلام – قد مات لولا رؤيتهم دابة الأرض قد أكلت العصا، وتكتفي الآية بذلك دون تحديد تفاصيل عن المدة التي مكثها وهو ميت.

وقد استبعد الشيخ عبد الوهاب النجار هذه الأقوال، ورجح أن يكون سليمان – عليه السلام – قد مات ميتة معتادة وأن الجن قد وجدوا عصاه قد أكلتها الأرضة، فعرفوا من خلال ذلك أنه قد مات. وعليه فأنت تجد أن هذه الأقوال التي دفعت المشككين إلى الاعتراض على القرآن الكريم، ليست حجة على القرآن الكريم. فالمقصود والظاهر من الآية هو تكذيب دعوى الجن التي كانوا يدعونها للناس من أنهم يعلمون الغيب.

ويعلق الصابوني على الآية قائلا: “وهنا إشارة لطيفة، وهي أن الجن كانت توهم الناس بمعرفة الغيب، فلما مات سليمان ولم يعلموا بموته، وهم في أعمالهم الشاقة التي كلفهم بها سليمان؛ اتضح الأمر بكذب دعواهم”[1].

ثانيا. صحة هذه الروايات أو عدم صحتها أمر لا علاقة للقرآن به:

ذكرنا أن القرآن لم يتعرض للتفاصيل الواردة في قصة وفاة سليمان – عليه السلام – وإنما كان مقصود القرآن التنبيه على عدم معرفة الجن للغيب وكشف كذبهم وافتضاح أمرهم للناس، ولكن هل هذه الروايات تستساغ عقلا‎ أو لا؟

يستبعد بعض المفسرين أن يمكث سليمان ميتا متكئا على عصاه سنة كاملة قائلا: إنه من غير المعقول أن يمكث مدة طويلة تمر فيها الأعياد ولا يقوم بالطقوس الدينية، كما أنه من غير المعقول أن يمكث هذه المدة الطويلة ولا يعلم أحد به، خاصة أنه كان ملكا، فعليه مسئولية إقامة العدل بين الناس، ومقابلة الوفود من الملوك، ومطالعة العرفاء والرؤساء في مشكلاتهم[2].

في حين يرى بعضهم أنه لا مانع من أن يموت سليمان – عليه السلام – ويظل متكئا على عصاه سنة كاملة على هيئة المصلي والجن تعمل بين يديه خوفا منه؛ لأن القرآن قال: )فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14)( (سبأ: 14)، فلا بد أنهم مكثوا في العذاب مدة طويلة، ويرون أنه لا مانع من أن تمر الأعياد والطقوس الدينية وتأتي سليمان زوجته في العيد فتراه واقفا على عصاه بهيئة المصلي فترجع، ولم لا يجوز أن تكون عادة سليمان أن يتعبد وحده عبادة خاصة به، وفي حال قيامه بها لا يستطيع أحد من الإنس والجن أن يقرب من مكانه؟ وكذلك ما المانع أن يكون له عرفاء ورؤساء ينوبون عنه في مقابلة الوفود، وفي أداء هذه المهمات، وأن يكون هناك قضاة من قبله يفصلون في الخصومات كما هو الحاصل اليوم[3].

وبالنظر إلى وجهتي النظر يتضح لنا أن الوجه الأول هو المقبول، والذي يرجحه العقل والمنطق؛ إذ إنه يتطابق مع الهدف الأساسي من الآية، وهو تكذيب دعوى الجن التي كانوا يدعونها للناس من حيث إنهم يعلمون الغيب، وما حدث من موت سليمان – عليه السلام – بالكيفية التي وقع عليها حسبما أراد الله وعدم معرفتهم بذلك – خير دليل على كذب دعواهم.

الخلاصة:

القرآن الكريم لم يحدد مدة مكث سليمان – عليه السلام – ميتا، والروايات التي تحدد مدة موته – سواء قبلها البعض أم لم يقبلها – ليست حجة على القرآن الكريم.

ما ذهب إليه بعض المفسرين من كلام أهل الكتاب تحريف بين، لكن القرآن الكريم صريح في الإتيان بما يوافق العقل والمنطق.

(*) موقع الكلمة. Alkaleme

[1]. انظر: قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص399: 414. النبوة والأنبياء، محمد علي الصابوني، دار الصابوني، مكة المكرمة، 1390هـ، ص395، 396.

[2]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص411.

[3]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص401: 408. وانظر: موسوعة القرآن العظيم، د. عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2004م، ج1، ص1061 وما بعدها.

المصدر

ادعاء خطأ القرآن في ذكر أسماء لا وجود لها؛ مثل: عزير

مضمون الشبهة:

ينكر بعض المتوهمين وجود رجل يدعى “عزير”؛ لعدم وروده في الكتاب المقدس، ويدعون أن القرآن أخطأ في قوله سبحانه وتعالى: )وقالت اليهود عزير ابن الله( (التوبة: 30).

وجها إبطال الشبهة:

1) إن كلمة “عزير” الواردة في القرآن وردت في الكتاب المقدس بلفظ “عزرا” دون تصغير في سفر كامل، ومن ثم فلا وجه لوصم القرآن بالخطأ.

2) الأحداث التاريخية وشهادات المؤرخين يثبتان وجود “عزير” أو “عزرا”، واليهود يقدسونه ويطلقون عليه لقب “ابن الله”.

التفصيل:

أولا. كلمة “عزير” الواردة في القرآن وردت في الكتاب المقدس بلفظ “عزرا” في سفر كامل:

إن الذي سماه القرآن الكريم “عزيرا” والذي قال في حقه اليهود: )وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30)( (التوبة) هو الذي يسميه أهل الكتاب “عزرا”، وله سفر في العهد القديم باسمه، مكون من عشرة إصحاحات، والظاهر أن يهود العرب صغروه بالصيغة العربية للتحبيب، وصرفوه، واستخدم القرآن هذه الصيغة؛ والتصرف في أسماء الأعلام المنقولة من لغة إلى لغة أخرى معروف عند جميع الأمم[1].

يقول الشيخ الطاهر ابن عاشور: وعزير: اسم حبر كبير من أحبار اليهود الذين كانوا في الأسر البابلي، واسمه في العبرانية عزرا – بكسر العين المهملة – بن سرايا من سبط اللاويين، كان حافظا للتوراة وقد تفضل عليه كورش ملك فارس فأطلقه من الأسر، وأطلق معه بني إسرائيل من الأسر الذي كان عليهم في بابل.. فأعاد شريعة التوراة من حفظه، فكان اليهود يعظمونه إلى حد أن ادعى عامتهم أن عزرا ابن الله غلوا منهم في تقديسه، والذين وصفوه بذلك جماعة من أحبار اليهود في المدينة، وتبعهم عامتهم، وأحسب أن الداعي لهم إلى هذا القول أن لا يكونوا أخلياء من نسبة أحد عظمائهم إلى بنوة الله تعالى… كما قال متقدموهم: )اجعل لنا إلها كما لهم آلهة( (الأعراف: 138)[2].

ثانيا. الأحداث التاريخية وشهادات المؤرخين يثبتان وجود عزرا:

ذكر الشيخ سيد قطب أن الشيخ رشيد رضا قد أورد في الجزء العاشر من “تفسير المنار” أخبارا مفيدة عن مكانة عزرا عند اليهود، وعلق عليها كذلك تعليقا مفيدا ننقل منه هنا فقرات تفيدنا في بيان حقيقة ما عليه اليهود إجمالا. قال: جاء في “دائرة المعارف اليهودية” أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملي لليهودية الذي تفتحت فيه أزهاره وعبق شذا ورده، وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة لو لم يكن جاء بها موسى فقد كانت نسيت، ولكن عزرا أعادها أو أحياها، ولولا خطايا بني إسرائيل لاستطاعوا رؤية الآيات – المعجزات – كما رأوها في عهد موسى.. وذكر فيها أنه كتب الشريعة بالحروف الآشورية – وكان يضع علامة على الكلمات التي يشك فيها – وأن مبدأ التاريخ اليهودي يرجع إلى عهده.

وقال د. جورج بوست في “قاموس الكتاب المقدس”: عزرا – عون – كاهن يهودي وكاتب شهير سكن بابل مدة ارتحسثتا الطويل الباع؛ وفي السنة السابعة لملكه أباح لعزرا بأن يأخذ عددا وافرا من الشعب إلى أورشليم نحو سنة 457 ق. م، وكانت مدة السفر أربعة أشهر… وفي تقليد اليهود يشغل عزرا موضعا يقابل بموضع موسى وإيليا؛ ويقولون: إنه أسس المجمع الكبير، وإنه جمع أسفار الكتاب المقدس، وأدخل الأحرف الكلدانية عوضا عن العبرانية القديمة، وأنه ألف أسفار ” الأيام” و ” عزرا” و” نحميا”.

ويعلق الشيخ سيد قطب ذلك فيقول: إن المشهور عند مؤرخي الأمم – حتى أهل الكتاب منهم – أن التوراة التي كتبها موسى – عليه السلام – ووضعها في تابوت العهد أو بجانبه، قد فقدت قبل عهد سليمان – عليه السلام – فإنه لما فتح التابوت في عهده لم يوجد فيه غير اللوحين اللذين كتبت فيهما الوصايا العشر[3]، كما تراه في سفر الملوك الأول، وأن عزرا هذا هو الذي كتب التوراة وغيرها بعد السبي بالحروف الكلدانية، واللغة الكلدانية الممزوجة ببقايا اللغة العبرية التي نسي اليهود معظمها.

ويقول أهل الكتاب: إن عزرا كتبها كما كانت بوحي أو بإلهام من الله.. وهذا ما لا يسلمه لهم غيرهم، وعليه اعتراضات كثيرة مذكورة في مواضعها من الكتب الخاصة بهذا الشأن، حتى من تآليفهم، كـ “ذخيرة الألباب” للكاثوليك، وقد عقد الفصلين الحادي عشر والثاني عشر لذكر بعض الاعتراضات على كون الأسفار الخمسة لموسى. ومنها قوله: جاء في سفر عزرا – 4ف 14 عدد 21 – أن جميع الأسفار المقدسة حرقت بالنار في عهد نبوخذ نصر، حيث قال: “إن النار أبطلت شريعتك فلم يعد سبيل لأي امرئ أن يعرف ما صنعت!”[4] ويزيد على ذلك أن عزرا أعاد بوحي الروح القدس تأليف الأسفار المقدسة التي أبادتها النار، وعضده فيها كتبة خمسة معاصرون، هم القديس ثرثوليانوس، والقديس إيريناوس، والقديس إبرونيموس، والقديس يوحنا الذهبي، والقديس باسيليوس، وغيرهم يدعون عزرا: مرمم الأسفار المقدسة المعروفة عند اليهود.

نكتفي بهذا البيان هنا، ولنا فيه غرضان:

أحدهما: أن جميع أهل الكتاب مدينون لعزير هذا في مستند دينهم وأصل كتبهم المقدسة عندهم.

وثانيهما: أن هذا المستند واهي البنيان متداعي الأركان. وهذا هو الذي حققه علماء أوربا.

فقد جاء في ترجمة عزرا من “دائرة المعارف البريطانية” بعد ذكر ما في سفره، وسفر نحميا من كتابته للشريعة: أنه جاء في روايات أخرى متأخرة عنها أنه لم يعد إليهم الشريعة التي أحرقت فقط، بل أعاد جميع الأسفار العبرية التي كانت قد أتلفت، وأعاد سبعين سفرا غير قانونية، ثم قال كاتب الترجمة فيها: وإذا كانت الأسطورة الخاصة بعزرا هذا قد كتبها من كتبها من المؤرخين بأقلامهم من تلقاء أنفسهم، ولم يستندوا في شيء منها إلى كتاب آخر، فكتاب هذا العصر يرون أن أسطورة عزرا قد اختلقها أولئك الرواة اختلاقا.

وجملة القول: أن اليهود كانوا – وما يزالون – يقدسون عزيرا هذا، حتى إن بعضهم أطلق عليه لقب “ابن الله”، ولا ندري أكان إطلاقه عليه بمعنى التكريم الذي أطلق على إسرائيل وداود وغيرهما، أم بمعنى قريب من فلسفة وثنيي الهند التي هي أصل عقيدة النصارى؟! وقد اتفق المفسرون على أن إسناد هذا القول إليهم يراد به بعضهم لا كلهم[5] [6].

الخلاصة:

ليس هناك خطأ في القرآن كما يدعي بعض المغرضين؛ فالذي سماه القرآن الكريم “عزيرا”، هو الذي يسميه أهل الكتاب “عزرا”، وهذا أمر طبيعي؛ لاختلاف اللغات واللهجات.

أسفار التوراة وما نسب إلى عزرا تثبت وجود هذا الرجل، وكذلك تثبت الشهادات التاريخية من قبل المؤرخين اليهود والنصارى وجوده.

إن بعض اليهود ما زالوا يقدسون عزيرا ويطلقون عليه لقب “ابن الله”، فلماذا ينكرون هذه التسمية إذن، ولا سيما أن له في كتابهم المقدس سفرا باسمه؟!

(*) قناة الحياة الفضائية، زكريا بطرس، برنامج “أسئلة الإيمان”، الحلقة 82.

[1]. تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار الفكر، بيروت، د. ت، ج10، ص283.

[2]. التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج6، ج10، ص168.

[3]. جاء في القرآن الكريم عن هذه الواقعة: ) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التـابـوت فيـه سكينـة مـن ربكـم وبقيـة ممـا تـرك آل موسـى وآل هـارون تحملـه الملائكة ( (البقرة: 248).

[4]. ونحن نقول: إن قول القرآن أصدق، وقد قرر أنه كان هناك بقية.

[5]. ونحن نرى أنه لا مجال لهذا التردد، فإن النص القرآني يلهم أن قول اليهود: “عزير ابن الله” هو كقول النصارى: “المسيح ابن الله”، كلاهما مقصود به ما يضاهي قول الذين كفروا من قبل! فهو من إسناد البنوة التي تخرج قائلها من دين الحق، وتلحقه بالكافرين والمشركين.

[6]. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط13، 1407 هـ/ 1987م، ج3، ص1636، 1637 بتصرف.

المصدر

ادعاء خطأ القرآن في ذكر قصة هود عليه السلام، التي لا وجود لها في التوراة

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن يخالف التاريخ في إيراده قصة هود عليه السلام، ويستدلون على ذلك بالآيات (50 – 59) من سورة هود[1]، وبما ذكره أحد المفسرين من أن قبيلة عاد عاقبها الله تعالى بإهلاكهم بالريح العقيم[2] بعد إمساك المطر عنهم ثلاث سنوات. ويتساءلون: من أين أتى القرآن بهذه القصة التي لا وجود لها في التوراة؟! ألا يعد هذا مخالفا لوقائع التاريخ وحقائق التوراة؟!

وجها إبطال الشبهة:

1)  التوراة ليست مرجعا معتمدا لمعرفة التاريخ حتى نحاكم بها القرآن ونتخذها معيارا للحكم على القرآن.

2) كشفت البحوث الحديثة عن وجود قوم عاد، وعن ديارهم، وهذا دليل على أن القرآن الكريم لا يخالف حقائق التاريخ.

التفصيل:

أولا. التوراة ليست حجة، ولا معيارا للحق:

القرآن الكريم جاء بما لم تأت به التوراة والكتب السابقة؛ ليثبت للعقلاء أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يتلق القرآن من أحد من البشر، كما أن القرآن الكريم ذكر الكثير والكثير من قصص السابقين التي تؤكد أن ما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – هو الحق والصدق قال سبحانه وتعالى: )وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4)( (النجم). وهذه القصة لم ترد في التوراة؛ لأن القرآن لم يتابع التوراة – المحرفة بأيدهم – في قصصه وأخباره، بل إنه صحح أخطاءها وأكمل ناقصها، ولو كان النبي – صلى الله عليه وسلم – ناقلا من التوراة لأخذ كل ما فيها دون تمييز بين حق وباطل، ولو حاول التخلص من باطلها مرة لوقع فيه مرات، فالقرآن كتاب مستقل بذاته، كما أنه مهيمن[3] على الكتب السماوية كلها، وكذلك فإن التوراة لم تجمع وتستوعب التاريخ كله، حتى نجعلها حكما على ما ذكره القرآن من قصص التاريخ.

كما أن التاريخ نفسه ليس حجة على القرآن الكريم؛ إذ هو من صنع البشر الذين لا يتخلصون من العاطفة في أحسن الأحوال عندما يدونون التاريخ فضلا عن النزوات والأغراض والأهواء التي تسيطر على كتاب التاريخ وهم يسجلون وقائعه، أضف إلى ذلك عدم إحاطتهم بكل جوانب الأحداث ومختلف الظواهر التي يرصدونها فإنهم لا يرصدون إلا ما يتراءى لهم، وأعظم من ذلك كله أن أيدي البشر لا تنفك عن العبث في أحداث التاريخ ووقائعه وتغييره بما يوافق مصالحهم وأغراضهم حتى في التاريخ المعاصر والحديث، وكم من أحداث تزيف حقائقها وكم من وقائع تغير معالمها. وإذا كان البشر قد امتدت أيديهم إلى الكتب المقدسة فحرفوها فهل سيتورعون[4] عن العبث بحقائق التاريخ الذي لا قداسة له وهذا لا يعني أن كل أحداث التاريخ أو التوراة مزيفة غير أن هذا يؤكد أن القرآن الكريم هو الحق، وما عداه يؤخذ منه ويرد، وكم من آثار وأحداث ماضية ذكرها القرآن الكريم؛ ليبين بها صدق النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما جاء به؛ لأن القصص القرآني ليس تأريخا للبشرية على النمط الذي يسلكه علماء التاريخ والسير في تتابع الأحداث وتسلسلها، وتحليلها وتعليلها في أزمانها وأماكنها المختلفة، ولكنه قصص مختار من التاريخ بالقدر الذي يخدم الدعوة إلى الله عزوجل، ويفتح للناس أبوابا واسعة للتأمل والنظر، والعظة والاعتبار. قال سبحانه وتعالى: )سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53)( (فصلت).

 ثانيا. البحوث الحديثة كشفت عن وجود قوم عاد عليه السلام:

كشفت البحوث الحديثة اليوم عن وجود قوم عادعليه السلام، وعن ديارهم التي وصفها الله – عزوجل – بقوله: )إرم ذات العماد (7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8)( (الفجر) [5]، ويقول د. زغلول النجار: كان علماء التاريخ يشككون في حقيقة قوم عاد؛ لأنهم لم يجدوا لها أثرا على الإطلاق وفي رحلة من رحلات الفضاء زودوا المكوك بجهاز رادار له قدرة اختراق كبيرة، فصور مجرى نهرين، وأنهما يصبان في بحيرة قطرها يزيد على أربعين كيلو مترا في جنوب شرق الربع الخالي، وصور المكوك بين مصبي النهرين وعلى ضفاف البحيرة عمرانا لا تعرف البشرية له نظيرا في ضخامته، فجمعوا علماء التاريخ، وعلماء الآثار، وعلماء الأديان، وقالوا: ماذا يمكن أن يكون هذا العمران، فأجمعوا على أنه قصور إرم التي وصفها القرآن الكريم، يقول الحق تبارك وتعالى: )إرم ذات العماد (7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8)( (الفجر) فقالوا في تقريرهم:

إن البشرية لم تعرف في تاريخها الطويل عمرانا في ضخامة هذا العمران، واكتشفوا – حينما بدأوا في إزالة الرمال عن هذه المدينة – قلعة ثمانية الأضلاع على أسوار المدينة، مقامة على أعمدة ضخمة عديدة، وذكر التقرير أن هذه الحضارة التي لم يكن ينافسها في زمانها حضارة أخرى طمرتها([6]) عاصفة رملية غير عادية، وقد سبق القرآن هذه الاكتشافات بأكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، فقال سبحانه وتعالى: )وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41)( (الذاريات). )فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15)( (فصلت).

)كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18)( (القمر)، فما ذكرته الأبحاث ما هو إلا تحصيل حاصل في تصديق كتاب الله – عز وجل – في كل ما جاء به، وكذلك فإنه أسطع برهان لهؤلاء المنكرين حتي يرجعوا عن أفكارهم وكذبهم، وسيبقى القرآن كتاب الله المعجز في الكون، وصدق الله العظيم حيث يقول: )سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53)( (فصلت).

الخلاصة:

إن القرآن الكريم كلام الله المعجز، ومن إعجازه أنه يتحدث عن الأخبار السالفة ويبينها للناس، فهو منهج تربوي حكيم ليس له نظير؛ فلا يستطيع أحد أن يشكك في شيء مما جاء به؛ لأن الله تبارك وتعالى تولى حفظه، قال سبحانه وتعالى: )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)( (الحجر).

أما التوراة فقد حرفها أصحابها، حتى توافق أهواءهم وشهواتهم، ثم بعد ذلك يريدون أن يجعلوها حكما على ما جاء في القرآن الكريم.

أثبتت الدراسات الحديثة ما جاء به القرآن؛ حيث أثبتت البحوث الحديثة وجود قوم عاد، وظهرت ديارهم لتصدق القرآن فظهر الحق جليا، وبطل ما يدعون قال سبحانه وتعالى: )سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53)( (فصلت).

(*) هل القرآن معصوم؟ موقع إسلاميات. www.islameyat.com

[1]. الآيات هي قوله تعالى: ) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (56) فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) ( (هود).

[2]. الريح العقيم: التي لا تسوم سحابا ولا تلقح شجرا.

[3]. المهيمن: القائم عليها والشاهد على ما أحدث بها من تحريف.

[4]. سيتورعون: سيتحرجون.

[5]. إرم: لقب القبيلة. العماد: صاحبة القوة.

[6]. طمر: ستر.

المصدر

ادعاء خطأ القرآن في اتهام يوسف – عليه السلام – بالهم بالفاحشة

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين اضطراب القرآن الكريم في ذكر قصة يوسف – عليه السلام – فتارة يثبت الهم [1] بالفاحشة ليوسف – عليه السلام – كما في قوله: )ولقد همت به وهم بها( (يوسف: 24)، وتارة يقر بعصمته وخوفه من الله باعتراف امرأة العزيز وصويحباتها كما في قوله: )قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51)( (يوسف). [2] ويعتبرون أن إثبات القرآن الكريم الهم بالفاحشة ليوسف – عليه السلام – متناقض مع ما جاء في الكتاب المقدس من تبرئته ليوسف – عليه السلام – إذ إن امرأة العزيز لما طلبت إليه الشر استنكر طلبها وقال: “كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟وكان إذ كلمت يوسف يوما فيوما أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها. ثم حدث نحو هذا الوقت أنه دخل البيت ليعمل عمله، ولم يكن إنسان من أهل البيت هناك في البيت. فأمسكته بثوبه قائلة: “اضطجع معي!”. فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج”. (التكوين 39: 9 – 12).

وجوه إبطال الشبهة:

1) إن أخلاق يوسف – عليه السلام – وعصمته باعتباره نبيا، تتنافى مع الهم بالخيانة، أو التفكير فيها، كما أن سياق الآيات التي ورد فيها قوله سبحانه وتعالى: )ولقد همت به وهم بها( يؤكد استحالة وقوع يوسف – عليه السلام – في هذه المعصية.

2) للهم معان عديدة في اللغة منها: خطور الشيء بالبال، وميل الطبع، والعزم على الفعل، وهذه المعاني العديدة للهم هي التي أدت إلى الفهم الخاطيء لقوله: )وهم بها( في منظور هؤلاء المدعين.

3) لقد شهد ببراءة يوسف – عليه السلام – كل من له صلة بقصة يوسف – عليه السلام – مع امرأة العزيز من: زوج وشاهد ونسوة المدينة؛ حتى امرأة العزيز نفسها، ومن قبل هؤلاء جميعا المولى وكفى بالله شهيدا.

4) لا اضطراب في آيات القرآن الكريم، فلقد استعصم يوسف – عليه السلام – بالله من البداية إلى النهاية، وقد أنجاه الله من المعصية، أما ما جاء في الكتاب المقدس فهو يدين يوسف – عليه السلام – ولا يبرئه.

التفصيل:

أولا. سياق الآيات التي جاء فيها قوله سبحانه وتعالى: )وهم بها( يؤكد استحالة وقوع يوسف – عليه السلام – في المعصية:

في البداية نود أن نشير إلى أن أخلاق يوسف – عليه السلام – وعصمته باعتباره نبيا تتنافى تماما مع الهم بالخيانة، أو مجرد التفكير فيها، ويؤكد هذا ثناء الله – عز وجل – على يوسف – عليه السلام – في كثير من آيات القرآن الكريم، وكذلك ثناء نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – فمن ثناء الله – عز وجل – على يوسف – عليه السلام – قوله سبحانه وتعالى: )وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل( (يوسف: 6)، وقوله سبحانه وتعالى: )ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22)( (يوسف)، وقوله سبحانه وتعالى: )إنه من عبادنا المخلصين (24)( (يوسف)، وغير ذلك من الآيات التي تحدثت عن يوسف – عليه السلام – وعن كريم خلقه وحميد خصاله، هذا المدح من الله تعالى لنبيه لا يكون إلا عن استحقاق له، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يمدح إنسانا عاصيا بأعظم المدائح[3].

وكذلك أثنى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أخلاق يوسف – عليه السلام – وذلك في قوله: «عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه، والله يغفر له، حيث أرسل ليستفتي في الرؤيا، ولو كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، وعجبت لصبره وكرمه والله يغفر له، أتى ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب، ولولا الكلمة لما لبث في السجن»[4]. وسئل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن أكرم الناس، فقال في إحدى إجاباته: «يوسف نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله»[5].

كما أن التهمة التي وجهت إلى يوسف – عليه السلام – وهي اتهامه بالتحرش والهم بالوقوع بامرأة العزيز، كبيرة من أكبر الكبائر، والخيانة من أقبح الذنوب، ومقابلة الإحسان بالإساءة من المنكرات، فكيف يخون يوسف – عليه السلام – عزيز مصر الذي آواه في بيته، وشمله وأحاطه برعايته، منذ أن كان صغيرا إلى أن شب وكبر في بيته، وأكرمه أيما إكرام؟ وكيف يقابل إحسانه إليه بمثل هذه الفعلة التي يترفع[6] عنها غير الأنبياء؟ فكيف – في حكم العقلاء من البشر – يقع فيها أحد المصطفين الأخيار[7]؟!

أما ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: )ولقد همت به وهم بها( من الإشارة إلى هم يوسف – عليه السلام – فإنه لا يفيد أنه عزم على ارتكاب الفاحشة، وحتى نفهم عبارة “وهم بها” على الوجه اللائق بما ذكره الله تعالى عن يوسف – عليه السلام – ينبغي أن نستعرض سياق الآيات السابقة لها حتى نتبين الخطوات التي دبرتها امرأة العزيز للإيقاع بيوسف – عليه السلام – في الفحشاء، قال سبحانه وتعالى: )وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك( (يوسف: 23)، فهي إذن ثلاث خطوات:

الأولى: )وراودته(. قال القرطبي: وأصل المراودة الإرادة والطلب برفق ولين، ويقول الطبري في تفسيره: وراودته امرأة العزيز – وهي التي كان يوسف في بيتها – عن نفسه أن يواقعها[8].

الثانية: )وغلقت الأبواب(. يقول الطبري: وغلقت المرأة أبواب البيوت عليها، وعلى يوسف – عليه السلام – لما أرادت منه وراودته، بابا بعد باب، وهذا يدل على إدراكها تمام الإدراك أنها مقبلة على فعل قبيح؛ ولذلك فهي حريصة على أن تخفي ما ستفعل.

الثالثة: )وقالت هيت لك(. قال القرطبي: )وقالت هيت لك( أي: هلم وأقبل وتعال، أي انتقلت من الاحتيال والمراوغة إلى الوضوح في الطلب. وفي مقابل خطوات امرأة العزيز هذه، ورغم تمكنها حينئذ إذ هي سيدته وهو في بيتها، وذكائها فيما فعلت، فإن يوسف – عليه السلام – قد قابلها برفضه التام لما تريده منه، وكان من وراء رفضه اعتبارات ثلاثة، كل واحد منها كفيل بأن يجعله لا يفكر مجرد تفكير في الاستجابة لها، فضلا عن الهم بالفاحشة، فكيف بها مجتمعة؟! قال تعالى في رفض يوسف عليه السلام: )قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23)( (يوسف).

فأول هذه الاعتبارات قوله: )قال معاذ(. يقول الطبري في تفسيره: وقوله: )قال معاذ الله( يقول جل ثناؤه: قال يوسف إذ دعته المرأة إلى نفسها وقالت له هلم إلي: أعتصم بالله من الذي تدعوني إليه وأستجير به منه.

وهو إلى جانب استجارته واستغاثته بالله تعالى يذكر امرأة العزيز بالله تعالى، وأنه تعالى لم يأمر بهذا الفعل الفاحش، وهنا نذكر حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في “السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله”:«الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه»[9].

وثاني هذه الاعتبارات يتجلى في قوله عليه السلام: )إنه ربي أحسن مثواي(. قال الطبري: يقول: إن صاحبك وزوجك سيدي، أحسن منزلتي، أكرمني، وائتمنني، فلا أخونه.

وعن ابن إسحاق: قال: )أحسن مثواي( أمنني على بيته وأهله، وقال ابن كثير: )قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي( وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير، أي أن بعلك أحسن مثواي، أي منزلي، وأحسن إلى فلا أقابله بالفاحشة في أهله.

والاعتبار الثالث: )إنه لا يفلح الظالمون (23)(، فقد تنبه يوسف – عليه السلام – لعواقب الخطيئة: )إنه لا يفلح الظالمون (23)( قال الطبري: إنه لا يدرك البقاء، ولا ينجح من ظلم، ففعل ما ليس له فعله، وهذا الذي تدعوني إليه من الفجور ظلم وخيانة لسيدي الذي ائتمنني على منزله.

وكل هذه الاعتبارات تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على عفة يوسف – عليه السلام – وعصمته من أن يهم بالفاحشة، وهذا ما أكده القرآن الكريم في أكثر من موضع كما ذكرنا.

ثانيا. تعدد تأويلات معنى “الهم” لدى المفسرين هو الذي أدى لهذا الفهم الخاطئ:

لتوضيح معنى الهم الذي نسبه القرآن الكريم ليوسف – عليه السلام – في قوله سبحانه وتعالى: )ولقد همت به وهم بها( لا بد أن نوضح معنى الهم في اللغة، ثم بعد ذلك نحكم هل أثبت القرآن الهم بالفاحشة ليوسف – عليه السلام – أم لا؟

الهم في اللغة له معان متعددة:

الأول: خطور الشيء بالبال قال سبحانه وتعالى: )إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما( (آل عمران: 122)، فهاتان الطائفتان قد خطر الفشل ببالهما، ولو كان المراد هنا العزم لما كان الله وليا لهما؛ لأن العزم على المعصية معصية.

الثاني: ميل الطباع، قال الزمخشري، في معنى “وهم بها”: مالت نفسه إلى المخالطة، ونازعت إليها.

الثالث: العزم على الفعل، يقال: يقال: هم بالشيء: إذا نواه وأراده وعزم عليه، قال سبحانه وتعالى: )إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم( (المائدة: 11) أي: أرادوا ذلك وعزموا عليه[10].

وقبل الحديث عن نوع الهم الذي نسب ليوسف – عليه السلام – في القرآن الكريم نؤكد أن كثيرا من العلماء قد اتفقوا على أن هم امرأة العزيز كان لفعل الفاحشة، وقد استعمل القرآن الكريم لامرأة العزيز وليوسف – عليه السلام – نفس الكلمة “همت به” و “هم بها”، ولكن يجدر بنا أن نشير إلى ضرورة اختلاف معنى الهم باختلاف من قيلت في حقه؛ وذلك لاختلاف هدف كل منهما وغايته، فيوسف – عليه السلام – يسرع نحو العفة والطهارة، وامرأة العزيز نحو الشهوة والإثم، وهو يهرب في حين أنها تلاحقه، ولو كان لدى يوسف – عليه السلام – أي ميل للإثم لما كانت هذه المطاردة؛ إذن كان هدف يوسف – عليه السلام – وغايته شيئا آخر[11].

والسؤال الذي يفرض الآن نفسه: أي نوع من الهم هم به يوسف عليه السلام؟

ونجيب على ذلك قائلين:

إذا كان معنى “الهم” الواقع من يوسف، هو الخاطر بالبال وحديث النفس: فلا يعاب عليه يوسف – عليه السلام – ولا يطعن به في حقه؛ لأنه لا صنع للعبد فيه، ولا يدخل تحت اختياره، ونقل النسفي في تفسيره عن أبي منصور قوله: وهم بها هم خاطره، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب، ولا مؤاخذة عليه.

ويرى بعض العلماء أن الخاطر المعفو عنه هو الذي لم يستقر في النفس، وهم يوسف منه، ويدل على عدم المؤاخذة بالعقاب على حديث النفس ما جاء في الصحيح أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة»[12]. فاتضح أن لا شبهة على عصمة يوسف – عليه السلام – في ذلك؛ لأن الأنبياء غير معصومين من حديث النفس، ولكنهم معصومون من طاعة النفس والانقياد لها.

أما إذا كان الهم بالمعنى الثاني وهو ميل الطبع: فلا يطعن به أيضا في حق يوسف – عليه السلام – لأنه غير اختياري، ثم هو قاوم اتباعه، وكف عن رغبته، ومن يكن بهذه المثابة لم يتوجه إليه ذم، بل يؤجر ويمدح عليه.

ومعنى “الهم” هذا هو ما قاله الإمام الرازي: من أنه “ميل الطبع، كالصائم في الصيف، يرى الماء البارد، فتحمله نفسه على الميل إليه، وطلب شربه، ولكن يمنعه دينه عنه، وكالمرأة الفائقة حسنا وجمالا، تتهيأ للشاب النامي القوي، فتقع بين الشهوة والعفة، وبين النفس والعقل، مجاذبة ومنازعة، فـ “الهم” هنا عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان جواذب الحكمة، وهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحال أشد، كانت القوة على لوازم العبودية أكمل”[13].

بيد أننا نتساءل: إذا كان هم يوسف – عليه السلام – من هذا النوع وهو الميل الطبعي، فهل وقع هذا الهم له أم لا؟

الثابت أنه لم يقع، ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: )ولقد همت به( وتم الكلام به: )وهم بها لولا أن رأى برهان ربه( (يوسف: 24) وجواب “لولا” ههنا مقدم، والتقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها.

كأنهم وجهوا معنى الكلام إلى أن يوسف – عليه السلام – لم يهم بها، وأن الله إنما أخبر أن يوسف – عليه السلام – لولا رؤيته برهان ربه لهم بها، ولكنه رأى برهان ربه فلم يهم بها، كما قال عز وجل: )و لولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83)( (النساء).

وقال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: )ولقد همت به وهم بها( قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط، كأنه قال: ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها[14].

وقال القرطبي: والاختلاف أن همها كان لمعصية، وأما يوسف فهم بها: )لولا أن رأى برهان ربه( ولكن لما رأى البرهان ما هم؛ وهذا لوجوب العصمة للأنبياء، قال الله سبحانه وتعالى: )كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24)( (يوسف)، إذن ففي الكلام تقديم وتأخير، أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها.

والناظر لهذه الآيات بما فيها من أحداث نظرة سطحية يقول: إن هناك مساواة في هم كل من يوسف – عليه السلام – وامرأة العزيز، فهي حدثتها نفسها بفعل الفحشاء، وهو حدثته نفسه كذلك، ولكن النص لم يقف عند هذه العبارة، فقد قال بالنسبة لامرأة العزيز: )ولقد همت به( أي: حدثتها نفسها أنها تريده، وعندما تكلم القرآن عن يوسف قال: )وهم بها لولا أن رأى برهان ربه(.

 أي أن المعنى: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها، “ولولا” حرف امتناع لوجود، وهذا هو الصحيح الذي نرجحه ونقول به؛ لاتفاقه مع عصمة الأنبياء.

وهنا يتساءل بعض الجاهلين: إذا كان يوسف – عليه السلام – لم يهم بالفحشاء، فلماذا قال الله: إنه “هم بها”، ولم يقل: لقد همت به ولم يهم بها؟

والجواب عن ذلك أن الله تعالى لو قال: لقد همت به، ولم يهم بها؛ لأوهم ذلك أن عدم استجابته نقص في رجولته أو لعدم رغبته في النساء، ولكن الله تعالى أراد أن يبين أنه لولا إيمان يوسف ورعاية ربه له لهم بها، فعدم الهم ليس راجعا إلى عيب في يوسف – عليه السلام – وإنما هو برهان ربه الذي أراه له.

فالله – سبحانه وتعالى – يريد أن يثبت رجولة يوسف، وأنه لم يمتنع عنها؛ لأنه لا يقدر أو لأنه ضعيف، ولذلك قال: )ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه( أي أن الذي جعله لا يهم بها أن برهان ربه في داخله، أظهره الله له، ولذا لم يهم بها[15].

ثم قال سبحانه وتعالى: )لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24)( فما البرهان الذي رآه يوسف – عليه السلام – فصرف عنه همه؟

إن البرهان الذي أراه الله ليوسف – عليه السلام – فصرف عنه همه، هو حجة الله الباهرة، الدالة على قبح الزنا، وسوء سبيله، والمراد برؤيته لها كمال إيقانه بها، ومشاهدته لها مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين، وكأنه – عليه السلام – قد شاهد الزنا بموجب ذلك البرهان النير، على ما هو عليه في حد ذاته أقبح ما يكون، وأوجب ما يجب أن يحذر منه، ولذلك فعل ما فعل من الاستعصام، والحكم بعدم إفلاح من يرتكبه[16]. وعليه فلا ذنب ولا معصية من يوسف – عليه السلام – تتنافى مع عصمته.

وإذا كان الهم بالمعنى الثالث وهو العزم على الفعل: فهو كذلك لا يطعن في يوسف – عليه السلام ـ؛ لأن الفعل الذي عزم عليه هو: زجر امرأة العزيز عن الفاحشة، وقصده دفعها عن نفسه، وضربها إن لم تندفع؛ لأن الهم بهذا المعنى هو اللائق بالرسول المبعوث إلى قومه لهدايتهم إلى الخير، وكفهم عن الشر[17].

ومعنى الهم على هذا القول في قوله: )ولقد همت به وهم بها( أي: وتالله لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه أمرها، فهو في نظرها عبدها وهي سيدته، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه، فرأت أن هذا الاحتقار لا يطاق، ولا علاج لهذا الفاتن المتمرد إلا إذلاله بالانتقام، هذا ما ثار في نفس هذه المرأة المفتونه بطبيعة الحال، وشرعت في تنفيذه أو كادت، بأن همت بالبطش به في ثورة غضبها، وهو انتقام معهود من مثلها، وممن دونها في كل زمان ومكان، وقد كاد – عليه السلام – أن يرد حيالها ويدفعه بمثله، وهمه – عليه السلام – لدفع حيالها أمر مشروع لكن وجد مقتضاه مقترنا بالمانع منه وهو رؤيته برهان ربه فلم ينفذه، فكان الفرق بين همها وهمه أنها أرادت الانتقام منه شفاء لغيظها من خيبتها وإهانته لها، فلما رأى أمارة وثوبها عليه استعد للدفاع عن نفسه وهم به، فكان موقفهما موقف المواثبة[18]، والاستعداد للمضاربة[19]، ولكنه رأى من برهان ربه وعصمته ما لم تر هي مثله، فألهمه أن الفرار من هذا الموقف هو الخير الذي تتم به حكمته – سبحانه وتعالى – فيما أعده له، فامتناعها عن تنفيذ ما همت به كان بسبب هروب يوسف – عليه السلام – واستباقه إلى الباب، وكان سبب امتناعه هو إرادته – عليه السلام – وما رآه من برهان ربه[20].

ويعلق د. الحديدي بقوله: الهم بهذا المعنى هو الذي نميل إليه لأمرين:

الأول: أن اللين يقدم عادة على العنف، وقد تقدم اللين في نصحها وتذكيرها بحق صاحب الفضل عليها، وسوء عاقبة هذا المنكر قائلا: )قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23)( (يوسف) فلما لم يجد معها كل هذا، وقصدت إليه تجذبه لنفسها، أو تلقي بنفسها عليه، لم يكن بد من دفعها بالعنف، وضربها إن لم تندفع.

الآخر: أنه قد جرت عادة الإنسان أيضا أن يلجأ إلى الهرب إن وجد العنف لا يجدي، ويوسف – عليه السلام – لما رأى برهان ربه، تحقق أن استخدام العنف ليس في صالحه – كما سبق أن قلنا – وأنه سيجعله مدينا، فلجأ إلى الهرب: )واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر( (يوسف: 25). وهذا أرجح الأقوال وأصحها في “هم” يوسف عليه السلام [21].

وخلاصة هذه الحقائق التي ذكرناها أن قوله سبحانه وتعالى: )ولقد همت به وهم بها( لا يقدح في عصمة يوسف – عليه السلام – كما يدعي هؤلاء المتوهمون.

ثالثا. شهادة كل من له تعلق بقصة يوسف – عليه السلام – مع امرأة العزيز تنفي عنه خطأه وتثبت له البراءة:

لقد شهد ببراءة يوسف – عليه السلام – كل من له علاقة بقصته مع امرأة العزيز؛ فقد نقل الفخر الرازي عن القاضي أبي طاهر الطوسي قوله: شهد ببراءة يوسف – عليه السلام – براءة الذئب من دمه كل من له تعلق بتلك الواقعة من: زوج وحاكم ونسوة وملك، وقد أعلن يوسف ذلك، واعترف له خصمه بصدق ما قاله مرتين، وشهد بذلك رب العالمين الذي هو أصدق القائلين[22] وتفصيل ذلك:

إعلان يوسف – عليه السلام – لبراءته في تحد وصمود:

وذلك في قوله سبحانه وتعالى: )قال هي راودتني عن نفسي( (يوسف: 26)، وقوله: )قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه( (يوسف: 33)، فقد أعلن يوسف – عليه السلام – براءته مما نسب إليه، مرة عندما وجد العزيز أمام الباب، وأخرى عندما استعان بربه بعدما رأته النسوة وتوعدت له امرأة العزيز، وصدقه في هذين الادعاءين يؤكده كل من حوله.

شهادة الحاكم:

فبعد ادعاء يوسف: )قال هي راودتني عن نفسي( شهد شاهد من أهل امرأة العزيز، بما يؤيد كلام يوسف – عليه السلام – قال سبحانه وتعالى: )وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27)( (يوسف).

ومن حكمة الله تعالى أنه جعل ذلك الشاهد من أهل امرأة العزيز حتى لا يقال: إنه منحاز له؛ ولأن هذا الشاهد من أهلها فقد بدأ أولا بما في صالحها، وهو حالة أن يكون قميصه قد تمزق من الأمام، هذا التمزق الذي يكون نتيجة دفاعها عن نفسها وإقباله عليها، ثم ذكر الاحتمال الثاني، وهو أن يكون قميصه قد تمزق من الخلف، هذا التمزق يعني أنها هي التي راودته عن نفسه وجذبته إليها عندما حاول الهروب منها.

وعلى هذين الاحتمالين اللذين ساقهما الشاهد ثبتت براءة يوسف – عليه السلام – وأدينت امرأة العزيز.

شهادة الزوج:

بعد الاحتمالين اللذين أوردهما الشاهد، وبعد معاينة الحال الذي أمامهم، ثبتت براءة يوسف وإدانة امرأة العزيز من العزيز نفسه، قال سبحانه وتعالى: )فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28)( (يوسف). وبعد أن تيقن العزيز من براءة يوسف – عليه السلام – طلب منه أن يعرض عن الحديث في هذا الأمر وذلك حفاظا على سمعته، قال سبحانه وتعالى: )يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29)( (يوسف).

شهادة النسوة:

قال سبحانه وتعالى: )قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء( (يوسف: 51) فعندما طلب الملك لقاء يوسف – عليه السلام – رفض أن يخرج من السجن إلا إذا برئت ساحته، براءة يعرفها كل أهل المدينة، وذلك بسؤال النسوة عن مراودتهن ليوسف – عليه السلام – وعندما سأل الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن عن مراودتهن له، شهدوا له بالبراءة والعفة، بل شهدوا بتنزيهه عن أن يفعل ذلك: )قلن حاش لله(.

اعتراف الخصم:

وقد أقرت امرأة العزيز ببراءة يوسف – عليه السلام – في موقفين: الأول: عندما هيأت لبعض نساء المدينة مجلسا وآتت كلا واحدة منهن سكينا وأدخلت عليهن يوسف – عليه السلام – ولما دهش النسوة لجمال يوسف، وشهدن بذلك اعترفت امرأة العزيز بأنها راودته عن نفسه، وأنه كان مستعصما متمنعا عنها، قال سبحانه وتعالى: )قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم( (يوسف: 32).

والموقف الثاني عندما سأل الملك النسوة عن مراودتهن ليوسف – عليه السلام – شهد النسوة ببراءته، واعترفت امرأة العزيز بحقيقة الأمر، قال سبحانه وتعالى: )قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51)( (يوسف)، فشهد الملك بأمانته وجعله في منزلة عالية.

شهادة رب العالمين وكفى بالله شهيدا:

والله – عز وجل – أعظم وأصدق من شهد ليوسف – عليه السلام – بالعفة والبراءة مما نسب إليه، قال سبحانه وتعالى: )كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24)( (يوسف)، فشهد الله تعالى بأنه صرف عنه السوء والفحشاء، وأنه من عباده الذين أخلصهم – أي الله – لعبادته وطاعته، فلا يقع منهم مكروه ولا يميلون إلى سوء.

فأية شبهة تبقى مع هذه الشهادات في براءة يوسف عن الذنوب؟! قال القاضي: وهؤلاء الطاعنون في يوسف إن كانوا من حزب الله فليقبلوا قوله، وإن كانوا من حزب الشيطان فيجب ألا يتركوا قوله: )قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83)( (ص) [23].

وبناء على هذه الأدلة تثبت براءة يوسف – عليه السلام – من كل ما رمي به من الهم بالفاحشة، وقد ذكر القرآن كل هذه الشهادات، مما ينفي تماما أن يكون القرآن قد طعن في عصمة يوسف عليه السلام.

رابعا. القرآن يثبت الهم ليوسف، ويثبت براءته ولا اضطراب في ذلك:

وأما ما ادعاه بعضهم من وجود تعارض بين قوله سبحانه وتعالى: )ولقد همت به وهم بها(، وقوله سبحانه وتعالى، على لسان امرأة العزيز وصويحباتها: )حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51)( (يوسف) فلا أساس لهذا التعارض من الصحة؛ وذلك بناء على ما سبق بيانه من معنى الهم، واختلافه لدى كل من يوسف – عليه السلام – وامرأة العزيز، وبيان موقف كل منهما من الآخر، يثبت عدم تعارض القرآن الكريم، بين قوله سبحانه وتعالى: )ولقد همت به وهم بها( وقوله سبحانه وتعالى: )قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51)( (يوسف)؛ بل الآيتان الكريمتان تؤيد كل منهما الأخرى، وتثبت عصمة يوسف – عليه السلام – وبراءته مما نسب إليه.

هل صحيح أن الكتاب المقدس لا يدين يوسف و يبرئه؟

جاء في الكتاب المقدس: “إنها لما طلبت إليه الشر استنكر طلبها، وقال: كيف أصنع هذا الشر العظيم، وأخطئ إلى الله؟وكان إذ كلمت يوسف يوما فيوما أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها. ثم حدث نحو هذا الوقت أنه دخل البيت ليعمل عمله، ولم يكن إنسان من أهل البيت هناك في البيت. فأمسكته بثوبه قائلة: “اضطجع معي!”. فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج”. (التكوين39: 9 – 12).

وقد استدل بعض المدعين بهذا الجزء من الكتاب المقدس على خطأ القرآن فيما أورده بشأن يوسف – عليه السلام – إذ يقولون: إن القرآن أثبت الهم ليوسفـ عليه السلام – في قوله: )وهم بها( بينما نفى ذلك الكتاب المقدس. وقد بينا معنى الهم المراد في الآية، وأما حديث الكتاب المقدس عن تبرئة يوسف – عليه السلام – فما هو إلا إدانة له، حيث يذكرون أنه ترك ثوبه مع امرأة العزيز، وخرج وهذا – منطقيا – أمر ينال من قدرات يوسف العقلية.

فكيف يخرج عاريا ويترك ثوبه في يدها ليثبت الجريمة على نفسه، وهو الذي حاول التخلص منها بكل وسيلة؟! وعليه فلا تناقض في القرآن، وهو أكبر شاهد على براءة يوسف وعفته وطهارته – عليه السلام – ولا عبرة لشطحات الكتاب المقدس.

الخلاصة:

أخلاق يوسف – عليه السلام – وعصمته باعتباره نبيا تتنافى مع ما نسب إليه من اتهامه بالهم بالفحشاء، ويشهد لهذا القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، كما أن ما وجه إليه من اتهام بالفحشاء ينأى عنه[24] كل عاقل من غير الأنبياء، فكيف به في حق الأنبياء؟!

لما وقعت من امرأة العزيز المراودة، ودعته إلى نفسها؛ أجابها بقوله: )قال معاذ الله( (يوسف: 23) فكيف يهم بموافقتها مع قوله هذا؟!

إن الله – عز وجل – شهد ليوسف – عليه السلام – بمقام (المخلصين) فقال: )إنه من عبادنا المخلصين (24)(، وهذا المقام عصم الله أصحابه من سيطرة الهوى واتباع الشيطان، فقد قال الله لإبليس )إن عبادي ليس لك عليهم سلطان( (الحجر: 42)، وجاء على لسان إبليس اعترافه بعجزه عن إغوائهم قال: )قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83)( (ص) فهل ينسجم هذا المقام مع الهم بفعل الحرام؟

لقد قال الله عن يوسفـ عليه السلام -: )كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء(وهذا يعني أن الهم بالمعصية لم يقع منه، فلو وقع منه ذلك لما قال الله: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء.

أعلنت امرأة العزيز براءة يوسف – عليه السلام – من الهم والمعصية، وأنه لم يجبها إلى طلبها إذ قالت: )ولقد راودته عن نفسه فاستعصم( (يوسف: 32) وشهدت بعفته وصدقه إذ قالت: )أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51)(، وكذلك فإن النسوة قد شهدن بعفته وطهارته إذ )قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء(.

أظهرت نتائج التحقيق براءته من الهم بالسوء، إذ إن امرأة العزيز لما وجهت له اتهامها بإرادة السوء، طلب العزيز فتح محضر للتحقيق وعين العزيز شاهدا من أهلها ليحقق في الادعاء.

المدعي: امرأة العزيز، تدعي أن يوسف – عليه السلام – أراد بها سوءا!

المدعي عليه: يوسف – عليه السلام – ينفي التهمة عن نفسه ويقول: )قال هي راودتني عن نفسي( (يوسف: 26)، المحقق: كشف ملابسات القضية بقوله: )إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27)( (يوسف).

وقد تبين بعد فحص القميص أن المذنبة المدانة هي امرأة العزيز، وبالتالي ظهرت براءة يوسف – عليه السلام – من الهم بالسوء والفحشاء: )فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28)( (يوسف) وطلب العزيز من يوسف – عليه السلام – أن يكتم الحدث احتراما لهيبة القصر: )يوسف أعرض عن هذا( (يوسف: 29)، وطلب من امرأة العزيز أن تتبرأ من خطيئتها، وتستغفر لذنبها: )واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29)( (يوسف).

(*) الرد على كتاب “أخطاء إلهية في القرآن الكريم”، مجموعة علماء، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، 2003م. هل القرآن معصوم؟ موقع إسلاميات. islameyat.com

[1]. الهم: قصد الجماع.

[2]. حصحص الحق: ظهر.

[3]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص313.

[4]. صحيح: أخرجه الطبراني في الكبير (11/ 249)، باب العين: أحاديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (11475).

[5]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ( (البقرة:١٣٣) (3194)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل يوسف ـ عليه السلام ـ (6311).

[6]. يترفع: يتنزه.

[7]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص313 بتصرف.

[8]. يواقعها: يجامعها.

[9]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (629)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (2427).

[10]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص309.

[11]. العصمة النبوية، محمد فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، ط3، 1425هـ/ 2005م، ص68، 69.

[12]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة (6126)، وفي موضع أخر، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة (355).

[13]. محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، دار الحديث، القاهرة، 1424هـ/ 2003م، ج6، ص172.

[14]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج 6، ج12، ص253.

[15]. قصص الأنبياء، محمد متولي الشعراوي، دار القدس، القاهرة، ط1، 2006م، ص183.

[16]. محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، دار الحديث، القاهرة، 1424هـ/ 2003م، مج6، ج12، ص172، 173.

[17]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص310، 311.

[18]. المواثبة: أن يثب أحدهما على الآخر.

[19]. المضاربة: أن يضرب أحدهما الآخر.

[20]. تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، ط2، د. ت، ج12، ص277: 280 بتصرف.

[21]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص313.

[22]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص314.

[23]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص85، 86 بتصرف.

[24]. ينأى عنه: يبعد عنه.

المصدر

ادعاء عدم مطابقة القرآن الكريم بين الفعل والفاعل في النوع

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن القرآن الكريم لم يطابق في النوع (التذكير والتأنيث) بين الفعل وفاعله، واستدلوا على ذلك بقوله عز وجل: )فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله( (البقرة: ٢٧٥)، والصواب في ظنهم أن يقال: جاءته موعظة” بتأنيث الفعل جاء ليوافق فاعله المؤنث**.

وجه إبطال الشبهة:

الأصل في اللغة أن يطابق الفعل فاعله في النوع: التذكير والتأنيث، فيأتي مذكرا مع الفاعل المذكر، ومؤنثا مع الفاعل المؤنث.

وغير المتدبر لقوله تعالى: )فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله( يظن أن في الآية مخالفة لقاعدة مطابقة الفعل للفاعل في التذكير والتأنيث، وكان الصواب في زعم هؤلاء المشككين أن يقال: “فمن جاءته موعظة”.

ويمكن الرد على هذه الشبهة بأن نقول: إن كلمة “موعظة” مؤنث مجازي[1]، وما كان مؤنثا مجازيا في اللغة العربية جاز تأنيث فعله أوتذكيره على حد سواء، ومن ثم فلا إشكال في الآية.

التفصيل:

إن كلمة “موعظة” مؤنث مجازي، وما كان مؤنثا مجازيا في اللغة العربية، جاز تأنيث فعله أوتذكيره على حد سواء.

فمن المسلم به في اللغة العربية جواز تذكير الفعل، أوتأنيثه مع فاعله المؤنث في حالات ثلاث:

أن يكون الفاعل مجازي التأنيث ظاهرا، مثل: طلعت الشمس، ويجوز طلع الشمس.

 أن يكون الفاعل جمع تكسير، مثل: حضر جيوش الإسلام إلى ميدان المعركة، ويجوز حضرت جيوش.

 إذا فصل بين الفعل وفاعله بفاصل، مثل: ذهبت إلى المدرسة هند، ويجوز ذهب إلى المدرسة هند؛ وعلى هذا فلا إشكال في قوله تعالى: )فمن جاءه موعظة(.

هذا وقد أوجب النحاة مطابقة الفعل لفاعله في التأنيث في حالتين هما:

الأولى: إذا كان الفاعل ضميرا مستترا منفصلا، سواء أكان عائدا على مؤنث حقيقي[2]، مثل: هند قامت، أم على مؤنث مجازي التأنيث، مثل: الشمس طلعت.

الثانية: إذا كان الفاعل اسما ظاهرا، حقيقي التأنيث، متصلا بالفعل، مثل: قامت امرأة[3].

فإن فقد أحد هذه الشروط جاز في الفعل التأنيث والتذكير، كما هو الحال في الآية )فمن جاءه موعظة من ربه(، وبهذا يتضح موافقة ما ذكره القرآن الكريم لقواعد اللغة؛ حيث جاء الفاعل مؤنثا مجازيا، وأيضا فصل بينه وبين الفعل بالضمير “الهاء”، ومن ثم فإنه يجوز فيه الأمران؛ التأنيث وعدمه ومن ثم فلا إشكال في الآية.

الأسرار البلاغية في الآية الكريمة:

التشبيه التمثيلي[4] في تشبيه آكلي الربا عند خروجهم من أجداثهم بمن أصابه مس فاختل طبعه، وانتكست حاله، وصار يتهافت في مشيته ويتكاوس في خطواته، ويترنح ترنح الشارب السكران، ثم يهوي مكبا على وجهه من سوء الطالع، وقبح المنقلب، وشناعة المصير، والجزاء – عادة وعقلا – من جنس العمل[5]، وذلك في قوله: )الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس( (البقرة: ٢٧٥).

والتشبيه المقلوب [6] في قوله: )إنما البيع مثل الربا( غرضه عكس الكلام للمبالغة، وهم يريدون القول بأن الربا مثل البيع – الذي هو الأصل – ليصلوا إلى غرضهم وهو تحليل ما حرمه الله، فعكسوا الكلام للمبالغة، وهو في البلاغة مرتبة عليا يصبح فيها المشبه به قائما بالمشبه وتابعا له، ومنه في الشعر قول البحتري:

كأنها حين لجت في تدفقها

يد الخليفة لما سال واديها

والأصل تشبيه يد الخليفة بالبركة، فقلب الكلام للمبالغة[7].

ومن هنا فقد عدلوا عن الأصل للمبالغة “فقلبوا التشبيه – مبالغة فيه – زعما أن الربا أولى بالحل من البيع، قال الفخر الرازي في تفسيره: إنه لما تساوى عندهم البيع والربا، كان البيع مثل الربا، وعكسه سواء[8].

(*) www.alkalema.us

[1]. المؤنث المجازي: هو الذي لا يلد ولا يبيض.

[2]. المؤنث الحقيقي: هو الذي يلد أو يبيض.

[3]. انظر: النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف، القاهرة، ط9، ج2، ص78.

[4]. التشبيه التمثيلي: هو ما يكون وجه الشبه فيه وصفا مركبا منتزعا من أمرين أو أكثر.

[5]. إعراب القرآن الكريم وبيانه، محيي الدين الدرويش، دار الإرشاد، دمشق، 1408هـ/ 1988م، ج1، ص429.

[6]. التشبيه المقلوب: جعل الفرع أصلا والأصل فرعا في المشبه والمشبه به.

[7]. إعراب القرآن الكريم وبيانه، محيي الدين الدرويش، دار الإرشاد، دمشق، 1408هـ/ 1988م، ج1، ص429.

[8]. انظر: القرآن والصور البيانية، د. عبد القادر حسين، دار المنار، القاهرة، ط1، 1412هـ/ 1991م.

المصدر

ادعاء خلط القرآن الكريم بين مريم أخت موسى، ومريم أم المسيح

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن القرآن الكريم خلط بين “مريم أخت موسـى”، و “مريـم أم المسيـح”؛ حيـث قــال: )يا أخت هارون( (مريم:٢٨)، قاصدا أم المسيح – عليها السلام -، ولم يكن لمريم أم المسيح أخ اسمه هارون، وإنمـا كـان هـارون أخـا لموسـى – عليهما السلام – ولهما أخت اسمها مريم**.

وجها إبطال الشبهة:

نصت المعاجم العربية على أن الأخ من جمعك وإياه صلب، أو بطن، أو هما معا، أو رضاع. كما يكون الأخ بمعنى: القرين والشبيه في الخلال والصفات؛ لذلك فمعنى: يا أخت هارون، أي: يا شبيهة هارون في التقوى والورع، وقد يعني أنها من نسل هارون؛ لأن العرب اعتادوا أن ينسبوا الناس إلى قبائلهم بقولهم: يا أخا تميم، يا أخا هذيل.

وزعم بعض المشككين أن في قول القرآن عن مريم أم المسيح “يا أخت هارون”خلطا بين “مريم أخت موسى”، و “مريم أم عيسى”؛ ذلك أن هذه الأخيرة ليس لها أخ اسمه هارون، والصواب في زعمهم ألا يقول عن مريم أم عيسى “يا أخت هارون”؛ لأنه يوقع في الخلط واللبس.

وهذا الزعم مردود من وجهين:

1) أن تسمية القرآن لمريم بـ “أخت هارون” ليست خبرا من القرآن، بل حكاية لما قاله قومها عندما وجدوها تحمل ولدها. ونسبتها إلى هارون إما أن المراد منها أخوة النسب، بأن كان لها أخ اسمه هارون، وإما أنهم أرادوا هارون أخا موسى؛ لأنها كانت من نسله، من باب قول العرب للتميمي يا أخا تميم.

2) أن القرآن الكريم لم يخلط بين “مريم أخت موسى”، و “مريم أم المسيح”؛ وذلك للفارق الزمنى بينهما الحائل بين هذا الخلط.

التفصيل:

أولا. إن تسمية القرآن لمريم “أخت هارون” ليست خبرا من القرآن، بل حكاية لما قاله قومها عندما وجدوها تحمل ولدها، فاتهموها في عرضها وشرفها وعفافها.

واختلف المفسرون في نسبة مريم – عليها السلام – إلى هارون؛ فذهب بعضهم إلى أن المراد من الأخوة هنا أخوة النسب. فقوله تعالى: )يا أخت هارون( يحتمل أن يكون على حقيقته، فيكون لمريم أخ اسمه هارون كان صالحا في قومه، خاطبوها بالإضافة إليه زيادة في التوبيخ، أي: ما كان لأخت مثله أن تفعل فعلتك[1]، وكذلك قال الزمخشري في “الكشاف” وهو يسوق الوجوه الواردة في معنى قوله تعالى: )يا أخت هارون( فقال: “كان أخاها من أبيها من أمثل بنى إسرائيل، وإذا كان كذلك فلا شبهة إذن.

وذهب بعض المفسرين إلى أن هارون كان رجلا في ذلك الزمان مشهورا بالصلاح والعفة، فنسبها قومها إليه سخرية منها، وتهكما عليها، وتعريضا بما فعلت، واستهزاء بادعائها الصلاح والتقوى، والتبتل في العبادة، بينما هي في ظنهم قد حملت سفاحا. وقيل: هو رجل صالح أو طالح في زمانها شبهوها به؛ أي: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو شتموها به، وذكر أن هارون الصالح تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون؛ تبركا به وباسمه، فقالوا: كنا نشبهك بهارون هذا”[2].

وقال قتادة: كان في ذلك الزمان في بنى إسرائيل عابد منقطع إلى الله – عز وجل – يسمى هارون، فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبل[3].

وقد ورد في المعاجم العربية أن الأخت قد يقصد بها: المثيلة، ويقال: أخو القبيلة؛ أي: أحد رجالها[4].

ثانيا. لم يخلط القرآن الكريم بين مريم أخت موسى، ومريم أم المسيح؛ وذلك للفارق الزمني بينهما الذي يحول بين هذا الخلط، فعن المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – قال: «لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرءون )يا أخت هارون(، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدمت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سألته عن ذلك. فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم»[5]. ففي هذا تجهيل لأهل نجران – وكذلك لهؤلاء المدعين – بسبب طعنهم في القرآن أن ليس في القوم من اسمه هارون إلا هارون أخا موسى[6].

والمعنى أنه اسم وافق اسما. ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء، وقد دل الحديث الصحيح أنه كان بين موسى وعيسى زمان مديد، وقال الزمخشري: كان بينهما – أي موسى وهارون – وبينه – أي المسيح – ألف سنة، أو أكثر، فلا يتخيل أن مريم كانت أخت موسى وهارون، وإن صح فكما قال السدي؛ لأنها كانت من نسله، وهذا كما تقول للرجل من قبيلة: يا أخا فلان[7]. فيكون نسبة مريم لـ “هارون” من قبيل التقريع والمبالغة منهم في تعييرها، فنسبوها إلى هارون على اسم النبي، فأنت من بيت صلاح ونشأت في طاعة الله، فكيف يصدر منك هذا الفعل؟ كما تقول لسيدة محجبة: أنت يصدر منك مثل هذا العمل الذي لا يتناسب ومظهرك، فتلومها على هذا السلوك الذي لا يتصور من مثلها[8].

ويحتمل أيضا أن يكون معنى “أخت هارون” أنها إحدى النساء من ذرية هارون أخى موسى؛ كقول أبي بكر: يا أخت بنى فراس، وقد كانت مريم من ذرية هارون أخي موسى من سبط لاوي، ففي إنجيل لوقا: “كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبيا، وامرأته من بنات هارون واسمها أليصابات.. فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا؟ فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله. وهوذا أليصابات نسيبتك[9] هي أيضا حبلى بابن في شيخوختها”. (لوقا 1: 5 – 36)،[10] والعرب تستخدم هذا الأسلوب فتقول للتميمي: يا أخا تميم.

وبهذا الإيضاح يتبين عدم خلط القرآن بين “مريم أخت موسى”، و “مريم أم المسيح”.

(*) حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م.

. www.saaid.net

[1]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج8، ج16، ص95.

[2]. الكشاف، الزمخشري، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، د. ت، ج2، ص508.

[3]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج11، ص100.

[4]. المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1997م، مادة: أخا.

[5]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء (5721).

[6]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج8، ج16، ص95، 96.

[7]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج11، ص101.

[8]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1991م، ج15، ص9073، 9074.

[9]. النسيبة: القريبة.

[10]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج8، ج16، ص96.

المصدر

ادعاء خلط القرآن بين هاجر أم إسماعيل، ومريم أم عيسى

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن الكريم خلط بين هاجر أم إسماعيل، ومريم أم عيسى، ويستدلون على دعواهم بقوله سبحانه وتعالى: )واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16)( (مريم)، وقوله سبحانه وتعالى: )فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22)( (مريم)، فيزعمون أن هاجر هربت إلى البرية بإسماعيل، ولما عطشت هيأ الله لها عين ماء فشربت منها، أما مريم العذراء فلم تهرب إلى برية، ولا احتاجت إلى الماء، ولا كانت تحت نخلة.

وجوه إبطال الشبهة:

1)  ليس في القرآن خلط بين هاجر أم إسماعيل ومريم أم عيسى، إنما الخلط في عقول هؤلاء المدعين وأفهامهم المنحرفة.

2) كان خروج هاجر وولدها بأمر من الله – عز وجل – لإبراهيم – عليه السلام – بأخذهما إلى تلك الأرض، ليعمر بهما ذلك الوادي.

3) هناك العديد من أوجه الاختلاف بين قصة خروج هاجر ومريم التي تنفي وقوع خلط أو تشابه، يؤدي إلى الخلط بين القصتين.

التفصيل:

أولا. ليس في القرآن خلط بين هاجر أم إسماعيل ومريم أم عيسى عليهم السلام:

للمسيح عيسى – عليه السلام – ولأمه البتول مريم ابنة عمران مكانة سامية في قلوب المسلمين وفي كتابهم، يؤكد ذلك وجود سورة كاملة في القرآن الكريم باسم مريم، على حين لا تجد في الإنجيل سفرا واحدا باسمها.

إن القرآن الكريم تناول قصة المسيح عيسى – عليه السلام – وأمه في أكثر من موضع، تناول القرآن ميلاد أمه، وكفالة زكريا – عليه السلام – لها، كما تناول عبادتها في بيت المقدس، وتناول أيضا قصة حملها بعيسى – عليه السلام – وقصة وضعه، ومعجزاته، وعرض القرآن دعوته إلى التوحيد وعبوديته لله، كما أفرد أيضا مشهد محاكمة المسيح عيسى – عليه السلام – وهو واقف بين يدي الله يوم القيامة وعرضه بدقة، وتحدث القرآن عن نبوته، وعن موته – عليه السلام – وتناول عقيدة النصارى فيه.

إن عقيدة المسلمين في عيسى – عليه السلام – وأمه – شأن سائر جوانب اعتقادهم – منضبطة ودقيقة وخالية من التخبط والخلط، على عكس ما هو موجود عند غيرهم كالنصارى واليهود، ولم لا والقرآن الكريم هو الكتاب السماوي الخاتم المهيمن، المصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، لايستطيع أحد أن يشكك في حفظه ونقله ودقته، فلا يوجد فيه خطأ واحد على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان، ولم لا والله سبحانه وتعالى حفظه فقال: )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)( (الحجر)، ونفى أن يدخله أو يداخله باطل فقال: )لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه( (فصلت: 42)، وهو بذلك لا يقارن بكتاب سماوي آخر قد حرف، وتدخلت فيه أيدي البشر؛ فالكتاب المقدس مثلا بشهادة طائفة من علماء الغرب المنصفين يشمل على نحو خمسن ألف خطأ[1].

إن القرآن الكريم هو الكتاب الخاتم المهيمن على ما سبق من كتب وهو الذي ارتضاه الله كتابا خاتما تستنير منه وبه الأجيال المتتابعة من لدن بعثة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى يوم القيامة، ومن الغريب أن يأتي بعد ذلك جاهل متخبط ليقول: إن القرآن به خطأ وتخبط؛ لأنه ذكر أن مريم )إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16)( (مريم)، وهي لم تخرج إلى الصحراء ولم تلد تحت نخلة ولم تأكل وتشرب؛ لأنها لم تكن في حاجة إلى الماء، وإننا سنلخص ردنا عليه بما يلي:

مريم قبل حملها بعيسى عليه السلام:

إن مريم جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس، وإن زوج أختها أو خالتها – نبي ذلك الزمان زكريا عليه السلام – كفلها، واتخذ لها محرابا، وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه[2].

إذن كانت مريم تقطن بيت المقدس، فأين ولدت المسيح إذن؟ هل ولدته ببيت المقدس؟!

قصة ميلاد المسيح عيسى ابن مريم – عليه السلام – كما وردت في سورة مريم:

يقول الطبري في تفسيره لقوله سبحانه وتعالى: )فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22)( (مريم): فاعتزلت بالذي حملته – وهو عيسى – وتنحت به عن الناس مكانا قصيا. يقول: مكانا نائيا قاصيا عن الناس، يقال: هو بمكان قاص وقصي بمعنى واحد، كما قال الراجز:

لتقعدن مقعد القصي

مني ذي القاذورة المقلي

يقال منه: قصا المكان يقصو قصوا، وإذا تباعد. وأقصيت الشيء: إذا أبعدته وأخرته[3].

وعن السدي قال: لما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه. وقال ابن عباس في قوله سبحانه وتعالى: )فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة( (مريم: ٢٣): ألجأها المخاض إلى جذع النخلة[4].

هذه هي قصة ميلاد المسيح كما رواها الإمام الطبري – رحمه الله – وجميع المفسرين من بعده، والعجيب أن أحدا منهم لم يقل: إن هذه الآيات هي قصة هاجر أم إسماعيل وليست مريم أم عيسى!

قال الحافظ ابن كثير: “قال محمد بن اسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل – يعني مريم – فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا. قال: واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد، وتوارت عنهم مريم واعتزلتهم، وانتبذت مكانا قصيا”.

وقوله سبحانه وتعالى: )فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة(: فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة، وهو – بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعا، والبيهقي بإسناده عن شداد بن أوس مرفوعا أيضا – ببيت لحم[5].

هذا هو ابن إسحاق، وهو رأس علماء المسلمين في السيرة يروي قصة ميلاد المسيح – عليه السلام – كما رواها الإمام الطبري صاحب التفسير، والعجيب أنه لم يأت أحد من علماء السيرة بقول جديد يخالف قول ابن إسحاق، أو يدعي أن هذه القصة ليست قصة ميلاد المسيح عليه السلام.

رواية العلماء عن أهل الكتاب لقصة ميلاد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام:

روي عن الحبر الذي أسلم وهب بن منبه – كان أحد أعلم الناس بأخبار أهل الكتاب في زمانه – أنه قال: لما حضر ولادها – يعني مريم – ووجدت ما تجد المرأة من الطلق خرجت من المدينة مغربة من إيلياء حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها “بيت لحم”، فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود بقرة[6] تحتها ربيع من الماء فوضعته عندها[7].

سبب انتباذ مريم بالمسيح عيسى – عليه السلام – مكانا قصيا:

وربما سأل سائل فقال: إذا كان الانتباذ هو الاعتزال فلماذا انتبذت به الناس واعتزلتهم؟

يقول الإمام الزمخشري: لعل ذلك يرجع إلى ما لحقها من فرط الحياء والتستر من الناس على حكم العادة البشرية، ولا كراهة لحكم الله، أو لشدة التكليف عليها؛ إذ بهتوها وهي عارفة ببراءة الساحة، وبضد ما قرفت به من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام؛ لأنه مقام دحض قلما تثبت عليه الأقدام، أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم وفضل باهر تستحق به المدح، وتستوجب التعظيم ثم تراه عند الناس لجهلهم به عيبا يعاب به، ويعنف بسببه[8].

ويقول المراغي: إنما اتخذت المكان البعيد حياء من قومها، وهي من سلائل بيت النبوة؛ ولأنها استشعرت منهم اتهامها بالريبة، فرأت ألا تراهم وألا يروها[9].

المكان الذي ولدت فيه مريم المسيح عليه السلام:

يقول د. عبد الوهاب النجار: ولما حان انفصال جنين مريم ألجأها المخاض إلى جذع نخلة هناك في الموضع الذي فيه مدينة بيت لحم وهي على بضعة من الكيلو مترات من بيت المقدس[10].

موقع بيت لحم مهد المسيح عليه السلام:

يقول ياقوت الحموي: بيت لحم: بالفتح وسكون الحاء المهملة. بليدة قرب بيت المقدس… مكان مهد عيسى ابن مريم.[11] وبيت لحم مدينة فلسطينية تقع جنوب الضفة الغربية تقع على بعد حوالي 10 كم جنوب القدس الشرقية[12].

وهكذا يتبين لنا أن السيدة مريم هربت من قومها – ببيت المقدس – حتى أتت بيت لحم – مكانـا قصيـا – وهنـاك عنـد النخلـة التي يجـري بالقرب منها نهر صغيـر )قد جعل ربك تحتك سريا (24)( (مريم) ولدت مريم ابنة عمران المسيح عيسى – عليه السلام – عبد الله ورسوله.

هذه هي القصة كما وردت في القرآن وكتب التفسير والسيرة، وقصص الأنبياء، وكلها تقرر أن الآيات الواردة في سورة مريم تتكلم عن قصة ولادة مريم المسيح – عليه السلام – وأنها ليست هاجر أم إسماعيل – عليه السلام – لأن هاجر خرجت بولدها إلى مكة وليس إلى بيت لحم، ولأنها خرجت بعد أن ولدت إسماعيل، في حين تتكلم آيات سورة مريم عن قصة مريم حين ولادة المسيح )فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة( (مريم: 23).

ومن المعروف أن المخاض هو ألم الولادة أو ما يعرف بـ “الطلق”، ومن حقنا الآن أن نتوجه إلى هذا المتوهم والمغالط بعدد من الأسئلة قائلين له: إذا كنــت تنكــر أن مريـم هربت إلى البريـة – لأسبـاب عـدة – وأنهـا حملتــه: )فانتبذت به مكانا قصيا (22)( (مريم) ألم تكن مريم تقيم مع قومها وأهلها في بيت المقدس، فلماذا إذن ولدت المسيح في بيت لحم التي تبعد عن بيت المقدس بــ 10 كم؟

ليس أمام المدعي إلا أن يجيب بإحدى إجابتين، إما أن ينفي ميلاد المسيح – عليه السلام – ببيت لحم، وفي هذه الحالة يقع في الطعن في نصوص الإنجيل، ويكذب بما ورد فيه، ففي إنجيل متى: “ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية، في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له”. (متى 2: 1، 2)، وإما أن يجيب بأن مريم انتبذت به مكانا قصيا على نحو ما أخبر القرآن فولدته في بيت لحم، وبهذا الجواب يكون قد أقام الحجة على نفسه[13].

أما الطعن في قوله سبحانه وتعالى: )فكلي واشربي وقري عينا( (مريم: ٢٦) بحجة أن مريم لم تكن في حاجة إلى الماء؛ لأنها لم تكن عطشى فهو طعن مردود على صاحبه، يدفعه ما سقناه وأثبتناه سلفا – بلا خلاف بين أهل العلم من المسلمين وأهل الكتاب، وبلا خلاف بين القرآن والإنجيل في شأن مكان ميلاد المسيح – عليه السلام – حيث أثبتنا أنه ولد ببيت لحم في حين كان مقام أمه مريم ابنة عمران ببيت المقدس، وعليه فهل من المعقول أن تسير امرأة حامل بها آلام المخاض مسافة 10 كم دون أن تأكل أو تشرب ثم تكون بعد ذلك في غير حاجة للطعام أو للماء؟!

يبقى أن نسأل المدعي في النهاية: ما سند دعواه وما أدلته على ذلك؟ ومن قال بقوله طوال أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان هي مدة وجود القرآن في الأرض أيا كانت ديانة القائل وأيا كان اتجاهه؟ ولماذا اتخذ النصارى المشرق قبلة لهم، مع العلم أنهم كانوا يستقبلون بيت المقدس في زمن عيسى – عليه السلام – وما استقبلوا الشرق إلا بعد رفعه عليه السلام[14] ولم يكن استقبالهم للشرق بنص من الكتاب المقدس أو تشريع من الله؟

يجيب عن هذا السؤال الإمام الزمخشري فيقول: “إن النصارى اتخذت الشرق قبلة؛ لانتباذ مريم مكانا شرقيا”[15].

ثانيا. كان خروج هاجر وولدها بأمر من الله – عز وجل – لإبراهيم – عليه السلام – بأخذهما إلى تلك الأرض ليعمر بهما ذلك الوادي:

لم يأت في القرآن الكريم تفصيل لقصة هاجر وإسماعيل – عليه السلام – وإنما جاء ذلك في السنة النبوية المطهرة، وإغفال هذه التفاصيل حجة للقرآن، وليست حجة عليه.

وقد ورد في السنة – التي ما هي إلا وحي يوحى – أن الله – عز وجل – أمر إبراهيم – عليه السلام – أن يخرج بهاجر وولدها إلى مكة ويتركهما هناك؛ وذلك ليعمر الله بهما هذا الوادي المبارك، فقد جاء عن ابن عباس – رضي الله عنه – أنه قال: «أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم – عليه السلام – وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء.

ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم.. أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت.

فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال: )ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37)( (إبراهيم).

وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف ذراعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بينهما.

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه – تريد نفسها -، ثم تسمعت فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه – أو قال بجناحه – حتى ظهر الماء، فجعلت تـحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.

قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أم إسماعيل! لو تركت زمزم – أو قال: لو لم تغرف من الماء – لكانت زمزم عينا معينا، قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة؛ فإن ها هنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله»[16] [17].

ثالثا. هناك العديد من أوجه الاختلاف بين قصة هاجر ومريم:

إن كان هناك وجه تشابه بين قصة هاجر ومريم وهو خروج كلتيهما من بلديهما إلى مكان آخر، فإن هناك أوجه اختلاف بين القصتين محصلتها استحالة وقوع خلط أو لبس بينهما.

أوجه الاختلاف والتباين بين قصة هاجر ومريم:

إن في القرآن سورة تسمى سورة مريم، تعرض قصة حمل مريم وخروجها ووضعها المسيح عيسى – عليه السلام – بكل تفاصيلها، في حين لا توجد سورة في القرآن باسم هاجر، ولم يتعرض القرآن لقصة خروجها إلى مكة إجمالا ولا تفصيلا، اللهم إلا آية في سورة إبراهيم، ولم يرد فيها ذكر هاجر ولا قصتها، وإنما وردت قصة هاجر في السنة النبوية المطهرة.

إن مريم حملت بلا زوج، في حين حملت هاجر بإسماعيل – عليه السلام – من إبراهيم عليه السلام.

إن مريم خرجت إلى بيت لحم، في حين خرجت هاجر إلى مكة.

إن مريم عندما خرجت كانت حاملا بعيسى – عليه السلام – في حين خرجت هاجر بإسماعيل – عليه السلام – وهو رضيع.

إن مريم نزلت بمكان فيه نخلة – أي زرع – وماء، في حين نزلت هاجر بواد غير ذي زرع ولا ماء.

إن هاجر خرجت بأمر زوجها – وبوحي من الله – وكان برفقتها، في حين أخرج مريم خوفها من أهلها وآلام المخاض، ولم يكن برفقتها أحد.

إن مريم اتجهت للشرق، في حين اتجهت هاجر إلى الجنوب.

بهذه الأوجه يتبين لنا أن الخلط بين القصتين ضرب من الوهم وطمس للحقيقة.

الخلاصة:

لم يخلط القرآن بين هاجر ومريم، بل أفرد القرآن لمريم سورة كاملة تحدث فيها عن قصة حملها وولادتها.

لا يوجد من أهل العلم طوال أربعة عشر قرنا من ينكر على القرآن إقراره بانتباذ مريم مكانا قصيا عن بيت المقدس، بل أكد العلماء من أهل الكتاب ما قرره القرآن.

خرجت مريم بحملها؛ خوفا من القيل والقال، وحتى لا تمس بسوء، ولبى الله حاجتها إلى الطعام والشراب وهي في حاجة إليهما.

إن عدم ذكر القرآن لتفاصيل قصة هاجر وعدم وجود اسمها به حجة له وليس حجة عليه.

هناك من أوجه الاختلاف بين هاجر ومريم ما يدفع وقوع خلط، أو تشابه يؤدي إلى الخلط بينهما.

(*) هل القرآن معصوم؟ موقع إسلاميات. www.Islamiyat.com

[1]. انظر: مؤلفات أحمد ديدات: المجموعة الثالثة، أحمد ديدات، ترجمة: محمد مختار، رمضان الصفناوي، علي عثمان، كتاب المختار، القاهرة. الحوار دائما، د. شوقي أبو خليل، دار الفكر، بيروت، ط2، 1421 هـ/ 2000م، ص70.

[2]. قصص الأنبياء، ابن كثير، تحقيق: محمد بن الملك الزغبي، دار المنار، القاهرة، 1421هـ/ 2001م، ص420 بتصرف يسير.

[3]. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1420هـ/ 2000م، ج18، ص166، 167.

[4]. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1420هـ/ 2000م، ج18، ص168.

[5]. انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، تحقيق: محمد بن الملك الزغبي، دار المنار، القاهرة، 1421هـ/ 2001م، ج2، ص390.

[6]. المذود: المكان الذي يوضع فيه العلف للدابة.

[7]. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1420هـ/ 2000م، ج18، ص170.

[8]. الكشاف، الزمخشري، الدار العالمية، بيروت، د. ت، ج2، ص506.

[9]. الكشاف، الزمخشري، الدار العالمية، بيروت، د. ت، ص458.

[10]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص452. انظر: قصص الأنبياء، محمد متولي الشعراوي، دار القدس، القاهرة، ط1، 2006م، ص423 وما بعدها.

[11]. انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، ط2، 1995م.

[12]. موقع ويكيبيدبا، الموسوعة الحرة.

[13]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج 8، ج16، ص84.

[14]. عيسى ومريم في القرآن والتفاسير، مجموعة مؤلفين، ترجمة: يوسف قزما خوري، دار الشروق، الأردن، ط1، 1996م، ص447.

[15]. الكشاف، الزمخشري، الدار العالمية، بيروت، د. ت، ج2، ص505.

[16]. أخرجـه البخـاري في صحيحـه، كتـاب الأنبيـاء، بـاب قولـه تعالــى: ) يزفون (94) ( (الصافات) (3184).

[17]. قصص الأنبياء، ابن كثير، تحقيق: محمد بن الملك الزغبي، دار المنار، القاهرة، 1421هـ/ 2001م، ص120.

المصدر

استنكار التكرار في القرآن الكريم

مضمون الشبهة:

يستنكر بعض المشككين من التكرار في القرآن الكريم؛ كما في سورة الرحمن، وسورة التكاثر، وكذلك قصص الأنبياء في كثير من السور: مثل: قصة آدم،وقصة موسى، وقصة عيسى عليهم السلام ويزعم هؤلاء أنه لو تخفف من التكرار في القرآن، فلن يتبقى منه الكثير، وأن ثروة القرآن المعجمية ضئيلة؛ مما أدى إلى ضعف بناء الجملة، واللجوء إلى الحشو، ومزج الخيال بالواقع خاصة في قصة موسى عليه السلام، وهذا مخالف للعقل والمنطق.

وجها إبطال الشبهة:

القرآن الكريم هو كلام الله المعجز للخلق في أسلوبه ونظمه، وفي علومه وحكمه، وفي تأثير هدايته، وفي كشفه الحجب عن الغيوب الماضية والمستقبلة، وفي كل باب من هذه الأبواب للإعجاز فصول، وفي كل فصل منها فروع ترجع إلى أصول، وقد تحدى محمد – صلى الله عليه وسلم – رسول الله النبي العربي الأمي – العرب بإعجازه، وحكى لهم عن ربه القطع بعجزهم عن الإتيان بسورة من مثله، فظهر عجزهم على شدة حرص بلغائهم على إبطال دعوته، واجتثاث نبتته، ونقل جميع المسلمين هذا التحدي إلى جميع الأمم فظهر عجزها أيضا، وقد نقل بعض أهل التصانيف عن بعض الموصوفين بالبلاغة في القول أنهم تصدروا لمعارضة القرآن في بلاغته ومحاكاته في الفصاحة دون هدايته، ولكنهم على ضعف رواية الناقلين عنهم لم يأتوا بشيء تقر به أعين الملاحدة والزنادقة فيحفظوه عنهم ويحتجوا به لإلحادهم وزندقتهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: )قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88)( (الإسراء).

وقد زعم المشككون في القرآن الكريم أن فيه تكرارا وحشوا، واستدلوا على ذلك ببعض سور القرآن وآياته؛ ظنا منهم أن ذلك يدعم شبهتهم.

وهذا الزعم مردود بما يلي:

1)  التكرار في القرآن جاء ليؤدي وظيفتين: دينية، وأدبية.

2) التكرار في القرآن أتى بصور متعددة، وكل صورة منها تؤدي وظيفة في المعنى من ناحية محددة، ومن هذه الصور:

تكرار أداة تؤدي وظيفة في الجملة بعد أن تستوفي الجملة ركنيها.

 تكرار كلمة مع أختها لداع؛ بحيث تفيد معنى لا يمكن حصوله بدونها.

تكرار فاصلة في سورة واحدة على نمط واحد.

تكرار قصة في مواضع متعددة مع اختلاف في طرق الصياغة وعرض الفكرة.

التفصيل:

إن الذي دفع هؤلاء المشككين إلى إثارة هذا الزعم هو جهلهم باللغة العربية وأسرار البيان، فهو السبب الحق الذي أضلهم وجعلهم يرون القرآن كلاما من الكلام يجرون عليه الحكم الذي يجري على غيره؛ كما يظن الجاهل الذي ليس في نظره معان عقلية كل صورة ككل صورة وكل حصاة ككل جوهرة، ويذهب يقيم البرهان على صحة نظره من الخطوط والتقاسيم والألوان والأوصاف.

أما علم هؤلاء أن أرباب الفصاحة وعلماء البلاغة قد حاروا في كشف البيان عن وجوه إعجاز القرآن بعد أن ثبت عندهم بالوجدان والبرهان… فالقرآن في البيان والهداية كالروح في الجسد، والأثير في المادة، والكهرباء في الكون: تعرف هذه الأشياء بمظاهرها وآثارها، ويعجز العارفون عن بيان كنهها وحقيقتها، وفي وصف ما عرف منها أو عنها لذة عقلية لا يستغنى عنها، كذلك ما عرف من أسباب عجز العلماء والبلغاء عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن في الهداية والأسلوب، أو حسن البيان، فيه لذات عقلية وروحية، وطمأنينة ذوقية وجدانية، تتضاءل دونها شبهات الملحدين، وتنهزم من طريقها تشكيكات الزنادقة والمرتابين.

ويذكر الشيخ محمد عبده أن لكلام الله أسلوبا خاصا يعرفه أهله ومن امتزج بلحمه ودمه، أما الذين لا يعرفون منه إلا مفردات الألفاظ وصور الجمل فأولئك عنه مبعدون.. ويقول أيضا: فهم كتاب الله – عز وجل – يأتي بمعرفة ذوق اللغة، وذلك بممارسة الكلام البليغ[1].

أما ما ادعاه بعض هؤلاء عن ظاهرة التكرار في القرآن فمردود عليه من الوجوه التالية:

أولا. التكرار في القرآن جاء ليؤدي وظيفتين:

دينية: فإن من أهم ما يؤديه التكرار هو تقرير المكرر وتوكيده، وإظهار العناية به؛ ليكون في السلوك أمثل وللاعتقاد أبين.

أدبية: فإن الهدف من التكرار في جميع مواضعه هو تأكيد المعنى، وإبرازه في معرض الموضوع وبيانه.

ثانيا. التكرار في القرآن أتى بصور سياقية متعددة؛ منها:

الموضع الأول: تكرار الأداة:

ونضرب لذلك مثالا بقوله عز وجل: )ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110)( (النحل).

وقد تكررت “إن” في الآية، وكان يمكن – في الظاهر – أن يستغنى عنها في نهاية الآية فيقال: “لغفور رحيم” وهو خبر “إن” الأولى، فما سبب التكرار؟!

السبب هو طول الفصل بين “إن” الأولى وخبرها، وهذا أمر يشعر بتنافيه مع الغرض الذي سيقت من أجله “إن” وهو التوكيد؛ لهذا اقتضت البلاغة إعادتها، لنلحظ النسبة بين الركنين على نحو ما ينبغي أن تكون عليه من التوكيد، هذا علاوة على أن حذفها سيؤدي إلي الاضطراب وعدم التناسق، ومثال ذلك من الشعر:

وإن امرأ طالت مواثيق عهده

على مثل هذا إنه لكريم

الموضع الثاني: تكرار الكلمة مع أختها:

ومثاله قوله عز وجل: )أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5)( (الرعد)؛ حيث تكررت كلمة “أولئك” في الآية ثلاث مرات، فما السر وراء هذا التكرار؟

في هذا التكرار نجد حسنا وروعة؛ “فالأولي والثانية” تسجلان حكما عاما على منكري البعث وهو: كفرهم بربهم وكون الأغلال في أعناقهم، و “الثالثة” بيان لمصيرهم المهين ودخولهم النار ومصاحبتهم لها على وجه الخلود الذي لا يعقبه خروج منها، ولو أسقطت “أولئك” في الموضعين الثاني والثالث لاضطرب المعنى، فتصبح “الواو” الداخلة على )الأغلال في أعناقهم( واو حال، وتصبح الداخلة على )أصحاب النار هم فيها خالدون( عاطفة عطفا يضطرب معه المعنى؛ لذا حسن التكرار في الآية لما فيه من صحة المعنى وتقويته.

الموضع الثالث: تكرار الفاصلة:

وسنكتفي هنا بإيراد موضع واحد تكررت فيه الفاصلة؛ لنرى ماذا يمثله ذلك التكرار، وهل هو غير مقيد – كما زعموا – أم هو على العكس من ذلك؟!

التكرار في سورة الرحمن:

لقد تكررت فيها عبارة )فبأي آلاء ربكما تكذبان(13)( (الرحمن) إحدى وثلاثين مرة، ويمكن أن نسجل عدة ملاحظات حول هذا التكرار منها:

أن هذا التكرار هو أكثر صور التكرار الواردة في القرآن على الإطلاق.

أنه قد مهد له تمهيدا رائعا، حيث جاء بعد اثنتي عشرة آية متحدة الفواصل، وقد تكررت في هذا التمهيد كلمة “الميزان” ثلاث مرات متتابعة دون نبو أو ملل، وهذا التمهيد قد أتاح مساحة كبيرة حتى كان بمثابة مقدمة طبيعية؛ لتألف النفس التكرار الذي سيرد بعد ذلك.

إن الطابع الغالب على هذه السورة هو طابع تعداد النعم على الثقلين: “الإنس والجن”، وبعد كل نعمة يعددها تأتي عبارة: )فبأي آلاء ربكما تكذبان(، وعلى هذا يمكن فهم التكرار في هذه السورة: على أنه تذكير وتقرير للنعمة، وأنها بمكان فلا يمكن إنكارها.

الموضع الرابع: التكرار في القصص القرآني:

ومن الملاحظ أن القصص القرآني يغلب عليه التكرار إلا في قصة واحدة، وهي قصة يوسف عليه السلام؛ وذلك لأنها تتحدث عن جريمة خلقية، وهي محاولة امرأة العزيز إغراءه، وفي سبيل صيانة الأعراض اكتفى القرآن بسوقها مرة واحدة، والقصص القرآني في جملته مسوق لغرضين:

أولهما: تسلية الرسول – صلى الله عليه وسلم – وتثبيت فؤاده، وأنه لم يكن بدعا من الرسل، فهم خولفوا مثلما خولف، وحق على المخالفين العذاب ونصر الله رسله وجنده.

ثانيهما: تهديد المخالفين وزجرهم، وبيان مصير أمثالهم؛ لعلهم يقلعون عن غيهم.

وهذه الدواعي محققة في كل مرة ورد فيها التكرار، على أنه يمكن أن يلاحظ على تكرار القصص القرآني ما يلي:

عدم توحد الصياغة في كل موضع كررت فيه القصة؛ وفي هذا إيحاء بأنها جديدة متجددة دائما، وليس فيها سآمة أو ملل، بل ترويح وطرافة.

كذلك فإن المعاني التي تتحدث عنها القصة القرآنية لم تكن لمجرد التهديد أو التسلية، بل إن التكرار يحول المكرر إلى معتقد.

ومن عادة العرب إذا اهتمت بشيء أرادت تحقيقه: كررته، وكأنها تقيم التكرار مقام المقسم عليه، أو الاجتهاد في الدعاء بحيث تقصد الدعاء.

إن في التكرار تقريرا للمعاني في الأنفس، وتثبيتا لها في الصدور، ألا ترى أنه لا سبيل لحفظ العلوم إلا بترداد ما يراد حفظه منها، وكلما زاد ترداده كان أمكن له في القلوب، وأوسع له في الفهم، وأثبت للذكر، وأبعد من النسيان.

وهناك حقيقة مهمة، وهي أن الإشادة بجمال التكرار في القرآن لم يقتصر على العلماء العرب؛ بل إن كثيرا من المستشرقين قد شهدوا بذلك منهم: جردنبيادم كما نقل عنه عبد الكريم الخطيب في كتاب “الإعجاز القرآني”، ولا شك أن الفضل ما شهدت به الأعداء.

ولنأخذ مثالا على ذلك، ولتكن قصة آدم – عليه السلام – لنلحظ فوائد التكرار فيها:

هذه القصة وردت في سبع سور، في سبع مرات، وترتيب السور التي وردت فيها القصة حسب نزولها هي “في المكي”: (ص، الأعراف، طه، الإسراء، الحجر، الكهف). و “في المدني”: (البقرة).

ومن الواضح أن نصيب العهد المكي من القصة كان وفيرا بالقياس إلى العهد المدني، ولنأخذ موضعا واحدا لنلحظ أثر التكرار فيه: قال عز وجل: )وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35)( (البقرة). وفي موضع آخر يقول: )فكلا( (الأعراف: 19).

لقد جاءت الآيتان بنسق واحد إلا في:

قوله – عز وجل – في البقرة: )وكلا( وفي الأعراف: )فكلا(.

قوله – عز وجل – في البقرة: )حيث شئتما(، وعدم وجودها في الأعراف.

ويمكن توجيه الاختلاف أن “السكن” في البقرة للإقامة، وفي الأعراف لاتخاذ المسكن، فلما نسب القول إليه عز وجل: )وقلنا يا آدم(؛ ناسب زيادة الإكرام بـ “الواو” الدالة على الجمع بين السكنـى والأكـل؛ ولذلك قـال فيـه: )رغـدا(، وقــال: )حيث شئتما(؛ لأنه أعم، أما في الأعراف فقد قال عز وجل: )يا آدم(؛ فأتى بـ “الفاء” الدالة على الترتيب، فالأكل يأتي بعد المسكن الذي أمر باتخاذه، وقوله: )حيث(، لا يعطي عموم “فكلا من حيث شئتما”.

ونلاحظ من خلال الشاهد الذي أوردناه:

أن المواضع التي كررت فيها القصة لا تكون غالبا بنسق واحد في الصياغة.

أن كل موضع منها يفيد معنى جديدا لا يستفاد من غيره من المواضع.

ولو ذهبنا نتتبع كل المواضع التي ورد فيها التكرار في القرآن الكريم، لوجدنا أنه يأتي لإفادة معان عظيمة في كل مرة، فضلا عما فيه من التوكيد، فأين موضع التشكيك الذي يتوهمه المتوهمون؟!

ومن البلاغة التي وردت في هذه الآية الكريمة: قوله عز وجل: )ولا تقربا هذه الشجرة(، فالمنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة، وتعليق النهي بالقرب منها “ولا تقربا” القصد منه المبالغة في النهي عن الأكل؛ إذ النهي عن القرب نهي عن الفعل بطريق أبلغ؛ كقوله تعالى: )ولا تقربوا الزنا( (الإسراء: ٣٢)؛ فنهى عن القرب من الزنا؛ ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه1.

وتكرار القصص في القرآن له حكم عديدة؛ منها:

بيان بلاغة القرآن في أعلى مراتبها: فمن خصائص البلاغة إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة، والقصة المتكررة ترد في كل موضع بأسلوب يتمايز عن الآخر، وتصاغ في قالب غير القالب التي وردت فيه في موضع آخر، ولا يمل الإنسان من تكرارها، بل تتجدد في نفسه معان لا تحصل له بقراءتها في المواضع الأخرى.

قوة الإعجاز: فإيراد المعنى الواحد في صور متعددة مع عجز العرب عن الإتيان بصورة منها أبلغ في التحدي.

الاهتمام بشأن القصة لتمكين عبرها في النفس: إذ التكرار من طرق التأكيد وأمارات الاهتمام؛ كما هو الحال في قصة موسى مع فرعون؛ لأنها تمثل الصراع بين الحق والباطل أتم تمثيل، فضلا عن أن القصة لا تكرر في السورة الواحدة مهما كثر تكرارها.

اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة: فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام، وتبرز معاني أخرى في سائر المقامات، حسب اختلاف مقتضيات الأحوال.

(*) الاستشراق والقرآن العظيم، د. محمد خليفة، دار الاعتصام، القاهرة، ط1، 1414هـ/ 1994م. مناقشات وردود، محمد فريد وجدي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1415 هـ/ 1995م. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م. حقائق القرآن وأباطيل خصومه: شبهات وردود، عبد العظيم المطعني، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر، 1423هـ/ 2002م. www.islamyat.com .www.ebnmaraym.com

[1]. إعجاز القرآن، مصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1928م، ص20 بتصرف يسير.

المصدر

الادعاء أن القرآن الكريم خالف قواعد اللغة فنصب الفاعل

مضمون الشبهة:

 يتوهم بعض المدعين أن القرآن الكريم خالف قواعد اللغة ونصب الفاعل في قولـــه ـ عز وجل ـ: )لا ينال عهدي الظالمين (124)( (البقرة) **، والصواب في ظنهم أن يقال: “الظالمون” بالرفع.

وجها إبطال الشبهة:

الأصل أن يأتي الفاعل مرفوعا وعلامة رفعه قد تكون أصلية أو فرعية، وهذا ما نلحظه في لغة القرآن الكريم، أما ما يتوهمه بعضهم من أن القرآن نصب الفاعل، فوهم باطل من وجهين:

1) أن الفعل )ينال( فعل متعد، بمعنى: يشمل أو يعم أو ينفع، كما في الآية، أي: لا يشمل عهدي الظالمين، فـ “عهدي” هنا فاعل، والظالمين مفعول، به مثال ذلك: أن يقول الوالد لأبنائه: لا ينال رضاي العاقين، والفعل: )ينال( يأتي أيضا بمعنى “يصل لـ”، فيكون معنى الآية: لا يصل عهدي للظالمين؛ وعليه فلفظة “الظالمين” منصوبة على نزع الخافض، أو: لا يصل الظالمين عهدي، إذا قدمنا المفعول وأخرنا الفاعل.

2)  أن الفعل: )ينال( يسند في اللغة إلى من يعقل وإلى ما لا يعقل، وكلا الاستعمالين صحيح فصيح.

التفصيل:

أولا. الفعل “نال” فعل متعد لمفعول واحد، قال الله عز وجل: )ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا( (الأحزاب: ٢٥)، فالفاعل “واو الجماعة” والمفعول “خيرا”.

أما في هذه الآية )لا ينال عهدي الظالمين( (البقرة)، فالفاعل “عهدي” مرفوع بضمة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة لـ “ياء المتكلم”، والمفعول به هو “الظالمين”، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والمعنى: لا ينفع عهدي الظالمين، وليس في مجيء “الظالمين” منصوبا على المفعولية خلاف بين العلماء.

وقد جاء قوله عز وجل: )لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم( (الحج: ٣٧). على خلاف نسق آية البقرة التي نحن بصدد الحديث عنها؛ حيث جاءت على الترتيب الطبيعي: الفعل “ينال” ثم الفاعل “عهدي” ثم المفعول “الظالمين”. أما في آية الحج: )لن ينال الله لحومها(، فإن الذي تلا الفعل هو المفعول “لفظ الجلالة”، وما بعده “لحومها” هو الفاعل، والمعنى: لن يصل الله لحومها ولا دماؤها، وكذلك قوله: )ولكن يناله التقوى منكم( فالضمير في “يناله” هو المفعول به، أما “التقوى” فهي الفاعل[1].

ثانيا. ربما التبس الأمر على هؤلاء المتوهمين حين زعموا هذا الزعم؛ لأنهم توهموا أن الفعل “ينال” لا يسند إلا لمن يعقل، وأنه إذا اجتمع عاقل وغير عاقل، فلا بد من إسناد الفعل “ينال” إلى العاقل؛ فيكون هو الفاعل، وهذا توهم خاطئ؛ لأن الفعل “ينال” له استعمالان صحيحان في اللغة العربية:

أن يسند إلى من يعقل! فيكون بمعنى إدراك الشيء، والحصول عليه كما في قوله عز وجل: )لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون( (آل عمران: ٩٢).

أن يسند إلى غير العاقل، أو إلى معنى من المعاني؛ فيكون بمعنى وصوله إلى المفعول به، كما في قوله عز وجل: )لن ينال الله لحومها ولا دماؤها( (الحج: ٣٧)، وقوله عز وجل: )أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب( (الأعراف: ٣٧). والملاحظ أن الاستعمالين معناهما واحد؛ ولذا قال العلماء: إن كل ما نالك فقد نلته، والعكس صحيح.

وبهـذا يتضـح أن الآيــة الكريمـة: )لا ينــال عهــدي الظالميــن (124)( (البقرة) تخلو من الخطأ النحوي ومن غيره من الأخطاء، و قد يكون هذا معروفا لخصوم القرآن، ولكن الحقد الدفين هو الذي أعماهم وطبع على قلوبهم؛ فلم يروا الحق إلا باطلا، ولم يروا الصواب إلا خطأ، وهكذا سولت لهم أنفسهم، وما دروا أنهم هم المخطئون[2].

الأسرار البلاغية في الآية الكريمة:

العلة البلاغية في تقديم المفعول على الفاعل في قوله: )وإذ ابتلى إبراهيم ربه( (البقرة: ١٢٤) العناية والاهتمام، فقد علل الموجهون ذلك بقاعدة نحوية تقرر وجوب تقدم المفعول على الفاعل إذا اتصل به ضمير يرجع إلى المفعول؛ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، ويبين ابن عطية بلاغة ذلك فيقول: إن المفعول ههنا قد قدم على الفاعل للاهتمام؛ إذ كون الرب مبتليا معلوم، وإنما يهتم السامع بمن وقع عليه البلاء، وكون ضمير المفعول متصلا بالفاعل هو موجب تقديم المفعول متصلا بالفاعل، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام. ومعلوم أن القاعدة توظف في السياق تقديما وتأخيرا، فيختار لها الموضع المناسب والمعرض الحسن[3].

مبلغ الفصاحة وقوة البيان في هذه العبارة الموجزة )قال ومن ذريتي(، أي قال: واجعل من ذريتي أئمة للناس، وهو إيجاز في الحكاية عنه لا يعهد مثله إلا في القرآن.

ثم قال عز وجل: )لا ينال عهدي الظالمين(، أي: إنني أعطيك ما طلبت وسأجعل من ذريتك أئمة للناس، ولكن عهدي بالإمامة لا ينال الظالمين؛ لأنهم ليسوا بأهل لأن يقتدى بهم؛ ففي العبارة من الإيجاز ما يناسب ما قبلها، وإنما اكتفى في الجواب بذكر المانع من منصب الإمامة مطلقا وهو الظلم لتنفير ذرية إبراهيم منه؛ لكيلا يقعوا فيه فيحرموا هذا المنصب العظيم،[4] “فدل ذلك على أن منصب الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل”[5].

(*)عصمة القرآن وجهالات المبشرين، إبراهيم عوض، مكتبة زهراء الشرق، مصر، 2004م. رد مفتريات على الإسلام، عبد الجليل شلبي، دار القلم، الكويت، ط1، 1402هـ/ 1982م .www.ebnmaryam.com www.islameyat.com.

[1]. حقائق القرآن وأباطيل خصومه، د. عبد العظيم المطعني، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1423هـ/ 2002م، القسم الثالث، ص20.

[2]. حقائق القرآن وأباطيل خصومه، د. عبد العظيم المطعني، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1423هـ/ 2002م، القسم الثالث، ص20.

[3]. التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د. أحمد سعد محمد، مكتبة الآداب، القاهرة، ط2، 1421هـ/ 2000م، ص204، 205.

[4]. تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1934م، ج1، ص456، 457.

[5]. التفسير الكبير المعروف بـ “مفاتيح الغيب”، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية،بيروت، د. ت، عند تفسير الآية.

المصدر

الادعاء بأن القرآن الكريم يقضي بدخول الناس جميعا النار حتى المؤمنين

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المشككين أن القرآن الكريم نص على دخول الناس جميعا النار حتى المؤمنين؛ وذلك في قوله عز وجل: )وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71)( (مريم)**، والمقصود من هذه الآية في زعمهم هو: “ما من أحد من الناس إلا داخل في جهنم”، حتى الذين آمنوا يدخلون، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم داخل في هذا العموم، فإن هذا الحكم منطبق عليه كذلك.

وجوه إبطال الشبهة:

فى المعاجم العربية: ورد فلان على المكان، وورد المكان: أشرف عليه، ومر به، دخله أم لم يدخله، وقد حمل المتوهمون المعنى على “الدخول”، وقطعوا بذلك، ولم ينتبهوا إلى أن الإشراف على المكان والمرور به لا يعنى دخوله.

والدليل على هذا المعنى قوله تعالى: )ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون( (القصص: ٢٣)، وهذا الوهم الذي توهموه وليد فهم واه، وجهل عميق بأبسط قواعد اللغة العربية وأساليبها، وكذلك المعلوم من الدين بالضرورة؛ لذلك فهو مردود من وجوه:

1)    أن “الورود على جهنم” قضاء لازم، ومعناه: الجثو حواليها[1]، ولا يعني ذلك دخول الناس جميعا فيها.

2)  أن “الورود” أمر ثابت، ويشمل الأتقياء وغيرهم؛ لأن الصراط – الذي يمر عليه الجميع – مضروب على متن جهنم، فـ “الورود” يعني المرور السريع، وليس البقاء فيها[2].

3)    وقيل: إن “الورود” ليس لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم، وإنما هو خاص بالمشركين فقط[3].

التفصيل:

أولا. إن قوله تعالى: )وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71)( خطاب عام لجميع الخلق دون استثناء؛ بدليل قوله – عز وجل – بعدها: )ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72)( (مريم)، يعنى الجثو هنا حواليها والاقتراب منها،[4] والدليل ما جاء في آية أخرى، والذي يدل على أن بعض الناس مبعد عنها لا يسمع حسيسها، قوله تعالى: )إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102)( (الأنبياء).

فمعنى قوله: “مبعدون” أي: عن عذاب النار وألمها، وقيل: المراد إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبين منها؛ فيكون الورود بمعنى القرب ومثله قوله تعالى: )ولما ورد ماء مدين(، فـ “الورود” يعني القرب[5]، وقال زهير:

فلما وردن الماء زرقا جمامه

وضعن عصي الحاضر المتخيم [6]

وذكر الراغب الأصفهاني أن “الورود” أصله قصد الماء، ثم يستعمل في غيره، يقال: وردت الماء، أرد، ورودا، وقوله: )وإن منكم إلا واردها(، فقد قيل: منه وردت ماء كذا: إذا حضرته، وإن لم تشرع فيه، وقيل: بل يقتضي ذلك الشروع، ولكن من كان من أولياء الله الصالحين لا يؤثر فيهم؛ بل يكون حاله فيها كحال إبراهيم عليه السلام؛ حيث قال تعالى: )قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69)( (الأنبياء)[7].

و “الورود على جهنم” أمر ثابت بالكتاب والسنة، فمعنى قوله: )وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71)( أي: إنكم جميعا – متقين ومجرمين – ستردون النار وترونها؛ لأن الصراط الذي يمر عليه الجميع مضروب على متن جهنم.

وقد ورد ذلك في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان[8]، ثم يستجيز الناس، فناج مسلم، ومخدوش به ثم ناج، ومحتبس به، ومنكوس[9]، ومكدوس فيها»،[10] [11] ولعل الحكمة في ورود المؤمن جهنم معرفته نعمة الله عليه، فإذا رأى المؤمن النار التي نجاه الله منها يحمد الله، ويعلم نعمته ورحمته به.

وتعقيبا على ما سبق يقول القرطبي: اختلف الناس في “الورود”، فقيل: “الورود”؛ أي: الدخول، وقيل: “الورود”: الممر على الصراط المستقيم، وإنما نقول: وردت البصرة، ولم أدخلها، فالورود أن يمروا على الصراط، وفي الحديث: «ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، فيقولون: اللهم سلم سلم، وقيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: “دحض مزلة [12] فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، والطير، وكأجاويد الخيل، والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم»،[13] وبه احتج من قال: إن الجواز على الصراط هو “الورود” الذي تضمنته هذه الآية لا الدخول فيها، وقالت فرقة: “بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب، وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب، وهو بقرب جهنم، فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه”[14].

ثانيا. وقيل: إن معنى “الورود” في قوله سبحانه وتعالى: )وإن منكم إلا واردها( هو الجواز على الصراط، أو الرؤية، أو الدخول دخول سلامة، فلا يكون في ذلك شيء من المسيس[15]؛ لأن النار ستكون على المؤمنين بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم عليه السلام، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم[16].

وقوله تعالى: )كان على ربك حتما مقضيا (71)( الحتم: إيجاب القضاء، أي: “كان ذلك حتما مقضيا”؛ أي: قضاه الله تعالى عليكم، وقال ابن مسعود: أي: “قسما واجبا”[17]؛ وعلى هذا فإن معنى هذه الآية: أنه ما من أحد إلا وارد جهنم، أي: بالغ إياها مار بها، أما النبي – صلى الله عليه وسلم – والمؤمنون فيجاوزونها إلى الجنة، وأما العصاة والكافرون فيسقطون فيها جزاء وفاقا لأعمالهم.

ثالثا. وقيل: إن المقصود بـ “الورود” في الآية الكريمة ليس جميع الناس؛ بل هو خاص بالمشركين فقط؛ فالخطاب في “وإن منكم” التفات عن الغيبة في قوله: “لنحشرنهم” و “لنحضرنهم”؛ فعدل عن”الغيبة” إلى “الخطاب” ارتقاء في المواجهة بالتهديد؛ حتى لا يبقى مجال للالتباس المراد من ضمير الغيبة؛ فإن ضمير الخطاب أعرف من ضمير الغيبة، ومقتضى الظاهر أن يقال: وإن منهم إلا واردها[18].

وعن ابن عباس أنه قال في قوله: “وإن منكم إلا واردها”: هذا خطاب للكفار، وروي عنه أنه كان يقرأ: “وإن منهم” ردا على الآيات التي قبلها في الكفار، في قوله: )فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68)( (مريم)، وكذلك قرأ عكرمة – رضي الله عنه – وجماعة، وعلى هذا فإن المراد بـ “منكم”: الكفرة فقط دون المؤمنين؛ لأن الكاف في “منكم” راجعة إلى “الهاء” في “لنحشرنهم”، وهذا نظير قوله تعالى: “وإن جهنم لموعدهم أجمعين”، فالمقصود الكافرون دون المؤمنين.

ومن ثم فليس الخطاب في قوله: )وإن منكم إلا واردها( لجميع الناس، مؤمنهم وكافرهم؛ لأن فضل الله على المؤمنين بالجنة وتشريفهم بالمنازل الرفيعة ينافى أن يسوقهم مع المشركين مساقا واحدا، كيف وقد قال الله عن المتقين: )يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85)( (مريم)، بينما أخبر عن الكافرين بقوله: )ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86)( (مريم)؟ وعلى هذا فقد زالت هذه الشبهة واتضح وجه الحق فيها[19].

الأسرار البلاغية في الآية الكريمة:

استخدام حرف “إن” دلالة على النفي، وعدم استخدام الفعل “ليس”؛ لأن الحرف يفيد الثبات والديمومة بخلاف الفعل المؤقت بزمن معين.

الالتفات في الخطاب في “وإن منكم” التفات عن الغيبة في قوله: “لنحشرنهم” و “لنحضرنهم”؛ وقد عدل عن “الغيبة” إلى “الخطاب” ارتقاء في المواجهة بالتهديد؛ حتى لا يبقى مجال للالتباس المراد من ضمير الغيبة، فإن ضمير الخطاب أعرف من ضمير الغيبة، ومقتضى الظاهر أن يقال: وإن منهم إلا واردها[20].

استخدام طائفة من المؤكدات: “كان”، “على ربك”، “حتما” في قوله تعالى: )كان على ربك حتما مقضيا (71)(؛ حيث استخدم الفعل الماضي “كان” الذي يدل على تمكن الحدث، وكذلك استخدام “على ربك” وهي متعلقة بالفعل “كان”، أضف إلى ذلك أن “على” تفيد الإلزام، وحاشا لله أن يلزمه أحد بشيء، وإنما يدل هذا على تأكيد تنفيذ ما توعد به، وانتهاء الآية بـ “حتما مقضيا” يفيد لزوم ما قضى الله به.

وبذا يتضح بجلاء مدى دقة القرآن الكريم ونزاهته عما تجرأ هؤلاء من الافتراء عليه.

(*) الرد على كتاب “أخطاء إلهية في القرآن الكريم”، مجمع البحوث الإسلامية، دار السعادة للطباعة، مصر، 2003م.

[1]. صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، المطبعة العربية الحديثة، مصر، ج2، ص808، 509.

[2]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1991م، مج15، ص9155.

[3]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج8، ج16، ص150.

[4]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1991م، ج15، ص9154.

[5]. دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، الشنقيطي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، ط1، 1420هـ/ 2000م، ج1، ص150.

[6]. قال الزوزني في شرحه للمعلقات السبع: “فلما وردت هذه الظعائن الماء ـ وقد اشتد صفاء ما جمع منه في الآبار والحياض ـ عزمن على الإقامة كالحاضر المبتني الخيمة، ومعنى الجمام: هو ما اجتمع من الماء في البئر والحوض وغيرهما. (انظر: شرح المعلقات السبع، الزوزني، تعليق: محمد فوزي حمزة، مكتبة الآداب، القاهرة، ط1، 1427 هـ/ 2006م، ص63).

[7]. المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، دار المعرفة، بيروت، د. ت، ص519، 520.

[8]. حسك السعدان: هي عشبة تضرب إلى الصفرة، ولها شوك يسمى الحسك، لا يكاد أحد يمشي عليه إذا يبس إلا من في رجليه خف أو نعل.

[9]. مكدوس في النار: مدفوع فيها، وتكدس الإنسان: إذا دفع من ورائه فسقط.

[10]. المنكوس: المطأطئ رأسه من الذل والهوان.

[11]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، (11096)، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر البعث (4280)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (8189).

[12]. دحض مزلة: بمعنى واحد، وهو الموضع الذي تزل فيه القدم.

[13]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ( (القيامة)، (7001)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (472).

[14]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج11، ص137 بتصرف.

[15]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ص139.

[16]. دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، الشنقيطي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، ط1، 1420هـ/ 2000م، ج1، ص150.

[17]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج11، ص141.

[18]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج8، ج16، ص149.

[19]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، ص149.

[20]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، ص150.

المصدر

التشكيك في صحة قصة نوح – عليه السلام – في القرآن

مضمون الشبهة:

يشكك بعض المتوهمين في قصة نوح – عليه السلام – التي جاء ذكرها في القرآن الكريم؛ إذ يصفونها بالاضطراب، لأنه يذكر مرة أنه نجى نوحا وأهله في قوله سبحانه وتعالى: )ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76)( (الأنبياء)، ثم يذكر القرآن أن أحد أبناء نوح كان مصيره الغرق؛ وذلك في قوله سبحانه وتعالى: )قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43)( (هود).

وجه إبطال الشبهة:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى نجى نوحا – عليه السلام – ومن آمن معه من أهله وقومه استجابة لدعوته عليه السلام، وأما الكافرون فالهلاك والغرق كان مصيرهم، وإن كانوا من أهله، ولا اضطراب ولا تناقض فيما أخبر به القرآن بشأن نوح – عليه السلام – وقصته.

التفصيل:

لم يقل القرآن الكريم إن أهل نوح – عليه السلام – نجوا جميعا، وذكره في بعض الآيات أن أهله نجوا لا يتنافى مع ذكره أن بعض أهله لم ينج، قال سبحانه وتعالى: )ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76)( (الأنبياء)، قال سبحانه وتعالى: )ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76)( (الصافات)، وقال سبحانه وتعالى: )ثم أغرقنا الآخرين (82)( (الصافات)، قال سبحانه وتعالى: )حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40)( (هود).

وذكر القرآن أن من الذين لم يؤمنوا به ولم يتبعوه، ابنه وزوجته قال سبحانه وتعالى: )وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42)( (هود)، قال سبحانه وتعالى: )قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43)( (هود).

  فالقرآن يفسر بعضه بعضا. والمطلق فيه يحمل على المقيد فلا تناقض إذن، فأهل نوح هم المتقون الذين آمنوا به، ومن لم يؤمن به – ولو كان ابنه – لم يستحق أن ينسب إليه قال سبحانه وتعالى: )قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46)( (هود). ونسبة الإيمان تجعل من صاحبها أهلا للنبي، وإن لم يكن بينه وبين النبي نسب.

استجاب الله – عزوجل – لدعوة نبيه نوح – عليه السلام – ونجاته وأهله من الكرب العظيم:

قال سبحانه وتعالى: )ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76)( (الأنبياء). يخبر الله تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح – عليه السلام – حين دعا من قبل إبراهيم ولوط ومحمد – عليهم أفضل الصلاة والسلام – أن يهلك الله قومه الذين كذبوا الله فيما توعدهم به من وعيد، وكذبوه فيما أتاهم به من الحق من عند ربه قال سبحانه وتعالى: )وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26)( (نوح). (فاستجبنا له) دعاءه (ونجيناه وأهله) يعني بأهله أهل الإيمان من ولده وحلائلهم: )من الكرب العظيم (76)( أي العذاب الذي حل[1] بالمكذبين من الطوفان والغرق، وقال سبحانه وتعالى: )ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77)( (الأنبياء) أي ونصرنا نوحا – عليه السلام – على القوم الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا فأنجيناه منهم فأغرقناهم أجمعين إنهم كانوا قوم سوء، أي: يسيئون الأعمال فيعصون الله ويخالفون أمره[2].

الخلاصة:

ذكر القرآن الكريم أهل نوح – عليه السلام – الحقيقيين وهم من آمن به، أما من انقطعت صلة الإيمان عنهم؛ فلا يستحقون أن ينسبوا إليه، أو أن يكونوا من أهله، قال سبحانه وتعالى: )ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76)( (الأنبياء). وقال سبحانه وتعالى: )قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46)( (هود). فنسبة الإيمان تجعل من صاحبها أهلا للنبي وإن لم يكن بينه وبين النبي نسب.

استجاب الله – عزوجل – لدعوة نبيه نوح – عليه السلام – ونجاه وأهله من الكرب العظيم، )ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76)( (الصافات)، وقال سبحانه وتعالى: )ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77)( (الأنبياء)، أي: ونصرنا نوحا – عليه السلام – على القوم الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين إنهم كانوا قوم سوء فاسقين.

(*) Ebnmaryam.com.

[1]. حل: نزل بهم.

[2]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص258. وانظر: قصص الأنبياء، محمد متولي الشعراوي، دار القدس، القاهرة، ط1، 2006م ، ص26: 36. النبوة والأنبياء، محمد علي الصابوني، دار الصابوني، مكة المكرمة، 1390هـ، ص133: 144.

https://www.alhesn.net/play/729

الزعم أن اختلاف القراءات القرآنية يؤدي إلى اختلاف في ألفاظ القرآن الكريم

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتوهمين أن اختلاف القراءات القرآنية[1] يغير ألفاظ القرآن، ويتناقض مع ما في اللوح المحفوظ، ويعارض ما يرويه المسلمون من تأكيد الله – عز وجل – على عدم وجود اختلاف فيه.

وجوه إبطال الشبهة:

القراءات القرآنية توقيفية من عند الله عز وجل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منها»[2]، وقد وضع العلماء للقرءات شروطا وقواعد، بحيث تصب جميعا في معين واحد.

وقد زعم بعض أصحاب الشبهات أن اختلاف القراءات في بعض المواطن في القرآن الكريم يغير المعنى، ويناقض ما في اللوح المحفوظ، ويتعارض مع تأكيد الله – عز وجل – أن القرآن لا اختلاف فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. يتساءلون: كيف يتحقق اتفاق المعنى مع وجود اختلاف في بعض الألفاظ باختلاف القراءات؟!

وهذا الزعم مردود عليه بما يلي:

1)  القراءات القرآنية وحي من عند الله عز وجل، والآية التي تنفي الاختلاف هي كذلك من عند الله عز وجل، قال تعالى: )أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82)( (النساء)، فكيف يرد التناقض من عنده عز وجل؟ ثم إن اختلاف القراءات لا يشمل كل كلمات القرآن، بل يرد في كلمات محددة، بالإضافة إلى أن التغير أكثره صوتي؛ ومن ثم فلا أثر على المعنى، إذ لا يوجد تدافع بين المعاني الناشئة عن ذلك الاختلاف. ولا على الأحكام في عمومها وجملتها.

2)  إن الكلمة التي تقرأ على وجهين أو أكثر، يكون لكل قراءة فيها معنى مقبول يزيد المعنى ويثريه، فقراءة الكلمة القرآنية على أكثر من وجه نحوي أو صرفي، مما يساعد على أداء المعنى، ولا يعني تضاد المعاني أو تناقض المدلولات.

3)  للتعدد حكم عديدة منها: التيسير على الأمة ذات اللهجات المتعددة والألسنة المتباينة؛ حتى لا يشق عليها التزام وجه واحد في القراءة.

4)  الاختلاف في القراءات يعني: التنويع في طرق أداء القرآن، كما أنه لا يمس أصلا، ولا فرعا من التشريع؛ فالقراءات لم تحرم حلالا، ولم تحل حراما، أما الاختلاف بمعنى التناقض والتدافع بين معاني القرآن وتعاليمه فهو الذي ينفيه القرآن الكريم.

التفصيل:

أولا. القراءات القرآنية وحي من الله – عز وجل – وسنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأدلة على ذلك كثيرة، حيث تواترت نصوص السنة المطهرة بأحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، ومن ذلك:

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقرآني جبريل – عليه السلام – على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف»[3].

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه: «أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان عند أضاة[4] بني غفار، قال: “أتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا»[5].

وعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، ثم لببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت له: كذبت، فوالله إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أقرآني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام”، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها في الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هكذا أنزلت”، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اقرأ يا عمر”، فقرأت القراءة التي أقرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منها»[6].

والمراد بالأحرف السبعة – على أرجح الأقوال – أنها سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد[7].

كما أن تعدد القراءات لا يشمل آيات القرآن الكريم كاملا، بل يختص ببعض الكلمات في بعض الآيات، وقد أحصاها العلماء، وبينوا وجوه القراءات فيها.

وعلى سبيل المثال قوله تعالى: )مالك يوم الدين (4)( (الفاتحة)، والشاهد في الآية كلمة: )مالك( وفيها قراءتان:

مالك: اسم فاعل من ملك، وهي قراءة حفص وآخرين.

ملك: صفة لا اسم فاعل، وهي قراءة: نافع وآخرين.

ومعنى الأولى )مالك(: القاضي المتصرف في شئون يوم الدين، وهو يوم القيامة، أما معنى “ملك”: فهو أعم من معنى )مالك(، أي: من بيده الأمر والنهي، ومقاليد كل شيء، ما ظهر منها وما خفي، وكلا المعنيين لائق بالله تعالى، وهما مدح لله عز وجل[8].

ثانيا. تعدد القراءات يثري المعنى؛ حيث إن القراءات القرآنية لا تؤدي إلى خلل في آيات القرآن الكريم، أو في تغير المعنى كما يزعمون، ونضرب مثالا على ذلك، قوله تعالى: )ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5)( (يونس)، وقوله تعالى في قراءة أخرى: “نفصل الآيات”.

وفاعل الفصل في القراءتين واحد هو “الله”، وقد اختلف التعبير عن الفاعل في القراءتين، فهو في القراءة الأولى “يفصل”: ضمير مستتر عائد على “الله” في قوله: )ما خلق الله ذلك إلا بالحق(، أي: يفصل هو الآيات، فالفاعل هنا مفرد لعوده على مفرد لفظ الجلالة “الله”.

وفي القراءة الثانية عبر عن الفاعل بضمير الجمع للمتكلم “نفصل”؛ أي: نفصل نحن، والله واحد أحد، ولكن النون في “نفصل” لها معنى في اللغة العربية، وهو التعظيم إذ كان المراد منهما فردا لا جماعة، ووجه التعظيم بلاغة تنزيل الفرد منزلة الجماعة؛ تعظيما لشأنه، وإجلالا لقدره.

وفي هاتين الآيتين تكثير للمعنى، وهو وصف ملازم لكل القراءات[9].

ثالثا. الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف كثيرة ومتنوعة؛ منها:

تيسير القراءة والحفظ على أقوام أميين، لكل قبيل منهم لسان، ولا عهد لهم بحفظ الشرائع، فضلا عن أن يكون ذلك مما ألفوه، وهذه الحكمة نصت عليها الأحاديث النبوية، ومن ذلك: عن أبي – رضي الله عنه – قال: «لقي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جبريل عليه السلام، فقال: “يا جبريل، إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام،، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط”، قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف»[10].

المبالغة في إعجاز القرآن بإيجازه؛ إذ كل قراءة بمنزلة الآية، وتنوع اللفظ بكلمة يقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها، لم يخف ما كان في ذلك من التطويل.

سهولة حفظه وتيسير نقله؛ إذ هو على هذه الصفة من البلاغة والوجازة، فإنه من يحفظ كلمة ذات أوجه أسهل عليه، وأقرب إلى فهمه، وأدعى لقبوله من حفظه جملا من الكلام تؤدي معاني تلك القراءات المختلفات، ولا سيما فيما كان خطه واحدا؛ فإن ذلك أسهل حفظا وأيسر لفظا.

الدلالة على اختلاف الأحكام أو على الجمع بينها، مثال ذلك قراءتا “يطهرن” بالتخفيف والتشديد[11]، من قوله تعالى: )فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن( (البقرة: ٢٢٢)، فإنه ينبغي الجمع بين حكميهما؛ لأن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر بانقطاع الحيض على قراءة التخفيف، وحتى تغتسل على قراءة التشديد، فلا بد من الطهرين معا.

ونضيف إلى الفوائد السابقة فائدة أخرى، وهي: أن اختلاف القراءات صار حجة لأهل اللغة؛ فالكوفيون – على سبيل المثال – يستدلون على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار بقراءة “والأرحام” بكسر الميم من قوله سبحانه وتعالى: )واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام( (النساء:١) [12].

رابعا. إن الاختلاف الذي تثبته تلك الأحاديث – نعني أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف – غير الاختلاف الذي ينفيه القرآن؛ نقول ذلك لأن أعداء الإسلام يقولون: إن أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تثبت الاختلاف في القرآن، مع أن القرآن نفسه يرفع الاختلاف عن نفسه، إذ يقول: )أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82)( (النساء)، ويقولون: إن ذلك تناقض، ولا ندري أيهما يكون الصادق؟!

ونجيب عن هذا: أن الاختلاف الذي تثبته تلك الأحاديث غير الاختلاف الذي ينفيه القرآن، وهذا كاف في دفع التناقض، فكلاهما صادق، وبيان ذلك: أن الأحاديث الشريفة تثبت الاختلاف بمعنى التنويع في طرق أداء القرآن، والنطق بألفاظه في دائرة محدودة لا تعدو سبعة أحرف، وبشرط التلقي فيها كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أما القرآن، فينفي الاختلاف بمعنى التناقض والتدافع بين معاني القرآن وتعاليمه، مع ثبوت التنويع في وجوه التلفظ وطرق الأداء. ومعنى ذلك أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يلزم منه تناقض ولا تخاذل، ولا تضاد ولا تدافع بين مدلولات القرآن ومعانيه، وتعاليمه ومراميه بعضها مع بعض، بل القرآن كله سلسلة واحدة متصلة الحلقات، محكمة السور والآيات، متآخذة المبادئ والغايات، مهما تعددت طرق قراءاته، ومهما تنوعت فنون أدائه[13].

كما أن الاختلاف في القراءات لا يمس أصلا من أصول الدين، ولا فرعا من فروعه؛ حيث إنها لم تحل حراما، ولا حرمت حلالا، ولا تتعلق بالعقائد ولا العبادات، ولا المعاملات، ولم تثر بين المسلمين حربا، ولا عدها أحد شبهة على الكتاب الإلهي، فكل كلام في هذا الموضوع من قبيل العبث، أو الفهم الخاطئ لطبيعة هذه القراءات والحكمة من تعددها؛ فلا يقام له وزن عند المسلمين أو عند غيرهم.

ونستدل على أن المسلمين يعتبرون اختلاف القراءات أمرا مشروعا بأن قراء القرآن يرتلون آياته مع مراعاة هذه الاختلافات؛ فيكررون بعض الآيات على ضروب شتى، مما يدل على تمكنهم من فنهم، والمسلمون يقابلون ذلك بالتقدير والإعجاب.

فمثلا: الإمالة: تجد القارئ يستسيغها هنا، ولا يستسيغها هناك، وإذا سألته قال: هناك وردت، وهنا لم ترد، فيدل على أنه متبع مقلد، وهذا ينبئ أن يد التحريف لم تنل من هذا الكتاب.

نعم إن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي لم تنل منه أيدي المحرفين، وهذا ليس بشهادة جموع المسلمين فحسب، بل بشهادة المستشرقين المنصفين، قال المستشرق لوبلوا: “إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير”.

وصفوة القول: إن تعدد القراءات وحي من عند الله – عز وجل – ما كان للنبي – صلى الله عليه وسلم – ولا أمته من بعده أن يخترعوه من تلقاء أنفسهم، بل هو تيسير ورحمة من الله لعباده، وهي كلها مسموعة من جبريل – عليه السلام – ومنه لعامة المؤمنين، ثم شيوخ القرآن في الأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما أن تعدد القراءات لا يشمل إلا كلمات محصورة في بعض الآيات التي يعلمها أهل هذا الفن.

كما أن هناك حكما جليلة لتعدد القراءات؛ من أهمها: التيسير على الأمة ذات اللهجات المتعددة. ونضيف إلى ما سبق أن تعدد القراءات لا يعني اختلاف القرآن ولا تحريفه، إنما هو نطق ألفاظ القرآن كما نطقها النبي – صلى الله عليه وسلم – على وجوه من التصريف، والإعراب، والكيفية الصوتية من تشديد وتخفيض، وفتح وإمالة.

وتعدد القراءات لم يترتب عليه أي اختلاف لا في أصول الدين ولا في فروعه، وإنما هي طرق أداء صوتية، أكثر منها نحوية وصرفية، لم ينتج عنها أي اختلاف في المعاني والألفاظ.

وبهذا البيان يتضح لنا أن مثيري الشبهة جهلوا معنى تعدد القراءات، وجهلوا فوائدها، فجاء زعمهم ينم عن جهلهم.

الإعجاز البلاغي في تعدد القراءات القرآنية:

لو كان هناك إنصاف لكانت الكلمات القرآنية التي تقرأ على وجهين أو أكثر مما يحمد للقرآن؛ حيث إن ذلك التعدد يعد من قبيل ثراء النص القرآني وإعجازه.

وندلل على ذلك من خلال بعض الآيات القرآنية التي قرئت بأكثر من قراءة:

قوله سبحانه وتعالى: )وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين( (المائدة: ٦) بالنصب والخفض في “أرجلكم”، وهذا من إعجاز القرآن في إيجازه؛ ففي قراءة النصب بيان لحكم غسل الرجل؛ حيث يكون العطف على معمول فعل الغسل: )فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق( (المائدة: ٦). وقراءة الجر بيان لحكم المسح على الخفين عند وجود ما يقتضيه؛ حيث يكون العطف على معمول فعل المسح: )وامسحوا برءوسكم وأرجلكم(، فنستفيد الحكمين من غير تطويل، وهذا من معاني الإعجاز في الإيجاز بالقرآن؛ حيث تدل كل قراءة على حكم شرعي دون تكرار اللفظ[14].

قوله تعالى: )ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5)( (يونس)، )ونفصل الآيات( (التوبة: ١١)، وفاعل الفصل في القراءتين واحد، هو “الله” عز وجل، وقد اختلف التعبير عن الفاعل في القراءتين، فهو في القراءة الأولى “يفصل”: ضمير مستتر عائد على الله – عز وجل – في قوله: )ما خلق الله ذلك إلا بالحق( فالفاعل هنا مفرد لعوده على مفرد، هو لفظ الجلالة “الله”. وفي القراءة الثانية عبر عن الفاعل بضمير الجمع للمتكلم “نفصل”؛ أي: نفصل نحن.

والله واحد أحد، ولكن النون في “نفصل” لها معنى في اللغة العربية، هو التعظيم إذا كان المراد منها فردا لا جماعة. ووجه التعظيم بلاغة تنزيل الفرد منزلة “الجماعة”؛ تعظيما لشأنه، وإجلالا لقدره.

وللبلاغيين إضافة حسنة في قراءة “نفصل” بعد قوله: )ما خلق الله ذلك إلا بالحق( وهو ما يسمى: التفاتا، والالتفات هو الانتقال من الغيبة في )ما خلق الله( إلى المتكلم في “نفصل”؛ للإشعار بعظمة التفصيل وروعته[15].

قوله تعالى: )لقد جاءكم رسول من أنفسكم( (التوبة: ١٢٨)، بضم الفاء وفتحها في )أنفسكم(، فبضم الفاء: يدل على أنه من العرب، والعرب قومه، وذوو رحمه القريبة أو البعيدة، وبفتح الفاء: يدل على أنه من أواسط القوم وأعلاهم، فالقراءتان – والكلمة واحدة – تدلان بالنص على معنيين غير متضادين، وكلاهما صحيح صادق، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – كان من العرب، وكان من أنفسهم، ترتبط مشاعره بمشاعرهم، ويحس بما يحسون، وهو مندمج فيهم، وقريب منهم، ثم كان مع هذا القرب النفسي من أعلى العرب منزلة، وأكرمهم. [16] فبلاغة القرآن في هذه الآية هي أن مجموع القراءتين دال على معنيين في لفظ واحد، متلاقيين غير متضادين.

قوله تعالى: )وبرزت الجحيم لمن يرى (36)( (النازعات)، حيث قرئت “ترى” بالتاء المفتوحة، وقد احتملت القراءة عند ابن جني تقديرين، قال: إن شئت كانت التاء في “ترى” للجحيم، أي: لمن تراه النار، وإن شئت كانت خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: لمن ترى يا محمد؛ أي: للناس، فأشار إلى بعضه، وغرضه جنسه وجميعه، كما قال لبيد:

ولقد سئمت من الحياة وطولها

وسؤال هذا الناس: كيف لبيد؟

فأشار إلى جنس الناس في هذا المعنى، ونحن نعلم أنه ليس جميعه مشاهدا حاضر الزمان.

قوله تعالى: )ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين( (الأحزاب: ٤٠) بفتح التاء وكسرها في “خاتم”؛ فالقراءة بكسر التاء: جاءت على معنى أنه – صلى الله عليه وسلم – قد ختمهم، أي: جاء آخرهم. أما القراءة بفتح التاء: فمعناها أن الأنبياء والرسل به – صلى الله عليه وسلم – قد ختموا كالخاتم والطابع، فهي على ذلك تشبيه[17].

قوله تعالى: )يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171)( (آل عمران)، بفتح همزة أن وكسرها؛ فقراءة فتح الهمزة تجعل “الواو” عاطفة، تربط ما بعدها بما قبلها في الحكم والإعراب، وتكون الجملة حينئذ داخلة في حيز ما يستبشر به الشهداء والمؤمنون. أما قراءة كسر الهمزة فتجعل “الواو” استئنافية، مما يرشح الجملة بعدها لإنشاء معنى جديد[18].

قوله تعالى: )إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40)( (الأعراف)، حيث قرئت “الجمل”؛ وعلى القراءة العامة “الجمل” يكون التركيب تشبيها في غاية الحسن؛ وذلك أن الجمل أعظم حيوان عند العرب، وأكبر جثة. وسم الإبرة في غاية الضيق، فلما كان المثل يضرب بعظم هذا وكبره، وبضيق ذلك، قيل: لا يدخلون الجنة حتى يتقحم أعظم الأشياء وأكبرها عند العرب في أضيق الأشياء وأصغرها؛ فكأنه: حتى يوجد هذا المستحيل. ومثله في المعنى قول الشاعر:

إذا شاب الغراب أتيت أهلي

وصار القار كاللبن الحليب

وجاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما -: “الجمل” وكلها لغات في “القلس”[19].

فإذا ما أردنا أن نتبين الفرق بين المدلولين على كلتا القراءتين، وجدنا ثم مدلولا يراعي المناسبة، ومدلولا آخر لا يراعي تلك المناسبة، وإنما تتأتى بلاغته من تلك المفارقة العجيبة التي صور بها استحالة دخول هؤلاء الجنة باستحالة ولوج الجمل في سم الخياط، ولذلك كانت أوقع تأثيرا في نفوس المتلقين؛ كما نجد أن التشبيه في الآية على كلتا القراءتين لم يأت على صورته المعهودة، فلا نرى تصريحا لركنيه، ولكنهما يلمحان من السياق، ويفهمان من المعنى، وذلك ما اصطلح البلاغيون على تسميته بالتشبيه الضمني[20].

ولعله يحسن أن نختم القول في هذا الموضوع بقول المستشرق د. موير: “إن المصحف الذي جمعه عثمان رضي الله عنه، قد تواتر انتقاله من يد ليد، حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة، بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها، المتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا، والذي يرجع إلى عهد الخليفة عثمان – رضي الله عنه – الذي مات مقتولا”[21].

وصدق الله العظيم إذ يقول: )ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82)( (النساء)، فتبارك من هذا كلامه.

(*) هل القرآن معصوم؟ عبد الله عبد الفادي.

[1]. القراءات: جمع قراءة، وهي مصدر قرأ؛ أي: نطق باللفظ، وتعريفها: صور نظم كلام الله تعالى من حيث وجوه الاختلافات المتواترة والمنسوبة إلى أئمة معينين ناقلين لها؛ كقراءة نافع وأبي عمرو.. إلخ

[2]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (4706)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه (1936).

[3]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (3047)، وفي موضع آخر، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه (1939).

[4]. الأضاة: المستنقع أو الغدير.

[5]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه (1943).

[6]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (4706)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه (1936)، واللفظ للبخاري.

[7]. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط13، 1425هـ/ 2004م، ص148.

[8]. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م، ص42.

[9]. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م، ص49.

[10]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند الأنصار، حديث زر بن حبيش عن أبي بن كعب رضي الله عنه (21242)، والترمذي في سننه، كتاب القراءات، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (2944)، وصححه الأرنؤوط في تعليقه على المسند.

[11]. قرأها الجمهور بالتخفيف، وقرأ بالتشديد حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل.

[12]. التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د. أحمد سعد محمد، مكتبة الآداب، القاهرة، ط2، 1421هـ/ 2000م، ص21.

[13]. مناهل العرفان، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، 1417هـ/ 1996م، ص157.

[14]. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط13، 1425هـ/ 2004م، ص170 بتصرف يسير.

[15]. حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م، ص49.

[16]. المعجزة الكبرى: القرآن، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1970م، ص49 بتصرف يسير.

[17]. التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د. أحمد سعد محمد، مكتبة الآداب، القاهرة، ط2، 1421هـ/ 2000م، ص392 بتصرف يسير.

[18]. التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د. أحمد سعد محمد، مكتبة الآداب، القاهرة، ط2، 1421هـ/ 2000م، ص379.

[19]. القلس: حبل غليظ يجمع من حبال كثيرة، فيفتل، وهو حبل السفينة، وقيل: الحبل الذي يصعد به النخل.

[20]. التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د. أحمد سعد محمد، مكتبة الآداب، القاهرة، ط2، 1421هـ/ 2000م، ص396 بتصرف يسير.

[21]. مدخل إلى القرآن الكريم، محمد عبد الله دراز، دار القلم، الكويت، ط5، 1424 هـ/ 2003.

المصدر

الزعم أن القرآن الكريم به ألفاظ تجرح الحياء

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن القرآن الكريم به ألفاظ تجرح الحياء؛ وذلك كلفظ “مني” في قوله عز وجل: )أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37)( (القيامة)، ولفظ “الفروج” في قوله عز وجل: )وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن( (النور: 31)، ولفظ “الحور العين” في قوله عز وجل: )وزوجناهم بحور عين (20)( (الطور)، ولفظ “الترائب” في قوله عز وجل: )يخرج من بين الصلب والترائب (7)( (الطارق)، إلى غير ذلك من الألفاظ**.

وجها إبطال الشبهة:

العربية الفصحى لغة مهذبة، ولقد نزل القرآن بها؛ فحافظ على نقائها، واستخدم من الأساليب أحسنها، ومن الألفاظ أعذبها، ومن التراكيب أفضلها.

وقد زعم بعض المغالطين أن بالقرآن الكريم ألفاظا تجرح الحياء؛ مثل: “المني” في قوله تعالى: )ألم يك نطفة من مني يمنى (37)( (القيامة)، ومثل: “الفروج” و “الفرج” في مثل قوله تعالى: )وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن( (النور)، وقوله تعالى: )التي أحصنت فرجها( (التحريم:12)، ومثل: “الحور العين” في قوله تعالى: )وزوجناهم بحور عين (20)( (الطور)، ومثل: “الترائب” في قوله تعالى: )يخرج من بين الصلب والترائب (7)( (الطارق).

وهذا الزعم باطل مردود عليه من وجهين هما:

1)    استعراض معاني الكلمات التي استدلوا بها ينفي هذه الشبهة؛ إذ إن:

“المني”: النطفة، وهي سائل مبيضي غليظ تسبح فيه الحيوانات المنوية وهو ماء الرجل الذي يكون منه الولد، فهل في التعبير به ما يخدش الحياء؟

“الفرج”: هو الشق بين الشيئين، وكني به عن السوءة، والتعبير بالكناية أهذب من التصريح، فأي خدش للحياء في هذه الكناية؟

“الحور العين”: هن نساء أهل الجنة وأطلق عليهن ذلك لحسنهن وجمال عيونهن الزائد، فهل في هذا ما يخدش الحياء؟

“الترائب”: هي عظام الصدر مما يلي الترقوتين وموضع القلادة، وهذه تسمية شائعة عند العرب ولا حرج فيها.

2)  هل هذه المفردات هي ما يخدش الحياء؟ أم تلك النصوص الكاملة في الكتب المحرفة التي تمتلئ بما يهيج الشهوات ويصف الفواحش.

التفصيل:

إن هذه الكلمات التي ادعى بعضهم أنها تجرح الحياء: “المني”، “الفرج”، “الحور العين”، “الترائب” إنما هي في الحقيقة ألفاظ مهذبة تعبر عن معانيها في صراحة ووضوح مع الأدب الرفيع والحياء الجم، في أسلوب يربي الحياء وينشئه في النفوس، وتعبير جميل يزرع الفضيلة ويقيمها في المجتمعات، وهذا النبع الصافي هو الذي تربى عليه أصحاب الفضائل، والهمم العالية الذين ضربوا أروع الأمثلة في فضائل الأخلاق ومحاسن الأعمال، وإن الخاطر ليتساءل: كيف جرحت هذه الكلمات القرآنية حياء هؤلاء المجروحين في عدالتهم؟! ولماذا هم – من دون خلق الله كلهم – الذين أثرت في حيائهم وخدشته؟! وهم يتفوهون، بل ويفعلون ما هو أشد شناعة، وأعظم قبحا من ذلك، ويشيع في كتاباتهم وموروثاتهم الثقافية، ومروياتهم الدينية ما يندى له الجبين من الألفاظ التي تشمئز منها النفوس الطيبة وتقشعر منها القلوب الطاهرة.

إن هذه الكلمات لا يوجد أدق ولا أشد تهذيبا منها في مواضعها وسياقاتها، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثلها ليضعوها في أماكنها لما أدت نفس المعنى بنفس البلاغة والبيان والذوق المؤدب الرفيع؛ فاللغة مليئة بالألفاظ والكلمات التي تعبر عن نفس المعاني المرادة، ولكنها كلمات سوقية بعيدة عن الحياء؛ فابتعد التعبير القرآني عنها، وآثر اللفظ المهذب الذي يدل على المعنى ولا يثير الشهوة الجنسية، بل يسمو بالمشاعر ويوجهها نحو الكمال، ويضبط العواطف والغرائز إلى الصواب والرشاد.

ونحن ندعو الذين يزعمون هذا الزعم أن يتأملوا دقة القرآن وبلاغته في اختيار هذه الألفاظ للتعبير عن الدلالات المقصودة منها، كما ندعوهم أيضا إلى أن يأتوا لنا ببديل لهذه الألفاظ للتعبير عن هذه الدلالات بهذه الدقة القرآنية، إذا كانت الألفاظ التي استخدمها القرآن لا تعجبهم.

وهنا يجدر بنا أن نستعرض معنى كل لفظ من هذه الألفاظ ودلالته بتفصيل أكثر؛ ليتبين بطلان ما زعموا:

أولا. معاني الكلمات التي استدلوا بها تنفي هذه الشبهة:

المني:

من خلال مطالعة المعاجم نجد أن هذا اللفظ يعني: النطفة، وهو سائل أبيض غليظ تسبح فيه الحيوانات المنوية، ومنشؤه إفراز الخصيتين، ونجد أن كل موضع أو سياق ورد فيه هذا اللفظ في القرآن الكريم، إنما كان حكاية لخلق الإنسان بأسلوب مهذب، وليس فيه ما يخدش الحياء.

فالقرآن الذي يصور لنا العلاقة بين المرأة والرجل في قوله عز وجل: )هن لباس لكم وأنتم لباس لهن( (البقرة: ١٨٧) يصورها بكناية بديعة؛ حيث شبه الزوجين وهما في مخدعهما باللباس المشتمل على لابسه، والمراد: قرب أحدهما من الآخر، واشتماله عليه كما تشتمل الملابس على الأجسام، أين هذا من الكلام الفاضح الذي ينشر صباح مساء في الروايات الفاضحة، وأغلفة المجلات والصحف، وما يشاهد في القنوات الفضائية من ممارسة الفاحشة بدون تستر كالحيوانات؟!

ولنتساءل: ما البديل إذا أردنا أن نتحدث عن قضية خلق الإنسان غير هذا اللفظ إن كنتم ترون أنه خادش للحياء؟

الفرج:

تذكر المعاجم العربية أن “الفرج” هو: الثغر، والشق بين شيئين[1]، وما بين الرجلين، وكني به عن السوءة وغلب عليها وكثر حتى صار كالصريح، وهو قبل الإنسان أو دبره، ولعل هذا أرقى لفظ يمكن أن يطلق على العورة، وإلا فما البديل الأكثر تهذيبا، أو مراعاة للحياء إذا كان لفظ الفرج يجرح الحياء؟!

الحور العين:

كان الأولى بمن ظن أن هذا اللفظ لفظ فاضح أن يرجع إلى أي تفسير أو معجم عربي؛ ليجد نفسه يجهل معنى من أبسط كلمات القرآن، ومنها الحور العين.

فالحور: جمع حوراء، وهي شديدة بياض العين، شديدة سوادها[2].

والعين: جمع عيناء، وهي واسعة العين التي استدارت حدقتها، ورقت جفونها، وابيض ما حواليها.

وهذا الوصف كما قال اللغويون والمفسرون: لا يكون في بني آدم، وإنما قيل للنساء: “حور العيون”؛ تشبيها لهن بالظباء والبقر في جمال عيونها.

وهذا الوصف ورد في القرآن الكريم لإحدى النعم التي يتنعم بها المؤمنون في الجنة جزاء بما كانوا يعملون في الدنيا.

إن اللفظ الذي يجرح الحياء، أو اللفظ القبيح، هو ذلك الذي يستحي المرء أن يتلفظ به أمام الناس. والسؤال: هل يستحيي أحد من التلفظ بـ “الحور العين” أمام أحد؟!

الترائب:

ومن هذه الكلمات لفظ “الترائب” في قوله عز وجل: )يخرج من بين الصلب والترائب (7)( (الطارق)، وكان الأولى بالمعترض – ما دام يريد أن يثبت ذكاءه – أن يطالع كتب التفسير، أو حتى المعاجم؛ ليتعلم أولا، ثم ليزداد إعجابه وإيمانه بالقرآن الكريم، ولا يزال هكذا، يطالع ويتدبر ويتأمل، فيتعلم ويتبصر حتى يجد نفسه أشد المحبين للقرآن وأصدق الموقنين به، وأول من يصحح خطأ المتوهمين ويزيل لبس من أساء الفهم. إن كلمة الترائب جمع تريبة، وهي: أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة من يسرته. وقيل: هي موضع القلادة، أي ما بين الثديين. وقيل: هي عظام النحر والصدر، وقيل: هي عصارة القلب، ومنه يكون الولد.

وهذه الكلمة وردت في القرآن الكريم للتعبير عن المكان الذي ينشأ فيه الماء الذي يكون منه الولد؛ فهو في الرجل يخرج من بين “الصلب”، وفي المرأة يخرج من بين “الترائب”، وفي هذا ما فيه من الإعجاز العلمي الذي نحيل الجميع إلى مطالعته[3].

والسؤال التقليدي: ما الذي يجرح الحياء في هذا اللفظ؟ وإن كان يجرح الحياء فما البديل؟ ولماذا سكت عنه العرب؟

ثانيا. هل هذه المفرادات المهذبة هي ما يخدش الحياء؟ أم تلك النصوص الطويلة في الكتب المحرفة – المقدسة عند أصحابها – التي تمتلئ بما يهيج الشهوات ويصف الفواحش والمنكرات، فإذا كان المعترض يستنكر الألفاظ المذكورة في القرآن، فماذا عساه يقول عن تلك النصوص في العهدين القديم والجديد، ولننظر مثلا إلى “نشيد الإنشاد” الذي بلغ الغاية في وصف الفاحشة وفجاجة التعبير عن لقاء الرجل والمرأة الجنسي، فجاء فيه:

“نشيد الأنشاد الذي لسليمان: ليقبلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر. لرائحة أدهانك الطيبة. اسمك دهن مهراق، لذلك أحبتك العذارى. اجذبني وراءك فنجري. أدخلني الملك إلى حجاله. نبتهج ونفرح بك. نذكر حبك أكثر من الخمر. بالحق يحبونك.. لقد شبهتك يا حبيبتي بفرس في مركبات فرعون. ما أجمل خديك بسموط، وعنقك بقلائد! نصنع لك سلاسل من ذهب مع جمان من فضة. ما دام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته. صرة المر حبيبي لي. بين ثديي يبيت.. ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة. عيناك حمامتان. ها أنت جميل يا حبيبي وحلو، وسريرنا أخضر”. (نشيد الإنشاد 1: 1 – 16).

“شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني. أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقول ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء”. (نشيد الإنشاد 2: 6، 7).

“ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الكريم! دوائر فخذيك مثل الحلي، صنعة يدي صناع. سرتك كأس مدورة، لا يعوزها شراب ممزوج. بطنك صبرة حنطة مسيجة بالسوسن. ثدياك كخشفتين، توأمي ظبية. عنقك كبرج من عاج. عيناك كالبرك في حشبون عند باب بث ربيم. أنفك كبرج لبنان الناظر تجاه دمشق. رأسك عليك مثل الكرمل، وشعر رأسك كأرجوان. ملك قد أسر بالخصل. ما أجملك وما أحلاك أيتها الحبيبة باللذات! قامتك هذه شبيهة بالنخلة، وثدياك بالعناقيد. قلت: «إني أصعد إلى النخلة وأمسك بعذوقها». وتكون ثدياك كعناقيد الكرم، ورائحة أنفك كالتفاح، وحنكك كأجود الخمر. لحبيبي السائغة المرقرقة السائحة على شفاه النائمين. أنا لحبيبي، وإلي اشتياقه. تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل، ولنبت في القرى. لنبكرن إلى الكروم، لننظر: هل أزهر الكرم؟ هل تفتح القعال؟ هل نور الرمان؟ هنالك أعطيك حبي. اللفاح يفوح رائحة، وعند أبوابنا كل النفائس من جديدة وقديمة، ذخرتها لك يا حبيبي”. (نشيد الإنشاد 7: 1 – 13).

وهذه قطوف يسيرة من النص الكامل، ولو أردنا الاستقصاء لنقلنا نشيد الإنشاد بنصه كاملا هنا.

وإذا كان المعترض يعتبر (المني، الفروج، الحور العين، الترائب) ألفاظا جارحة، فماذا يمكن أن يقول عما جاء في الكتاب المقدس – علاوة على ما ذكرنا – من تصوير نبي الله إبراهيم – عليه السلام – في سفر التكوين بأنه ديوث يتاجر بعرض امرأته، ويلقنها الكذب وينكر فحولته، وهي توافقه على ذلك وتسلم قيادها لفرعون: “وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراى امرأته: «إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر. فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون: هذه امرأته. فيقتلونني ويستبقونك. قولي إنك أختي، ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك». فحدث لما دخل أبرام إلى مصر أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا. ورآها رءوساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون، فصنع إلى أبرام خيرا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال”. (سفر التكوين 12: 11 – 16).

أو ما اتهم به داود – عليه السلام – من أنه يضاجع النساء زنا: “وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة تستحم. وكانت المرأة جميلة المنظر جدا. فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست هذه بثشبع بنت أليعام امرأة أوريا الحثي؟ فأرسل داود رسلا وأخذها، فدخلت إليه، فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها. ثم رجعت إلى بيتها. وحبلت المرأة، فأرسلت وأخبرت داود وقالت: «إني حبلى».. وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا. وكتب في المكتوب يقول: «اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت».. فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات أوريا رجلها، ندبت بعلها. ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته، وصارت له امرأة وولدت له ابنا. وأما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب”. (صموئيل الثاني 11: 2 – 27).

ثم تتوالى المشاهد الجنسية الفاضحة لتصل إلى ذروتها مع سيدنا لوط عليه السلام، والذي اتهم بأنه يمارس الجنس مع بناته فيحبلن منه، يقول الكتاب المقدس: “وقالت البكر للصغيرة: «أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلا». فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: «إني قد اضطجعت البارحة مع أبي. نسقيه خمرا الليلة أيضا فادخلي اضطجعي معه، فنحيي من أبينا نسلا». فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا، وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، فحبلت ابنتا لوط من أبيهما”. (التكوين 19: 31 – 36).

والسؤال: هل يمكن تعليم الأطفال مثل هذا الكلام؟! إننا نحفظ القرآن الكريم للأطفال، وليس فيه كلمة واحدة نخجل منها، وماذا يمكن أن يقولوه للأطفال إذا سألوهم عن معنى: “وسكبوا عليهما زناهم”؟!

ثم ماذا يمكن أن يقولوه أيضا لو أن فتاة سألت عن معنى: “فحبلت ابنتا لوط من أبيهما”؟!

ونكتفي بهذا القدر الذي يظهر الفرق الواسع، والبون الشاسع بين التزام النص القرآني، وبين انحطاط المؤلفات البشرية وسقوطها على مدى آلاف السنين.

الأسرار البلاغية والإعجاز العلمي في هذه الآيات:

قوله عز وجل: )من مني يمنى (37)( (القيامة) أي يصب في الرحم، فإن قيل: ما الفائدة في قوله: )من مني يمنى(، قلنا: فيه إشارة إلى حقارة حاله؛ كأنه قيل: إنه مخلوق من المني الذي جرى على مخرج النجاسة؛ فلا يليق بمثل هذا الشيء أن يتمرد على طاعة الله عز وجل، إلا أنه عبر عن هذا المعنى على سبيل الرمـز؛ كمـا في قولـه تعالـى في عيسـى ومريــم: )كانا يأكلان الطعام( (المائدة: 75)، والمراد منه قضاء الحاجة[4].

وهنا يعلق الأستاذ سيد قطب بقوله: وهذه اللمسة )أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36)( (القيامة: 36) هي إحدى لمسات القرآن التوجيهية للقلب البشري؛ كي يتلفت ويستحضر الروابط والصلات والأهداف والغايات والعلل والأسباب التي تربط وجوده بالوجود كله، وبالإرادة المدبرة للوجود كله.

وفي غير تعقيد ولا غموض يأتي بالدلائل الواقعة البسيطة التي تشهد بأن الإنسان لن يترك سدى.. إنها دلائل نشأته الأولى: )ألـم يـك نطفـة من منـي يمنـى (37) ثـم كــان علقــة فخلــق فســوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39)( (القيامة)، فما هذا الإنسان؟ مم خلق؟ وكيف كان؟ وكيف صار؟ وكيف قطع رحلته الكبيرة حتى جاء إلى هذا الكوكب؟

ألم يك نطفة صغيرة من الماء، من مني يمنى ويراق؟ ألم تتحول هذه النطفة من خلية واحدة صغيرة إلى علقة ذات وضع خاص في الرحم، تعلق بجدرانه لتعيش وتستمد الغذاء؟ فمن ذا الذي ألهمها هذه الحركة؟! ومن ذا الذي أودعها هذه القدرة؟! ومن ذا الذي وجهها هذا الاتجاه؟!

ثم من ذا الذي خلقها بعد ذلك جنينا معتدلا منسق الأعضاء؟! مؤلفا جسمه من ملايين الملايين من الخلايا الحية، وهو في الأصل خلية واحدة مع بويضة؟! والرحلة المديدة التي قطعها من الخلية الواحدة إلى الجنين السوي، وهي أطول بمراحل من رحلته من مولده إلى مماته، والتغيرات التي تحدث في كيانه في الرحلة الجنينية أكثر، وأوسع مدى من كل ما يصادفه من الأحداث في رحلته من مولده إلى مماته! فمن ذا الذي قاد هذه الرحلة المديدة، وهو خلية صغيرة ضعيفة لا عقل لها ولا مدارك ولا تجارب؟!

وفي النهاية.. من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة “الذكر والأنثى”؟ أي إرادة كانت لهذه الخلية في أن تكون ذكرا؟ وأي إرادة لتلك في أن تكون أنثى؟ بل من ذا الذي يزعم أنه تدخل فقاد خطواتهما في ظلمات الرحم إلى هذا الاختيار؟!

إنه لا مفر من الإحساس باليد اللطيفة المدبرة التي قادت النطفة المراقة في طريقها الطويل، حتى انتهت بها إلى ذلك المصير قال ـ عز وجل ـ: )فجعـل منـه الزوجيـن الذكــر والأنثــى (39)( (القيامة).

وأمام هذه الحقيقة التي تفرض نفسها فرضا على الجنس البشري، يجيء الإيقاع الشامل لجملة من الحقائق التي تعالجها السورة: )أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40)( (القيامة).

بلى! سبحانه! فإنه لقادر على أن يحيي الموتي! بلى! سبحانه! فإنه لقادر على النشأة الأخرى! بلى! سبحانه! وما يملك الإنسان إلا أن يخشع أمام هذه الحقيقة التي تفرض نفسها فرضا.

وهكذا تنتهي السورة بهذا الإيقاع الحاسم الجازم، القوي العميق، الذي يملأ الحس ويفيض بحقيقة الوجود الإنساني، وما وراءها من تدبير وتقدير[5].

في قوله تعالى: )خلق من ماء دافق (6)( (الطارق)، والدفق صب فيه دفع وسيلان بسرعة، وأريد بالماء الدافق المني، ودافق قيل: بمعنى مدفوق، على تأويل اسم الفاعل بالمفعول، وقيل من ماء مع أن الإنسان لا يخلق إلا من ماءين؛ ماء الرجل وماء المرأة؛ ولذا كان خلق عيسى – عليه السلام – خارقا للعادة؛ لأن المراد به الممتزج من الماءين في الرحم، وبالامتزاج صارا ماء واحدا، ووصفه “بالدفق” قيل: باعتبار أحد جزئية، وهو مني الرجل، وقيل: باعتبار كليهما، ومني المرأة دافق أيضا إلي الرحم، ويشير إلى إرادة الممتزج على ما قيل في قوله تعالى: )يخرج من بين الصلب والترائب (7)( (الطارق)، أي: من بين أجزاء صلب كل رجل أي ظهره والترائب، أي: ومن بين ترائب كل امرأة أي: عظام صدره، جمع تربية، وفسرت أيضا بموضع القلادة من الصدور، وجاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما -: وهو لكل امرأة واحد إلا أنه يجمع كما في قول امرئ القيس:

مهفهفة بيضاء غير مفاضة

ترائبها مصقولة كالسجنجل[6]

ولكي تتضح وجوه الإعجاز العلمي في قوله تعالى: )خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7)( لا بد من عرض السياق الذي وردتا فيه، وهو: قوله تعالى: )فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9) فما له من قوة ولا ناصر (10)( (الطارق). الماء الدافق: تعبير وصفي للمني؛ لأنه سائل تركيبه يماثل قطيرات الماء، إلا أنه حي تتدفق تكويناته وتتحرك بنشاط، ويصدق عليها الوصف بصيغة اسم الفاعل “دافق”؛ لدلالته علي الحركة الذاتية، وجميع الأوصاف عدا وصف الماء بالدافق تتعلق بالإنسان؛ لأن بدء خلقه هو محور الحديث والموضوع الرئيس، وهو المستدل به على إمكان الإرجاع حيا. وضمير “له” في قوله تعالى: )فما له من قوة ولا ناصر( لا يستقيم عوده إلى الماء، وإنما إلى الإنسان، والإرجاع هو إعادة الخلق للحساب بقرينة وقت الإرجاع يوم تبلى السرائر.

ولا توجد ضرورة لتشتيت مرجع الضمائر في )فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6)( و “رجعه” في )إنه على رجعه لقادر (8» و )(فما له من قوة ولا ناصر (10)(، ولذا الأولى عود ضمير “يخرج” في )يخرج من بين الصلب والترائب (7)( إلى الإنسان كذلك مثلها، خاصة أن المني لا يخرج بذاته كذلك، وإنما من الخصية، والوصف بالإخراج آية مستقلة كبيان متصل بأصل الحديث عن الإنسان وبيان القدرة المبدعة وسبق التقدير، ومكان الإعادة أظهر في إخراج الذرية من ظهور الأسلاف، والتلازم قائم بين إخراج الإنسان للدنيا وليدا وإرجاعه حيا، بينما لا تلازم بين إخراج المني وإرجاع الإنسان، وخروج ذرية الإنسان من الظهر مبين في قوله: )وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم( (الأعراف:١٧٢)، وقوله: )وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم( (النساء: ٢٣)، ولم يرد في القرآن فعل “الإخراج” متعلقا بالمني، بينما ورد كثيرا متعلقا بالإنسان؛ لبيان خروجه للدنيا وليدا وخروجه حيا للحساب، وللوجدان أن يقشعر من تلك الدقة المتناهية التي ميزت بين موضع تكون أعضاء إنتاج الذرية في الظهر، وموضع خروجها علي طريق هجرتها، قطاع عرضي بين نشأة الغدة التناسلية في المنطقة الظهرية للجنين (الأسبوع 5 – 6) وهجرة أصولها الخلوية بين بدايات العمود الفقري والضلوع قبل انفصالها وتميزها.

والحقيقة العملية هي أن الأصول الخلوية للخصية في الذكر أو المبيض في الأنثى تجتمع في ظهر الأبوين خلال نشأتهم الجنينية، ثم تخرج من الظهر من منطقة بين بدايات العمود الفقري، وبدايات الضلوع؛ ليهاجر المبيض إلى الحوض بجانب الرحم، وتهاجر الخصية إلى كيس الصفن؛ حيث الحرارة أقل وإلا فشلت في إنتاج الحيوانات المنوية، وتصبح معرضة للتحول إلى ورم سرطاني، إذا لم تكمل رحلتها[7].

والتعبير )يخرج من بين الصلب والترائب (7)( (الطارق) يفي بوصف تاريخ نشأة الذرية، ويستوعب كافة الأحداث الدالة على سبق التقدير والاقتدار والإتقان والإحكام في الخلق منذ تكوين البدايات في الأصلاب وهجرتها خلف أحشاء البطن ابتداء من المنطقة بين الصلب والترائب إلى المستقر، وحتى يولد الأبوان ويبلغا ويتزاوجا وتخلق الذرية، مما يماثل نطفة ماء التركيب عديمة البشرية من المني لكنها حية، تتدفق ذاتيا لتندمج مع نطفة نظير؛ فتتكون النطفة الأمشاج من الجنسين، ويستمر فعل الإخراج ساري المفعول؛ ليحكي قصة جيل آخر لجنين يتخلق؛ ليخرج للدنيا وليدا، وينمو فيغفل عن قدرة مبدعه، وكل هذا الإتقان المتجدد في الخلق ليشمل تاريخ كل إنسان، قد عبر عنه العليم الحكيم بلفظة واحدة تستوعب دلالتها كل الأحداث “يخرج”، فأي اقتدار وتمكن في الخلق والتعبير، ومع كل تلك المشاهد المتجددة، هل يرد مجرد هاجس علي الخاطر: أنبعث حقا ونحاسب؟!

من دلائل الإعجاز العلمي في قوله تعالى: )يخرج من بين الصلب والترائب (7)( أنه احتوى على تفاصيل الخلق الإنساني المشروحة في علم الأحياء، وقد عرفت أن بعض علماء الغرب الخبراء في علم الأجنة أعلنوا إسلامهم عندما رأوا الدقة التي تحدث بها القرآن عن أطوار الخلق ومراحله، ولا يعرف هذا في كتاب سابق، وإن العامة والخاصة يدركون أن بداية الخلق من ماء يمر بمجاري البول، تشرف عليه غدد معقدة متصلة بالجهاز البولي[8].

وهذا يتحقق في قوله تعالي: )فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7)( (الطارق) فلينظر الإنسان من أي شيء خلق وإلى أي شيء صار.. إنه خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، خلق من هذا الماء الذي يجتمع من صلب الرجل، وهو عظام ظهره الفقارية، ومن ترائب المرأة وهي عظام صدرها العلوية.. ولقد كان هذا سرا مكنونا في علم الله لا يعلمه البشر. حتى كان نصف القرن الأخير؛ حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته، وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية يتكون ماء الرجل، وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة، حيث يلتقيان في قرار مكين فينشأ منهما الإنسان!

والمسافة الهائلة بين المنشأ والمصير.. بين الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب وبين الإنسان المدرك العاقل المعقد التركيب العضوي والعصبي والعقلي والنفسي.. هذه المسافة الهائلة التي يعبرها الماء الدافق إلى الإنسان الناطق توحي بأن هنالك يدا خارج ذات الإنسان هي التي تدفع بهذا الشيء المائع الذي لا قوام له ولا إرادة ولا قدرة في طريق الرحلة الطويلة العجيبة الهائلة حتى تنتهي به إلى هذه النهاية الماثلة. وتشي بأن هنالك حافظا من أمر الله يرعى هذه النطفة المجردة من الشكل والعقل، ومن الإرادة والقدرة في رحلتها الطويلة العجيبة. وهي تحوي من العجائب أضعاف ما يعرض للإنسان من العجائب من مولده إلى مماته!

هذه الخلية الواحدة الملقحة لا تكاد ترى بالمجهر؛ إذ إن هنالك ملايين منها في الدفقة الواحدة.. هذه الخلية التي لا قوام لها ولا عقل ولا قدرة ولا إرادة، تبدأ في الحال بمجرد استقرارها في الرحم في عملية بحث عن الغذاء؛ حيث تزودها اليد الحافظة بخاصية تحول بها جدار الرحم حولها إلى بركة من الدم السائل المعد للغذاء الطازج! وبمجرد اطمئنانها على غذائها تبدأ في عملية جديدة: عملية انقسام مستمرة تنشأ عنها خلايا.. وتعرف هذه الخلية الساذجة التي لا قوام لها ولا عقل ولا قدرة ولا إرادة.. تعرف ماذا هي فاعلة وماذا تريد.. حيث تزودها اليد الحافظة بالهدى والمعرفة والقدرة والإرادة التي تعرف بها الطريق! إنها مكلفة أن تخصص كل مجموعة من هذه الخلايا الجديدة لبناء ركن من أركان هذه العمارة الهائلة.. عمارة الجسم الإنساني[9].

وقال المراغي: )فلينظر الإنسان مم خلق (5)( أي فلينظر بعقله وليتدبر في مبدأ خلقه؛ ليتضح له قدرة واهبه وأنه علي إعادته أقدر: )خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7)(، حقائق علمية تأخر العلم بها والكشف عن معرفتها وإثباتها ثلاثة عشر قرنا، بيان هذا أن صلب الإنسان هو عموده الفقري “سلسلة ظهره”، وترائبه هي عظام صدره، وإذا رجعنا إلي علم الأجنة وجدنا في منشأ خصية الرجل ومبيض المرأة ما يفسر لنا هذه الآيات التي حيرت الألباب، فكل من الخصية والمبيض في بدء تكوينه يجاور الكلي ويقع بين الصلب والترائب أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريبا ومقابل أسفل الضلوع، فإذا كانت الخصية والمبيض في نشأتهما، وفي إمدادهما بالدم الشرياني، وفي ضبط شئونهما بالأعصاب قد اعتمدتا في ذلك كله على مكان في الجسم يقع بين الصلب والترائب فقد استبان صدق ما نطق به القرآن الكريم، وجاء به رب العالمين، ولم يكشف العلم هذا إلا حديثا بعد ثلاثة عشر قرنا من نزول ذلك الكتاب، هذا وكل من الخصية والمبيض بعد كمال نموه يأخذ في الهبوط إلى مكانه المعروف؛ فتهبط الخصية حتى تأخذ مكانها في الصفن، ويهبط المبيض حتى يأخذ مكانه في الحوض بجوار بوق الرحم، وقد يحدث في بعض الأحيان ألا تتم عملية الهبوط هذه؛ فتقف الخصية في طريقها، ولا تنزل إلى الصفن، فتحتاج إلى عملية جراحية، وإذا هدى الفكر إلى كل هذا في مبدأ خلق الإنسان فهذا يسهل علينا أن نصدق بما جاء به الشرع وهو البعث في اليوم الآخر، قال ـ عز وجل ـ: )إنــه على رجعــه لقــادر (8)( (الطارق) أي إن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء، قادر أن يرده حيا بعد أن يموت.

واقتدار الخالق شاخص في كل العرض، بينما يتملى الخيال مشاهد أعرضت عن الإنسان فعبرت عنه بالغائب في ومضات تعريه من الخيلاء، وتفاجئه بأصله ومصيره طاوية حياته ومماته، وكأنه لم يكن في مقابل مشهد استكباره في تبجح صارخ يعلنه الاحتجاج المستهل بحرف الفاء؛ ليفصح بأصل دلالته على التعقيب عن محذوف يكشف ما يجول في طوية نفسه: )فلينظر الإنسان مم خلق(؛ كأنه صيحة مدوية مؤنبة تقول: ألم تحدثك نفسك؟ وليس للإنسان في تلك المحاكمة إلا حضور باهت داخل قفص الاتهام في زاوية من المخيلة، بينما تشخص عيانا أدلة التجريم؛ وكأنه تعالى يقول: )أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40)( (القيامة) وهذا المشهد الأصغر لتعري السرائر مثال مشهد يوم عظيم )يوم تبلى السرائر (9)(، فتأمل الاتساق في عرض المشاهد تصوير عجيب يكشف ما قبل فتح الستار، وحتى بعد ضمه تبقى في الخاطر شتى صور العقاب، وتؤز في المسامع نيرانا تتشوق لمن يشك لحظة في قدرة الخلاق سبحانه! أسلوب مذهل جامع فريد لا يبلغه اليوم أي كتاب ينسب للوحي قد بلغ الذورة في التصوير وثراء المعنى، مع الغاية في إيجاز اللفظ، وأما التفاصيل العلمية التي يستحيل أن يدركها بشر زمن التنزيل، فهي بعض دلائل النبوة التي تسطع اليوم أمام النابهين[10].

(*) موقع زكريا بطرس.

[1]. لسان العرب، ابن منظور،مادة: فرج.

[2]. لسان العرب، ابن منظور، مادة: حور.

[3]. من آيات الإعجاز العلمي: خلق الإنسان في القرآن الكريم، د. زغلول النجار، دار المعرفة، بيروت، ط2، 1429 هـ/ 2008م، ص359.

[4]. مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية،بيروت، د. ت، عند تفسير الآية.

[5]. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط13، 1407 هـ/ 1987م، ج6، ص3878: 3881 بتصرف.

[6]. روح المعاني، الألوسي، دار الفكر، بيروت، 1406هـ/ 1987م، عند تفسير الآية.

[7]. مع الطب في القرآن، د. عبد الحميد دياب، د. أحمد قرقوز، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، د. ت.

[8]. نحو تفسير موضوعي لسور القرآن، محمد الغزالي، دار الشروق، القاهرة، ط8، 1426هـ/ 2005م، ص511.

.[9] في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط13، 1407 هـ/ 1987م.، ج6، ص3879.

[10]. مع الطب في القرآن، د. عبد الحميد دياب، د. أحمد قرقوز، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، د. ت.

المصدر

الزعم أن الاختلاف اللفظي بين الآيات المتشابهة لا دلالة له

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أنه لا قيمة للاختلاف اللفظي بين الآيات المتشابهة في القرآن الكريم، ويمثلون لذلك بقوله عز وجل: )فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55)( (التوبة)، وقوله عز وجل: )ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85)( (التوبة) **.

وجوه إبطال الشبهة:

في القرآن الكريم آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، والمحكم ما لا تعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، والمتشابه منه ما أشكل تفسيره لمشابهته غيره، إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى.

ويزعم بعض مثيري الشبهات حول القرآن الكريم أن الخلاف في اللفظ بين المتشابه في القرآن الكريم لا فائدة منه، وهو خلاف ظاهري، ومثلوا لهذا بقوله عز وجل: )فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55)( (التوبة)، وقوله تعالى: )ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم( (التوبة: ٨٥)، ويزعمون أن الاختلاف بين الآيتين اختلاف يسير بين بعض الألفاظ، ولا يغير في المعنى قليلا ولا كثيرا. وفات هؤلاء إدراك ما بين الآيتين من اختلاف واضح في المدلول والسياق.

وزعمهم هذا مردود من وجوه:

1)  أن الآيتين وإن تشابهتا في الألفاظ، فقد اختلفتا في السياق؛ إذ أراد بالأولى: قوما من المنافقين لهم أموال وأولاد في وقت نزولها، وأراد بالثانية: أقواما آخرين، والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة، لم يكن ذكره مع بعضهم مغنيا عن ذكره مع الآخرين.

2)  أن التفاوت اللفظي بين الآيتين ناشئ عن تفاوت في المدلول، والمعنى المراد التعبير عنه، وهذا حاصل في أربعة وجوه، وهي:

قوله عز وجل: )فلا تعجبك(: “الفاء” لمناسبة التعقيب والترتيب، وقوله: )ولا تعجبك( “الواو” لمناسبة عطف نهي على نهي قبله، ولا تفريع فيها، والمعني: “لا تصل ولا تقم ولا تعجبك”.

قوله )أموالهم ولا أولادهم( مشعر بالنهي عن الإعجاب بكل واحد علي انفراد، وقوله: )أموالهم وأولادهم( نهي عن إعجاب المجموع، ويتضمن النهي عن الإعجاب بكل واحد.

قوله عز وجل: )ليعذبهم( وقوله: )أن يعذبهم( بالتناوب بين “اللام” و “أن”، تنبيها على أن التعليل في أحكام الله محال، وأنه أينما وردت، فمعناه: “أن”، ومثله في القرآن كثير.

قوله عز وجل: )في الحياة الدنيا( ورد على الأصل، لأنه في سياق الحديث عن أموالهم في حياتهم، أما قوله: )الدنيا( فورد بعد ذكر موت المنافقين في الآية التي قبلها، فهم بمنزلة الأموات، وحياتهم لا حياة فيها.

3)  أن في تكرار[1] المعنى وتعدد النزول – لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين – قوة في تقرير ما نزل وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال المخاطب، خصوصا والمنهي عنه حقيق بذلك؛ لعموم البلوي بمحبته، والإعجاب به، مما يوجب التحذير منه مرة بعد مرة.

التفصيل:

أولا. لا يوجد في القرآن ما يعد من قبيل تكرار النصوص بما يغني أحدها عن الباقي، بل إن النص القرآني إذا ما اتفق مع نص آخر، فإن الأداء الخاص ومقتضيات الأحوال تختلف، ومن ينظر إلى خصوصيات الأحوال ومقتضياتها، يعلم أن هذا تأسيس، وليس تكرارا، فقد تحمل آيتان معنى عاما واحدا، ولكن كل آية تمس خصوصية ما.

قال أبو علي في تعليقه على آيتى سورة التوبة: ظاهره أنه تكرير، وليس بتكرير؛ لأن الآيتين في فريقين من المنافقين، ولو كان تكريرا، لكان – مع تباعد – لفائدة التذكير، وقيل: أراد بالأولى: لا تعظمهم في حال حياتهم؛ بسبب كثرة المال والولد، وبالثانية: لا تعظمهم بعد وفاتهم لمانع الكفر والنفاق[2].

ثانيا. ثمة تفاوت بين الألفاظ المستخدمة في الآيتين، كل وما يتناسب مع طبيعة السياق الوارد فيه، وهذا التفاوت حاصل بين هاتين الآيتين من وجوه أربعة؛ هي:

قوله تعالى في الآية الأولى: )فلا تعجبك( بـ “الفاء”، وقوله: ولا تعجبك( بـ “الواو” في الآية الثانية، وذلك أن الآية الأولى وردت بعد قوله: ولا ينفقون إلا وهم كارهون (5)( (التوبة)، فوصفهم بأنهم كارهون للإنفاق، وإنما كرهوا ذلك الإنفاق؛ لأنهم معجبون بكثرة تلك الأموال؛ فلهذا المعنى نهاه الله عن ذلك الإعجاب بـ “فاء التعقيب”، وفي الثانية: لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف “الواو”[3].

وخلاصة القول: أنه جيء بـ “الفاء” هنا لمناسبة التعقيب، والمعنى: لا ينفقون إلا وهم كارهون للإنفاق، معجبون بكثرة الأموال والأولاد، فنهى عن الإعجاب المتعقب له، وجيء بـ “الواو” لمناسبة عطف نهي على نهي قبله[4]؛ أي: ولا تصل، ولا تقم، ولا تعجبك.

أثبت “لا” في قوله: )أموالهم ولا أولادهم(، وأسقطها في الآية الثانية: )وأولادهم(، ولهذا التفاوت مدلولان هما:

الأول: أن ذكر “لا” في الآية مشعر بالنهي عن الإعجاب بكل واحد على انفراد، ويتضمن ذلك النهي عن المجموع. وإسقاط “لا” في الثانية نهي عن إعجاب المجموع، ويتضمن ذلك النهي عن الإعجاب بكل واحد؛ فدلت الآيتان بمنطوقهما ومفهومهما على النهي عن الإعجاب بالأموال والأولاد مجتمعين ومنفردين”[5].

الثاني: في إسقاط “لا” في الآية الثانية دليل على أنه لا تفاوت بين الأمرين، وإنما هي في الأولى؛ لزيادة التأكيد، أي: أنهم كانوا معجبين بكثرة الأموال والأولاد، وكان إعجابهم بأولادهم أكثر[6].

قوله في الآية الأولى: )إنما يريد الله ليعذبهم(، وفي الثانية: )إنما يريد الله أن يعذبهم(، فيه تنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال، وأنه أينما ورد حرف “اللام”، فمعناه كقوله: )وما أمروا إلا ليعبدوا الله( (البينة: ٥) أي: وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله.

و “اللام” هنا في “ليعذبهم” لام تدخل على الفعل، واسمها “لام العاقبة”، وهي تعني أننا ربما نقوم بالفعل لهدف معين، ولكن قد تكون عاقبته شيئا آخر غير الذي قصدناه، بل تكون عكس الذي قصدناه، ومثاله قول الحق عز وجل: )فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا( (القصص: ٨) [7]، وهكذا الحال هنا؛ فالمال والأولاد نعم لم يقصد الله من ورائها عذاب هؤلاء، لكنهم بعملهم غير الشرعي استحقوا العذاب بعد أن فتنوا بنعم الله عليهم؛ إذن هي “لام العاقبة”[8].

قوله تعالى في الآية الأولى: )في الحياة الدنيا(، وفي الثانية: )في الدنيا(، فذكر “الحياة” في الأولى على الأصل وحذفها في الثانية؛ تنبهيا على خسة الدنيا”[9]، فهي لا تسمى “حياة”، بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيها على تمام دناءتها.

ولما تقدمها ذكر موت المنافقين ناسب أن لا تسمى “حياة “[10]؛ فقد صاروا إلى حياة أخرى، وانقطعت حياتهم الدنيا وأصبحت حديثا[11].

ثالثا. الآيتان تتلاقيان في المعنى العام مع احتفاظ كل آية بنظمها المتسق مع سياقها، ولو اعتبرنا أن تكرار النهي حاصل بين الآيتين، فالمنهي عنه حقيق بذلك؛ لعموم البلوى بمحبته والإعجاب به[12].

وتجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه، ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهم يفتقر إلى فضل عناية به، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين.

وإن أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه فلا حرج في ذلك؛ ذاك أن أشد الأشياء جذبا للقلوب واستهواء لها، هو الاشتغال بالأموال والأولاد، وما كان بهذه المنزلة من التغرير والإغواء يجب التحذير منه مرة بعد مرة[13].

وما دام النهي في الآيتين على هذه الدرجة من الأهمية؛ فلا ضير إن كرره القرآن مع احتفاظ كل نهي بنظمه؛ بما لا يغني أحدهما عن الآخر، ويبقى مجمل النهي عالقا في الذهن ماثلا للأعين؛ علها تمتثل.

الأسرار البلاغية في الآيتين الكريمتين:

في الآيتين اتصال من جهة الدلالة، وانفصال من جهة الألفاظ، وهذا الوجه الأخير هو ما أغفله هؤلاء، وقالوا بعموم الاتصال بين الآيتين، ولعل هذا الخلاف بين الألفاظ في الآيتين موطن البلاغة فيهما، ولعل القارئ يقف على هذا الرأي إن أدرك الفرق أولا، ثم التمس وجه اتساقه في سياقه الذي ذكر فيه ثانيا، ومن أسرار هذه المخالفة:

العطف بـ “الفاء” في قوله تعالى: )فلا تعجبك(؛ لمناسبة التفريع قبلها على مذمة حالهم في أموالهم[14]؛ ولذلك عطف بـ “الواو” في الثانية، فقال: )ولا تعجبك(؛ لعدم التعلق؛ ولمجيئها من قبيل عطف نهي على نهي[15].

في قوله تعالى: )أموالهم ولا أولادهم(، أثبت “لا” مراعاة للترتيب، فأراد أن يبتدئ بالأدنى، ثم يترقى إلى الأشرف[16]. وفي الآية الأخرى ذكر )أموالهم وأولادهم( بالعطف بـ “الواو”؛ للتساوي بينهما في التحقير في نظر المسلمين، فناسبه إسقاط “لا”؛ ليدل على عدم التفاوت بينهما؛ فكلاهما مقصود، ومضرته لا تقل عن الآخر.

قوله تعالى: )أن يعذبهم( وفي الأخرى )ليعذبهم( فقد قدرت “أن ” بعد “اللام”، وهو كثير في الاستعمال، ومن محاسن التأكيد الاختلاف في اللفظ، وهو تفنن[17].

وقوله تعالى: )في الدنيا( ذكر الصفة، وحذف الموصوف، وفيه تنبيه على كمال ذمها، فلقد بلغت في الخسة والمهانة، إلى حيث إنها لا تستحق أن تذكر ولا تسمى حياة، بل يجب عند ذكرها الاقتصار على لفظ الدنيا[18]، فلقد أصبحت الصفة علما على الموصوف، فإن قيل الدنيا فقط علمت أن هذه الصفة إن أطلقت أريد بها “الحياة”، وفي هذا الأسلوب من التزهيد فيها، والتحقير من شأنها ما تغني الإشارة إليه عن ذكره.

هذا وإن التقت الآيتان في المعنى العام فليس فيه تكرار للمعنى، خصوصا والمنهى عنه حقيق بذلك؛ لعموم البلوى بمحبته والإعجاب به، مما يوجب التحذير منه مرة بعد مرة.

(*). www.saaid.com

[1]. التكرار: هو أن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة باللفظ، والمعنى المراد بذلك تأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو التهويل أو الوعيد أو الإنكار أو لغرض من الأغراض.

[2]. البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطابع النصر الحديثة، الرياض، 1954م، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[3]. مفاتيح الغيب، الرازي، دار الكتب العلمية،بيروت، د. ت، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[4]. روح المعاني، الألوسي، دار الفكر، بيروت، 1406هـ/ 1987م، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[5]. البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطابع النصر الحديثة، الرياض، 1954م، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[6]. تفسير الخازن، علاء الدين علي البغدادي، مطبعة الحلبي، القاهرة، 1955م، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[7]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1991م، ج9، ص5191، 5192.

[8]. البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطابع النصر الحديثة، الرياض، 1954م، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[9]. تفسير الخازن، علاء الدين علي البغدادي، مطبعة الحلبي، القاهرة، 1955م، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[10]. البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطابع النصر الحديثة، الرياض، 1954م، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[11]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، ج6، ص287.

[12]. روح المعاني، الألوسي، دار الفكر، بيروت، 1406هـ/ 1987م ، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[13]. البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطابع النصر الحديثة، الرياض، 1954م، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[14]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج6، ج10، ص286.

[15]. روح المعاني، الألوسي، دار الفكر، بيروت، 1406هـ/ 1987م، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[16]. مفاتيح الغيب، الرازي، دار الكتب العلمية،بيروت، د. ت، عند تفسير الآية 85 من سورة التوبة.

[17]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج6، ج10، ص278 بتصرف.

[18]. إعراب القرآن الكريم وبيانه، محيي الدين الدرويش، دار الإرشاد، دمشق، 1408هـ/ 1988م، ج4، ص147.

المصدر

الزعم أن القرآن أخطأ في ذكر اسم إدريس – عليه السلام – وقصة رفعه حيا إلى السماء

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن الكريم أخطأ في قصة إدريس عليه السلام، ويستدلون على زعمهم هذا بأن اسمه في التوارة ليس إدريس ولكنه أخنوخ، كما يزعمون أن قوله تعالى في إدريس عليه السلام: )ورفعناه مكانا عليا (57)( (مريم) مستوحى من بعض الأساطير التي ذكرت أنه شخص كتب له الخلود وأدخل الجنة حيا.

وجوه إبطال الشبهة:

1) وردت أسماء مختلفة لنبي الله إدريس – عليه السلام – في ثقافات مختلفة (المصرية – السامرية – اليونانية)، وهذا جائز لاختلاف طبيعة اللغات، فلماذا ينكر ذلك على القرآن الكريم وهو مقدم على غيره لثبوت صحته؟! ولا ينكر على غيره من الثقافات والديانات المحرفة؟!!

2) من أساسيات عقيدة الإسلام أن البقاء والخلود لله وحده وأن الفناء والموت من صفات المخلوقين ولا يستثنى من ذلك أحد.

3)  لم ينص القرآن ولا السنة على خلود إدريس – عليه السلام – أو أنه رفع إلى السماء حيا.

4) اتفقت أقوال المفسرين على أن إدريس – عليه السلام – قبض ومات شأنه شأن المخلوقات جميعا، وما ورد بخلاف ذلك، هو محض روايات أسطورية لا تتفق مع حقائق الإسلام بشأن قبض الأرواح.

التفصيل:

أولا. ورود أسماء مختلفة للشخص الواحد في اللغات المتعددة أمر طبيعي:

الاسم الواحد لمعين سواء كان علما على شخص أو مكان أو غير ذلك، قد يرد مختلفا من لغة أو ثقافة إلى أخرى. وهذا لا يعني خطأ في لغة وصوابا في أخرى، بل إن ذلك الاختلاف ناشئ من اختلاف النطق والهجاء والتركيب وكذلك قواعد النحو والنظام الصوتي.

ولقد ورد اسم إدريس – عليه السلام – في التوراة السامرية “أخنوخ”، وذلك في سفر التكوين “وسار أخنوخ مع الله, ولم يوجد لأن الله أخذه”. (التكوين 5: 24). وهو في اليونانية أرميس، وعرب بهرمس، ومعنى أرميس عطارد، وهو عند المصريين هرمس الهرامسة، وفي القرآن الكريم إدريس، وقيل: سمي إدريس لكثرة دراسته كتاب الله عزوجل، إذ روي أن الله تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، قال عزوجل: )واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56)( (مريم)، علما بأن التوراة اليونانية تضيف حرف السين في آخر الاسم ليعلم أنه اسم مثل: يوسيفوس وإدريس في آخره السين، وكذلك يونس – عليه السلام – وهو في العبرية “يونان”، وعيسى – عليه السلام – في اليونانية “إيسوس” وفي العبرية “يهوشوع”، وينطق أحيانا “أيشوع” و “يسوع”. [1]

وهكذا نجد أن اسم سيدنا إدريس – عليه السلام – قد اختلف من لغة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أخرى، فلماذا ينكر على القرآن الكريم مع العلم بأنه الكتاب الوحيد الذي ثبت عدم تحريفه أو تغييره؛ بل هو محفوظ كما نزل من عند الله وذلك بشهادة الدارسين المحايدين من المسلمين وغير المسلمين من أهل الاختصاص في هذا المجال.

وعلى النقيض تماما فقد أثبتت الدراسة المحايدة من أهل الاختصاص تحريف وتبديل ما عدا القرآن الكريم من الكتب السماوية فضلا عن الثقافات البشرية التي ليس لها ما لتلك الكتب من العصمة والقداسة.

ومعلوم أن ما ثبتت حجته مقدم على ما لم تثبت حجته، ومع هذا فإننا لا ننكر الأسماء السابق ذكرها لسيدنا إدريس – عليه السلام – في الثقافات والديانات الأخرى، وذلك أن الخلاف في الاسم خلاف شكلي لا يعني بالضرورة خطأ الاسم عندنا أو عند غيرنا.

ثانيا. الدوام والخلود لله وحده في عقيدة التوحيد الإسلامية:

يجب أن نثبت قواعد الإسلام العقائدية قبل مناقشة أي مجادل، فمن أوائل القواعد العقدية في الإسلام: قاعدة مبدأ الفصل بين صفات الله وصفات الخلق، فأول صفات الله – عزوجل – صفة الوحدانية، وهي تفرد الله تعالى بصفات الألوهية وحده، ومنها البقاء بلا نهاية، أي: دوام البقاء والخلود، فالله باق بذاته ولا شريك له في هذه الصفة، فلا يوصف نبي ولا رسول بهذه الصفة عند المسلمين.

أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإنهم اعتادوا الخلط بين صفة الخالق سبحانه وصفة الخلق، لذلك نسبوا إلى الله الزوجة والولد، وعندهم اختلط اللاهوت والناسوت [2]، فلا عجب أن يقول اليهود: عزير ابن الله ويعطونه صفات الألوهية ومنها الخلود، ويقول النصارى: المسيح ابن الله ويعطونه صفات الألوهية ومنها الخلود، أما المسلمون فلا خلط عندهم بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فلا يعطون الخلود لمخلوق قط، قال عزوجل: )وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34)( (الأنبياء).

والخلود قسمان: خلود الذات، وخلود الزمان، فأما خلود الذات فهو وصف لله وحده لا يشاركه فيه أحد من خلقه، وأما خلود الزمان فهي صفة الخلق في الجنة والنار، والصفتان مستحيلتان في الدنيا، فليس في الدنيا خلود ذاتي ولا مكاني ولا زماني: )كل من عليها فان (26)( (الرحمن)، ونقصد دنيا الخلق ولا يدخل فيها الخالق عزوجل.

ونحن نسأل هؤلاء: هل كتب الله سبحانه الخلود لأحد من خلقه في دنيا الناس من حولنا؟ عقيدتنا – والواقع يؤكدها – أن أحدا لا يمكن أن يجيب عن هذا السؤال بالإيجاب؛ لأن الفناء شأن المخلوقات جميعا، ولا خلود في اعتقادنا – نحن المسلمين – لبشر مهما عظمت منزلته وارتفعت درجته، وقد كتب الله الموت على رسوله محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو أفضل الرسل وأحبهم إلى الله، وإذا كان الله – عزوجل – قد كتب الموت على محمد – عزوجل – فلماذا يكتب الخلود لإدريسعليه السلام؟!

فلا خلود في اعتقادنا – نحن المسلمين – لبشر وإنما البقاء لله وحده، ولا يعنينا ما فهمه بعضهم من بعض الروايات من معنى الخلود أو البطولة الأسطورية مما يوافق روايات يهودية أو نصوص توراتية، فالثابت أن هذه الكتب السماوية السابقة على القرآن قد حرفت عن أصولها السماوية الصحيحة، خصوصا ما توجه لبني إسرائيل الذين حكم القرآن بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه.

وهذا – كما هو معروف – ديدن [3] المغالطين من المستشرقين ممن يقعون على الروايات الضعيفة، والأخبار المنقطعة والآراء المرجوحة، فيبرزونها ويجعلونها أصلا، لا سيما إذا توافقت مع مقولة في التوراة أو الإنجيل المحرفين، ليؤيدوا القول بأن القرآن مشتق منهما، وأن محمدا – صلى الله عليه وسلم – قد لفقه من كتب الأقدمين؛ وذلك لإنكارهم نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – وسماوية القرآن، ويسلكون لإثبات ذلك كل سبيل.

ثالثا. لم ينص القرآن الكريم ولا السنة النبوية على خلود إدريس – عليه السلام – أو أنه رفع إلى السماء:

إن الذي يحسب على الإسلام هو ما صرح به القرآن الكريم، وما جاء في صحيح السنة، وأما ما جاء في غيرهما على ألسنة المفسرين فيؤخذ منهم ويرد عليهم، وما نقلوه عن أهل الكتاب إن وافق ما في الكتاب والسنة قبلناه، وإن خالفهما رددناه، وإن لم يوافقه، ولم يخالفه لا نصدقه، ولا نكذبه، بل هو قول يحتمل الصدق والكذب.

والذي جاء في القرآن عن إدريسـ عليه السلام – قولهعزوجل: )وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86)( (الأنبياء). فهو – عليه السلام – نبي مرسل صابر صالح له مكانة عالية رفيعة عند الله عزوجل، وهو ممن أدخلهم الله سبحانه في رحمته.

وأما أهل التوراة فليس عندهم من العلم بشأن إدريس – عليه السلام – إلا أن أخنوخ ولد له ولد، وهو ابن خمس وستين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثمائة سنة، ولم يوجد بعد، لأن الله أخذه، فالله تعالى أعلم بشأنه.

وأما قوله عزوجل:)) ورفعناه مكانا عليا (57) (مريم). لم تنص على أن إدريس – عليه السلام – رفع حيا إلى السماء، إن معنى الآية: ورفعنا ذكره وأعلينا قدره بشرف النبوة والزلفى عند الله[4].

وما جاء في حديث المعراج[5] من أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لقيه – عليه السلام – في السماء الرابعة ليس دليلا على رفعه حيا؛ فقد لقي صلى الله عليه وسلم في السماوات موسى وهارون ويوسف ويحيى وإبراهيم – عليهم السلام – ولم يرفعوا أحياء؛ أما ما ورد في كتاب “تاريخ الحكماء” للقفطي من أن إدريس أول من أنذر بالطوفان، فخاف من ذهاب العلم، فبنى الأهرام والبرابي المسلات في صعيد مصر وصور فيها الصناعات ورسم فيها العلوم حرصا منه على تخليدها لمن بعده[6]؛ فهي أخبار لم تؤيد بنقل صحيح، ولم يعضدها [7] نص قاطع نشهد به على الله تعالى أنه صنعه لعبده ونبيه إدريس عليه السلام، وكلها أقوال مما جمعها حطاب الليل من المفسرين الذين لا هم لهم إلا جمع كل شاردة وواردة، دون النظر إلى صحتها، ومعظمها أشبه ما تكون بالخرافات.

لذلك فإن الباحثين في هذه الأمور وأهل التاريخ القديم لا يجدون في بحوثهم ما يؤيد هذه الأخبار، بل يجدون ما يناقضها من العلم بأسماء بناة الأهرام والملوك الأولين الذين قاموا بالدولة في مصر مثل مينا، وخوفو، وخفرع وغيرهم، من الذين شيدوا المعابد، ونقشوا عليها ما هو ماثل اليوم، وذلك كله بخطوط خاصة يقرءونها ويفسرونها[8].

رابعا. اتفقت أقوال المفسرين على أن إدريس – عليه السلام – قبض ومات، شأنه شأن المخلوقات جميعا، وما ورد بخلاف ذلك هو محض روايات لا تتفق مع حقائق الإسلام بشأن قبض الأرواح:

لقد أوضحنا أنه ليس هناك ثمة نص يدل على خلود إدريس – عليه السلام – ورفعه حيا إلى السماء، أما قوله عزوجل: )ورفعناه مكانا عليا (57)( (مريم)، فهذا لا يدل على رفعه إلى السماء حيا، بل قد لا يكون المراد منه الرفع الحقيقي، ولهذا قال جماعة من المفسرين: هو رفع مجازي، وأما حديث الإسراء فلا حجة فيه أنه رفع إلى السماء حيا قبل موته؛ لأنه ذكر فيه عدة أنبياء وجدوا في السماوات[9].

هذا وقد ذكر كثير من المفسرين في معنى قوله عزوجل: )ورفعناه مكانا عليا (57)( (مريم) في حق إدريس – عليه السلام – أن الله أوحى إليه: أني أرفع لك في كل يوم مثل جميع عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملا، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال له: إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم ملك الموت حتى أزداد عملا، فحمله بين جناحيه وصعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ قال: هو ذا على ظهري، فقال ملك الموت: يا للعجب! بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة. فجعلت أقول له: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك.

وفي رواية أخرى: أنه رفع ولم يمت، قيل: أريد بها أنه رفع حيا إلى السماء، ثم قبض هناك؛ فهذا لا ينافي ما تقدم، وأما إن أريد بها أنه لم يمت حتى الآن ففيه نظر؛ إذ يتصادم مع قوله تعالى: )إنك ميت وإنهم ميتون (30)( (الزمر)، فإدريس وعيسى – عليهما السلام – وغيرهما بشر، والبشر من شأنهم الفناء جميعا بالموت، لا يبقى إلا الحي الذي لا يموت عزوجل، فهذا من ثوابت العقيدة الإسلامية. وقيل: قبض في السادسة، والمتفق عليه أنه في السماء الرابعة، وقيل: عليا؛ أي: إلى الجنة.

أما ما ورد بخلاف ذلك من روايات فلا تقوم بها حجة؛ إذ هي روايات موضوعة ومنحولة[10]؛ فقد روي أن ملك الموت سأل الله أن يزور إدريس، فجاءه على صورة إنسان، ودعاه في الليل إلى مائدته، ولكن إدريس – عليه السلام – أبى، فكرر ملك الموت دعوته تلك مرتين متتاليتين، وفي المرة الثالثة سأله إدريس عن شخصه، فلما أجابه طلب منه إدريس أن يقبض روحه ساعة من الزمن، ثم طلب منه بعد أن يرد روحه أن يرفعه إلى السماء، ليراها ويرى الجنة فلما دخل الجنة أبى أن يخرج منها، واعتصم بآيتين من القرآن هما: )كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35)( (الأنبياء). والثانية: )لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48)( (الحجر)، ولذلك أبقاه الله فيها.

وقيل: إنه بينما إدريس في رحلة، إذ اشتد عليه الحر؛ فطلب من الله أن يخفف وطأتها عليه ملك الشمس، مقابل أن يؤخر ملك الموت أجله، فحمله هذا الملك إلى مطلع الشمس، وأبلغ في سؤاله ملك الموت، ولم يستطع ملك الموت إجابة سؤاله، فأطلعه ملك الشمس على يوم موته، ولما فتح ملك الموت ديوانه لم يجد فيه وفاة إدريس، وقد وجده ملك الشمس ميتا بالفعل.

هاتان الأسطورتان لا تتفقان مع حقائق الإسلام التي تنص على أن ملك الموت مكلف من قبل الله تعالى بقبض الأرواح، وأنه لا يستشار أحد من الخلق في وفاته، ولا تتفقان مع الأدب في الحديث عن الأنبياء – عليهم السلام – وذلك لأنهم – صلوات الله عليهم – يعلمون أن لكل أجل كتابا، ولا يطلبون إلا ما يقره الشرع والعقل، كما أن العلم يكذب ويفند[11] تلك الخرافات.

الخلاصة:

إن عدم ذكر اسم إدريس – عليه السلام – في التوراة لا يعني إنكار وجوده في التاريخ؛ لأن التوراة المحرفة ليست حجة فيما تذكر، فضلا عن أنها ليست حجة فيما لم تذكره، لكن الحجة فيما تفرد القرآن الكريم بذكره؛ فهو كلام رب العالمين أنزله على النبي الأمي – صلى الله عليه وسلم – الذي قال تعالى فيه: )وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4)( (النجم)، أما الكتاب المقدس فقد ثبت تناقضه ومخالفته للعقل السليم، فما ورد به غير موثوق فيه، وما لم يرد به لا حجة على بطلاته أو عدم وقوعه.

من قواعد الإسلام العقائدية ضرورة الفصل بين صفات الله تعالى وصفات الخلق، فمن صفات الله البقاء، ومن صفات الخلق جميعا – بلا استثناء – الفناء والموت. والخلود لا يكون إلا لله وحده، فهو صفة له وحده لا يشاركه فيها أحد من خلقه مهما بلغ من المنزلة والمكانة.

لم نر حولنا في دنيا الناس من كتب الله له الخلود، بل كتب الله الموت على جميع خلقه، ومنهم محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو أفضل الرسل وأحبهم إلى الله تعالى.

ما ورد من الأساطير حول رفع إدريس – عليه السلام – حيا وعدم استطاعة ملك الموت قبض روحه لا يتفق مع حقائق الإسلام التي تنص على أن ملك الموت مكلف من قبل الله تعالى بقبض الأرواح، وأنه لا يستشار أحد في وفاته، وكذلك لا تتفق مع الأدب في الحديث عن الأنبياء، الذين يعلمون أن لكل أجل كتابا، وأنهم لا يطلبون ما لا يقره الشرع أو العقل، كما بيناه.

إن الذي يحسب على الإسلام هو ما صرح به القرآن الكريم، وما جاءت به السنة النبوية الشريفة الصحيحة، وأما أقوال المفسرين فيؤخذ منها ما وافق الكتاب والسنة ويطرح ما عداه، والذي جاء في القرآن عن إدريس – عليه السلام – أنه كان صديقا نبيا، ذا مكانة عالية رفيعة عند الله – عزوجل – وهو صابر صالح، وأدخله الله تعالى في رحمته، وما جاء في السنة من حديث المعراج أنه – صلى الله عليه وسلم – قد لقي إدريس – عليه السلام – ليس دليلا على أنه – عليه السلام – رفع حيا، فقد لقي النبي – صلى الله عليه وسلم – العديد من الأنبياء – عليهم السلام – ولم يرفعوا أحياء.

(*) موجز دائرة المعارف الإسلامية، فريق بحث من المستشرقين، ترجمة نخبة من الأساتذة، مركز الشارقة للإبداع الفكري، الشارقة، 1418هـ/ 1998م.

حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، د. محمود حمدي زقزوق، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ط2، 1425/ 2004م، ص484.

[2]. اللاهوت والناسوت: اللاهوت: الألوهية في مقابل الناسوت لطبيعة الإنسان، وعلم اللاهوت علم يبحث عن العقائد المتعلقة بالله، وربما أطلق الأول على الروح، والثاني على البدن، أو أطلق الأول على العالم العلوي، والثاني على العالم السفلي.

[3]. ديدن: شأن.

[4]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص38، 39.

[5]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (3035)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السماوات وفرض الصلوات (429).

[6]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص44.

[7]. يعضدها: يقويها.

[8]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص44 بتصرف.

[9]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج8، ج16، ص131 بتصرف.

[10]. المنحولة: المدعاة.

[11]. يفند: يضعف ويخطأ.

المصدر

الزعم أن القرآن الكريم استعمل “سينين” بدلا من “سيناء” لتكلف السجع

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتقولين أن القرآن الكريم قد جانب الصواب؛ فاستعمل “سينين” بدلا من “سيناء” في قوله عز وجل: )والتين والزيتون (1) وطور سينين (2)( (التين)، وتوهموا أن كلمة “سينين” اسم جمع، ومنهم من توهم أنها جمع مذكر سالم، ويذكرون أن القرآن حرفها من أجل السجع فقط**.

وجوه إبطال الشبهة:

الأصل في الاسم العلم أن يدل على المسمى به، فيحدد المقصود منه، ولا يتبدل الاسم العلم ولا المسمى به. وقد زعم بعض المشككين أن القرآن الكريم جانب الصواب في استخدام كلمة “سينين” بدلا من كلمة “سيناء”؛ ليتحقق السجع في فواصل الآيات، والصواب في زعمهم أن يقال: “وطور سيناء”.

وهذا الزعم باطل من وجوه:

1) إن في نسق القرآن ونظمه من الإحكام ما ينفي تكلفه لمحسن لفظي كالسجع، ثم إن في القضايا التي يعالجها من الدقة ما يمنع أن يتبع فيه المعنى اللفظ، بل الألفاظ فيه تابعة للمعاني، وتكلف السجع يقتضي أن يتبع المتكلم المعنى للفظ، أضف إلى هذا وذاك أن العرب تستهجن أن يتكلف المتكلم السجع، وتستحسن ما أتى بعفوية مما تسمح به القرائح والمعاني، فهل يعقل أن يتكلف القرآن السجع، ثم يأتي متحديا العرب بنظمه زاعما لنفسه الإعجاز؟!

2) كلمة “سينين” في الآية الكريمة صفة عند بعض المفسرين، وهم مختلفون في تحديد معناها؛ فمنهم من يرى أنها بمعنى: الحسن. ومنهم من يرى أنها بمعنى: المبارك. ومنهم من جمع بين القولين فقال: سينين: الحسن المبارك، أو المبارك الحسن. وأيا ما كان المعنى؛ فالكلام من قبيل إضافة الصفة للموصوف.

3) قيل: إن كلمة “سينين” علم على كل جبل فيه شجر مثمر، وسمي بهذا لحسنه، وكل جبل بهذه الصفة فهو “سينين وسيناء”، وفي قراءة عمر بن الخطاب ما يعضد أنها جميعا لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تصرفها في الأسماء الأعجمية.

التفصيل:

أولا. في القرآن الكريم من وجوه البديع والبيان والموسيقى الداخلية والخارجية ما يذهب به عن مظنة العدول من لفظة “سيناء” إلى “سينين” بهدف السجع؛ فلا حاجة به لتلك المحسنات اللفظية، وهو الحسن بذاته، المعجز بطبيعته، وهو كلام رب العالمين، الذي نزهه الله – عز وجل – عن أن يكون شعرا، فقال: )وما هو بقول شاعر( (الحاقة: ٤١)، فهو غني عن تكلف محسنات كلام العرب شعرا ونثرا، أضف إلى هذا وذاك أنه بتلاوته يزداد حسنا إلى حسنه، ومعلوم أن من آداب التلاوة المتفق عليها: “تحسين الصوت بالقراءة، فالقرآن – بلا ريب – حسن، بل هو في غاية الحسن في ذاته، ولكن الصوت الحسن يزيده حسنا، فيأخذ بشغاف القلوب ويهز المشاعر هزا.

قال السيوطي: يسن تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها؛ لحديث «زينوا القرآن بأصواتكم»[1]. وفي لفظ: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا»[2]. ولحديث: «حسن الصوت زينة القرآن»[3] [4].

والمتأمل لمحسنات القرآن المعنوية واللفظية، ومنها السجع، يلحظ نوعا من التنويع حسب ما يقتضيه المعنى القرآني، ولم يلتزم القرآن السجع لزوما يصل به لدرجة القبح والتكلف، وليس بمعقول أن القرآن – وهو المتحدي لبلغاء العرب وفصحائهم – يتكلف السجع ويعدل من لفظة لأخرى جريا وراءه، ومعلوم أن من أوصاف البلاغة كما يقول ابن وهب: “السجع في موضعه وعند سماح القريحة به، وأن يكون في بعض الكلام لا جميعه”.

ويقول أبو هلال العسكري: “ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن؛ لأن نظمه خارج عن كلام الخلق، فكل هذا يؤذن بفضيلة السجع على شرط البراءة من التكلف، والخلو من التعسف”.

ويقول عبد القاهر الجرجاني: “وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا، ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه، وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا، ولا تجد عنه حولا”[5].

وبعد استقراء كلام البلاغيين في السجع وما يستحسن منه وما يستهجن، نعلم أن كتابا تحدى بنظمه ونسقه بلاغيي العرب، منزه أن يتحداهم بكلام يستهجنه عامتهم فضلا عن فصحائهم، ومعلوم أن وراء السجع مطلبا يقتضيه المعنى، يقول عنه ابن الأثير: “وهو أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى، لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ، فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مموه، على باطن مشوه، ويكون مثله كغمد من ذهب على نصل من خشب”.

“ولا حرج علينا بعد هذا أن نطلق على فواصل القرآن أسجاعا، وإذا تتبعنا مثلا سورة القمر نجد سجعاتها قد بنيت على حرف الراء، لا تجد حرفا مستكرها، ولا فاصلة قلقة، ولا تضحية بالمعنى في سبيل السجع، مما جعله يفيض سحرا، ويقطر عذوبة”[6]، وهذا ما لا يكاد ينكره منصف بعد قليل تأمل لكتاب الله المعجز بنسقه المحكم ونظمه المتسق.

ثانيا. كلمة “سينين” في الآية الكريمة صفة، وإنما أضيفت لـ “طور” على سبيل “إضافة الموصوف إلى الصفة، ويجوز أن تعرب إعراب جمع المذكر السالم، ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال، وتحرك النون بحركات الإعراب”[7].

بيد أن المفسرين في تحديد تلك الصفة على خلاف وإن كانت المعاني في جملتها تحمل معنى الحسن والبركة؛ فمنهم من يرى كما يقول مجاهد أن “طور” جبل، و “سينين” مبارك، وعن ابن عباس قال: “سينين المبارك الحسن”[8].

وعلى هذا القول يكون “طور” جبلا و “سينين” وصفا له، قد يكون بمعنى الحسن أو المبارك، أو المبارك الحسن، وعلى كل فهي من باب إضافة الموصوف للصفة.

ثالثا. قيل: إن “سينين” كل جبل فيه شجر مثمر وواحدته: سينينية[9]، فقوله تعالى: )وطور سينين (2)( (التين) قسم بالجبل المبارك الذي كلم الله عليه موسى وهو طور سيناء ذو الشجر الكثير، الحسن المبارك. قال الخازن: سمي “سينين” و “سيناء” لحسنه، ولكونه مباركا، وكل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى “سينين” و “سيناء”[10].

ومما يعضد ما ذهبنا إليه قراءة عمر بن الخطاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: و”طور سيناء” بالكسر والمد، وقراءة عمر أيضا وزيد بن علي: و”طور سيناء” بالفتح والمد، وكلها لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية[11]. فالمعنى مأخوذ عن “النبط”، وقد جاء تعريبه في العربية على صيغة تشبه صيغة جمع المذكر السالم وليس بجمع، فجاز في إعرابه أن يعرب مثل إعراب جمع المذكر بالواو نيابة عن الضمة، أو الياء نيابة عن الفتحة أو الكسرة، وأن يحكى على الياء مع تحريك نونه بحركات الإعراب، مثل: صفين، وغيرها[12].

قال الواحدي: والأولى أن يكون “سينين” اسما للمكان الذي به الجبل؛ لذلك سمي “سينين” أو “سيناء” لحسنه أو لكونه مباركا”[13].

وفي ضوء ما سبق فقد تبين أنه لا يوجد في هذه الآية إقحام للألفاظ غير الضرورية رغبة في إيجاد السجع، والقرآن كله بريء من تلك الفرية.

الأسرار البلاغية في الآيتين الكريمتين:

وأول ما يطالعنا في الآية: ابتداء الكلام بالقسم المؤكد وهو ما يؤذن بأهمية الغرض المسوق له الكلام[14].

حذف الفعل – فعل القسم – على سبيل الاختصار، وكان من المفترض أن يقول: “أقسم بالتين”، لكن لما كان القسم في الكلام كثيرا، اختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء، ثم عوض عن الباء بالواو في الأسماء الظاهرة، مثل قوله تعالى: )والليل( (الليل: 1)، )والفجر (1)( (الفجر)، )والتين( وغيرها[15].

بيد أن “أكثر الأقسام المحذوفة الفعل في القرآن لا تكون إلا بالواو، فإذا ذكرت الباء أتى معها بالفعل، ولا يجتمعان إلا قليلا، مع إقرارنا بأن الواو فرع الباء، كما يقول النحاة، لكن قد يكثر الفرع في الاستعمال ويقل الأصل”[16].

في الآيات عدة أساليب للتوكيد؛ فإذا كان من المعلوم أن “القسم من المؤكدات المشهورة التي تمكن الشيء في النفس وتقويه، وقد نزل القرآن الكريم للناس كافة، ووقف الناس منه مواقف متباينة؛ فمنهم الشاك، ومنهم المنكر، ومنهم الخصم الألد، فالقسم في كلام الله يزيل الشكوك، ويحبط الشبهات، ويقيم الحجة، ويؤكد الأخبار، ويقرر الحكم في أكمل صورة”.

ولو نظرنا لأحوال المقسم عليه لوجدناه فعلا ماضيا، وفي هذا زيادة تأكيد للمقسم عليه؛ ذلك أن “الماضي المثبت المتصرف الذي لم يتقدم معموله إذا وقع جوابا للقسم تلزمه اللام وقد”؛ وذلك قوله: )لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4)([17].

هذا بالإضافة إلى عنصر التشويق؛ وذلك بإطالة القسم قبل المقسم عليه وتعدده، وفيه بيان لأهمية المقسم عليه.

وفي ضوء ما سبق نعلم أن الآية الكريمة تخلو من تكلف السجع ومن الخطأ في الاستعمالات اللفظية، ولا حجة لمن ادعى هذا الزعم.

(*) عصمة القرآن وجهالات المبشرين، إبراهيم عوض، مكتبة زهراء الشرق، مصر، 2004م.

[1]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند الكوفيين، حديث البراء بن عازب الله رضي الله عنه (18517)، وأبو داود في سننه، كتاب الوتر، باب استحباب الترتيل في القراءة (1470)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (771).

[2]. صحيح: أخرجه الدارمي في سننه، كتاب فضائل القرآن، باب التغني بالقرآن (3501)، والبيهقي في شعب الإيمان، باب في تعظيم القرآن، فصل في تحسين الصوت بالقراءة والقرآن (2141)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3145).

[3]. حسن: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، باب العين، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (10023)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (4/ 236)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3411).

[4]. الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، ط1، 1417هـ/ 1996م، ج1، ص302، 303. كيف نتعامل مع القرآن العظيم، د. يوسف القرضاوي، دار الشروق، القاهرة، ط3، 1421هـ/ 2000م، ص160، 161 بتصرف.

[5]. أسرار البلاغة في علم البيان، عبد القاهر الجرجاني، مطبعة الترقي، القاهرة، 1320 هـ، ج1، ص7. البديع في ضوء أساليب القرآن الكريم، د. عبد الفتاح لاشين، دار الفكر، القاهرة، 1422هـ/ 2001م، ص144.

[6]. البديع في ضوء أساليب القرآن الكريم، د. عبد الفتاح لاشين، دار الفكر، القاهرة، 1422هـ/ 2001م، ص145.

[7]. إعراب القرآن الكريم وبيانه، محيي الدين الدرويش، دار الإرشاد، دمشق، 1408هـ/ 1988م، ج10، ص523.

[8]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج20، ص112.

[9]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ص112، 113.

[10]. صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، المطبعة العربية الحديثة، مصر، ج3، ص1743.

[11]. إعراب القرآن الكريم وبيانه، محيي الدين الدرويش، دار الإرشاد، دمشق، 1408هـ/ 1988م، ج10، ص524.

[12]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، ج15، ص421.

[13]. مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية،بيروت، د. ت، عند تفسير الآيتين.

[14]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، ج15، ص420.

[15]. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط13، 1425هـ/ 2004م، ص284، 285.

[16]. البرهان في علوم القرآن، الزركشي، المكتبة العصرية، بيروت، د. ت، ج3، ص43، 44.

[17]. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط13، 1425هـ/ 2004م، ص285: 288 بتصرف. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، ج15، ص240.

المصدر

الزعم أن القرآن الكريم يقوم بتوضيح ما لا يحتاج إلى توضيح

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المشككين أن القرآن الكريم يأتي بكلمات لا فائدة منها، ومن ذلك قوله عز وجل: )فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة( (البقرة: 196)**، فكلمة “كاملة” لا لزوم لها؛ لأنها في زعمهم توضيح ما لا يحتاج إلى توضيح.

وجوه إبطال الشبهة:

من البلاغة في أساليب اللغة العربية إيثار الإيجاز، والبعد عن الحشو الذي لا يفيد؛ ولذلك كان الإطناب بلا فائدة ترجى أمرا غير مستحب، كما كان الحشو لغوا ممقوتا، وقد زعم بعض المتوهمين أن قوله عز وجل: )فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة(، فيه حشو باستخدام كلمة “كاملة”، حيث جاءت لتوضيح شيء لا يحتاج إلى توضيح، والصواب في زعمهم أن لا يؤتى بالوصف “كاملة” بعد كلمة “عشرة” التي تم بها المعنى.

وهذا زعم باطل من وجوه:

1)  أن العدد “عشرة” من الأعداد التي يجوز وصفها بالكمال، فهو ليس بمركب ولا مكسور[1].

2) أن المراد بكلمة “كاملة” التأكيد على عدم إفادة التخيير بين “ثلاثة” و “سبعة” بل إفادة مجموعهما معا وهو “عشرة كاملة” [2].

3)  قيل: معنى “كاملة”: الأمر بإكمالها وإتمامها، فهي خبر في معنى الأمر[3].

4) وقيل: المراد من “كاملة”: الدلالة على كمال هذه العبادة، وأنها لن تنقص بترك الهدي والاستعاضة عنه بالصيام[4].

5)  وقيل: “كاملة” ذكرت على وجه التوكيد، والتوكيد أسلوب عربي يفيد تقرير الحكم في الذهن مرتين[5].

التفصيل:

أولا. إن العدد “عشرة” من الأعداد الموصوفة بالكمال، فمراتب الأعداد أربعة: آحاد، وعشرات، ومئات، وألوف، وما وراء ذلك فإما أن يكون مركبا أو مكسورا.

وكون “العشرة” عددا موصوفا بالكمال أمر يحتاج إلى التوضيح، الذي مفاده أن العدد “عشرة” من الأعداد الكاملة، التي تخلو من الكسر والتركيب. ومن ثم فإن إضافة “كاملة” في السياق ليست إضافة لا لزوم لها كما يدعى؛ بل تزيد في موضعها المعنى توكيدا.

ثانيا. إن المراد بكلمة “كاملة” التأكيد على عدم إفادة التخيير؛ فمعروف أن “ثلاثة” و “سبعة” تساوي “عشرة”؛ وذلك حتى لا يظن الناس أن المقصود: إما صوم ثلاثة أيام، وإما سبعة أيام، لذلك قال: “عشرة كاملة” حتى لا يلتبس الفهم[6]فأزال احتمال التخيير؛ لأن الواو قد تقوم مقام أو، ومنه )فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع( (النساء: ٣).

وقال الزمخشري: “الواو قد تجيء للإباحة في قولك: “جالس الحسن وابن سيرين”، ألا ترى أنه لو جالسهما معا، أو أحدهما كان ممتثلا، فجمع نفيا لتوهم الإباحة”[7].

قال الزجاج: لما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج، أو سبعة إذا رجع بدلا منها؛ لأنه لم يقل وسبعة أخرى – أزيل ذلك بالجملة من قوله “تلك عشرة” ثم قال “كاملة”؛ [8] لئلا يتوهم أن السبعة تتضمن الثلاثة، مثل قوله تعالى: )وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (10)( (فصلت)، أي: مع اليومين اللذين بعدها في قوله: )خلق الأرض في يومين( (فصلت: ٩)[9].

ومن هنا يتبين أن “كاملة” أفادت تأكيدا على كون العدد المراد هو مجموع العددين “ثلاثة” و “سبعة”، وهو “عشرة”؛ ومن ثم فقد أفادت معنى جديدا، وأزالت شبهة إفراد أحدهما عن الآخر.

ثالثا. قيل في معنى “كاملة”: إن المقصود الأمر بإكمالها وإتمامها، فاللفظ وإن كان خبرا، فإن المعنى أمر. والتقدير: فليكن صيام تلك الأيام في مجموعها كاملة؛ لأن الحج المأمور به الحج التام على ما قال عز وجل: )وأتموا الحج والعمرة(. وهذا جبر للخلل الواقع في ذلك الحج، فليكن هذا الصوم صياما كاملا؛ حتى يكون جابرا للخلل الواقع في ذلك الحج، الذي يجب أن يكون تاما كاملا[10]، ومن ثم فإن وجود “كاملة” في الجملة له غرض مستقل هو الأمر بإكمالها، مما ينفي تماما وجود كلمة غير مرادة في القرآن.

رابعا. قيل: “كاملة” وردت للدلالة على كمال هذه العبادة؛ حيث إن الله تعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة بعد الرجوع، فليس فيه بيان أنه طاعة عظيمة كاملة، فلما قال بعده: )تلك عشرة كاملة(، دل ذلك على أن هذه الطاعة في غاية الكمال، فلما أوجب الله صيام هذه الأيام العشرة، شهد سبحانه على أنها عبادة كاملة في غاية الكمال، فقال تعالى: )تلك عشرة كاملة(؛ أي: وإنها كاملة[11].

فذكر “كاملة” يزيل اللبس في الفهم، فلا يظن فاقد الهدي[12] المتحمل لكلفة الصوم أن صيامه أقل شأنا من الهدي، وليطمئن أن حجه كمل، ولا ينقص ذلك من أجره شيئا. [13]قيل: إنها”كاملة” في الثواب كمن أهدى. وقيل أيضا: “كاملة” في البدل عن الهدي. وقيل “كاملة” في الثواب كمن لم يتمتع[14].

ونخلص مما سبق أن كلمة “كاملة” في الآية الكريمة لم تأت زيادة أو حشوا؛ إنما جاءت لتضيف معنى جديدا هو كمال العبادة، وكمال الثواب الحاصل منها، والأجر الراجع على صاحبها.

خامسا. قيل: إن قوله تعالى: )تلك عشرة كاملة( جاءت فيه “كاملة”على وجه التأكيد بشكل مطلق.

حيث إن الحاجة إليها شديدة لإبراز معنى التمام في العدد، والتأكيد عليه وعلى أهمية مراعاته وعدم الانتقاص منه، ومن ثم لا نستطيع القول بأنها لا لزوم لها.

وقال ابن عرفة: مذهب العرب إذا ذكروا عددين أن يجملوهما. وقال الزمخشري: فائدة الفذلكة[15] في كل حساب: أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا؛ ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم، وقد قالت العرب: علمان خير من علم.

الأسرار البلاغية في الآية الكريمة:

قوله تعالى: )كاملة( قيل: بمعنى الأمر بإكمالها وإتمامها، فورد الكلام بصيغة الأسلوب الخبري، والمراد منه الأسلوب الإنشائي، والتقدير: فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة؛ لأن الحج المأمور به تام على ما قال )وأتموا الحج والعمرة لله(، وهذه الصيامات جبر للخلل الواقع في ذلك الحج.

وقيل: جاءت كلمة “كاملة” للتوكيد، والتوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب؛ كقوله عز وجل: )ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46)( (الحج)، وقوله عز وجل: )ولا طائر يطير بجناحيه( (الأنعام: ٣٨).

والفائدة فيه: أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة، ويعرف بالصفات الكثيرة، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة، فالتعبير بالعبارات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملا على مصالح كثيرة، ولا يجوز الإخلال بها.

وجاء ذكر “كاملة” في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها.

(*) عصمة القرآن وجهالات المبشرين، إبراهيم عوض، مكتبة زهراء الشرق، مصر، 2004م.

[1]. انظر: التفسير الكبير المعروف بـ “مفاتيح الغيب”، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية،بيروت، د. ت، عند تفسير الآية.

[2]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1991م، ج2، ص842.

[3]. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400هـ/ 1980م، ج1، ص234.

[4]. انظر: لباب النقول، السيوطي، دار إحياء التراث، بيروت، د. ت، عند تفسير الآية.

[5]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج2، ج2، ص228.

[6]. مغني اللبيب، ابن هشام، دار الفكر، بيروت، ط6، 1985م، ص468.

[7]. الكشاف، الزمخشري، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، د. ت، ج1، ص34.

[8]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج2، ص402.

[9]. البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطابع النصر الحديثة، الرياض، 1954م، عند تفسير هذه الآية.

[10]. التفسير الكبير المعروف بـ “مفاتيح الغيب”، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية،بيروت، د. ت ، عند تفسير الآية.

[11]. لباب النقول، أبو الفضل السيوطي، دار إحياء التراث، بيروت، د. ت، عند تفسير الآية.

[12]. الهدي: ما يهدى إلى الحرم من النعم.

[13]. التفسير الكبير المعروف بـ “مفاتيح الغيب”، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية،بيروت، د. ت ، عند تفسير الآية.

[14]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج2، ص402، 403.

[15]. الفذلكة: الجمع، مأخوذة من: فذلك كذا وكذا، فأضيفت لهذا القول صيغة نحت مثل: بسمل إذا قال: بسم الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فحروف “فذلكة” مجتمعة من حروف “فذلك كذا وكذا”.

المصدر

الزعم أن القرآن الكريم به ألفاظ لا تعرفها لغة العرب

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن القرآن الكريم أتى بألفاظ لا تعرفها العرب، وذلك في قوله عز وجل: )سنسمه على الخرطوم (16)( (القلم)؛ حيث يقولون: إنه لم يرد أي ذكر – ولو على سبيل الفكاهة – على أن أنف الإنسان كان يسمى “الخرطوم” عند العرب**.

وجه إبطال الشبهة:

نزل القرآن الكريم بلغة العرب؛ ليفهمه أهل هذه اللغة على اختلاف لهجاتهم، وقد قال سبحانه وتعالى: )إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2)( (يوسف) (يوسف).

ويدعي بعض المشككين أن القرآن الكريم يأتي بألفاظ كثيرة لم ترد في لغة العرب؛ مثل: كلمة “الخرطوم” في قوله سبحانه وتعالى: )سنسمه على الخرطوم (16)( (القلم)، ويزعمون أن العرب لم تطلق كلمة “الخرطوم” على أنف الإنسان، حتى ولو كان ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء، وهذا يدل في زعمهم على أن القرآن يستخدم ألفاظا لم يعرفها العرب.

ويرد على هذا الزعم ببيان هذه الحقيقة: لقد عرف العرب كلمة “الخرطوم”، وأطلقوها على كل أنف مستطيل كأنف الفيل والخنزير، ونحوهما، وإطلاقه على أنف الإنسان في هذه الآية استعارة؛ للاستخفاف، والاستهانة بهذا المشرك، وللدلالة على أنه لا يستحق أن يوصف بالصفات الإنسانية.

التفصيل:

قبل الحديث عن معرفة العرب لكلمة “الخرطوم” واستعمالهم لها، لا بد أن نوضح حقيقة هامة، ألا وهي: أن القرآن الكريم قد نزل على النبي – صلى الله عليه وسلم – بلسان عربي مبين؛ ليفهمه العرب؛ لهذا نجد كثيرا من آيات القرآن الكريم تبين أن الله قد يسره للذكر، ولا يمكن أن يكون ميسرا للذكر إلا إذا كانت ألفاظه معروفة وشائعة بين العرب؛ يقول سبحانه وتعالى: )قرآنا عربيا غير ذي عوج( (الزمر: ٢٨) [1]، ويقول: )فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون(58)( (الدخان) [2].

وتصديقا لهذا فإن المتأمل لكلمة “الخرطوم” في قوله: )سنسمه على الخرطوم (16)( (القلم) يجد أنها كلمة عربية قد عرفها العرب، وأطلقوها على كل أنف مستطيل[3]، كأنف الفيل والخنزير ونحوهما، أما إطلاقه في هذه الآية الكريمة على أنف الإنسان؛ فهو من باب الاستعارة، وقد كانت العرب تتهاجى بنبذ الخصوم بصفات الحيوان كإطلاق المشفر – وهو شفة البعير – على شفة الإنسان؛ كما في قول الفرزدق:

فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي

ولكن زنجىا غليظ المشافر

وكإطلاق الجحفلة على شفة الإنسان، وهي للخيل، والبغال، والحمير[4] في قول النابغة يهجو لبيد بن ربيعة:

ألا من مبلغ عني لبيدا

أبا الورداء جحفلة الأتان

وهذه الاستعارة في الآية الكريمة من باب الاستخفاف والاستهانة بهذا المشرك – الوليد بن المغيرة – الذي سبق وصفه في الآيات السابقة علـى هـذه الآيـة بتسـع خصــال ذميمـة، لا نعلــم – كما يقول القرطبي – أن الله بلغ من ذكرعيوب أحد ما بلغه منه، فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة، وهذه الخصال الذميمة هي: “حلاف، مهين، هماز، مشاء بنميم، مناع للخير، معتد، أثيم، عتل، زنيم”.

فأراد الله بعد ذكر مساوئه تلك، والتي تدل على أنه ليس إنسانا مستحقا للتفضيل والتكريم؛ لأن هذه الصفات تنافي الإنسانية، أراد سبحانه – عز وجل – بهذا الوصف “الخرطوم” الـذي يجمـع بيـن التشويـه والإهانــة أن يبيـن لنـا أن هـذا المشــرك – وقد جمع كل تلك الصفات الخلقية الذميمة التي تنافي الإنسانية – لا يستحق أن يوصف بدنه بصفات الإنسان، فلم يقل: “أنفه”، بل جاء بلفظ يدل على وصفه بالحيوانية، فمثله مثل الكلب، أو الخنزير، بل هو أدنى وأحط، وإمعانا في إذلاله وتحقيره توعده الله أن يجعل على خرطومه علامة تميزه في الدنيا، وتشير إلى ما تورط فيه من جرم ومنقصة، وقد حدث بعد نزول هذه الآية بسنين، في موقعة بدر، حيث عثر على الوليد بن المغيرة، وقد خطم خرطومه بالسيف، وسوف يبعث يوم القيامة وهذه العلامة على خرطومه إهانة له في الدنيا والآخرة[5].

إذن فإطلاق لفظ “الخرطوم” على أنف الإنسان في هذه الآية الكريمة من باب الاستعارة؛ – وهي من أساليب العرب في الكلام – ومن ثم فلا مجال لأحد أن يزعم أن هذه اللفظة لم يعرفها العرب؛ لأن في هذا الزعم تجنيا واضحا على الحقيقة، وعلى لغة القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الأسرار البلاغية في الآية الكريمة:

إن المتأمل في قوله تعالى: )سنسمه على الخرطوم( يجد أن هذه الآية تحتوي على ثلاث كلمات فحسب، وعلى الرغم من هذا فقد حوت الكثير من الملامح البلاغية، وكذلك أشارت إلى شيء من وجوه إعجاز القرآن، ومنها:

في قوله سبحانه وتعالى: )سنسمه على الخرطوم( مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن اللفظ المذكور جزء من المعنى، فالخرطوم معناه: الأنف، وأراد به الوجه، فعبر بالجزء وهو الخرطوم، وأراد به الكل وهو الوجه[6].

إن موقع هذه الآية بالنسبة للآيات التي سبقتها – الآيات التي تتحدث عن الصفات الذميمة للوليد بن المغيرة – بمثابة استئناف بياني؛ جوابا لسؤال ينشأ عن الصفات الذميمة التي وصف بها، فيسأل السامع: ما جزاء أصحاب هذه الأوصاف من الله على ما أتوه من القبائح، والاجتراء على ربهم؟ وفي هذا تحريك لذهن السامع ولفت لانتباهه.

أما قوله: سنسمه، فمعروف أن الوسم يكون للإبل ونحوها، بجعل سمة لها أنها من مملوكات القبيلة، أو المالك المعين، وهذا كناية عن تحقيره، فالمعنى: سنعامله معاملة يعرف بها أنه عبدنا، وأنه لا يغني ماله وولده عنه شيئا، وهذا يظهر تمكن الله منه وإظهار عجزه.

أما وصف الأنف بالخرطوم، فكما سبق أن قلنا، هو استعارة للدلالة على غاية الإذلال والإهانة؛ إذ إنه صار كالبهيمة لا يملك الدفع عن وسمه في الأنف، وإذا كان الوسم في الوجه شينا، فكيف به على أكرم عضو فيه؟

فالوسم يقتضي التمكن، وكونه في الوجه يعتبر إذلالا ومهانة، وكونه على الأنف أشد إذلالا، والتعبير عن الأنف بالخرطوم فيه جمع بين التشويه والإهانة، والضرب والوسم ونحوهما على الأنف كناية عن قوة التمكن وتمام الغلبة وعجز صاحب الأنف عن المقاومة[7].

والملاحظ في هذه الآية الكريمة أن الله عبر عن هذا الوعيد بصيغة تدل على الاستقبال “سنسمه”، وفي هذا إعجاز غيبي للقرآن الكريم؛ حيث إنه أخبر بشيء لم يحدث بعد، وقد حدث بالفعل بعد هذا الإخبار في غزوة بدر، حيث خطم أنفه بالسيف كعلامة مميزة له، ويزداد إعجابنا بهذا الإعجاز الغيبي، إذا علمنا أن هذا الإعجاز الغيبي الذي ينبئ عن أمر في المستقبل قد سبق بإعجاز غيبي آخر، ولكن في الزمن المنصرم، وهو وصف هذا المشرك بصفة زنيم وهو: ولد الزنى، ولم يكن أهل مكة أو غيرهم يعرفون أن الوليد بن المغيرة كان ولد زنا حتى أخبر القرآن بهذا، وقد ذهب هو بنفسه إلى أمه، وما زال يهددها حتى اعترفت له بذلك.

هذه بعض من الأسرار البلاغية في هذه الآية الكريمة، والتي تدل بما لايدع مجالا للشك على إعجاز هذا الكتاب الحكيم، سواء الإعجاز في جمله وتراكيبه، أم الإعجاز في مفرادته، بما يوصد الباب أمام كل متصيد للأخطاء؛ لأن هذا الكتاب منزه عن الخطأ؛ فهو كلام رب العالمين.

(*) الرد على كتاب “أخطاء إلهية في القرآن الكريم”، مجمع البحوث الإسلامية، دار السعادة للطباعة، مصر، 2003م.

[1]. فقول الله سبحانه وتعالى: ) قرآنا عربيا غير ذي عوج ( أي: حال كونه قرآنا عربيا لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه، ولا تعارض ولا تناقض.

[2]. وقول الله سبحانه وتعالى: ) فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ( أي: يا محمد، فإنما سهلنا القرآن بلغتك ـ وهو لسان العرب ـ لعلهم يتعظون وينزجرون (صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، المطبعة العربية الحديثة، مصر، ج3، ص1241، 1342).

[3]. القاموس المحيط، الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1407 هـ/ 1987م، مادة: خرطم.

[4]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج14، ج29، ص77.

[5]. الرد على كتاب “أخطاء إلهية في القرآن الكريم”، مجمع البحوث الإسلامية، دار السعادة للطباعة، مصر، 2003م، ص126 بتصرف.

[6]. القرآن والصور البيانية، عبد القادر حسين، دار المنار، القاهرة، ط1، 1412هـ/ 1991م، ص173.

[7]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج14، ج29، ص76: 78 بتصرف.

المصدر

الزعم أن القرآن لا يراعي الفوارق الزمنية بين الأنبياء والرسل

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن الكريم لا يراعي الفوارق الزمنية بين الأنبياء، ويستدلون على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: )ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84)( (الأنعام)، فأيوب بن أموص بن أسباط عيص بن إسحاق، ويتساءلون: أين أيوب من عصر إبراهيم وإسحاق والد إسرائيل – عليهم السلام – في أرض فلسطين؟ وأين أموص والد النبي أشعياء من أيوب؟

وجوه إبطال الشبهة:

1)     القرآن الكريم كتاب هداية، وليس كتاب تاريخ، فهو يركز على مواطن العبرة ليؤدي رسالته.

2)     كلام المفسرين والمؤرخين ليس حجة؛ لأنه كلام بشر، وكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم.

3)  الترتيب لا يكون في كل الأحوال ترتيبا زمنيا فقط، فإذا دعت دواعي العبرة نظم بين بعض الوقائع المتفرقة والأسماء التي عاشت على مراحل متباعدة في سلك واحد، فإن هذا يحقق الهدف القرآني.

التفصيل:

أولا. القرآن الكريم كتاب هداية، وليس كتاب تاريخ:

فلا ينتظر منه أن يسرد تاريخا ووقائع متتابعة، فهو يركز على مواطن العبرة ليؤدي رسالته، وهي هداية الناس؛ ولذلك حينما يلقي القرآن الضوء على الأنبياء، فإنه لا يلزم أن يذكرهم في تسلسل زمني، بقدر ما يلزم أن يصل إلى هدفه، وهو هداية الناس: )إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9)( (الإسراء). وبناء على ذلك فإذا دعت دواعي العبرة نظم بعض الوقائع المتفرقة، والأسماء التي عاشت على فترات متباعدة في سلك واحد فإن هذا يحقق الهدف القرآني.

ثانيا. كلام المفسرين والمؤرخين ليس حجة؛ لأنه كلام بشر، وكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم:

كيف يذكر القرآن الأنبياء والرسل مرتبين ترتيبا زمنيا وتاريخيا، وبعثتهم كانت متفرقة الزمان والمكان؟! فكان لكل نبي زمان معين، ومكان معين حسب مقتضى كل زمان ومكان وما يحتاجه، فالله – عز وجل – لم يبعثهم عبثا، بل كان لكل نبي زمان، ولكل نبي مكان ابتعثه الله إلى أهل هذا المكان، فكيف يغفل القوم عن هذه النقطة ويطالبون القرآن بأن يذكرهم مراعيا الفوارق الزمنية أو المكانية؟!

ولذلك فإن كلام البيضاوي لا يكون حجة على القرآن، وكذلك فإن القرآن حينما ذكر أيوب في جملة هؤلاء الأنبياء، لم يكن ذكره من أجل الإشارة إلى الناحية التاريخية أو الزمنية، بقدر ما كان يفيد المقصد والهدف القرآني من خلال ذكر هؤلاء الأنبياء، لبيان فضلهم للناس، وشرف أصلهم كما ورد في تفسير قوله تعالى: )ومن ذريته( أنه حال. وفائدة الحال التنويه بهؤلاء المعدودين بشرف أصلهم وبأصل فضلهم، والتنويه بإبراهيم أو بنوح بفضائل ذريته، والضمير المضاف إليه عائد إلى نوح لا إلى إبراهيم؛ لأن نوحا أقرب مذكور[1]. وفي هذا إشارة إلى أن القرآن الكريم كان يقصد ذكرهم من جملة من شرفهم؛ لأنه لما ذكر سبحانه إنعامه على خليله من جهة الفرع، ثنى بذكر إنعامه عليه من جهة الأصل، فإن شرف الوالد سار إلى الولد[2]. ولا يلزم ذلك أن ذكرهم مرتبين ترتيبا زمنيا وتاريخيا، بل يذكر ما يفيد المقام.

ثالثا. الله – عز وجل – لم يبعث الأنبياء عبثا، بل كان لكل نبي زمان ومكان، فكيف يغفل القوم عن هذه النقطة ليطالبوا القرآن بأن يذكرهم بدون فوارق زمنية أو مكانية؟!

العطف في الآية موطن الشاهد عند المتوهمين بالواو، وهي لا تفيد الترتيب، كما أن الترتيب لا يكون في كل الأحوال ترتيبا زمنيا فقط، ولكنه قد يكون ترتيبا في الفضل، وقد يكون ترتيبا في الخصائص، والمزايا التي أكرم الله بها أنبياءه ورسله، وقد لمس هذا المعنى الإمام الرازي في تفسيره فقال: عندي فيه وجه من وجوه الترتيب؛ وذلك لأنه – عز وجل – خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل.

فأول المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق: الملك، والسلطان، والقدرة، والله – عز وجل – قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيبا عظيما.

المرتبة الثانية: البلاء الشديد والمحنة العظيمة، وقد خص الله أيوب بهذه المرتبة والخاصية.

المرتبة الثالثة: من كان مستجمعا لهاتين الحالتين، وهو يوسف – عليه السلام – فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر.

المرتبة الرابعة: من فضائل الأنبياء – عليهم السلام – وخواصهم قوة المعجزات وكثرة البراهين، والمهابة العظيمة… وتخصيص الله – عز وجل – إياهم بالتقريب العظيم، والتكريم التام، وذلك كان في حق موسى وهارون عليهما السلام.

المرتبة الخامسة: الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا، وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس – عليهما السلام -، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين.

المرتبة السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع وأشياع، وهم: إسماعيل واليسع ويونس ولوط عليهم السلام.

فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء – عليهم السلام – بحسب هذا الوجه الذي شرحناه[3].

الخلاصة:

إن ما جاء في القرآن الكريم من قصص ووقائع حق لا ريب فيه، ومطابقة أخبار القرآن الكريم للواقع – أيا كان هذا الواقع – ماضيا أو مستقبلا حق لاريب فيه، ولقد توصل العقلاء والعلماء عن طريق مناهج البحث العلمي الصحيحة إلى أن ما جاء في القرآن الكريم من تاريخ وأخبار؛ مطابق للواقع وذلك خير دليل على صدقه.

إن القرآن الكريم كتاب هداية وليس كتاب تاريخ، وبناء على ذلك، فإذا دعت دواعي العبرة نظم بعض الوقائع المتفرقة والأسماء التي عاشت في فترات متباعدة في سلك واحد، فإن هذا يحقق الهدف القرآني.

(*) موقع المعرفة.

[1]. التفسير الوسيط، د. سيد طنطاوي، مطبعة الرسالة، القاهرة، ط4، 1408 هـ/ 1987م، ج5، ص163.

[2]. روح المعاني، الألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت، عند تفسير الآية.

[3]. انظر: مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، دار الفكر، بيروت، 1993م، عند تفسير الآية.

المصدر

الزعم أن القرآن خالف التوراة في عدد ألواح موسى عليه السلام

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتوهمين أن القرآن خالف التوراة في ألواح موسى – عليه السلام – فيقولون: إن موسى – عليه السلام – كتب الشريعة على لوحين لا على ألواح، وعلى اللوحين كتب الوصايا العشر فقط وليس تفصيلا لكل شيء، وهذا يتناقض مع قوله سبحانه وتعالى: )وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145)( (الأعراف).

وجها إبطال الشبهة:

1) لفظ “الألواح” يستعمل في اللغة العربية للدلالة على الاثنين فأكثر من باب أن أقل الجمع اثنان، ومن ثم اختلف المفسرون في عدد هذه الألواح وهيئتها.

2) نصوص التوراة – المحرفة – التي بين أيدينا الآن تثبت أن الأحكام والشرائع والوصايا التي تلقاها موسى – عليه السلام – من ربه، كتبت على أكثر من لوحين، فضلا عن أنها أشارت إلى كل شيء في شريعة موسى – عليه السلام – جملة، وما يحتاج لتفصيل فصلته.

التفصيل:

أولا. تستخدم لفظة الألواح في اللغة العربية للدلالة على الاثنين فأكثر من باب أن أقل الجمع اثنان، ومن ثم اختلف المفسرون في عددها وهيئتها:

الألواح جمع لوح، وهو قطعة مربعة من الخشب، وتسمية الألواح التي أعطاها الله موسى ألواحا من بابا المجاز؛ لأن الألواح التي أعطيها موسى – عليه السلام – كانت من الحجارة، كما في التوراة: “قال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل، وكن هناك، فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم”. (الخروج 24: 12)، فتسميتها بالألواح، لأنها على صورة الألواح، والذي بالإصحاح الرابع والثلاثين أن اللوحين كتبت فيهما الوصايا العشر التي ابتدأت بها شريعة موسى، وكانا لوحين، كما في التوراة، أما إطلاق الجمع عليها في سورة الأعراف فهو: إما من باب إطلاق صيغة الجمع على المثنى؛ بناء على أن أقل الجمع اثنان، وإما لأنهما كانا مكتوبين على كلا وجهيهما، كما يقصه سفر الخروج: “لوحان مكتوبان على جانبيهما من هنا ومن هنا كانا مكتوبين”. (الخروج 32: 15)، فكانا بمنزلة أربعة ألواح، وأسندت الكتابة إلى الله تعالى؛ لأنها كانت مكتوبة نقشا في الحجر من غير فعل إنسان، بل بمحض قدرة الله تعالى كما يفهم من سفر الخروج: “واللوحان هما صنعة الله، والكتابة كتابة الله منقوشة على اللوحين”. (الخروج 32: 16) ([1]).

وللمفسرين آراء في عدد وهيئة هذه الألواح، قال بعضهم: إنها كانت عشرة ألواح. وقيل: سبعة، وقيل: تسعة وإنها كانت من زمرد([2]) جاء بها جبريلعليه السلام، وقيل: من زبرجدة خضراء وياقوته حمراء، وقال الحسن: كانت من خشب نزلت من السماء، وقال وهب: كانت من صخرة صماء لينها الله لموسىعليه السلام، وأما كيفية الكتابة، فقال ابن جريج: كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور. ذكر ابن كثير: “وكانت الألواح من جوهر نفيس ففي الصحيح: أن الله كتب له التوراة بيده وفيها مواعظ من الآثام وتفصيل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام، وأمره أن يأخذها بعزم ونية صادقة وقوية، وأن يأمر قومه أن يضعوها على أحسن وجوهها وأجمل محاملها والخارج عنها له عاقبة سيئة قال سبحانه وتعالى: )وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145)( (الأعراف) ([3]).

ثانيا. نصوص التوراة التي بين أيدينا تثبت أن الشرائع والوصايا التي تلقاها موسى من ربه كتبت على أكثر من لوح وكانت متضمنة لكل شيء يخص رسالة موسى عليه السلام:

يذكر الشيخ الطاهر ابن عاشور أن ما كتب لموسى – عليه السلام – في الألواح هو أصول وكليات هامة للشريعة التي أوحى الله بها إلى موسى – عليه السلام – ومن ذلك خطاب الله لموسى – عليه السلام – قائلا: “أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، وأصنع إحسانا إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي، لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا، لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلا، اذكر يوم السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك، لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك، لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع؛ لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه. أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور. لا تشته بيت قريبك”. (الخروج 20: 3 – 17).

واشتهرت عند بني إسرائيل بالوصايا العشر، وبالكلمات العشر أي الجمل العشر، وقد فصلت في الإصحاح العشرين إلى نهاية الحادي والثلاثين من سفر الخروج، ومن جملتها الوصايا العشر التي كلم الله بها موسى في جبل سيناء، وجاء في الإصحاح الرابع والثلاثين أن الألواح لم تكتب فيها إلا الكلمات العشر التي بالفقرات السبع عشرة منه([4]).

يتضح لنا مما سبق أن التوراة تنص في الإصحاح الرابع والثلاثين على أنه لم يكتب في الألواح سوى الوصايا العشر، بيد أننا ونحن نتصفح كتابهم اتضحت لنا عدة أمور منها:

الأمر الأول: في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج جاء ما نصه: “وقال الرب لموسى اصعد إلى الجبل، وكن هناك. فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم”. (الخروج 24: 13)، أخبرني بربك أيها العاقل، ماذا تفهم من صريح هذا الكلام، ألست تفهم معي – ويشاركنا فيه كل العقلاء المنصفين – أن موسى – عليه السلام – تلقى من ربه ألواحا مكونة من:

لوحين للعهد “لوحي الحجارة” للعمل بالتوراة.

عدة ألواح مكتوب عليها كل أحكام التوراة.

إن المنطق والعقل يقضيان بأن أحكام التوارة – الشريعة والوصية – لا يمكن كتابتهما على لوح أو لوحين، بل عدة ألواح، يؤيد ذلك قول التوراة: “فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام، فأجاب جميع الشعب بصوت واحد وقالوا: كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل”. (الخروج 24: 3).

الأمر الثاني: أن الله – سبحانه وتعالى – أخبر موسى – عليه السلام – بعبادة قومه للعجل، فنزل موسى – عليه السلام – من الجبل وكسر لوحي العهد: “فقال الرب لموسى: “اذهب انزل؛ لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر، زاغوا سريعا عن الطريق الذي أوصيتهم به، صنعوا لهم عجلا مسبوكا، وسجدوا له وذبحوا له وقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر” وقال الرب لموسى: “رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة، فالآن اتركني ليحمى غضبي عليهم وأفنيهم، فأصيرك شعبا عظيما” فتضرع موسى أمام الرب إلهه، وقال: “لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك الذي أخرجته من أرض مصر بقوة عظيمة ويد شديدة؟ لماذا يتكلم المصريون قائلين: أخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال، ويفنيهم عن وجه الأرض؟ ارجع عن حمو غضبك، واندم على الشر بشعبك، اذكر إبراهيم وإسحاق وإسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك وقلت لهم: أكثر نسلكم كنجوم السماء، وأعطى نسلكم كل هذه الأرض التي تكلمت عنها فيملكونها إلى الأبد” فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه، فانصرف موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده: لوحان مكتوبان على جانبيهما من هنا ومن هنا كانا مكتوبين واللوحان هما صنعة الله، والكتابة كتابة الله منقوشة على اللوحي وسمع يشوع صوت الشعب في هتافه فقال لموسى: “صوت قتال في المحلة”. فقال: “ليس صوت صياح النصرة ولا صوت صياح الكسرة، بل صوت غناء أنا سامع” وكان عندما اقترب إلى المحلة أنه أبصر العجل والرقص، فحمي غضب موسى، وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل”. (الخروج 32: 7 – 19).

ويتبين لنا من النص السابق أن الألواح لم تكن كما يدعي هؤلاء لوحين فقط، بل أربعة.

الأمر الثالث: أن الله أمر موسى – عليه السلام – بإنشاء لوحين جديدين: “ثم قال الرب لموسى: انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين، فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما”. (الخروج 34: 1).

وجاء في سفر التثنية أن موسى كسر لوحين كان عليهما كل أحكام الشريعة: “وأعطاني الرب لوحي الحجر المكتوبين بأصبع الله، وعليهما مثل جميع الكلمات التي كلمكم بها الرب في الجبل من وسط النار في يوم الاجتماع”. (التثنية 9: 10).

ومن خلال النصين نستنتج أن لوحي العهد لا يمكن أن يحملا كل أحكام الشريعة التي نزلت يوم الاجتماع، بل المناسب لها ألواح بالجمع ومنها لوحي العهد.

وتأسيسا على ما سبق فإنه من السخف والجهل القول بأن شريعة موسى – عليه السلام – اقتصرت كتابتها على لوحين فقط، وليس هذا حكما خاليا من الأدلة، بل الأدلة من كلام القوم وبلسان القوم.

يبقى بعد ذلك شيء أخير وهو ادعاء القوم أن ما كتب هو الوصايا العشر فقط – وقد ألمحنا لذلك في الوجه الأول – وباقي الأحكام والشرائع لم تكتب، وفي سبيل توضيح هذا الأمر والرد عليه نقول: من خلال قراءة النصوص السابقة التي أوردناها في الوجه الثاني يتضح أن الألواح كتب فيها كل شيء من أحكام الشريعة.

ومن ثم فلا مجال للحكم بخطأ القرآن حين قال: )وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء( (الأعراف: 145)، ويعلق صاحب “المنار” على هذه الآية قائلا: أي إننا أعطيناه ألواحا كتبنا له فيها من كل نوع من أنواع الهداية موعظة من شأنها أن تؤثر في القلوب ترغيبا وترهيبا وتفصيلا لكل نوع من أصول التشريع، وهي أصول العقائد والآداب وأحكام الحلال والحرام، وتفصيلها، ذكرها معدودة مفصولا بعضها عن بعض([5]).

غير أن صاحب “التحرير والتنوير” يلفت النظر إلي شيء جميل ولمحة رائعة عند تفسيره لهذه الآية، فيذكر أن التفصيل هنا التبيين للمجملات، ولعل الموعظة هي الكلمات العشر، والتفصيل ما ذكر بعدها من الأحكام في الإصحاحات([6]).

بناء على ما سبق نستطيع القول بأن القرآن الحكيم جاء صادقا في حديثه عن ألواح موسى – عليه السلام – وما سجل عليها، غير أن الخلط في عقول هؤلاء وفي كتاباتهم جعلهم يتصورون الخطأ فيه، تعالى الله أن يكون في كلامه خلط أو خطأ.

الخلاصة:

لفظ الألواح يستعمل في لغة العرب للدلالة على اثنين من باب أن أقل الجمع اثنان؛ ومن ثم فلا خطأ ولا إشكال فيما أورده القرآن عنها، فضلا عن اعتراف التوراة بأن لوحي العهد كانا ذا وجهين. وهذا اعتراف بصحة القرآن.

أشارت نصوص التوراة التي بين أيدينا أن موسى – عليه السلام – تلقى من ربه نوعين من الألواح هما: لوحى العهد، وعدة ألواح كتب عليها أحكام الشريعة والوصية.

كما أشارت التوراة أيضا أن موسى – عليه السلام – كسر لوحين كانا عليهما جميع كلام الرب، وأمره الرب بكتابة لوحين آخرين بدلا منهما وهذا يفسر بأن ما كتب على الألواح ليس فقط كما زعم القوم بما يسمونه بالوصايا العشر، بل كل شيء وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله سبحانه وتعالى: )وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145)( (الأعراف).

(*) موقع الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة www.kjee.net

[1]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج 5، ج9، ص96.

 [2]. الزمرد: حجر كريم أخضر اللون شفاف.

[3]. قصص الأنبياء، ابن كثير، تحقيق: محمد عبد الملك الزغبي، دار المنار، القاهرة، ط1، 1421هـ/ 2001م، ص281.

[4]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج5، ج9، ص97، 98.

[5]. تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، ط2، د. ت، ج9، ص188.

[6]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج5، ج9، ص98.

المصدر

الزعم أن القرآن ينص على أن المسيح ابن الله

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتوهمين أن القرآن الكريم يقرر أن المسيح هو روح الله، وروح الله غير مخلوقة، وإذا كانت روح الله مخلوقة وكلمته مخلوقة، فإن الله كان قبل خلقهن بلا روح ولا عقل، وهذا لا يمكن تصوره، ويستدلون على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: )فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17)( (مريم)، وقوله سبحانه وتعالى: )والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91)( (الأنبياء). مستدلين بذلك على أن عيسى – عليه السلام – ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

وجها إبطال الشبهة:

1) نسب المسيح عند النصارى يقرر بشريته، وأنه ليس ابن الله، ونصوص كتابهم المقدس تثبت ذلك، وقد ذكر القرآن ذلك صراحة.

2) أصل الإشكال عند النصارى في هذه القضية، هو عدم فهمهم وإدراكهم للنص القرآني، أو فهمهم النص القرآني وفق ما يروق لهم، واعتمادهم على منهج الانتقائية في الاستدلال بآيات القرآن الكريم.

التفصيل:

أولا. نسب المسيح عند النصارى يقرر بشرية المسيح، وأنه ليس ابن الله.

إن زعم النصارى أن المسيح ابن الله، في نفس الوقت الذي ينسب فيه الكتاب المقدس عيسى – عليه السلام – إلى يوسف النجار، يدل على فساد هذا القول وعدم صحته؛ حيث ورد في إنجيل لوقا في نسب المسيح: ” ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة، وهو على ما كان يظن ابن يوسف، بن هالي، بن متثات، بن لاوي، بن ملكي، بن ينا، بن يوسف، بن متاثيا، بن عاموص، بن ناحوم، بن حسلي، بن نجاي، بن مآث، بن متاثيا، بن شمعي، بن يوسف، بن يهوذا، بن يوحنا، بن ريسا، بن زربابل، بن شألتيئيل، بن نيري، بن ملكي، بن أدي، بن قصم، بن ألمودام، بن عير، بن يوسي، بن أليعازر، بن يوريم، بن متثات، بن لاوي، بن شمعون، بن يهوذا، بن يوسف، بن يونان، بن ألياقيم، بن مليا، بن مينان، بن متاثا، بن ناثان، بن داود، بن يسى، بن عوبيد، بن بوعز، بن سلمون، بن نحشون، بن عميناداب، بن أرام، بن حصرون، بن فارص، بن يهوذا، بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم، بن تارح، بن ناحور، بن سروج، بن رعو، بن فالج، بن عابر، بن شالح، بن قينان، بن أرفكشاد، بن سام، بن نوح، بن لامك، بن متوشالح، بن أخنوخ، بن يارد، بن مهللئيل، بن قينان، بن أنوش، بن شيت، بن آدم، ابن الله”. (لوقا 3: 23 – 38).

فالمسيح كما هو واضح من النص – على فرض صحته – لم ينسب لله، بل الذي نسب لله هو آدم، ويعني ذلك أن الكتاب المقدس نفسه يضع آدم في مكانة أعلى من المسيح.

ويذكر إنجيل متى نسب المسيح فيقول: “كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم، إبراهيم ولد إسحق… ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح”. (متى 1 – 16). وورد فيه أيضا: “فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع؛ لأنه يخلص شعبه من خطاياهم، وهذا كله كان لكى يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا، فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب، وأخذ امرأته ولم يعرفها، حتى ولدت ابنها البكر، ودعا اسمه يسوع”. (متى 1: 21 – 25).

إذن فآدم – في زعمهم – هو ابن الله، وأما المسيح فهو أحد أبناء آدم كما في كتبهم. وأما نحن – المسلمين – فعقيدتنا واضحة فهو ابن مريم، وهو كلمة الله ألقاها إلى مريم.

ومن الجدير بالذكر أن المسيح – عليه السلام – لم يدع “عمانوئيل” رغم أن هذا الاسم يطلق على من ليسوا بأبناء الله، كما أن النص يقول: إنها ستسميه “يسوع”؛ لكي تتحقق النبوءة القديمة التي تقول: إنه سيسمى “عمانوئيل”، ومن فمهم وبلسانهم أنفسهم يدانون! فقد كان الناس جميعا يقولون بأن أبا عيسى هو يوسف النجار، لا نقول افتراء عليهم ذلك، بل إن أناجيلهم هي التي تقول، ومن ذلك: “وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة”. (يوحنا 1: 45). “ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعي المسيح”. (متى 1: 55). “وكان الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه، ويقولون: أليس هذا ابن يوسف”؟ (لوقا: 4: 22)، وكان عيسى – عليه السلام – يسمع ذلك منهم فلا ينكره عليهم، بل إن لوقا نفسه قال عن مريم ويوسف: إنهما “أبواه” أو “أبوه وأمه”. ونص ذلك: “وعندما دخل بالصبي يسوع أبواه، ليصنعا له حسب عادة الناموس، أخذه على ذراعيه”. (لوقا 2: 27). “وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح. ولما كانت له اثنتا عشرة سنة صعدوا إلى أورشليم كعادة العيد. وبعدما أكملوا الأيام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في أورشليم، ويوسف وأمه لم يعلما. وإذ ظناه بين الرفقة، ذهبا مسيرة يوم، وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف. ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم يطلبانه. وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل، جالسا في وسط المعلمين، يسمعهم ويسألهم. وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته. فلما أبصراه اندهشا. وقالت له أمه:«يا بني، لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين!» فقال لهما:«لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي”؟ (لوقا 2:41 – 49)[1].

نصوص الكتاب المقدس أكبر دليل على أن المسيح ليس ابن الله:

إن الكتاب المقدس لم يقل: إن عيسى – عليه السلام – وحده هو ابن الله، بل لقد أطلقت هذه اللفظة على بشر كثيرين منذ أول الخليقة؛ حيث سمى آدم كما رأينا “ابن الله”. وهذه شواهد على ما نقول، وهي أكبر برهان على أن كل ما يزعمه القوم كلام باطل بأدلة من كتابهم المقدس نفسه، لا من العقل والمنطق فحسب، ناهيك عن أدلة القرآن الكريم:

“وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد لهم بنات، أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا. فقال الرب: «لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد، لزيغانه، هو بشر. وتكون أيامه مئة وعشرين سنة». كان في الأرض طغاة في تلك الأيام. وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا، هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم”. (تكوين 6: 1 – 4)، “قدموا للرب يا أبناء الله، قدموا للرب مجدا وعزا”. (المزامير 29: 1)، “من في السماء يعادل الرب، من يشبه الرب بين أبناء الله”. (المزامير89: 6)، “طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم أبناء الله يدعون”. (متى 5: 9).

فلماذا يخصون عيسى – عليه السلام – وحده بهذه الصفة، فضلا عن أن المسيح قد أخذه الشيطان ليجربه فوق الجبل ويدفعه إلى السجود، وليس من المعقول أن يجرب الشيطان الله، ليرى أيمكن أن يسجد له الله أم لا، كما أنه ليس من المعقول أن يكون رد الله على الشيطان هنا هو “اذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد”. (لوقا 4: 8)، وهو ما يعني بكل جلاء أن عيسى كان ينظر لله على أنه “ربه” ومن الواجب عليه أن يسجد له لا على أنه هو نفسه ولا على أنه “أبوه”، كما أنه – عليه السلام – قد سمى نفسه أيضا: “ابن الإنسان”. (متى 11: 19).

فهذا كتابهم المقدس يدلل على أن المسيح ليس ابن الله، وإلا لكان كل هؤلاء أيضا أبناء الله – تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا – قال سبحانه وتعالى: )لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4)( (الإخلاص)، وهناك دليل آخر من أفواههم، حيث يقول د. شارل جنيبر – الذي نشأ مسيحيا من أب مسيحي، وأم مسيحية في بيئة مسيحية صحيحة – في كتاب “المسيحية: نشأتها وتطورها”: والنتيجة الأكيدة لدراسات الباحثين هي أن عيسى لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه: إنه “ابن الله”، وذلك تعبير لم يكن في الواقع ليمثل بالنسبة إلى اليهود سوى خطأ لغوي فاحش، وضرب من ضروب السفه في الدين، كذلك لا يسمح لنا أي نص من نصوص الأناجيل بإطلاق تعبير “ابن الله” على عيسى، فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين المتأثرين بالثقافة اليونانية، إنها اللغة التي استخدمها القديس بولس منشئ الديانة المزعومة، والذي وقف وراء زعم ألوهية المسيح[2].

إن القرآن الكريم لم يذكر أن عيسى ابن الله، بل إن القرآن بين أنه بشر:

لقد دعا القرآن إلى التوحيد وإلى عبادة الله وحده؛ مما يدل على جهل الكافرين الفاضح بحقيقة الأمور، حيث إنهم تركوا كل هذه الآيات التي تقرر بشرية المسيح، وما هذا إلا لجهلهم واعتمادهم على منهج الانتقائية في الاستدلال بآيات القرآن الكريم.

ومن الآيات التي تبين بشرية المسيح، وتدعو إلى التوحيد قوله – سبحانه وتعالى – في سورة المائدة: )لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75)( (المائدة). وقال سبحانه وتعالى: )وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117)( (المائدة).

وردا على ما يقول النصارى من أن المسيح ابن الله، فقد قال الله سبحانه وتعالى: )وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31)( (التوبة).

فهذا هو القرآن الكريم – الذي تستدلون بكلامه – يدعو إلى التوحيد، بل إنه يصف من يقول: إن المسيح ابن الله بالكفر، ولكن إذا احتاج ضوء النهار إلى دليل فلا يثبت في الأذهان شيء: )فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46)( (الحج)[3].

ثانيا. أصل الإشكال عند النصارى في هذه الآية هو عدم فهمهم وإدراكهم للنص القرآني، واعتمادهم على منهج الانتقائية في الاستدلال بآيات القرآن:

يحاول النصارى الاستدلال بالقرآن الكريم على أن المسيح جزء من الإله، انفصل عن الكل، ولهم أن يعتقدوا من العقائد الباطلة ما يشاءون، أما أن يستدلوا على عقيدتهم الباطلة في أن عيسى ابن الله – تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا – بآيات القرآن الكريم التي تدعو إلى توحيد الله، وتحارب الوثنية بكل وسيلة، فهذا لا سبيل لهم إليه.

حيث إن الإشكال عند النصارى في هذه الآية هو عدم فهمهم، وإدراكهم للنص القرآني، أو فهمهم للنص القرآني وفق ما يروق لهم؛ واعتمادهم على منهج الانتقائية في الاستدلال بآيات القرآن الكريم.

ولو كان هذا الاستدلال بالآية الكريمة: )فنفخنا فيها من روحنا( (الأنبياء: 91) صحيحا، لكان هذا دليلا على بنوة آدم – عليه السلام – لله – سبحانه وتعالى – من باب أولى وليس عيسى وحده، فالله – سبحانه وتعالى – يقول: )فإذا سويته ونفخت فيه من روحي( (الحجر: ٢٩)، تماما مثلما جاء في الحديث عن عيسى وأمه.

بل ليس آدم وعيسى – عليهما السلام – وحدهما فقط يصيران ابني الله – عز وجل – إن صحت الآية دليلا، بل كل أبناء آدم يصبحون أبناء الله – سبحانه وتعالى – فالله – عز وجل – يقول عن النوع الإنساني كله: )الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9)( (السجدة).

وأما استدلالهم هذا فغير صحيح، بل هو استدلال فاسد، فلو أننا تأملنا القرآن الكريم حيث يقول عن آدم: )ونفخت فيه من روحي( مثلما يقول عن مريم: )فنفخنا فيها من روحنا( لوجدنا أن النفخ حسبما يقول، لم يتم في آدم وعيسى، بل في آدم ومريم.

إن الذي يترتب على ذلك أن يكون الخارج من آدم ومريم متشابها، أي: إن البشر جميعا، وهم الذين خرجوا من صلب آدم، يشبهون عيسى الذي خرج من رحم مريم، وعلى هذا فإما أن نقول: إن الطرفين جميعا – البشر من ناحية، وعيسى من الناحية الأخرى – آلهة إذا قلنا إن “الروح” تعني “الألوهية”، أو أن نقول: إنهم جميعا بشر على أساس أن “الروح” تعني “الحياة، والوعي، والإرادة، وما إلى ذلك”، وعلى النصارى والزاعمين أن عيسى ابن الله أن يختاروا الطريق للتمييز بين عيسى – عليه السلام – وأبناء آدم، وليعلموا أن الطريق أمامهم مسدود، إذ هما شيء واحد، على حد زعمهم.

فلو كان إلها لكان البشر جميعا آلهة، فأنت إله، وأنا إله، فإذا حكموا بذلك فلن تستقيم الحياة، ولن يكون لإرسال الرسل فائدة، وستكون الدنيا بأسرها عبثا، ولن تكون هناك خطيئة، فلا بد إذن أن يكونوا بشرا، فمن هنا نقول بأن عيسى – عليه السلام – بشر.

الخلاصة:

المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وليس هو الله ولا ابن لله، ولا ثالث ثلاثة كما زعمت طوائف النصارى وبشريته ثابتة في كتبهم، وعدم بنوته لله ثابتة في نسبه في كتبهم كما في (لوقا: 3/ 23 – 38)، ذلك إن صح السند في هذه النسبة، مع استبعاد أنه ابن يوسف النجار بالطبع.

ومما يدحض قولهم ببنوة عيسى لله – عز وجل – نصوص الكتاب المقدس التي تذكر أن عيسى – عليه السلام – ليس وحده ابن الله، بل أطلقت على كثير من البشر تلك الصفة، وهذا على فرض صحة هذه النصوص.

الذي يستدل بالقرآن على بنوة المسيح لله – عز وجل – كيف غفل عن الآيات الواضحة – وهي كثيرة – في الدعوة إلى توحيد الله تعالى، والإيمان به وحده، ودعوة الله تعالى على لسان المسيح نفسه: )أن اعبدوا الله ربي وربكم( (المائدة: 117)، بل وإنكار دعوى النصارى في التثليث وتكفيرهم بها؟! )لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة( (المائدة: ٧٣).

إن الإشكال عند النصارى في قوله سبحانه وتعالى: )فنفخنا فيها من روحنا( هو عدم فهمهم وإدراكهم للنص القرآني، أو فهمهم للنص على وفق أهوائهم، واعتمادهم على منهج الانتقائية في الاستدلال بالقرآن.

(*) الرسول النكاح والقمص المنكوح، إبراهيم عوض، مقال على شبكة الإنترنت.

[1]. انظر: النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام، أحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط2، 1992م، ص65 وما بعدها. المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبة ،القاهرة،ط2 ،1988م ، ص78 وما بعدها.

[2]. أساقفة كنيسة إنجلترا وألوهية المسيح، أحمد ديدات، ترجمة: محمد مختار، رمضان الصفناوي، علي عثمان، كتاب المختار، القاهرة، 1991م، ص202، 203.

[3]. الرسول النكاح، والقمص المنكوح، د. إبراهيم عوض، مقال من شبكة الإنترنت.

المصدر

الزعم أن وجود المتشابه في القرآن الكريم ينافي إعجازه وبلاغته، ولا فائدة منه

مضمون الشبهة:

يتوهم بعض المشككين أن المتشابهات في القرآن الكريم تنافي بلاغته، ويستدلون على ذلك بقوله عز وجل: )فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه( (آل عمران: ٧).

ويتساءلون: ألا يعد وجود هذه المتشابهات نقصا في البلاغة والإحكام**؟!

وجوه إبطال الشبهة:

من أصول البلاغة أن يكون الكلام محكما موجزا بعيدا عن التكرير والإعادة؛ حتى يصيب معانيه في قوة ورصانة.

ويتوهم بعض أصحاب الشبهات أن المتشابهات من آيات القرآن تقلل من بلاغته وإحكامه، وتبعد به عن القوة والرصانة، ويدعون بأن قوله تعالى: )فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه( دليل على أن المتشابهات لا فائدة منها، ولا تحقق فهما دقيقا محكما لمعاني القرآن كما يتوهمون.

وقد رد اللغويون وعلماء البلاغة على هذه الشبهة بالوجوه الآتية:

1) أن آيات القرآن، إما محكمة للعمل بها، وبيان الأحكام المطلوبة من الخلق، وإما متشابهة، يجب الإيمان بها وردها إلى المحكمات.

2) أن الحكمة من إنزال المتشابه في القرآن أن القرآن نزل بلغة العرب، وتبعا لمعانيها ومذاهبها، وهي لغة فيها الإيجاز والإطناب، والاختصار والإطالة، والتوكيد والتجريد، والتلميح والتصريح، والخفي والجلي.

3) أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإعجازه ظاهر في محكمه ومتشابهـه، وفيـه الهدايـة لمـن أرادها وطلبها، )ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82)( (النساء).

التفصيل:

أولا. آيات القرآن: إما محكمة للعمل بها، وبيان الأحكام المطلوبة من الخلق، وإما متشابهة، يجب الإيمان بها وردها إلى المحكمات.

المحكم والمتشابه في القرآن:

يوصف القرآن كله بأنه محكم؛ كما في قوله تعالى: )الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1)( (هود) والمراد بالإحكام هنا: اتفاقه وعدم تطرق النقص والخلل إليه.

ويوصف كذلك بأنه كله متشابه، كما في قوله تعالى: )الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم( (الزمر: ٢٣). ومعنى متشابه: أنه يشبه بعضه بعضا في صدق أخباره، وعدالة أحكامه، وسمو بلاغته، وروعة نظمه، ونصوع حقائقه، وتصديق بعضه بعضا؛ فلا تناقض فيه ولا تضارب.

ويوصف القرآن أيضا بأن بعضه محكم، وبعضه متشابه، وهو ما جاء في قوله عز وجل: )هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب (7)( (آل عمران)؛ فقسمت الآية الكريمة آيات الكتاب قسمين: محكمات هن أم الكتاب وأساسه ومعظمه، وأخر متشابهات، والمراد بالمحكم هنا: البين بنفسه، الدال على معناه بوضوح، فلا يعرض له شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى؛ كما قال الراغب في “مفرداته”[1].

معنى المتشابه ومظاهر تشابهه وأسبابه:

والمراد بالمتشابه هنا: ما أشكل تفسيره؛ لمشابهته غيره، إما من حيث اللفظ وإما من حيث المعنى؛ فلذا قيل: المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده، أو ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.

قال الراغب: وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب:

محكم على الإطلاق.

متشابه على الإطلاق.

محكم من وجه ومتشابه من وجه آخر[2].

والمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب:

متشابه من جهة اللفظ فقط.

متشابه من جهة المعنى فقط.

متشابه من جهتيهما.

وبين الراغب أن المتشابه من جهة اللفظ ضربان: منه ما يرجع إلى غرابة اللفظ أو اشتراكه، ومنه ما يرجع إلى جملة الكلام المركب.. إلخ.

والمتشابه من جهة المعنى: ما يتعلق بأوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا؛ إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو لم يكن من جنس ما نحسه.

ثم ذكر الإمام الراغب المتشابه من جهة اللفظ والمعنى جميعا بأضر