تعزيز اليقين وهداية الحيران

الرد على المشككين وشبهاتهم

الرئيسية / بنك المعلومات / الرد على المشككين وشبهاتهم

الكتب

شبهات الملحدين و الإجابة عنها

تركت الشطحات إلى هذا الكتاب، وكان اسمه في بادئ الأمر "الدين والفطرة" ثم تبين لي أن أكثر فصوله أو الكثير منها تلتقي عند الرد على الملحدين، والتصدي لأقوالهم ونقاشها بمنطق هاديء وصارم، فتركت الاسم الأول إلى اسم "شبهات الملحدين والإجابة عنها".. ومهما يكن فليست العبرة بالاسم، بل بما يقع عليه، ولا بالحجم وكثرة الأوراق، بل بالعلم وعدد القراء.
تحميل

صلاة ملحد

يتحدث عن الإلحاد و نقد الفكر الإلحادي.
تحميل

كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

لماذا لست ملحدا

هذا الكتاب ليس دفاعاً تقليديّاً عن "الإيمان" و"الدِّين" (الإسلاميَّيْن)، وإنّما هو دعوةٌ إلى تأسيس "الإيمان" على حال التّأمُّل والتّدبُّر بحيث لا يعود "المؤمن" في وَضْع يُظْهِرُه كما لو كان بلا عقلٍ أو يَعْترِي عقلَه نقصٌ بالمُقارَنةً مع الذين يَحْرِصون - بمناسبةٍ أو من دونها - على إدِّعاء التّميُّز بالعقل في تمامه.
تحميل

مناظرة الملحدين

الكتاب يستهدف في الأساس المؤمنين لذلك، استشهد الكاتب _المناظر_ بالآيات القرآنية في مناظراته ليثبت أن الحجة العقلية تتوافق مع القرآن ولا يوجد أى تناقض كما يدعى الملحدين.
تحميل

معاول جديد في جدار الالحاد

الإلحاد أسبابه ومفاتيح العلاج

كتابٌ يسلّط الضوء على ظاهرة الإلحاد؛ من أجل تشخيص الأسباب الّتي تقف وراء ظهورها في المجتمعات الإنسانيّة، وقد سعى الكاتب إلى وضع رؤيةٍ علميّةٍ حول الأسس العامّة لعلاج تلك الأسباب.
تحميل

بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال

حوى الكتاب جوانب مهمة تتعلق بحياة القصيمي مثل أسباب ردته، والحديث عن سلوكياته وأخلاقه ، كما نقل حكم العلماء على القصيمي بالردة والكفر الصراح. - برع المؤلّف في كشف تناقض القصيمي في أغلاله، فربما أثبت ما نفاه، وكذا العكس. - حوى الكتاب على نقد لاذع وهجوم ساخر مقابلةً للقصيمي في سخريته بالدين وأهله.
تحميل

تفنيد الأسس النظرية والعلمية للإلحاد

رد العلامة سعيد فودة على عادل ضاهر، وهو نقد لكتابيه: تأملات في مفهوم الفعل الإلهي، ونقد الصحوة الإسلامية.
تحميل

حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون

– هو عبارة عن حوارات مطولة في السجون المصرية بين الشيوعيين والإسلاميين، وهو مكون من ثلاث وثلاثين حلقة، دار النقاش فيها حول كثير من الأسئلة الإلحادية التي كانت تثيرها المادية الماركسية، وبعضها ما زال يشتغل بها الفكر الآن.
تحميل

خلاصة العتاد في مواجهة الإلحاد

كتاب يتكلم عن أصل الإلحاد وأنواعه وكيفية التعامل مع الملحدين وأفكارهم.
تحميل

معركة النص 1

يناقش المؤلف أكثر الأفكار والروى المعاصرة التي تصادم النص وتناقض الإجماع. لأن أكثر الإشكالات والتأويلات المعاصرة تتجه نحو الأحكام الشرعية السياسية.
تحميل

ابن عربي عارف أم ملحد؟

يحاول الكاتب في هذا الكتاب أن يكشف للمسلمين عن مخاطر البدع التي ضللت طريقهم في إتباعهم الدعوة بعد موت النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما أدى إلى إنقسامهم وإختلافهم فعصفت الفتن بالأمة وبدأت تأخذ أبعاداً خطيرة مما كان لها تداعيات دينية وسياسية واجتماعية أدت إلى ما عليه حال الأمة اليوم من شتات وخلاف وإنحراف وتخلف.
تحميل

أغير الله يخلق يا قديش

الإلحاد سؤال وجواب

رسالة موجهة للشباب وأولياء الأمور والمربين تحتوي على ردود مختصرة على أشهر الأسئلة التي تدور في أذهان المتشككين بعبارة سهلة. لماذا خلقنا الله؟ لماذا لم يستشرني الله قبل خلقي؟ لماذا ينبغي علينا أن نعبد الله؟
تحميل

تفريغ سلسلة الرد علي الملحدين كاملة

الرد علي الملحدين العلامة محمد سعيد رسلان
تحميل

خرافات الكفر وحقائق الإيمان: فحص أدلة الكفر

الرد على الاثبجي في دفاعه عن المشركين

الحوار المتمدن الإلحاد يتحدي

السيف الحاد لقطع الإلحاد

رد على كتاب توحيد الأديان واتحاد العالم
تحميل

طلاسم نجسة الإلحاد وإهانة الجنس البشري

"الكتاب محاولة لكشف خطورة مايروج له الملحدون الآن .. مايقدمونه كبديل , والذي يمكن تلخيصه في أن الإلحاد هو المعيار الوحيد لصناعة المدينة الفاضلة والمجتمع المثالي . الكتاب يتطرق للتأثير النفسي والأخلاقي للإلحاد على الأفراد والمجتمعات بدأ من الثورة الفرنسية ومروراً بالشيوعية والنازية , وحتى ظهور الإلحاد الجديد بداية الألفية , كما أنه يوضح الصفات التي يروج لها الإلحاد الجديد...
تحميل

عرض ونقد لكتاب لماذا ليس هناك إله لأرمين ناوابي

الكتاب عبارة عن عرض ونقد لكتاب لماذا ليس هناك إله لأرمين ناوابي
تحميل

عصير كتاب وهم الإلحاد

كتاب الإلحاد

تجميع لمجموعة من المقالات الرائعة التي تتحدث عن ظاهرة الإلحاد وتفند شبهاته بطرق علمية عقلية منطقية وكيف يتم بناء هذه الشبهات من الأساس وهو كتاب جدير بالمطالعة
تحميل

المرفأ الآمن - نظرات نقدية في دعاوى الإلحاد

في هذا الكتاب ادلة نقلية وعقلية لدحض دعاوى اسقاط العلوم العصرية لقضية الدين. كما يحوي بعض وجوه الاعجاز في القران الكريم والسنة النبوية.
تحميل

المُلحد

كانت على مَشارف الثّانية والعشرين من عمرِها، وكان يكبَرُها بخمسِ سَنواتٍ، عِندما وَقَعَتْ عينَاهَا عليهِ لأوَّل مرَّة، تِلكَ النَّظرة الأولى التي كَانَتْ الأساسَ الذي شَيَّدَتْ عليهِ عِمارةَ عائِلَتِها الصّغيرة هذه، عَائلتها التي أصبحَتْ عَالمهَا كلّهُ. مِن يومِهَا غَدَتْ تَثِق بأهمّيَّةِ النَّظرَةِ الأولى، ومَا يُمكِن لَهَا أنْ تفْعَلَه، سواء سَلباً، أو إيجاباً.
تحميل

ملخص كتاب زخرف القول

هذه المقولات تعتمد بدرجة كبيرة على من نمط الحجة الميسرة المباشرة، فإن لها تأثيرا كبيرا جدا في شرائح مجتمعية متنوعة، إذ الجميع بمقدوره إدراك أصل الحجة ولو تفاوتوا في إدراك تفصيلاتها، وهذا النوع من الحجج عميق الأثر، ...
تحميل

نقض الإلحاد تحديدات وتنبيهات وإيضاحات

– استعرض المؤلف في أول الكتاب تاريخا مطول عن التصور عن الإله لدى البشر وعن كيفية معرفته، وناقش نظريات نشأة الدين.  – ثمَّ عرج على الأدلة الفلسفية والعلمية التي يعتمد عليها الإلحاد.  – ثم ذكر معنى الإلحاد عند الغرب وعند العرب أيضا وأشار إلى أصنافه وأقسامه.  – وختم حديثة عن الإلحاد المعاصر. 
تحميل

الرد على الدهريين

رصد مبكر لعملية الغزو الثقافي، وما تحمله في طياتها من عملية تدمير ممنهجة لهوية الشعوب
تحميل

حوار مع صديقى الملحد

هذا الكتاب هو أشهر مؤلفات الدكتور مصطفي محمود، والأكثر رواجًا بين القراء، وفيه يناقش الكثير من أفكار الملحدين والمشككين في الدين الإسلامي، بالحجج المنطقية والعقلية، ويستعرض الكثير من الآيات القرآنية ويفسرها بشكل يجيب عن الكثير من التساؤلات
تحميل

شبهات طال حولها الجدل

شبهات طال حولها الجدل
تحميل

شفاء لما في الصدور

أُقدم بين يديك نَظَرْ أمر الإيمان وحُججه، وقصور الإلحاد عن تفسير ظاهرة وجودنا الإنساني وعجزه، وقد جاء الكتاب على شكل جرعاتٍ متتالية تنقلك من بحث فروض الإلحاد إلى تقريرات الربوبية، ومن أدلة الإيمان إلى عجز الأديان غير الإسلام عن ضبط معنى الوجود. وأنتهي بك إلى عرض أشهر ما يحتج به الملحدة من تخيلاتٍ يزعمونها شبهات
تحميل

كبسولات إسكات الملحدين

كتاب رائع و مختصر في مجال الرد علي الإلحاد
تحميل

لا أعلم هويتي

هذا الكتاب حوار بدأ بسائل يقول: ((أحس بوجود خالق في نفسي، ولكنني ما زلت غير مقتنع))، وانتهى بمؤمن يقرر: ((بحق من رفع السماء بغير عمد إن حلاوة الإيمان ما بعدها حلاوة ! آه على تلك السنوات التي مرت من عمري وأنا بعيد عن طريقكم،.. !)).
تحميل

لن تلحد

الإلحاد في عرف عامة الناس يعني إنكار وجود الله، والتكذيب بشرع الله، وجحد حقائق الغيب. والإلحاد في اللغة يعني الميل والانحراف، ومن عموم المفهوم اللغوي حددت مفهوم هذا السفر، فجعلت الإلحاد يشمل إنكار وجود الله، وجحد حقائق الغيب، والتكذيب بشرع الله .
تحميل

موسوعة الرد على الملحدين العرب

هذه الموسوعة هي موسوعة الرد على الملحدين العرب مكونة من ثلاثة مجلدات كاملة لا غنى عنها لكل باحث متخصص في المذاهب الفكرية ولكل غارق في الشبهات سارح عن الحقيقة الكلية ولكل طالب علم يناظر الملحدين والماديين والربوبيين واللاأدريين وأصحاب السفسطات العقيمة..
تحميل

الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد

كتابٌ للشيخ صالح الفوزان أثابه الله، وهو يشتمل على تقريبٍ لبعض المعلومات في العقيدة، وفيها ربطٌ لواقع الناس اليوم ومُمارساتهم بتلك المعلومات، حتى يتّضِح حُكمُها ويتبيَّن خطأ أصحاب تلك الممارسات لعلهم يرجِعُون، ونصيحة لغيرهم لعلهم يحذَرون‏.
تحميل

الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد

يعتبر هذا الكتاب أحد كتب المعتزلة وهو من الآثار القليلة التي سلمت من الأحتراق وتدمير، صنف هذا الكتاب بسبب مؤلفه أنه وضع للرد علي الرواندي صاحب كتاب فضيحة المعتزلة فأجاب عن كل فصل.
تحميل

تخلَّص من إلحادك

كتاب يتكلم عن الملحدين وكيفية الرد عليهم هدية جميلة يا شبــــاب! هذا كتيب صغير بعنوان: تخلَّص من إلحادك خلاصة أكثر من عشر سنوات من الحوار مع الملحدين.
تحميل

ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان

يعالج هذا الكتاب قضية الإلحاد الجديد على وجه الخصوص والإلحاد عموماً معالجة كلية تتجاوز التفاصيل – على أهميتها_ لكي يقف القارئ على مسافة تأذن له برؤية المشهد كاملاً تاريخياً وفلسفياً. وقد خصص المؤلف لهذا الغرض الرسالتين الأوليين. فالرسالة الأولى تحلل مرتكزين مهمين في سبيل فهم أعمق للإلحاد : المرتكز التاريخي الفلسفي والمرتكز النفسي الوجودي.
تحميل

حوار مع الملحدين في التراث

بأسلوبه المبتكر في تقديم الشخصيات التراثية، يتابع عصام محفوظ، عبر الحوار المتخيل، تقديم هذه الشخصيات، فيختار من التاريخ الإسلامي: ابن الراوندي، أبو بكر الرازي وجابر بن حيان. وبرغم الاختصاصات المختلفة لهذه الشخصيات، فإن الذي يجمعها تصدّيها للموضوع الأكثر حساسية في مجتمعها، كما في كل مجتمع: الدين
تحميل

خطة معرفية للعمل في ملف الإلحاد

معركة النص 2

يناقش المؤلف أكثر الأفكار والروى المعاصرة التي تصادم النص وتناقض الإجماع. لأن أكثر الإشكالات والتأويلات المعاصرة تتجه نحو الأحكام الشرعية السياسية.
تحميل

أسئلة تفكرية للملحدين

145 سؤال لايستطيع أي ملحد الإجابة عنها وعن سبب وقوعها ولو فعل مافعل فلن يجد إجابة لها. و بعد ما يقرأ الملحد هذه الأسئلة فلن يستطع الإجابة عليها ولو استعان بجميع الملحدين على وجه الأرض، فلابد أن يؤمن أن هذا الدين الإسلامي أتى بوحي من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم
تحميل

الأكاذيب المؤسسة للإلحاد

تناول المؤلف في كتابه هذا الأكاذيب التي يقوم عليها الإلحاد. وأثبت بأدلة كثيرة أن الإلحاد في أصله كذب ويقوم على الكذب، لأنه مخالف للعلم والعقل والوحي. ثم تتبع المؤلف ما ترتب عن ذلك من أكاذيب أخرى في أصول الإلحاد وفروعه. وقد انتهى المؤلف إلى نتائج مهمة جدا في نقده للإلحاد.
تحميل

تناقضات منهجية نقد رسالة د. عدنان إبراهيم للدكتوراة

هذه الورقات تكشف عما حواه بحث عدنان إبراهيم الموسوم بـ(حرية الاعتقاد في الإسلام ومعترضاتها: القتال، الذمة، والجزية، وقتل المرتد) تكشف عما حواه من اضطراب وتناقض منهجي، وسوء فهم لعبارات العلماء، وتشبع بما لم يعط، إلى غير ذلك مما يستدعي إعادة الأمور إلى نصابها، ورد التقول على صاحبه.
تحميل

تهافت الإلحاد

هذا الكتاب هو خلاصة البحث والاستطلاعات والحوارات الكثيرة مع الملاحدة للتعرف على واقعهم الاجتماعي والثقافي، ولسماع مشكلاتهم وشبهاتهم ودوافعهم نحو الإلحاد من لسانهم، يهدف لتوعية الشباب ولهداية طالب الهداية، ويكشف تهافت الإلحاد، ويسقط الاقنعة التي يتستر خلفها الملاحدة.
تحميل

الرد المبين على الملحدين (الوصايا العشر للملحدين)

كتاب يرد على الوصايا العشر للملحدين من القرآن الكريم والسنة المطهرة للكاتب: كمال محمود جمعه
تحميل

السبي

رد شامل ومستوفٍ لأغلب جوانب فرية السبي والتي هي بمثابة بطاقة ذهبية تضعها النسوية أو العلماني وأيضا الملحد علي منضدة النقاش متي أثبت له حماقة وسخف مذهبه، فتكون عاطفية الشبهة المنجية له من عقلانية إجاباتك، وما هو إلا استغلال لنقص علمك عن الشبهة لا اكثر بسبب كثرة تفرعاتها وقلة إلمام الغالبية الساحقة بها بالاخص ذوي السن الصغيرة
تحميل

السيوف الحداد في أعناق أهل الزندقة

كتاب في التصوف للعارف بالله مصطفى البكري ضمنه ردوداً على مبتدعي الصوفية الذين ينتهكون حرمة الدين الإسلامي الحنيف حيث كذب دعاويهم وافتراءاتهم وصحح ماوقعوا به من أخطاء
تحميل

عجائب الكفر

كتاب باللغة الألمانية
تحميل

عزيزي الملحد؛ أسئلة الملحدين أمام العقل والعلم- الجزء الأول

عزيزي الملحد.. ماذا حقق لك الإلحاد؟؟ هل أنت سعيد مطمئن أم أنك حائر مضطرب؟؟ ما المردود العائد والعائد عليك من الإلحاد؟؟ وما الجزاء الذي تنتظره؟؟ وما ميزاتك في الخير والشر؟؟ثم أذا ما كان الموت الذي لايشك فيه أحد (ملحد أو مؤمن) فوجدت أن الإله حق وأن الجنة حق وأن النار حق فماذا تفعل وقد خسرت كل شيء؟!
تحميل

قصصي مع الملحدين والمشككين والموسوسين مع بيان طرق إقناعهم وهدايتهم

قصصي مع الملحدين والمشككين والموسوسين مع بيان طرق إقناعهم وهدايتهم ..
تحميل

ما هذا يا ملحد

أيها الملحد، الذي يعيش في ( لا ادري ) قبل أن تنتحر لأنك ترى أن هذا العالم بلا معنى، و أن كما قتل ملايين البشر هو مثل قتل البكتيريا عند غسل اليدين توقف ! و ابحث في اعماق قلبك عن سبب وجودك هنا و سبب تغير العديد من الأعراب الغلاظ الشداد دينهم من الوثنية إلى الإسلام إقرأ و تمعن فماذا ستخسر بما أنك لا تؤمن بوجود حياة ابدية
تحميل

الفيلسوف الملحد على سجادة الصلاة

علاوة علي كونه من الكبار الإعلاميين الذبن أعلنوا الحادهم بالكتب ، وتقلب بين الكفر والإيمان .. حتى عاد إلى الفطرة قال عنه الشاعر كامل الشناوى «إذا كان مصطفى محمود قد ألحد فهو يلحد على سجادة الصلاة» أى أنه كان وقتها باحثا عن الله وليس منكرا له سبحانه"
تحميل

ملحد زينب

رواية ملحد زينب للمؤلف محمود عمر
تحميل

نبذ إلحادك

كتاب باللغة الإنجليزية
تحميل

الإلحاد في تهافته

هذا الكتاب هو خلاصة البحث والاستطلاعات والحوارات الكثيرة مع الملاحدة للتعرف على واقعهم الاجتماعي والثقافي، ولسماع مشكلاتهم وشبهاتهم ودوافعهم نحو الإلحاد من لسانهم، يهدف لتوعية الشباب ولهداية طالب الهداية، ويكشف تهافت الإلحاد، ويسقط الاقنعة التي يتستر خلفها الملاحدة.
تحميل

السيف الحاد لقطع الإلحاد

كتاب في الرد على بعض شبهات الملحدين وإبطالها
تحميل

آدم - أبوالبشر حقيقة - لا أسطورة

يتضمن هذا الكتاب رد علمي شامل على كتاب (أبي آدم) قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة لمؤلفه الدكتور "عبد الصبور شاهين" الذي رأى أن آدم هو أبو الإنسان وليس أبا البشر الذين هم خلق حيواني كانوا قبل الإنسان، فاصطفى الله تعالى منهم آدم ليكون أبا الإنسان.
تحميل

الرد الجميل على المشككين في الاسلام من القرآن والتوراة والإنجيل والعلم

هذه دعوة قرآنية للتخلص من الهوى وسائر المؤثرات الصارفات عن الإخلاص في طلب الحق، ولتحرير العقل في طلبه، ولتحرير الإرادة؛ لتمضي في السبيل القويمة. وهذا وعد موعود بإظهار الإسلام، وهو الحق، وقد صدق الوعد، وسطر على صفحات التاريخ، وبرز في وقائع الدهر شاهد صدق، وآيةً ناطقة، لا تدع شبهة زيغ، لمن أخلص قلبَه لطلب الحق والحقيقة.
تحميل

حقائق وشبهات حول السماحة الاسلامية وحقوق الانسان

يتناول المؤلف في هذا الكتاب مفهوم السماحة في الإسلام، مقررًا أن تاريخ السماحة بدأ بالإسلام، مستعرضًا التطبيق الإسلامي للسماحة، ثم يبرز نصوص الوثائق المقرر لسماحة الإسلام وهي الوثيقة المدنية مع اليهود، ومعاهدة النبي صلى الله عليه وسلم مع نصارى نجران...
تحميل

المرئيات

تشغيل الفيديو

هزم الملاحدة بسؤال واحد الرد على كل ملحد

تشغيل الفيديو

ظاهرة الالحاد

تشغيل الفيديو

كيف تحاور ملحداً ؟

تشغيل الفيديو

ضعف الخطاب الديني

تشغيل الفيديو

الإلحاد 2 – رأيي بعد سنتين

تشغيل الفيديو

إلحاد – atheism – في 3

تشغيل الفيديو

الدحيح يعترف بنشر الإلحاد

تشغيل الفيديو

السبب الحقيقي وراء هروب شريف جابر من مصر

تشغيل الفيديو

الصواعق المحرقة على مجدد عقيدة أهل الضلال والزندقة

تشغيل الفيديو

القنوات الوثائقية و الالحاد

تشغيل الفيديو

الليبرالية هي نبتة إلحادية

تشغيل الفيديو

حوار الشيخ ابن عقيل الظاهري والملحد عبدالله القصيمي

تشغيل الفيديو

صديقي الملحد أو المسيحي

تشغيل الفيديو

هكذا يغتالوننا

تشغيل الفيديو

وبدأت القوافل تنضم إلى شحرور

تشغيل الفيديو

إذا أردت أن تعرف كل شيء عن الإلحاد وتهدم شبهات أي ملحد

تشغيل الفيديو

جهود علماء الأمة في مواجهة الإلحاد

تشغيل الفيديو

علي دعوة يجيب على أصعب أسئلة الملحدين !

تشغيل الفيديو

كيف يهاجم الملحد وكيف تتعامل معه

تشغيل الفيديو

ذاكر نايك والثعبان المسرسع

تشغيل الفيديو

كشف شبهات الإلحاد

تشغيل الفيديو

مسلمون بالإكراه… والجنة سيدخلها من لا يؤمن بها

تشغيل الفيديو

الحرية.. مفهوم نسبي عبر التاريخ

تشغيل الفيديو

الحرية.. لم تكن شرا محضا في ذاتها

تشغيل الفيديو

الرد على إفتراءات محمد شحتور بإباحة الفطر في رمضان

تشغيل الفيديو

دلائل الطفل الغافل!

تشغيل الفيديو

أسباب وعلاج المثلية لدى الذكور

تشغيل الفيديو

التفريق بين الهداية والإقناع

تشغيل الفيديو

فهم طبيعة السائل ومنطلقاته الفكرية

تشغيل الفيديو

آداب الجدل وقواعده

تشغيل الفيديو

أكثر المغالطات المنطقية شيوعًا

تشغيل الفيديو

كيف تحاور متأثرا بالأفكار الإلحادية؟ 1

تشغيل الفيديو

كيف تحاور متأثرا بالأفكار الإلحادية؟ 2

تشغيل الفيديو

الرد على الدحيح

تشغيل الفيديو

الرد على شبهة سبايا أوطاس || ومقدمة قصيرة عن ملك اليمين

تشغيل الفيديو

هل ينشر الدحيح الإلحاد ؟

تشغيل الفيديو

صدمة مصادر الدحيح

تشغيل الفيديو

هل ينشر الدحيح العلم ؟ أم الإلحاد والخرافات ؟

تشغيل الفيديو

كشف الحقائق

تشغيل الفيديو

كيف تحاور ملحدا ؟!

تشغيل الفيديو

ما القواعد التي يحتاجها المحاور أثناء حواره مع الملحد ؟

تشغيل الفيديو

تهافت الملحد ستيفن هوكينج

تشغيل الفيديو

الحكمة من سجود إبليس لآدم

تشغيل الفيديو

كومبارس الإلحاد | شريف جابر |

تشغيل الفيديو

الرد على التفسير المادي لحروب النبي والصحابة

تشغيل الفيديو

مع إيمان أبوطالب وملف الإلحاد

تشغيل الفيديو

الرد على إبراهيم عيسى وحد السرقة

تشغيل الفيديو

أمان النصارى في شريعة الإسلام دون مداهنة في الدين

تشغيل الفيديو

حوار الإيمان والإلحاد 1

تشغيل الفيديو

حوار الإيمان والإلحاد 2

تشغيل الفيديو

حوار الإيمان والإلحاد 3

تشغيل الفيديو

حوار الإيمان والإلحاد 4

تشغيل الفيديو

بنو قريظة ومن يعلم ليس كمن لا يعلم

تشغيل الفيديو

رد الشبهات عن جهاد الطلب

تشغيل الفيديو

ريتشارد دوكينز بين الحيرة والتردد .. والهذيان !

تشغيل الفيديو

ريتشارد دوكينز ولورانس كراوس الملحدان ينفيان حرية الإرادة

تشغيل الفيديو

الإلحاد و الدياثة

تشغيل الفيديو

عظمة علماء المسلمين والفلك وأسماء الكواكب والنجوم 

تشغيل الفيديو

عقيدة إبراهيم عليه السلام كما ذكرها القرآن الكريم

تشغيل الفيديو

مقارنة بين الفتوحات الإسلامية وجرائم غير المسلمين

تشغيل الفيديو

قصة القرآنيين

تشغيل الفيديو

الرجل ذو السروال الأحمر

تشغيل الفيديو

ممارسة شيطانية منتشرة في بيوتنا من تحت عباءة البوذية

تشغيل الفيديو

الانفجار المعلوماتي الكامبري

تشغيل الفيديو

مايكل كريمو يفضح التلاعب في أعمار الكائنات الحية والإنسان

تشغيل الفيديو

مفهوم الحرية!

تشغيل الفيديو

نفاق العلمانية بين الإسلام والنصرانية

تشغيل الفيديو

الإلحاد || ( درس هام جدا )

تشغيل الفيديو

وداعًا ستيفن هوكينج

تشغيل الفيديو

المنهجية المثالية لإقناع الملحد

تشغيل الفيديو

إجابة أسئلة

تشغيل الفيديو

الملحد ريتشارد دوكينز يقول إنه لا يمكن معرفة أصل الحياة على وجه الحقيقة

تشغيل الفيديو

لماذا يحاسبنا الله على ما كتبه علينا ؟

تشغيل الفيديو

هل من حق الملحد أن يحتج بإرادة الله وقدره على كفره

تشغيل الفيديو

مفهوم السماء في القرآن وما حوله من شبهات

تشغيل الفيديو

ما المقصود بكون السماء سقفا محفوظا في القرآن

تشغيل الفيديو

لماذا الكافر ينبغي عليه البحث عن الدين الحق بينما المسلم لا ينبغي له ذلك

تشغيل الفيديو

ستيفن هوكينج والهراء !!

تشغيل الفيديو

لماذا هاجم الملاحدة أنتوني فلو بهذه الشراسة ؟

تشغيل الفيديو

عقيدة الملحد أنه لا ثمّ إلا المادة

تشغيل الفيديو

ما الرد على من يقول : قدم ورقة علمية واهدم النظرية الفلانية ؟

تشغيل الفيديو

ارجع لفطرتك

تشغيل الفيديو

لقاء مع الحسن البخاري

تشغيل الفيديو

لقاء مع د مهاب السعيد

تشغيل الفيديو

اسئلة واجوبة حول الالحاد

تشغيل الفيديو

دائرة مفرغة من الشك

تشغيل الفيديو

كيف يفكر الملحد

تشغيل الفيديو

مربوب | د مهاب السعيد | 2 إلحاد

تشغيل الفيديو

اسئلة الانسان البدائي للملحدين

تشغيل الفيديو

لقاء مع د هيثم طلعت   

تشغيل الفيديو

هل السنة وحي؟ رد مفحم على المشككين

المقالات

اتهام مريم – عليها السلام – بالزنا

مضمون الشبهة:

يرمي اليهود – عليهم لعنة الله – مريم – عليها السلام – بالبهتان، وأنها حملت بولدها من الزنى، وزاد بعضهم وهي حائض، قال سبحانه وتعالى: )قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28)( (مريم).

وجها إبطال الشبهة:

1)  في كلام عيسى – عليه السلام – في المهد تبرئة لأمه مما رميت به.

2)  طهارة مريم وحفظها لفرجها، وتوضيح معنى نفخ جبريل في درعها وكيفية الحمل، فضلا عن اصطفاء الله لها.

التفصيل:

أولا. البراءة القاطعة لمريم – عليها السلام – في كلام عيسى – عليه السلام – في المهد:

لقد رمى هؤلاء اليهود – لعنهم الله – مريم بالبهتان، وهو الزنا، واتهموها به، قال سبحانه وتعالى: )قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28)( (مريم). وهارون كان أخا صالحا في قومه، خاطبوها بالإضافة إليه زيادة في التوبيخ، أي ما كان لأخت مثله أن تفعل فعلتك. وقولهم: )ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28)( (مريم)، عنوا بهذا الكلام الكناية عن كونها أتت بأمر ليس من شأن أهلها، أي أتت بسوء ليس من شأن أبيها، وبغاء ليس من شأن أمها فهم أرادوا ذمها وأنها مبتكرة الفواحش في أهلها فأتوا بكلام صريح ثناء على أبويها مقتض أن شأنها أن تكون مثل أبويها[1].

فهم يقولون لها: إنك من أهل بيت يعرفون بالصلاح والطهر والعبادة، والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟! وهكذا رموها بالفاحشة بغير ثبت ولا برهان.

وقد رد عيسى – عليه السلام – عليهم فريتهم وبرأ أمه مما نسب إليها من الفاحشة، فقال متكلما في المهد: )قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30)( (مريم). وكانت هذه المعجزات عند ولادة عيسى كافية في الدلالة على براءتها من كل عيب.

ثانيا. عفة مريم وطهارتها واصطفاء الله – عز وجل – لها يتنافى مع اتهام اليهود لها:

أكد القرآن براءة مريم – عليها السلام – مما اتهمها به هؤلاء الملعونون، قال سبحانه وتعالى: )ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين (12)( (التحريم)، وقال أيضا: )والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91)( (الأنبياء)، ومعنى أحصنت فرجها؛ أي: حفظته وصانته، والإحصان: العفاف، وقد أرسل الله جبريل – عليه السلام – إليها في صورة بشر سوي، وأمره الله – عز وجل – أن ينفخ بفيه في جيب درعها فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى – عليه السلام – وبهذا أكد الله – عز وجل – أن إحصانها كان أكثر ما يكون لفرجها، فلم يأتها منه أحد، وصانته عن مقارفة الفواحش، فظلت عذراء لما حملت، وينفرد القرآن بأن ذكر أن الحمل كان بالنفخ في الفرج وليس بالمجامعة والإيلاج؛ لأن الفرج هو الطريق إلى الرحم الذي يكون فيه الحمل، والنفخ هو مجرد أن يتنفس جبريل – عليه السلام – بكلمة )كن( فكان أن حملت، ويقال: إن جبريل تنفس في جيب قميصها فوصل ذلك إلى فرجها، والجيب يسمى فرجا، كما في قوله سبحانه وتعالى: )وما لها من فروج (6)( (ق)، والفرج هو الشق، والجيب شق أو فرج في الثوب.

وبين الله – عز وجل – في آيات أخرى أنه اصطفى مريم – عليها السلام – واختارها على نساء العالمين بطاعتها إياه وفضلها عليهن، وطهرها من الأدناس، قال سبحانه وتعالى: )وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42)( (آل عمران). والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى، وذلك لما لابس مولد عيسى – عليه السلام – من شبهات لم يتورع اليهود أن يلصقوها بمريم الطاهرة، معتمدين على أن هذا المولد لا مثال له في عالم الناس فيزعموا أن وراءه سرا لا يشرف؟!

الخلاصة:

اشتهرت السيدة مريم – عليها السلام – بالعفة والطهارة والإيمان بين قومها، وما كان من الحمل بعيسى، فبأمر من الله لجبريل – عليه السلام – أن ينفح في درعها؛ فنزلت النفخة إلى فرجها، فكان الحمل في رحمها معجزة من الله عز وجل.

أتم الله – عز وجل – معجزة الحمل بغير زوج للسيدة مريم، فأنطق الله وليدها ليبرئ أمه مما رماها به اليهود، فكان ذلك شاهدا حقا على طهارتها وأن ما حدث لها معجزة.

إذا كانت مريم – عليها السلام – كما يدعي هؤلاء، فلم كان اصطفاء الله لها، بأن تكون أما لرسول من بني إسرائيل؟!

(*) الآيات التي وردت فيها الشبهة: (النساء/ 156، مريم/ 27، 28).

الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (مريم/ 30، التحريم/ 12، آل عمران/ 42، الأنبياء/ 91).

[1]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج8، ج18، ص96.

المصدر

ادعاء اليهود أن الكافرين أهدى سبيلا من المؤمنين

مضمون الشبهة:

ادعى اليهود أن الكفار – على ما هم فيه من الجهل والكفر – أفضل وأهدى سبيلا من الذين آمنوا، وأن دينهم خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: )ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51)( (النساء).

وجها إبطال الشبهة:

1) بخل اليهود وأثرتهم وشحهم وحبهم لأنفسهم فقط هو الذي جعلهم يقفون مع الباطل ضد الحق؛ ومن ثم فقد لعنهم الله.

2) اليهود يعلمون من كتابهم أن محمدا – صلى الله عليه وسلم – ومن معه على حق، ولكنهم يكتمون ذلك حسدا وعصبية أن يكون النبي من العرب.

التفصيل:

أولا. شح اليهود وأثرتهم جعلتهم يقفون مع الباطل ضد الحق:

نقض اليهود عهدهم مع النبي – صلى الله عليه وسلم – واتحدوا مع المشركين على استئصال المسلمين، وذلك هو تفضيلهم للمشركين على المؤمنين، وهذا من ضلالهم وجهلهم وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بين أيديهم، فهم يقولون للكفار إنكم أولى بالحق من المؤمنين وإن دينكم أعدل وأصوب من دين المؤمنين، ولهذه الآية سبب نزول وهو ما رواه الطبري عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت حبر أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة[1] وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير منه. فأنزل قوله عز وجل: )إن شانئك هو الأبتر (3)( (الكوثر)، وأنزل: )ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت( (النساء: ٥١).

وبين الله – عز وجل – منذ زمن بعيد أن هؤلاء – عليهم لعنة الله – بعيدون عن رحمته وعنايته، وسوف يكون الانكسار والخذلان حليفهم فلن ينصرهم أحد من دون الله، وهذه سنة الله – عز وجل – في خلقه، ولا سبيل لأحد في تغيير سنته عز وجل، قال عز وجل: )أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52)( (النساء).

ثم بعد أن وبخهم الله على إيمانهم بالجبت والطاغوت، وتفضيلهم المشركين على المؤمنين يوبخهم الله على بخلهم وشحهم وأثرتهم، قال عز وجل: )أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53)( (النساء)، والمعنى: أنهم ليس لهم نصيب من الملك كما لهم نصيب من الكتاب، بل فقدوا الملك كله بظلمهم وطغيانهم، ثم لو كان لهم نصيب من الملك لسلكوا فيه طريق البخل والأثرة بحصر منافعه ومرافقه في أنفسهم فلا يعطون الناس نقيرا منه، أي:لو شيئا حقيرا تافها صغيرا، وهذا كقوله عز وجل: )قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق( (الإسراء: ١٠٠)، فهؤلاء اليهود أصحاب أثرة شديدة وشح مطاع يشق عليهم جدا أن ينتفع منهم أحد من غير أنفسهم، فإذا صار لهم ملك حرصوا على منع الناس أدنى النفع وأحقره، فكيف لا يشق عليهم أن يظهر نبي من العرب ويكون لأصحابه ملك يخضع لهم فيه بنو إسرائيل؟ وهذه الصفة لازمة لهؤلاء اليهود.

ثانيا. علم اليهود أن محمدا – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه على حق، بيد أنه الحسد وكتمان الحق:

ثم بين الله حقيقة مقولتهم السابقة وتفضيلهم المشركين على المؤمنين مع أنهم يعلمون من كتبهم أن محمدا ومن معه على الحق، وأوضح الله أن قولهم هذا ناشئ عن داعية الحسد والغرور بأنفسهم، فقد كانوا يطمعون أن يكون محمد – صلى الله عليه وسلم – من بني إسرائيل وليس من العرب، قال عز وجل: )أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله( (النساء:54)، والحاصل أن حال اليهود يومئذ كان لا يعدو هذه الأمور الثلاثة:

إما غرور خادع يظنون معه أن فضل الله محصور فيهم ورحمته تضيق عن غير شعب إسرائيل من خلقه.

وإما حسبان أن ملك الكون في أيديهم فهم لا يسمحون لأحد بشيء منه، ولو كان حقيرا كالنقير.

وإما حسد العرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والملك الذي ظهرت مبادئ عظمته.

وهذا الحسد هو من سماتهم التي أكدها عليها القرآن في غير ما موضع، قال عز وجل: )ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق( (البقرة: 109).

وهذا الحسد هو من عند أنفسهم فلم يأمرهم الله أن يحسدوا الناس على الإيمان.

قال تعالى: )الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم( (البقرة: 146)، ذكر في الآية السابقة الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن ما جاء به النبي هو الحق من ربهم، ولكنهم ينكرون ويمكرون، وذكر في هذه ما هو الأصل والعلة في ذلك العلم، وذلك الإنكار وهو أنهم يعرفون النبي – صلى الله عليه وسلم – بما في كتبهم من البشارة به، ومن نعوته، وصفاته التي لا تنطبق على غيره وبما ظهر من آياته وآثار هدايته، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم وحياطهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيء، قال عبد الله بن سلام – رضي الله عنه – وكان من علماء اليهود وأحبارهم: أنا أعلم به مني بابني، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت، فقد اعترف من هداه الله من أحبارهم كهذا العالم الجليل، وتميم الداري من علماء النصارى أنهم عرفوه – صلى الله عليه وسلم – معرفة لا يتطرق إليها الشك: )وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146)( (البقرة)، إنه الحق الذي لا مرية فيه، فماذا يرجى منهم بعد هذا؟ وذهب بعض المفسرين إلى الرسول مع تقدم ذكره في الآيات، ومع ما يعهد من الاكتفاء بالقرائن في مثل هذا التعبير، وقد أسند هذا الكتمان إلى فريق منهم إذ لم يكونوا كلهم كذلك، فإن منهم من اعترف بالحق وآمن واهتدى به، ومنهم من كان يجحده عن جهل ولو علم به لجاز أن يقبله، وهذا من دقة حكم القرآن على الأمم بالعدل[2].

بل إن اليهود كانوا يخبرون أهل المدينة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم – قبل مبعثه – أن هذا مكان وهذا زمان بعثته وهذه أوصافه، ثم لما كان الرسول من العرب كفروا به تعصبا أنه لم يكن من اليهود قال تعالى: )ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90)( (البقرة).

الخلاصة:

تفضيل اليهود للكفار على المسلمين مرده إلى أنهما – اليهود والكفار – اتحدا على استئصال شأفة المسلمين، لعلمهما أن دعوة محمد – صلى الله عليه وسلم – حق سوف يقضي على ما هم فيه من العزة والسلطان.

العصبية والبخل والأثرة من أهم صفات اليهود، وهي التي دفعتهم إلى هذا الموقف من المسلمين ورسولهم، فضلا عن حسدهم للعرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والملك الذي بدت مبادئ عظمته في الظهور.

 (*) الآية التي وردت فيها الشبهة: (النساء/ 51).

الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (النساء/ 52: 54، الكوثر/ 3، الإسراء/ 100، البقرة/ 109).

[1]. السدانة: خدمة الكعبة.

[2]. تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، ط2، د. ت، ج2، ص20.

المصدر

التشكيك في صيام مريم العذراء

مضمون الشبهة:

يشكك بعض المتوهمين في صيام مريم العذراء، ويستدلون على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: )فكلي واشربي وقري عينا( (مريم: 26)، قائلين: كيف يتفق هذا مع قوله: )فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا( (مريم: 26). ويتساءلون: كيف يستقيم قول مريم إذا مر بها أحد: )إني نذرت للرحمن صوما(، وهي الآكلة الشاربة، فأين هذا الصوم إذن؟!

وجها إبطال الشبهة:

1)  إن الصيام المقصود في كلام مريم، هو صيامها عن التحدث مع قومها؛ إذ حمل الصوم على المعنى اللغوي لا الشرعي.

2)  المراد بقوله سبحانه وتعالى: )فقولي إني نذرت للرحمن صوما( أي: قولي ذلك بالإشارة، فالإشارة تنزل منزلة الكلام.

التفصيل:

أولا. الصوم في الآية هو الصوم عن الكلام، وليس عن الطعام والشراب:

فالمقصود بالصوم في الآية: )فقولي إني نذرت للرحمن صوما( هو الصوم بمعناه اللغوي، وهو الإمساك عن أي فعل أو قول كان، وكل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير فهو صائم[1]. فالله – سبحانه وتعالى – يقول لمريم: إنك إذا رأيت أحدا ستدخلين معه في جدل؛ لأن المسألة التي أنت عليها لن تستطيعي أن تأتي بمبررات لها؛ لأن امرأة تحمل وتلد دون أن يمسها رجل كلام غير مقبول عند الناس، ولن يصدقوه، وسيتكلمون معك بسفاهة وجهل، فعليك بالصمت، وإذا رأيت أحدا من البشر، وسألك عما أنت فيه فقولي: إني نذرت لله صوما عن الكلام، فلن أكلم أحدا[2].

ويؤيد هذا المعنى قولها مؤكدة نذرها: )فلن أكلم اليوم إنسيا (26)( (مريم)، وقد ظهرت براءتها، وأعلنت على لسان وليدها – عليه السلام – فإن كانت هي قد أمسكت عن الكلام بأمر الله – سبحانه وتعالى – فقد أنطق الله ابنها ليبرئها ربها عز وجل.

ثانيا. المراد بقوله سبحانه وتعالى: )فقولي إني نذرت للرحمن صوما( أي: قولي ذلك بالإشارة، فالإشارة تنزل منزلة الكلام:

هناك العديد من الأدلة على قيام الإشارة مقام الكلام؛ فمن ذلك ما سمع في كلام العرب من إطلاق الكلام على الإشارة؛ كقول أحد الشعراء:

إذا كلمتني بالعيون الفواتر

رددت عليها بالدموع البوادر

ومن الأدلة على قيام الإشارة مقام الكلام أيضا، قصة الأمة السوداء التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال – صلى الله عليه وسلم – لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة»[3]. فجعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات؛ وهو الذي يعصم به الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجي من النار. ومن ذلك ما جاء في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا – ثم عقد إبهامه في الثالثة – فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين»[4]، فهذا الحديث صريح في أنه – صلى الله عليه وسلم – نزل إشارته بأصابعه إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما، وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: وفي هذا الحديث جواز اعتماد الإشارة المفهمة في مثل ذلك[5].

يجوز أن هذه الكلمة (فقولي) هي التي تقطع بها مريم الكلام مع القوم، أو يجوز أن تكون الدلالة بالإشارة، والدلالة بالإشارات أقوى الدلالات وأعمها، ولذلك فالأخرس حين يكون في بيئة تفهمه يستطيع أن يتفاهم مع الناس، ويفهم الناس منه ما يريد قوله عن طريق الإشارات[6].

الخلاصة:

المراد بالصوم المذكور في قوله سبحانه وتعالى: )إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26)( (مريم) الصوم بمعناه اللغوي، وهو “الإمساك عن أي فعل، أو قول كان، وكل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير فهو صائم”، وليس المقصود الصوم عن الطعام والشراب، وصيام مريم كان عن الكلام مع قومها؛ لعدم قدرتها على إقناعهم، ولأن ذلك أمر سيطول الجدال فيه.

المراد بقوله سبحانه وتعالى: )فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا(، أي: قولي ذلك بالإشارة المفهمة، فالإشارة تنزل منزلة الكلام، ومن ذلك ما سمع في كلام العرب من إطلاق الكلام على الإشارة كثيرا، وما ورد في السنة النبوية الشريفة، مما يؤيد هذا المعنى المراد.

(*) هل القرآن معصوم؟ موقع إسلاميات. www.Islamiyat.com

[1]. مختار الصحاح، أبو بكر الرازي، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1415 هـ/ 1995م، مادة: صوم. المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1997م، مادة: صوم.

[2]. قصص الأنبياء، محمد متولي الشعراوي، دار القدس، القاهرة، ط1، 2006م، ص426.

[3]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (1227).

[4]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال (2551).

[5]. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1992م، ص275: 278.

[6]. قصص الأنبياء، محمد متولي الشعراوي، دار القدس، القاهرة، ط1، 2006م، ص426.

المصدر

دعوى الاكتفاء بما كان عليه الآباء والأسلاف من معتقدات وعبادة ولا حاجة لمعتقدات أو شعائر جديدة

مضمون الشبهة:

ادعى الضالون والكفرة من المشركين أن ما عليه آباؤهم من عبادة الأصنام والأوثان هو المعتقد الصحيح الذي هم به مؤمنون وله متبعون، وعلى آثاره مقتفون، ومن ثم فهم ليسوا في حاجة إلى أية معتقدات جديدة يأتي بها الإسلام ورسوله. قال تعالى: )وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا( (البقرة: 170)، وقال تعالى: )بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22)( (الزخرف).

وجها إبطال الشبهة:

1)  التقليد على إطلاقه مذموم، فما بالنا إذا كان تقليدا في الجهل والسفه والضلال!، فلا شك أن يكون أشد ذما.

2) القرآن الكريم دائم الدعوة إلى النظر والتأمل والتعقل في المقارنة بين دعوة الرسل وما فيها من الصدق والحق، وما كان عليه الآباء من ضلال وعي.

التفصيل:

أولا. التقليد مذموم، ويكون أشد ذما في تقليد الجهل والسفه والضلال:

هذه شبهة واهية تعلق بها هؤلاء المشركون عندما أمروا باتباع ما أنزل إليهم من ربهم وعدم اتباع أولياء من دونه، فقالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك والعقائد والمذاهب، وحسبنا ما تقلدناه من ساداتنا وكبرائنا وشيوخ علمائنا )وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا( (لقمان: 21).

وقد رد الله عليهم مقولتهم هذه وأبان عن فساد مذهبهم بقوله )أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170)( (البقرة)، وقوله أيضا: )أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104)( (المائدة) والمعنى: أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في كل حال وفي كل شيء، ولو كان آباؤهم لا يفهمون شيئا ولا يعقلون شيئا من عقائد الدين ولا يهتدون إليه فكيف يتبعونهم والحال هذه، لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلا.

وكأن القرآن بذلك أنزلهم منزلة من لا يفهم الخطاب ولا يعقل الحجج والدلائل، ولو كان لهؤلاء المقلدين قلوب يفقهون بها لكانت هذه الحكاية كافية لتنفيرهم من التقليد الأعمى للآباء والكبراء، فإنهم في كل ملة، وجيل يرغبون عن اتباع ما أنزل الله استئناسا بما ألفوه مما وجدوا آباءهم عليه، كما حكى القرآن عن قوم إبراهيم في عبادتهم للأصنام من دون الله: )قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22)( (الزخرف)، وكقول قوم موسى لما جاءهم الحق: )فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (36)( (القصص)، ومثل ذلك قول قوم نوح لما أمرهم بعبادة الله وحده: )ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24)( (المؤمنون(.

وحسبك بهذا القول شناعة، إذ العاقل لا يؤثر على ما أنزل الله تقليد أحد من الناس، وإن كبر عقله وحسن سيره، فما من عاقل إلا وهو عرضة للخطأ في فكره، وما من مهتد إلا ويحتمل أن يضل في بعض سيره، فلا ثقة في الدين إلا بما أنزل الله، ولا معصوم إلا من عصم الله، فكيف يرغب العاقل عما أنزل الله إلى اتباع الآباء مع دعواه الإيمان بالتنزيل، على أنه لو لم يكن مؤمنا بالوحي لوجب أن ينفره عن التقليد قوله سبحانه وتعالى: )أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170)( (البقرة)، فإن هذا حجة عقلية لا تنقض.

ولذلك وجدنا القرآن يسفه أحلامهم ويضلل آباءهم حينما ذكروا أنه لا حجة لهم سوى صنيع آبائهم، فقال لهم كما قال إبراهيم – عليه السلام – لقومه مقيما الحجة عليهم: )لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54)( (الأنبياء).

أي أن الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، ولهذا قال – عز وجل – أيضا: )أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21)( (لقمان).

وهذه الحجة الباطلة شنشنة أهل الضلال من السابقين واللاحقين قد استووا فيه كما استووا في مثاره وهو النظر القاصر المخطئ، قال عز وجل: )وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23)( (الزخرف)، كأنهم قد أوصى بعضهم بعضا بهذه المقولة، كما قال الله في موضع آخر: )أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53)( (الذاريات) أي: بل قد اشتركوا في سببه الباعث عليه وهو الطغيان.

ثانيا. دعوة القرآن لأهل الشرك أن يمعنوا النظر فيما يعتقد آباؤهم وما جاء به النبي عليه السلام:

من ردود القرآن عليهم أيضا أن دعاهم إلى النظر والتعقل فيما اتبعوا فيه آباءهم، لعل ما دعاهم إليه الرسول أهدى منهم، إذ كان عليهم أن يقارنوا بين ما جاءهم به الرسول وبين ما تلقوه من آبائهم، فإن شأن العاقل أن يميز ما يلقى إليه من الاختلاف ويعرضه على معيار الحق، وشأن المقلد أن يغتر بأحوال من سبقوه فلا يتأمل في مصادفة أحوالهم للحق، وفي ذلك يقول الحق – سبحانه وتعالى – لنبيه صلى الله عليه وسلم: )قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (24)( (الزخرف).

وهذا فيه من نقض حجتهم الواهية ما فيه؟ إذ لو كانوا عقلاء حقا لأقاموا الموازنة بين الأمرين، لكنهم لعنادهم وضلالهم وضعف حجتهم ثبتوا على دين آبائهم لا ينفكون عنه، وإن كان ما جاء به الرسول أرشد وأهدى، وما ذاك إلا بسبب التقليد المذموم.

ولذا يعقب السياق القرآني على موقفهم ذاك تعقيب بما فيه من التعجب والتأنيب )أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104)( (المائدة)، وليس معنى هذا الاستنكار لاتباعهم لآبائهم ولو كانوا لا يعلمون شيئا ولا يهتدون أن لو كان يعلمون شيئا لجاز لهم اتباعهم وترك ما أنزل الله وترك بيان الرسول! إنما هذا تقرير لواقعهم وواقع آبائهم أو ما شرعوه لأنفسهم. ولا يركن أحد إلى شرع نفسه أو شرع أبيه، وبين يديه شرع الله وسنة رسوله، إلا وهو لا يعلم شيئا ولا يهتدي!

وليقل عن نفسه أو ليقل عن غيره ما يشاء: إنه يعلم وإنه يهتدي فالله سبحانه أصدق، وواقع الأمر يشهد أنه لا يعدل عن شرع الله إلى شرع الناس إلا ضال جهول! فوق أنه مفتر كفور[1]!

الخلاصة:

الإسلام رسالة التحرر الفكري، والانطلاق الشعوري لا تقر التقليد المزري، ولا تقر محاكاة الآباء والأجداد اعتزازا بالإثم والهوى. فلا بد من سند، ولابد من حجة، ولابد من تدبر وتفكير، ثم اختيار مبني على الإدراك واليقين.

دعا الإسلام هؤلاء المقلدين إلى النظر والعبرة فيما جاء النبي به – صلى الله عليه وسلم – وما يقولونه عن الآباء، فإن شأن العاقل أن يميز بين الغث والسمين – إن كان يريد الصواب – وسوف يجدون أن ما يدعونه باطل لا أساس له.

(*) الآيات التي وردت فيها الشبهة: (البقرة/ 170، المائدة/ 104، الزخرف/ 22، 23، الأنبياء/ 53، المؤمنون/ 24، سبأ/ 43، لقمان/ 21، القصص/ 36).

الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (البقرة/ 170، المائدة/ 104، الأنبياء/ 54، 56، لقمان/ 21، الزخرف/ 23، 24).

[1]. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، مصر، ط13، 1407هـ/ 1987م، ج2، ص991.

المصدر

دعوى أن رغد العيش وسعة المنازل دليل على صحة الدين والمعتقد ورضا الرب عز وجل

مضمون الشبهة:

يحتج الكفار والمشركون على صحة ما هم عليه من الدين – من وجهة نظرهم – بأنهم أحسن مقاما من الذين آمنوا وأجمل منازل وأرفع دورا وأحسن نديا وأكثر واردا وطارقا وأعظم أثاثا وأحسن صورا، ويقولون: كيف نكون بهذه المثابة وتلك المنزلة الرفيعة ثم يكون ديننا باطلا؟! إن رفعتنا على المؤمنين في هذه الأمور لأكبر دليل على صحة ما نحن عليه من ديننا ومعتقداتنا. وعن رضا الرب – عز وجل – عنا. قال تعالى: )وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35)( (سبأ).

وجوه إبطال الشبهة:

1)  قياس صحة الإيمان بكثرة الأموال قياس باطل، فليس كل من كثر ماله كان دينه حقا.

2) القرب من الله ليس بكثرة الأموال والأولاد، إنما بالتقوى والعمل الصالح، فقد أهلك الله كثيرا من الأمم التي كانت أغنى من مشركي العرب، أهلكهم بذنوبهم ولم ينظر إلى أموالهم وأولادهم.

3) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر امتحانا واختبارا، فضلا عن أنه قد تكون سعة المال استدراجا من الله لهؤلاء المستكبرين، كما حدث مع كثيرين وعلى رأسهم قارون عليه لعنة الله.

التفصيل:

أولا. قياس صحة الإيمان بكثرة الأموال والأولاد قياس باطل، فليس كل من كثر ماله كان دينه حقا:

اغتر المشركون من أهل مكة من السادة والكبراء، والأشراف بكثرة أموالهم وأولادهم وما أعطوا من الترف وسعة العيش، واتخذوا ذلك دليلا لصحة ما هم عليه من باطل، وبطلان ما عليه المسلمون من الإسلام، فقاسوا صحة الدين والمعتقد على كثرة الأموال والأولاد، وهو قياس باطل وزعم مردود، كما استدلوا بالغنى وكثرة الأموال والأولاد التي تقربهم إلى الله – بزعمهم – على انتفاء العذاب عنهم، فحصروا بذلك وسائل القرب من الله في وفرة الأموال، وكثرة الأولاد.

وهذا ليس شأنهم وحدهم، بل هو شأن كثير من الأمم المكذبة بما جاء به الرسل، وحال كثير من المترفين والأغنياء والكبراء، والسادة المعاندين لدعوة الأنبياء، فقوم نوح – عليه السلام – كما حكى عنهم القرآن اعترضوا على الإيمان به بقولهم له: )أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111)( (الشعراء)، وقالوا أيضا: )ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي( (هود: 27)، وقوم صالح من المستكبرين يعترضون على دعوته كما حكى القرآن عنهم قائلين: )للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76)( (الأعراف)، فليس في هذا جديد بل هذه سنة الرسل في أقوامهم أن يكذبهم المترفون ويتبعهم الضعفاء، قال عز وجل: )وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23)( (الزخرف)، وقال أيضا: )وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (34)( (سبأ).

ويحاول هؤلاء المشركون المترفون إبطال حقيقة الإسلام بدليل سوفسطائي مردود؛ حيث يجعلون كثرة أموالهم وأولادهم حجة على أنهم أهل حظ عند الله – عز وجل – ومظنة عناية عنده، وأن ما هم عليه هو الحق، وهذا تعريض منهم بعكس حال المسلمين وما هم عليه من ضعف وقلة عدد وشظف عيش ليستدلوا على أنهم غير محظوظين عند الله، وهذا من تمويه الحقائق حيث لم يتفطنوا إلى أن أحوال الدنيا مسببة على أسباب دنيوية لا علاقة لها بأحوال الأولاد، وهذا مبدأ سوفسطائي وهمي خطير يقول به أهل العقائد الضالة ومرجعه قياس الغائب على الشاهد، وهو قياس يصادف الصواب تارة، ويخطئه تارات أخرى.

وقد رد الله – عز وجل – عليهم شبهتهم هذه بعدة ردود مقنعة لكل ذي عقل ولب سليم، فمن ذلك أنه بين لهم أن الله هو الذي يبسط الرزق ويوسعه أو يقدره ويضيقه ولا ارتباط لهذا التوسيع والتضييق بمسألة الهداية والضلال، فربما وسع الله الرزق على العاصي وضيقه على المطيع، وربما عكس، فلا يغرنكم هذا ولا ذاك فإنكم لا تعلمون، ولذا قال عز وجل: )قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36)( (سبأ)، فأكثر الناس تلتبس عليهم الأمور فيخلطون بينها ولا يضعونها في مواضعها، وهذا الإبطال لدعواهم هذه يسمى في علم المناظرة نقضا إجماليا.

ثانيا. القرب من الله ليس بكثرة الأموال والأولاد وإنما بالتقوى والعمل الصالح:

أما ما توهموه من أن بسط الرزق علامة على القرب عند الله عز وجل، وضد ذلك علامة على ضده، فليس هذا بصحيح، وبهذا أخطأ أحمد بن الراوندي في قوله:

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه

وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرة

وصير العالم النحرير زنديقا

ولو كان عالما نحريرا حقا لما تحير فهمه وما تزندق، ولكن أداه إلى ذلك ضيق أفقه وعطن فكره.

فأبطل الله مقالتهم هذه، وأوضح أنه لا يقرب إلى الله إلا الإيمان والعمل الصالح، فإن الله يعطي المال والدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، لكنه لا يعطي الآخرة إلا لمن أحب، قال عز وجل: )وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37)( (سبأ).

وهذا ارتقاء في الرد من إبطال الملازمة التي توهموها إلى الاستدلال على أنهم ليسوا بمحل الرضى عند الله عز وجل، وهذا ما يسمى في علم المناظرة نقضا تفصيليا لإبطال دعوى الخصم.

ثم بعد أن أبطل الله مزاعم المشركين في أن تكون الأموال والأولاد بذاتها وسيلة قرب لدى الله – عز وجل – أبان لهم أن المال إن استعمل في طلب مرضاة الرب بالإنفاق فيما أذن فيه الشرع فإن الانتفاع به ثابت بما يجلبه من الثواب وما يدخره الله – عز وجل – للمنفق، فقال – عز وجل – عقب الآيات السابقة: )قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39)( (سبأ).

ثالثا. الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده امتحانا واختبارا فضلا عن كونه استدراجا للمستكبرين كما حدث مع قارون:

ومن اللفتات الطيبة التي نبه عليها الحق – عز وجل – في كتابه بشأن هذه المسألة في موطن آخر ما أرشد إليه القرآن من أن إعطاء الأموال والأولاد لهؤلاء المغرورين ليس لكرامتهم على الله ولا معزتهم لديه، فليس الأمر كما يزعمون ويتوهمون، لقد خاب رجاؤهم وضل مسعاهم، فإنما يفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء، قال عز وجل: )أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56)( (المؤمنون)، وقال أيضا: )إنما نملي لهم ليزدادوا إثما( (آل عمران)، وقال: )ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17)( (المدثر)، وقال: )لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197)( (آل عمران)، وقال: )نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24)( (لقمان)، وقال أيضا: )ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3)( (الحجر)، وقال: )فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55)( (التوبة).

وأوضح مثال على ذلك ما حدث مع قارون؛ فقد زعم أنه أوتى المال بمهارته وذكائه وليس من فضل الله وتوفيقه، فقد قال مقولة يقولها كل من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه حيث يقول: لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي ما أعطي، ولولا أنه عند الله خصيص وذو حظوة ما خوله هذا، ولولا رضا الله عنه ومعرفته بفضله ما أعطاه هذا المال، كما قال الله – عز وجل – مخبرا عن شأن الإنسان عموما في حال جحوده: )فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم( (الزمر: 49)، وتلك مقولة كثير ممن سلف من الأمم ودعوى يدعيها كل جاحد، قال عز وجل: )قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50)( (الزمر).

وقد رد الله عليه هو وأمثاله ادعاءهم هذا، وأبطل زعمهم أنهم أوتوا ذلك بسبب علمهم وفطنتهم وتدبيرهم، وبين لهم أن هذا من باب الفتنة فليس ما أنتم فيه من خير نتيجة لمساعيكم، بل ما أوتيتم من نعمة إنما آتاكم الله إياها ليظهر للأمم مقدار شكركم وهو فتنة تختبرون بها، قال عز وجل: )بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49)( (الزمر).

فإن سعة الرزق قد تكون استدراجا ومكرا، وتقتيره قد يكون رفعة وإعظاما، وفي هذا عبرة لمن يعتبر من المؤمنين المتفكرين، قال عز وجل: )أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52)( (الزمر).

ومن ردود القرآن في مواضع أخرى ما أنكره الله على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله – عز وجل – عليه في الرزق فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له، وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان، كما قال عز وجل: )أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56)( (المؤمنون)، وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له، ولذا قال – عز وجل – عقب ذلك: )فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا( (الفجر).

أي ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله – عز وجل – يعطى المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في كل من الحالين على طاعة الله، إذا كان الإنسان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرا بأن يصبر.

ومن هنا يبين القرآن أن الرزق قد جعل الله له أسبابا وسننا في هذه الحياة الدنيا، ولذا قال لمن ادعوا أنهم أوتوا المال على علم: )أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر( (الزمر: 52)، فمن ادعى أن الإعطاء دليل الكرامة والاستحقاق والقرب إلى الله فزعمه باطل مردود، وتأويله فاسد مدحض، ولذا قال عز وجل: )وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا( (سبأ: 37)، وقال: )قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105)( (الكهف).

فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه، ورب أشعث أغبر مطرود بالأبواب لو أقسم على الله لأبره، فمناط الردع جعل الإنعام علامة على إرادة الله إكرام المنعم عليه وجعل التقتير علامة على إرادة الإهانة، وليس مناطه وقوع الكرامة ووقوع الإهانة؛ لأن الله – عز وجل – أهان الكافر بعذاب الآخرة ولو شاء إهانته في الدنيا لأجل الكفر لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق، وهكذا شأن الله في معاملته للناس في هذا العالم، له أسرار وعلل لا يحاط بها، وأهل الجهالة والضلالة، بمعزل عن إدراك سرها بأقيسة وهمية، والأولى لهم أن يطلبوا الحقائق من دلائلها العقلية، وأن يعرفوا مراد الله من وحيه إلى رسله، وأن يحذروا من أن يحيدوا بالأدلة عن مدلولها، وأن يستنتجوا الفروع من غير أصولها، أما العلماء فهم يضعون الأشياء في مواضعها ولا يخلطون ولا يخبطون، ولذا أعقب الله الرد على من ادعوا أنهم أوتوا المال بسبب علمهم وذكائهم وحيلهم فقال: )بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49)( (الزمر)، وقال لقارون: )أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا( (القصص: 78)، والمعنى: أو لم يعلم قارون حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علم عنده فاستحق بذلك أن يؤتى ما أوتي من الكنوز، أن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هو أشد منه بطشا، وأكثر جمعا للأموال، ولو كان الله يؤتى الأموال من يؤتيه لفضل فيه وخير عنده ولرضاه عنه لم يكن يهلك من أهلك من أرباب الأموال الذين كانوا أكثر منه مالا؛ لأن من كان الله راضيا عنه فمحال أن يهلكه الله وهو عنه راض، وإنما يهلك من كان عليه ساخطا.

الخلاصة:

غرض هؤلاء المشركين من هذه الشبهة إدخال الشك على المستضعفين من المؤمنين وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه المحق في دينه، ومن قل ماله دل على أن ما هو عليه من دين هو باطل، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا ولا في المؤمنين غنيا، ولم يعلموا أن الله – عز وجل – نـحى أولياءه عن الاغترار بالدنيا وفرط الميل إليها.

هذه الشبهة طالما أثارتها كثير من الأمم الضالة المكذبة لرسلها، فقوم نوح يقولون له: )قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111)( (الشعراء) وقوم صالح من المترفين يقولون للمستضعفين منهم: )أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه( (الأعراف: ٧٥)س، ويقولون أيضا له: )إنا بالذي آمنتم به كافرون (76)( (الأعراف)، وأهل مكة يقولون: )لو كان خيرا ما سبقونا إليه( (الأحقاف: 11).

يقصدون بذلك المستضعفين من المؤمنين أمثال بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، ونحوهم – رضي الله عنهم – وقد أبطل الله زعمهم وأبان أنه أهلك قرونا كثيرة كانوا أرفه من مشركي العرب متاعا، وأجمل منهم منظرا وأحسن أثاثا، وأجمل صورا ومناظر، فأهلكناهم وغيرنا صورهم، وبدلنا النعمة والبهجة التي كانوا فيها لكفرهم واستكبارهم، فقال عز وجل: )وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا (74)( (مريم).

وقد رد الله على هؤلاء شبهتهم في مواضع كثيرة من كتابه وأبان أنها قائمة على حجة موهومة ودليل سوفسطائي مزعوم؛ إذ لم يفطنوا إلى أن أحوال الدنيا في الغنى والفقر مسببة على أسباب قدرها الله ولا علاقة لها بصحة الدين أو بطلان المعتقد، وقد يرزق الله الإنسان رغدا في العيش وسعة في الرزق استدراجا وإملاء، كما قال عز وجل: )إنما نملي لهم ليزدادوا إثما( (آل عمران: 178)، وقال: )ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110)( (الأنعام)، وعلى هذا فمقولتهم تلك ناشئة عن غلط في الفهم وفساد في الفكر وخطأ في القياس، وقد فصلنا الرد على هذه الشبهة عند الحديث عن قوله عز وجل: )وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35)( (سبأ)، وكذلك عند قوله عز وجل: )وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه( (الأحقاف: 11).

(*) الآيات التي وردت فيها الشبهة: (فصلت/ 50، مريم/ 73، الأحقاف/ 11، سبأ/ 35، المؤمنون/ 55، 56، القصص/ 78، الزمر/ 49، الفجر/ 15، 16).

الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (مريم/ 73، 74، آل عمران/ 178، 196، 197، المؤمنون/ 56، الأنعام / 53، 110، القصص/ 78، الزمر/ 5، 52، الفجر/ 17، التوبة/ 55، 85، سبأ/ 36، 37، 39، الأحقاف/ 11، المدثر/ 11: 17).

المصدر

لماذا أمورُ الكفارِ والعصاةِ ميسرةٌ دونَ الطائعينَ؟

الحمدُ للهِ الذي يبسطُ الرزقَ لمن يشاءُ بحكمتِهِ ويقدِرُ، والصلاةُ والسلامُ على نبيّنَا الذي افترشَ الحصيرَ ورضيَ بالقليلِ ولو شاءَ لسألَ ربهُ الكثيرَ..

تضيقُ الحياةُ على بعضِ المؤمنينَ، فيتساءلُ بعضهُمْ: لماذا أجدُ حالَ من جاهرَ بمعاصيهِ قدْ جاءتهُ الدنيا وأنا في ضيقٍ رغمَ صلاتِي وقرآنِي وأذكارِي؟

وفي هذهِ الكلماتِ نحاولُ معاً بإذن اللهِ تسليطَ الضوءِ على زوايا عدّةٍ تُظهرُ أخطاءً في تلكَ النظرةِ، ولعلَّ الكلماتِ تكونُ نوراً بإذنِ اللهِ تعالى للمؤمنِ، فيرَى موضعَ قلبهِ في تلكَ الحياةِ، ويصبرَ ويشكرَ حتى يلقَى اللهَ، ونبدأُ بسمِ اللهِ..

١- التعميمُ المتسرِّعُ:

يقعُ المتسائلُ هنا في مغالطةِ التعميمِ المتسرعِ، وذلكَ حين يرَى بعضَ أمثلةٍ لمنْ يُتَوَسَّمُ فيهمُ الصلاحُ وقدْ صارُوا في ضيقٍ منَ العيشِ بينما يتقلبُ في الرفاهيةِ من اتخذُوا دينهمْ هزواً ولعباً وغرتهمُ الحياةُ الدنيا، ولا يمكنُ لعاقلٍ أن ينكرَ وجودَ تلكَ الأمثلةِ، ولكنْ منَ الغفلةِ أن ننكرَ وجودَ الصالحينَ المنعَمِينَ، وكذلكَ وجودَ الفاسقينَ البائسينَ.

فإنْ قيلَ: كَثُرَ عددُ الفساقِ أولُو الترفِ، نقولُ: ربمَا، ولكنْ ربما أيضاً يكونُ ذلكَ نتاجَ مجتمعٍ لو بحثنا في فُقَرائهِ لوجدنا فيهم منَ الظلمِ الكثيرِ، فيكثرُ في مجتمعٍ صالحُوهُ في مختلفِ فئاتِهِ، والعكسُ بالعكسِ.

٢- الابتلاءُ بالنعمِ:

ثمّةَ ما هو ملتَبِسٌ على كثيرٍ مِنَّا؛ إذْ يظنُّ كثيرونَ أنَّ الفقيرَ والمريضَ مبتلىً بينمَا لا يُبْتَلَى المعافَى الغنيُّ، والحقُّ أنَّ الصنفَ الأخيرَ مبتلىً بالمعافاةِ والغنَى وما هوَ فيهِ من خيرٍ، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون} [سورة الأنبياء].

وقال سبحانه: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [سورة الفجر].

فليسَ معيارُ رضَا أو غضبِ اللهِ عنِ الناسِ ما همْ فيهِ من غنىً وسعةٍ أو ضيقِ رزقٍ، ولكنْ على الناسِ أن يتدبرُوا أحوالهُم، فهلْ همْ يكرمُونَ المبتلينَ من اليتامَى؟ وهل يحثُّونَ بعضهمْ بعضاً على إطعامِ المساكينِ؟

إنَّ رضَا اللهِ يُنالُ بمثلِ هذَا، كما قيلَ قديماً: إذا أردتَ أن تعرفَ مقامكَ فانظرْ فيمَ أقامكَ، والفتنُ خطافةٌ والابتلاءُ بالنعمِ ليسَ هيّناً.

وهذا الأمرُ نجدهُ ظاهراً فيما قالهُ ربنا تعالى حكايةً عن نبيهِ سليمانَ: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}[سورة النمل].

٣- إنمَا هوَ استدراجٌ:

قالَ نبينَا صلى الله عليه وسلم: (فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ)، فتلك الدنيا فتنةٌ خاطفةٌ، ولا ينجُو من فتنتِهَا إلا من زكَّى نفسَهُ، والاختبارُ ليسَ بالهيّنِ إذ قدْ يُزَيِّنُ للمرءِ نفسِهِ سوءُ عملِهِ بعدَ رؤيتهِ النعمَ تتوالَى عليهِ تترَا، ولكنْ قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (إذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ” ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ})..

قال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)} [سورة القلم]، وقال سبحانه: { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (178)}[سورة آل عمران]، وقال سبحانه في السورة نفسها: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)}.

وقد قصَّ علينا ربُّنا نبأَ قارونَ وكيفَ تمنَّى قومُه لو كانَ لهمْ مثلَ ما لَهُ، ثم رجعُوا عن قولهمْ بعدَ رؤيتهمُ العاقبةَ، ومن لم ينلْ عقابهُ في الدنيا، فقدْ قالَ تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍۢ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ}.

٤- لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا:

كمْ منْ مجاهرٍ بالمعصيةِ أو كافرٍ قد نالَ شهرةً ونفوذاً ومالاً وما يحسدهُ عليهِ الناسُ، ثمَّ تابَ إلى ربهِ وصارتْ قصتهُ عبرةً وعظةً لما فيها من ثباتٍ وهجرٍ للملذاتِ؟

كَمْ من صاحبِ مالٍ كانَ مفسداً ثمَّ تابَ وأصلحَ وأنفقَ مالهُ في سبلِ الخيرِ؟

لا ينبغِي للمؤمنِ أن يحكمَ على الأمورِ وعلى الناسِ حكمَ من يعلمُ العاقبةَ والخاتمةَ، ولْيَسْأَلِ اللهَ الهدايةَ لمنْ ضلَّ، ولْيَحْرِصْ على تزكيةِ قلبهِ.

٥- وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ:

لو خلقَ اللهُ الناسَ كلَّهُم بعينٍ واحدةٍ إلا القليلَ لمْ يكنْ لهمْ نصيبٌ في رؤيةِ العالمِ، لمَا اعتبرَ الناسُ الأعورَ مبتلَىً، وكذلكَ لوْ جعلَ اللهُ الناسَ يرونَ خلفَ ظهورِهمْ رؤيتَهُم لِمَا بينَ أيديهمْ، لاعتبرَ الناسُ من لا يَرَى إلا أمامهُ -كما هو حالنَا- مبتلىً قد أصيبَ في الرؤيةِ بمصابٍ عظيمٍ؛ فالمقارناتُ تجعلُ لنَا حَكَمَاً يغفلُ عن النعمِ، فلا يمدُّ المؤمنُ عينهُ إلى ما في أيدي الناسِ، ولو تفكَّرَ في نِعَمِ ربهِ عليهِ؛ لظلَّ يردِّدُ قوله سبحانه: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18)} [سورة النحل].

٦- بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ:

ربنَا يبسطُ الرزقَ ويقْدِرُ، وليسَ لأحدٍ على اللهِ فضلٌ بصلاةٍ أو صدقةٍ، ولكنْ للهِ الفضلُ كلُّهُ إذ أعانَ ويسَّرَ وهدَى وثبَّتَ، فعلى المؤمنِ أن يَحْذَرَ خطواتِ الشيطانِ، ولا يصيبَهُ عُجْبٌ أو تَسَخُّطٌ ظناً منهُ أنَّ ما يطلبهُ حقٌّ، فالمؤمنُ يعبدُ اللهَ ويرجُو اليومَ الآخرَ، ونعوذُ باللهِ أن تكونَ نيَّتُنَا دُنْيَا إن نلناهَا رضِينَا وإلا سخطنَا.

.. وفي النهايةِ ينبغِي تذكيرُ المؤمنِ أنَّ الدنيا ليستْ هيَ الدارُ التي ينشدُهَا، ولكنَهُ يعملُ من أجلِ يومٍ قالَ اللهُ تعالى عنه: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}، وها هوَ خيرُ المرسلينَ يفترشُ الحصيرَ وقدْ كان كسرَى وهرقلُ يَتَنَعَّمَانِ، وانظرْ إلى ما قالهُ الفاروقُ عمرُ فيمَا كانَ بينهُ وبينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (وإنَّهُ لعَلى حَصِيرٍ ما بينَهُ وبينَهُ شيءٌ، وتحتَ رأسِهِ وسادةٌ من أَدَمٍ حشوُهَا ليفٌ، وإنَّ عندَ رجليْهِ قَرْظًا مصْبُوبًا، وعندَ رأسهَ أَهَبٌ معلقةٌ، فرأيتُ أثرَ الحصيرِ في جَنْبِهِ فبكيتُ، فقالَ: (ما يُبْكِيكَ)، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ كِسْرَى وقَيْصَرَ فيمَا همَا فيهِ، وأنتَ رسولُ اللهِ، فقالَ: (أمَا تَرْضَى أنْ تكونَ لهمْ الدنيا ولنَا الآخرةُ)).. فهذا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهؤلاءِ قادةُ الكفرِ..

وإنَّ اللهَ قدْ وعدَ المؤمنَ حياةً طيبةً، ولكنْ ما الحياةُ الطيبةُ؟

.. ليستِ الحياةُ الطيبةُ حياةَ الرفاهيةِ، ولكنهَا حياةُ الشاكرينَ في السراءِ الصابرينَ في الضراءِ، وقدْ قالَ صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له) رواه مسلم.

 ولو نظرنا لِسِيَاقِ الآياتِ سنجدُ قولَهُ تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ • مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}[سورة النحل]، فبالصبرِ والشكرِ تطيبُ الحياةُ، ولنا في أنبياءِ اللهِ أسوةٌ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

المصدر

مَا ذَنبُ مَن وُلِدَ فِي أُسرَةٍ غَيرِ مُسلِمَةٍ؟

الحمدُ للهِ المتّصفِ بالعدلِ والمنزهِ عن مطلقِ الظُّلمِ، والصلاةُ والسلامُ على نبيّهِ خاتَمِ المرسلينَ..

يتساءلُ البعضُ عن مصيرِ مَن نشأَ علَى غيرِ الإسلامِ، ومِن ثمَّ اتبعَ أَبَويهِ، وقدْ قالَ نبيُّنَا صلَّى اللهُ عليْهِ وسلمَ: (مَا مِن مولودٍ إلَّا يولدُ علَى الفطرةِ، فأبواهُ يهودانِهِ، أو ينصّرانِهِ، أو يمجسانِهِ) متفق عليه.

أليسَ يتبعُ هؤُلاءِ آباءَهُم كَما يتبعُ المسلمُ ما ورثَهُ مِن دينٍ؟

فَلِماذَا يُؤاخذُ غيرُ المسلمِ علَى انحيازِهِ لدينِ أبَويْهِ بَينَما يدخلُ المسلمُ الجنةَ؟

ومعلومٌ أنَّ السائلَ لَو كانَ غيرَ مسلمٍ فَهُوَ غيرُ مؤمنٍ بِمَا نعتقِدُهُ مِن دخولِ المسلمينَ الجَنّةَ، ودخولِ غيرِهم النّارَ، ومِن ثَمَّ يكونُ سؤالُهُ جَدلِيًّا تشغيبًا علَى المؤمنينَ، ولَكن هَذا السؤالَ يراودُ بعضَ المؤمنينَ بالفعلِ، ولأنَّ السؤالَ يتعلقُ باعتقادٍ إسلاميٍّ فالصوابُ أَن يكونَ الجوابُ مستندًا للرؤيةِ الإسلاميّةِ؛ حتَّى يكونُ التصَورُ للمسألةِ صحيحًا ومِن ثَمَّ يكونُ حكمَ القلبِ واستقبالَهُ للمسألةِ منضبِطًا محكومًا برؤيةٍ أكثرَ شمولًا؛ فالحكمُ علَى الشيءِ فرعٌ عن تصورِهِ.

وَفِي بدايةِ الجوابِ نذكرُ بأنَّ مَن نشأَ علَى غيرِ الإسلامِ لا يخلُو مِن حَالَينِ:

الأولُ: ألَّا يكونَ قد عرفَ الحقَّ أو سمعَ بهِ.

الثانِي: يكونُ قد بلغهُ الحقَّ أو سمعَ بهِ.

أمَّا الصنفُ الأولُ الذِي لمْ يبلغْهُ الحقَّ أو بلغهُ مشوَّهًا علَى غيرِ حقيقتِهِ ولمْ يكنْ لهُ سبيلٌ لمعرفَتِهِ، فحالُهُ مختلفٌ عن حالِ الصنفِ الثانِي، فقَدْ قالَ جلّ وعلَا: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:١٥]، وقَد قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَةَ رَحمَهُ اللهُ :

” وَهُنَا أَصْلٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ ، وَهُوَ : أَنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ إِلَّا مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ.. ثم قالَ: فَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ تَحْرِيفَ الْكِتَابِ ، لَفْظِهِ أَوْ مَعْنَاهُ ، وَعَرَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، فَعَانَدَهُ : فَهَذَا مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ.

وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّطَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ ، مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ ، مُشْتَغِلًا عَنْ ذَلِكَ بِدُنْيَاهُ..

إلى أن قال: وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَعَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ: أنَّهُ لَا يُعَذَّبُ إِلَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ ، وَلَا يُعَذَّبُ إِلَّا مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ ; كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ قَالَ تَعَالَى – لِإِبْلِيسَ- : {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: ٨٥]..

إلَى أنْ قالَ رحِمهُ اللهُ: وَمَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فِي الدُّنْيَا بِالرِّسَالَةِ ، كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَأَهْلِ الْفَتَرَاتِ. فَهَؤُلَاءِ فِيهمْ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ: أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَتِهِ، فَإِنْ أَطَاعُوهُ اسْتَحَقُّوا الثَّوَابَ، وَإِنْ عَصَوْهُ اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ.”

انتهَى، باختصارٍ مِن: “الجوابُ الصحيحُ لمَن بدّلَ دينَ المسيحِ”.

وقالَ الإمامُ أبُو حامدٍ الغزالِي رحمهُ اللهُ: “بلْ أقولُ: إنّ أكثرَ نصارَى الرومِ والتُّركِ في هذَا الزمانِ تشملُهُم الرحمةُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، أعنِي الذينَ هُم فِي أقاصِي الرُّومِ والتُّركِ، ولمْ تبلُغْهُم الدّعوةُ، فَإنّهُم ثلاثةُ أصنافٍ:

الصنفُ الأوّلُ: لمْ يبلغْهم اسمُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ أصلًا، فهُمْ معذُورُونَ.

 الصنفُ الثانِي: بلغَهُمُ اسمُهُ ونعتُهُ، ومَا ظَهرَ علَيهِ مِن المعجزاتِ، وَهمْ المجاورُونَ لِبلادِ الإسلامِ، والمخالطونَ لَهُم، وَهُم الكُفَّارُ الملحِدونَ.

 الصنفُ الثالثُ: هُم بَين الدرجتَينِ، بلَغهُم اسمُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ ولمْ يبلغْهُم نعتُهُ وصِفتُهُ، بَل سمِعُوا أيْضًا منذُ الصِّبَا أنْ كذَّابًا اسمُهُ محمدٌ -نعوذُ مِن ذَلك باللهِ تعالَى- ادَّعَى النبوَّةَ، كَما سمِعَ صِبيانُنا أن كذاباً يقالُ لهُ: المقفعُ بعثهُ اللهُ تحَدِّيًا بالنبُوّةِ، كاذِبًا، فهؤلاءِ عندِي في أوصافِهِ فِي معنَى الصنفِ الأوّلُ، فإنّهمْ معَ أنهُم لمْ يسمَعُوا اسمُهُ، سمعُوا ضدَّ أوصافِهِ، وهَذا لَا يحرِّكُ النظرَ فِي الطلبِ” انتهَى.

وأمَّا الصنفُ الثانِي، فهؤلاءِ الذينَ يثورُ حولَهم الإشكالُ عادةً، ونتناولُ -بإذنِ اللهِ تعالَى- الجوابَ مِن عدةِ محاوِرٍ:

١- قَدْ تبَيّنَ الرُّشدُ مِن الغيِّ.

٢- وماذا عليهمْ لو آمنُوا؟

٣- أَوَلَوْ كَانَ آباؤُهمْ..؟

٤- أفلم يسيرُوا فِي الأرضِ فينظُروا؟

٥- وتنْسَوْنَ أنفسَكُم؟

٦- ربُّهُم أعلَمُ بهِم.

وباللهِ تعالَى أستعينُ فِي البيانِ، ومَا كانَ مِن توفيقٍ فمِن ربنَا الرحمٰنِ، وما كانَ مِن زلَلٍ أو نسيانٍ فمن نفسِي ومِن الشيطانِ..

المحورُ الأوّلُ: قَد تبيَّنَ الرُّشدُ منَ الغَيِّ:

إنَّ اللهَ تعالَى مِن حكمتِهِ وعدلِهِ أنَّه لم يجعلْ الحقَّ والباطلَ سواءً فِي الحُجّةِ، ولمْ يجعلْ اللهَ سبحانَه الأمرَ يرجعُ إلَى عاطفةٍ وذوقٍ نسبِيٍّ، ولكنّها براهينٌ ساطِعةٌ لَا يملكُ المُنْصفَ إلّا الإقرارَ بِها والإذعانَ للِوازِمِها، والحقُّ فِطرِيٌّ يُوافِقُ العقلَ السليمَ، ولَا يستثِيرُ الشكَّ فِي أُصُولِهِ إلّا أن يأتيَ مشغّبٌ مِن الخارجِ ويثيرَ الشبهاتِ مبتدأً بالفروعِ، ثمّ يكونُ دحضُ الشبهاتِ علَى أهلِ العلمِ يسيرًا بفضلِ اللهِ.

يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنِ تيميةَ: “وَكُلَّما كانَ الناسُ إلَى الشَّيءِ أحوجَ كانَ الربُّ بِهِ أجوَدَ، وكذلك كُلمَا كانُوا إلَى بعضِ العلمِ أحوجَ كانَ بهِ أجودَ؛ فإنهُ سُبحانهُ الأكرمُ الذي علّمَ بالقلمِ علمَ الإنسانَ مالمْ يعلم، وهُوَ الذِي خلقَ فسَوَّى والذِي قدَّرَ فهَدَىٰ، وَهُو الذِي أعطَى كُلَّ شيءٍ خلْقَهُ ثمّ هدَى؛ فكيفَ لَا يقدِرُ أن يهدِيَ عبادَهُ إلىٰ أن يعلمُوا أنّ هذا رسولَهُ وأنّ مَا جَاءَ بهِ مِن الآياتِ آيةٌ من اللهِ وهيَ شهادةٌ مِن اللهِ لَهُ بصِدْقِهِ وكيفَ تقتَضِي حكمتُه أن يسويَ بينَ الصادقِ والكاذبِ فيؤيدَ الكاذبَ مِن آياتِ الصدقِ بمثلِ ما يؤيدُ بهِ الصادقَ حتَّى لا يُعرَفُ هذا مِن هذا، وأن يُرسِلَ رسولًا يأمرُ الخلقَ بالايمانِ بِهِ وطاعتِهِ وَلا يجعَلُ لهُم طريقًا إلَى معرفةِ صدقِهِ وهذا كَتكليفِهِم بمَا لا يقدِرونَ علَيهِ ومَالا يقدرونَ علَى أنْ يعلمُوه، وهذا ممتَنَعٌ في صفةِ الربِّ وهو منزّهٌ عنهُ سبحانَهُ؛ فإنّهُ لَا يُكلفُ نفسًا إلّا وُسعَها وقد عُلِمَ من سُنّتِهِ وعادتِهِ أنّهُ لَا يُؤيدُ الكذّابَ بمثلِ مَا أيَّد بهِ الصّادقَ” انتهى..

والباطلُ يحمِلُ دلائِلَ بُطلانِهِ فِي أُصُولٍ مُتناقِضَةٍ، وأشياءَ تخالفُ الفِطرَةَ مِمَّا يُثِيرُ الرَّيبَةَ في قلوبِ أهلِهِ حتَّى وَلَو لَم يأتِ من خارجِ منظومةِ الباطلِ مَن يثيرُ عليهِ شبهةً؛ فالباطلُ ظاهرُ البطلانِ، ويسهلُ ضربِ الأمثلةِ بثالوثِ نصارَى وصلبٍ وفداءٍ وخطيئَةٍ تورَثُ، وهُم يتّفِقون مَع مَا ينسِبُهُ اليهودُ لِلّٰهِ مِن ندمٍ واستراحةٍ، وما ينسِبُونَهُ لِلأنبياءِ مِن موبقاتٍ، وتِلكَ ديانةٌ تقَدّسُ البقَرَ، وديانةٌ ثالثةٌ أقربُ للفلسفةِ لأنّها ليْسَت تألِيهِيّةً، ويضيقُ المقامُ عَنِ التفصيلِ فِي مثلِ ذَلكَ.

قالَ ابنُ أبِي العِزِّ رحمهُ اللهُ: “إنَّ النُّبُوَّةَ إنَّما يَدَّعِيها أصدَقُ الصَّادِقينَ، أو أكذَبُ الكاذِبينَ، وَلا يلتَبِسُ هذا بِهذا إلَّا علَى أجهَلِ الجاهِلينَ، بل قرائِنُ أحوالِهِما تُعرِبُ عنهُما، وتُعرفُ بهِما، والتمييزُ بين الصَّادِقِ والكاذِبِ لهُ طرُقٌ كثيرةٌ فيما دُونَ دَعوَى النُّبُوَّةِ، فكيفَ بِدعوَى النُّبُوَّةِ؟” انتهى..

ومِن ثمَّ فإنَّ المسلمَ الذِي ورثَ الحقَّ مِن أبوَيْهِ ليسَ ملزَمًا بأن يشكَّ في الحقِّ بِلا داعٍ؛ فالحقُّ وافقَ فِطرَتَهُ بَينمَا لا يستطيعُ مَن اعتنقَ الباطلَ الاتّساقَ معَ باطلِهِ، ولكِن مِن رحمةِ اللهِ أنْ لَا يعَذِّبَ إلَّا بعدَ بلوغِ الرسالةِ كَما سبقَ التفصيلُ.

المِحورُ الثانِي: ومَاذا علَيهم لو آمَنُوا؟

إنَّ اللهَ تعالَى خلقَ الناسَ ووَهبَ لهُم قدرةً علَى الاختيارِ بينَ الطاعةِ وبينَ المعصيةِ، وإن كانَتِ البيئَةُ التِي ينشَأُ فِيها المَرءُ مؤثرةً في اختياراتِهِ إلَّا أنّ تأثيرَها ليسَ بالحَتمِيِّ، والواقعُ يشهدُ بِذلِكَ، فكَم مِن مُجرمٍ كانَ ابنُهُ مصلِحًا صالحًا؟

وكَم مِن مُصلِحٍ كانَ ابنهُ مفسِدًا؟

وكثيرًا ما يرَى النّاسُ اجتهادَ أبٍ فِي تربيةِ ابنهِ علَى حُبِّ مهْنتِهِ أو توجُّهِهِ الفكرِيِّ ثمَّ يجدُ الابنَ يُقبلُ علَى غيرِ هوَى أبِيهِ، ولوْ كانَ الأمرُ كذلكَ فِي الاختيَاراتِ الدنيوِيَّةِ، فلِمَاذا يجعلُ الناسَ دينَهُم أهونَ الأمورِ ولا يستمِعونَ لنداءِ الحقِّ إذا جاءَهُم؟

مَاذا علَيهِم لَو آمنُوا؟

المِحورُ الثالثُ: أَوَلَو كَان آبَاؤُهُم..؟

إِنَّ أفعالَ الناسِ ليْسَت مِعيارًا للحقِّ والباطِلِ، ولَو كانَ أغلبُ الناسِ يكذِبونَ فَلا ينبَغِي أن يشكَّ عاقلٌ فِي حُسنِ الصِّدقِ وفِي قُبحِ نقيضِهِ، وكذلك لا ينبَغِي أن نعذُرَ الاتباعَ الأعمَى للآباءِ بِدعوَى أنّ عامَّةَ الناسِ يفعلونَ ذلكَ، ولو سلَّمنا بهذه الطريقِ فِي التفكيرِ لبرَّرنا لكثيرٍ مِن الناسِ جرائمَهُم، وهذا معلومُ البُطلانِ..

وليسَ هذا الإشكالُ بالجديدِ، بل جاءَتْ آياتُ اللهِ ترُدُّ علَى هذِه الدّعوَى، ولَا تدَعُ لمعتذِرٍ بمثلِ ذلكَ عذْرًا، وَلِيبقَ الحقُّ واجبَ الاتباعِ، ويبقَ الهوَى أيًّا كانَ دافعُهُ مذمُومًا إن خالفَ ذلك الحقَّ..

قالَ تعالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة:١٧٠]

وقالَ سبحانهُ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان:٢١]

وقالَ جلَّ وعلَا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة:١٠٤]

المحورُ الرابعُ: أفلَم يَسِيرُوا فِي الأرضِ فَينْظُرُوا؟

مَن يستقرِئُ التاريخَ ويستنطِقُهُ يُخبرهُ عَن أُممٍ غيّرت دينَها، وقد بدَأَ الإسلامُ بِنَبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ ثمّ أسلمَ العربُ بعدَ عبادةِ أصنامِ، وتحوّلَ عامّةُ القِبطِ إلىٰ الإسلامِ، وكذلكَ فعَلَ التركُ والفرسُ والبَربرُ وغيرُهم الكثيرُ، وَمِن أعجبِ العَجبِ إسلامُ أُمّةِ التتَارِ وقد كَانوا هُم غُزاةَ المسلمينَ..

وكَما يشهدُ التاريخُ فإنّ الواقعَ يشهدُ بذلكَ، وقد أسلمَ ملايينُ النَاسِ في أفريقيَا فِي العقودِ الماضيةِ بفضلِ اللهِ ثمَّ جهودِ بعضِ المسلمينَ، مِثل: الدكتُور عَبد الرّحمٰنِ السميط -رحمهُ اللهُ- وَغيرِه ممَّن جعلَهُم اللهُ سببًا فِي تعريفِ الناسِ بالحقِّ.

وكَما أنّ فِي مثالِ الأُممِ التِي غيَّرَتْ دينَها خيرُ مثالٍ فإنَّ الأفرادَ الذينَ يُسلمونَ أو يغيِّرونَ دينَهم عمومًا دليلٌ علىٰ أنّ النشأةَ ليسَت مُلزِمةً لِلأفرادِ، ومِن المعروفِ بالمنطقِ أنَّ القضيةَ الموجبَةَ الكليّةَ تنتقضُ بالسالبَةِ الجُزئيّةِ؛ ومِن ثَمَّ فإنَّ وجودَ مَن يتحوّلونَ عَن دينِ الآباءِ ينقُضُ دعوَى العذرِ المطلقِ لِمَن اتبَعَ اتباعًا أعمَى رغمَ بلوغِ الحقِّ لهُ.

المحورُ الخامسُ: وتنسَونَ أنفُسَكُم؟

وهُنا يُمكِنُ أَن نَعجَبَ عجبًا لَو كَان يُمكِنُ كِتابتُهُ لمَا كفَىٰ تِلكَ الأرضُ الإحاطةَ بحدودِهِ، وذلكَ حينَ تجدُ مَن نَشأَ فِي أسرةٍ مسلمةٍ قد ارتدَّ عَنِ الإسلامِ ثُمّ يُثِيرُ مثلَ تلكَ الشُّبهَةِ، ويعيبُ علَى المسلمينَ اعتقادَهُم بهَلاكِ مُخَالفِيهِم، وذلك لِسبَبَينِ:

أُولاهُما: أنّهُ هُو نفسَهُ حُجَّةٌ علَى عدمِ استحالةِ التَّحَوّلِ عن دينِ الآباءِ.

ثَانِيهِما: انحيازُهُ غيْرُ المبرّرِ إذْ يَعذُرُ غيرَ المسلمينَ فِي عدمِ اعتناقِ الإسلامِ لِما يزعُمُهُ مِن سطوةِ الموروثِ، ثُمَّ لا يعذُرُ المسلمَ في اعتقادِهِ بنجاةِ المسلمينَ وَحدِهِم، ولو أنصفَ لقالَ: المسلمُ معذورٌ لأنه اعتقدَ ما يعتقدُهُ أهلُهُ.. ولكنّهُ الانحيازُ غيرُ المُبررِ.

المحورُ السادسُ:  رَبُّهُم أَعلمُ بِهِم:

إنَّ المسلمَ المُستَشكِلَ تلكَ المسأَلةِ دافعُهُ إمَّا الرحمةُ أو السؤالُ عنِ العَدلِ، ومعلومٌ أنَّ واهبَ الكمَالِ أَولَى بالاتّصافِ بِهِ، والذِي وَهبَنا الرّحمَةَ والعدلَ وجعَلَنَا مُستَحسنِينَ لَهُما مُستَقبِحينَ لِنقِيضِهِما، هُو أوْلى بالاتِّصَافِ بالعدْلِ والرَّحمَةِ والتنزُّهِ عنِ الظلمِ، وهوَ الذِي قالَ: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة يونس]

فاللهُ تعالَى أعلمُ بعبادِهِ وأرحمُ منَّا بهِم، وَهُو الذِي لَا يظلمُ مثقالَ ذرَّةٍ، وقدْ قالَ تعالَى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال:٢٣]

وقالَ سُبحانَهُ فِي ذاتِ السورةِ: {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال:٧٠]

فَربُّنا سبحانَهُ وتعالَى لَا يتْرُكُ مَن علِمَ فيهِ الخَيرَ للضلالِ، بَل اعلمْ -أيُّها المؤمِنُ- أنّ أولٰئِك الذينَ سيدخلُونَ النارَ مِن الكافِرينَ قَدْ عَلِمَ اللهُ تعالَى عنهُم أنَّهُم لَن يُؤمِنُوا وَلوْ عَادُوا إلىٰ الدُّنيَا بَعدَ رؤيتِهِم أهوالِ القيامةِ، فقد قالَ جلَّ وعَلا: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٧﴾ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [سورة الأنعام:٢٧-٢٨]

فَلا تقلقْ أيُّها المؤمنُ علَىٰ عبادِ اللهِ؛ فربُّهُم أعلَمُ بهِم، وَهُوَ سُبحانَهُ أرحَمُ بِهِم، وانشَغلْ بنجاتِك، واحرصْ علَى أن تدفعَك رحمتُك بالناسِ إلَى الاجتهادِ فِي بلاغِهِِم وهِدايَتِهم إلَى الحقِّ، وليسَ فِي مُحاوَلَةِ إِيجادِ الأعذارِ لهُم.

فالحمدُ للهِ الذِي أظهرَ الحقَّ وأرسلَ الرسُلَ وأنزلَ الكتبَ وسخرَ مِن عبادِ اللهِ مَن يُبلِّغُونَ رِسَالتَهُ، وَاللهُ تعالَى أسألُ أَن يستخدِمَنا وَلا يستبدِلَنا، وأن يهديَنا إلَى ما يرضِيهِ، وأن يُعلمَنا مَا ينفعنَا، وأن يهديَنا ويهدِيَ بِنا.

المصدر

ماذا لو تاب الشيطان ؟َ

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

يقولون:

إبليس لم يسجد لآدم عندما أُمر.

إذن لإبليس إرادة حرة، اختار بها عدم السجود.

إبليس من المنظرين إلى يوم القيامة.

والله يقبل التوبة من عباده قبل الموت .

فماذا يحدث لو قرر إبليس أن يتوب ؟

إما أن يقبل الله توبته ، عندئذٍ يبطل القرآن الذي يتوعد إبليس بالنار .

أو أن يرفض الله توبته ، عندئذٍ يبطل العدل الإلهي .

فاختاروا إما فساد القرآن أو ظلم الإله .

هكذا يبنون الشبهة ، وهكذا يلقونها في عقول الشباب. وللإجابة على هذه الشبهة (الفرضية) سنتناول الآتي والله المستعان:

– فساد المقدمات وفساد القياس

– نقض مصدر المقدمة في النتيجة.

– محركات الأفكار

فساد المقدمات وفساد القياس:

من يقول بهذه الشبهة يبدأ من مقدمات أساسية هي الإرادة الحرة لإبليس والحياة الدائمة له حتى يوم القيامة وغفران الله للتائب أبداً. وهذه الأمور الثلاثة لابد من معرفة جوانبها المختلفة، ولا تؤخذ هكذا.

أولا: طبيعة إبليس: إبليس من الجن بنص القرآن {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف : ٥٠]، وما نعلمه عن الجن هو ما ذكر عنهم في القرآن والأحاديث الصحيحة ؛ وهو أنهم من خلق الله ، أنهم مأمورون بعبادة الله كالأنس، أن لهم إرادة للطاعة أو المعصية، أن منهم الصالحين، ومنهم الفاسدين، أنهم يرون بني الإنسان من حيث لا يرونهم ، أن الأشرار منهم هم الشياطين ، أن الشياطين أعداء بني آدم يوسوسون لهم ويضلونهم ، أن لا سبيل لهم على عباد الله الصالحين والمخلصين. {إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر : ٤٠]، أنهم يتزاوجون ويتكاثرون ويموتون.

ولأن عالم الجن يختلف عن عالم الأنس ، فإننا لا نعرف تفاصيل ولا طبيعة هذه الخصائص التي ذكرناها ؛ فلا نعرف مثلاً كيف تكون حياتهم ، ولا طبيعة حركتهم ولا كيفية الولادة ولا خروج الروح . وبالتالي فما نعلمه عنهم إنما نقيسه على ما نعلمه في حياة البشر لأن هذه هي حدود معرفتنا . وبالتالي إذا كانت طبيعة البشر مختلفة ، وحياة البشر مختلفة، فكذلك طبيعة الإرادة الحرة عند البشر تختلف عنها عند الجن، وإن اتفقت في أصل المعنى.

ثانيا: حياة إبليس الدائمة. نلاحظ أن اسم إبليس في القرآن لم يذكر بنصه إلا في سياق الإشارة إلى موقف السجود لآدم ، وأما عند الحديث عن الإضلال والإغواء فالقرآن يستخدم (الشيطان، الشياطين، الجنة)، وهذا يعني أن إبليس شخص مخصوص هو من شهد موقف الأمر بالسجود ، لكن هل هو وحده من يوسوس لكل البشر عبر العصور ؟ تخبرنا السنة والقرآن أن للشيطان عرشاً على الماء يرسل منه جنوده كل يوم لإغواء البشر . وهذا يعني أن الأبالسة كثر، وأنهم يموتون ويتكاثرون ، فلا خالد إلا الله ، وكل من عليها فان . وعقيدة المسلم أن إبليس منظر إلى يوم القيامة وسيموت كما يموت باقي الخلق وأنه عدو لله ولبني آدم وأنه بتكبره اختار المعصية والمعاندة. السؤال إذن هل يمكن له أن يتوب؟ نقول إنه من حيث المبدأ يمكن لأي مخلوق من الجن أن يتوب ويرجع إلى الله، وعندئذٍ لا يكون من الشياطين بل يصبح من الجن المؤمنين . أما بالنسبة لإبليس بالذات فالعقيدة فيه أنه لا يفعل ولن يفعل (كما سنرى).

ثالثا: غفران الله للذنب وقبوله للتوبة له شروط في عالم البشر منها رد المظالم وعدم العودة والثبات على الطاعة، فكيف لا يكون له شروط في عالم الجن ؟ فالقول بقبول توبة الله لإبليس لابد فيها من افتراض الشروط المطلوبة لقبول التوبة، ولا يكفي افتراض التوبة وحدها، وقد أغوى إبليس وأهلك ما لا حصر له من البشر منذ بدء الخليقة ، فكيف يكفر عن هذه الذنوب ؟

وبهذا يتبين أن المقدمات التي بني عليها هذا الافتراض فاسدة ، وغير متكاملة .

نقض مصدر المقدمة في النتيجة.

من يقول إن القرآن سيبطل لأنه إذا قبل الله توبة إبليس ستسقط آيات توعد إبليس بالنار، يناقض نفسه. لأننا نسأله ببساطه : كيف عرفت أن إبليس متوعد بالنار؟ وكيف عرفت أن هناك مخلوقاً اسمه إبليس لم يسجد لآدم أساساً ؟ سيقول من القرآن. نقول له إذن معرفتك اليقينية بصدق القرآن أدت إلى معرفتك اليقينية بوجود إبليس وعصيانه، ونفس هذا القرآن الذي اتخذت منه معرفتك اليقينية هو الذي يخبرك بأن إبليس من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم وأنه ومن تبعه في جهنم وبئس المصير، فلماذا لم تؤمن بهذه الآيات كما آمنت بالسابقة ؟ وكيف تنقض الأساس الذي عليه وضعت الافتراض ؟ فتقول بفساد آيات القرآن إذا خالفت مجرد تخيل مشوه لما يمكن أن يحدث لو لم تقبل توبة إبليس؟

وزيادة في تأكيد مصداقية القرآن، نقول لصاحب الشبهة: دعك من إبليس الذي لا تعرف طبيعته، وخذ مثال أبي لهب – وهو بشري مثلنا – توعده الله بالعذاب في نار ذات لهب في حياته، والآيات تتلى عليه، وله إرادة حرة، ويمكنه الاختيار، ويمكنه حتى أن يتظاهر بالإسلام ويقول آمنت الآن، إذن القرآن فاسد لأنه يتوعدني بالعذاب. لكن ذلك لم يحدث طوال حياة أبي لهب حتى مماته. فلما تستبعد ألا يحدث مثله من إبليس وهو أضل وأكفر من أبي لهب ؟ وتبقى آيات القرآن شاهدة على أنها من عند الله حقا . بل هناك أثر ضعيف في السنة أن إبليس قال لموسى و اشفع لي عند ربك ليقبل توبتي ، فشفع له موسى ، فأمره الله أن يذهب ويسجد لقبر آدم لتقبل توبته ، فقال أستكبرت أن أسجد له وهوحي أأسجد له وهوميت ؟ ولم يتب .

محركات الأفكار

إن من يقول بهذا الافتراض هو في الحقيقة مشغول بفكرة أكبر ، وإنما اتخذ مثال الشيطان ليخفي وراءه حيرته في فهم إشكالية الجبر والاختيار. فالمشكلة الحقيقية لديه ليست إبليس ولا غيره، إنما هي كيف يحاسبنا الله على أفعالنا وهو خالقنا وعالم بما نفعل ومقدر لأفعالنا ؟ وهل لنا إرادة حقيقية أم نحن مجبرون على ما نفعل ؟

وهذه المشكلة قديمة جداً، ناقشها الفلاسفة والمفكرون ورد عليها علماء الأديان عبر العصور، ولكن التصور الإسلامي هو الوحيد الذي حل المشكلة. فمن يعترض على قدر الله يقول : إذا كان الله يعلم ما سأفعل غداً ، إذن فهو قرر لي ما أفعله من قبل أن أفعله ، وليس لي أن أغيره ، وسيحدث سواء شئت أم أبيت، فلماذا إذن يحاسبني عليه؟

والخلل في هذا التساؤل هو الخلط بين صفات الله سبحانه وتعالى وحدود البشر. والمعترض هنا كأن يعترض على أفعال ملك من ملوك الدنيا وينسى أنه يعترض على خالق السموات والأرض سبحانه المتصف بالكمال العظيم والجلال الكبير الذي يعجز البشر عن الإحاطة به . ولابد عند تصور هذه المسألة من استصحاب الأصول التالية:

الأصل الأول : أن الله كلي القدرة، كلي العلم ، متصف بالكمال . وهذه الصفات تعني أنه سبحانه على كل شيء قدير ، وأنه بكل شيء عليم ، وأنه لا يظلم الناس شيئاً فهو الحكم العدل دائماً . ولابد من الإيمان بهذه الصفات معاً. وعلم الله سبحانه يقتضي منه معرفة كل شيء في هذا الوجود فهو خالقه ومدبره فكيف لا يعلم بما يكون فيه؟

الأصل الثاني : أن علم الله ومشيئته محض غيب للإنسان لا يمكن للإنسان أن يعلم قدر قدرة الله ولا علم الله ، لأن عقل الإنسان محدود وهذه صفات الله سبحانه اللامحدودة ، وأهل السنة يؤمنون أن الله -سبحانه وتعالى-مستعل بذاته ؛ في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه ، أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء ، دون تكييف ولا توصيف ، و أن إلى ربك المنتهى .

والطريق الصحيح الذي أرشد إليه النبي ﷺ  في ذلك هو أن نعمل ولا نتكل . فعن عبد الرحمن السلمي عن علي – رضي الله عنه – قال كنا مع النبي – ﷺ  – في بقيع الغرقد في جنازة فقال “ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار ، فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل ؟! فقال “اعملوا فكل ميسر”. وإرشاد النبي ﷺ إلى الطريق الصحيح في التعامل مع التقدير السابق، يتحصل في أنه لا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بما قدره الله عليه في العلم السابق ؛ لكون ذلك أمر غيبي محض وسر بعيد الأغوار ، لا يمكنه إدراكه ، ولا الوصول إليه ، فليس من العقل أن يشغل الإنسان نفسه ، ويجهدها في البحث عما كتبه الله له أو لغيره ، فإنه لن يستطيع الوصول إلى ذلك أبدا ، وعليه أن يشتغل بما يدرك ويتيقن بقدرته عليه ، واختياره له . وقد قال علي رضي الله عنه “القدر سر الله فلا نكشفه” ويعني بذلك : فلا تحاول كشفه ومعرفته، فهو ليس مما يقدر عليه أحد ، ويسمي الطحاوي ذلك بالعلم المفقود ، الذي طواه الله عن كل الخلق ، فلا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن : ٢٦ ] ..

الأصل الثالث : أن الله ربط كل شيء في الوجود بأسباب خاصة به لا يتحصل إلا بها ، فجرت سنة الله تعالى الكونية على الترابط السببي بين أحداث الكون ، ولا يستثنى من هذه السنة شيء البتة ، فكما أن أحداث الدنيا الطبيعية ، خيرها وشرها ، لا تحصل إلا بأسباب معلومة محددة ، فكذلك أحداث الآخرة ، خيرها وشرها ، لا تحصل إلا بأسباب معلومة محددة .

ومع أن كل أحداث الدنيا مقدرة مكتوبة، فإن الله ربطها بأسبابها ، وعلق حدوثها بتحقق تلك الأسباب ، فكذلك الشأن في أحداث الآخرة ، فمع كونها مقدرة مكتوبة ، فهي مربوطة بأسبابها.

فقاعدة الأسباب إذن، شاملة لكل الأحداث الدنيوية والأخروية ، ولا فرق بينها.

الأصل الرابع : كما أن الله تعالى علم تفاصيل كل شيء في الوجود وقدره وشاءه ، فإنه أعطى الإنسان الإرادة والاختيار ، فخلقه خلقة مختلفة عن سائر المخلوقات ، بحيث أن كل إنسان يملك إرادة يستطيع بها الترجيح بين الخيارات المختلفة ، وقدرة يستطيع بها التأثير في الأحداث ، وتحقيق الخيار الذي ترجحه إرادته.

والنصوص الشرعية في الإسلام جاءت على هذا الأساس، فتعاملت مع الأفعال الإنسانية على أنها أمور حادثة باختيار الإنسان وإرادته ، وأنها كسب له وعمل من أعماله ، كما قال تعالى :{مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت  ٤٦ ]  وقال تعالى: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}[المدثر :۳۷]، وقال تعالى { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ} [آل عمران: ۱۵۲]

ومن المهم ملاحظة أنه كما أخبر الله  سبحانه بأن الإنحراف والضلال كان بمشيئته ، فإنه أخبر أن إضلاله لمن ضل و انحرف إنما كان عقوبة له على أفعاله الصادرة منه باختياره وإرادته ، كما قال تعالى :

{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [ النساء : ١٠٠ ]

وقال تعالى {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}

[ الأنعام: ١١٠ ] وقال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[ الصف : ٥]

الأصل الخامس : أن الإنسان لا يحاسب إلا على أفعاله الواقعة باختياره وإرادته ، وأما الأفعال التي وقعت منه من غير قصد ، كالأفعال الواقعة منه بالجهل والنسيان والخطأ ، أو الأوصاف التي خلقها الله فيه مما لا يتعلق باختياره ، كالطول والقصر واللون والقوة والضعف والصحة والمرض والعقل والجنون وغيرها ، وكذلك الأفعال التي يقهره عليها الناس ، فإن العبد لا يحاسب عليها ، ولا يعاقب على تركها أو فعلها .

الأصل السادس : ومع كل الأصول السابقة ، فإن الله تعالى لم يترك الناس سدی من غير بيان ولا هدى ، وإنما أبان لهم الحق ، وأنار لهم الطريق ، وأوضح لهم المحجة ، فأرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، وأقام الأدلة ، ليرشد الناس إلى سبيل الهداية ، ويميزها عن سبيل الغواية . فالهداية الإلهية العامة ، التي بمعنى البيان والدلالة والإرشاد ، ثابتة مستقرة لكل العالمين ، كما قال تعالى : {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [ الشورى : ٥٢ ] وقال تعالى :{رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [ النساء : ١٦٥] ، وغيرها من الآيات .

والحمد لله رب العالمين..

المصدر

مفارقة عجيبة عند المهتمين بنشر الشبهات

لقد أصبح قيام الملحد أو المُنصر بعرض الشبهات في الإسلام أمرا مقززا بالفعل!

مقزز لأن نفس المصدر الذي تنقل منه الشبهة يوجد به أدلة لا حصر لها على صحة الرسالة.

فإذا سلمت بالأثر الذي أوردت منه شبهتك فإن عليك التسليم بنفس الأثر التي يؤكد ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم.

فمثلاً في كتاب الله عز وجل تحدى القرآن اليهود أن يتمنوا الموت فلم يفعلوا.. “قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴿٦﴾ ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ﴿٧﴾” سورة الجمعة. فما تمنوا الموت أبداً، لأنهم يعلمون أنهم لو تمنّوه لماتوا من ساعتهم، مع الاقتضاء والمطالبة التي تدفع لجواب التحدي. يقول القاضي عبد الجبار: “لا يتمنون ذلك مع خفته وسهولته، ومع علمه صلى الله عليه وسلم بشدة حرصهم على تكذيبه وفضيحته.. ولم يقل هذا من عندي بل قال هذا من عند ربي وإلهي وإلهكم الذي يعلم سركم وجهركم، وهذا أشد على اليهود من تحديه للعرب بمثل القرآن، وهذا مقام لا يبديه النبي صلى الله عليه وسلم إلا مع اليقين. وقد تحير الملاحدة وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم لماذا لم يتمنَ اليهود الموت زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُكذبوه بذلك فيستريحون ويُريحون.”

وفي السنة المطهرة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة عمرَ وعثمانَ وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين، وأنهم لن يموتوا على فُرُشِهم أو سواه مما يموت به الناس. فقد صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء ذات يوم هو وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليُ وطلحةُ والزبيرُ، فتحركت الصخرة، فقال صلى الله عليه وسلم: “اهدأ، فما عليك إلا نبيٌ أو صديقٌ أو شهيد.” رواه مسلم.

فشهد صلى الله عليه وسلم لنفسه بالنبوة، ولأبي بكرٍ بالصديقية، ولعثمانَ وعليَ وطلحةَ بالشهادة وقد كان.

وأخبر صلى الله عليه وسلم بموت النجاشي في أرض الحبشة في يوم وفاته، وهذا خبرٌ تحمله الركبان يومذاك في شهرٍ. يقول أبو هريرة رضي الله عنه: “نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى، فصفّ بهم، وكبر أربعاً.ً” رواه البخاري.

أما أحاديث المعجزات التي انتقلت إلينا بالتواتر، وهو أعلى درجات الصحة على الإطلاق بدرجة نقل القرآن الكريم، فهي مما لا تشكيك في صحة نقلها، ومنها حديث نبع الماء بين أصابعه الشريفة صلى الله عليه وسلم، فهو من المتواتر الذي شهده جمعٌ كبيرٌ من الصحابة ونقلوه إلى مئات التابعين، فقد توضأ ألف وخمسمائة صحابي وشربوا من الماء الذي نبع بين أصابعه الشريفة صلى الله عليه وسلم، وقالوا لو كنا مائة ألفٍ لكفانا.

وقد روى الحديث جمعٌ غفيرٌ ممن يُحرمون الكذب ويرونه فاحشة فكيف يجتمعون على الكذب في خبرٍ كهذا؟

أما تكثير الطعام اليسير ليطعم منه الجيش العظيم فقد جاءت به الأخبار المتواترة عن الصحابة ثم من بعدهم.

وذكر البخاري وحده أخبار تكثير الطعام على يديه صلى الله عليه وسلم في خمسة مواضع من صحيحه. تخيل!

وأخبر صلى الله عليه وسلم، والحديث في أعلى درجات الصحة رواه البخاري ومسلم، أم حرام بنت ملحان أن أُناسًا من أمته سيركبون البحر غزاةً في سبيل الله، وستكون هي أول الشهداء في غزاة البحر. وقد كان كما أخبر صلى الله عليه وسلم، حيث ركبت البحر في خلافة عثمان بن عفان وماتت شهيدةً ودفنت هناك، وجامع أم حرام في قبرص معروفٌ إلى اليوم!

هذه فقط ومضة من أدلة النبوة التي لا تنتهي!

إن مجرد إيراد الملحدين الشبهات على الإسلام يجب أن يكون محيرا لو اعتبرناهم من العقلاء، فكيف لملحد أن يأتي بشبهة وفي نفس المصادر وبأعلى درجات الوثوقية الأدلة القاطعة على صحة الرسالة!

فليتأمل الباحث عن الحق!

الدكتور طلعت هيثم.

المصدر

مقدمة صراع

 ظهر الناقد (د. العظم) في هذا العصر ، ضمن طائفة من الملاحدة الجدليين الذين ينكرون الله واليوم الآخر ، ويكذبون الرسل والأنبياء ، ويجحدون الكتب الإلهية والمعجزات ، ويرتدون أقنعة العلمانية والبحث العلمي المتقدم ، ويستغلون بالباطل كل ثقل التقدم العلمي المادي في الصناعة والتكنولوجيا ، زاعمين للناشئين من أجيالنا أن التقدم العلمي الحديث يدعم مذهب الإلحاد والكفر بالله . مع أن العلم الحق إنما يدعم الإيمان بالله لا الكفر به ، أياً كان نوع هذا العلم ، أما الباطل الذي يلبس ثياب العلمانية فقد يدعم قضية الإلحاد بالله وبآياته ، لأنه باطل يرتدي ثياب زور ، فهو يؤيد باطلاً مثله ، والباطل ينصر بعضه بعضاً.

 لذلك كان لا بد من اللجوء إلى خطة جدال بالتي هي أحسن مع الكافرين والملحدين ، لكشف مغالطاتهم ، وفضح أهدافهم وأهداف سادتهم من نشر الإلحاد في الأرض ، والأكاذيب والمفتريات ، والتلبيس والتدليس ، ولئلا يعيثوا في الأفكار فساداً ، ويلمؤوها ضلالاً وإلحاداً.

 أنتركهم يقذفون أجيالنا – أحفاد المؤمنين الصادقين المخلصين – إلى مواقع الهلاك والعذاب والدمار الماحق . وإلى أوحال المهانة والمذلة والخزي!؟

 لقد رأيت بعد تردد طويل – كما ذكرت في المقدمات – أنه يجب علي وعلى جميع الباحثين من أنصار الحق والخير والفضيلة أن نكشف زيف هؤلاء المضللين ، وأن نُبرز للمفتونين والمخدوعين وجه الحق مؤيداً بدلائل العلم القويم والمنطق السليم ، وأن نناقش جدليات الملحدين مناقشة عقلانية علمية هادئة ، وأن نجادلهم بالتي هي أحسن ، ثم لا يضرنا بعد ذلك أن يُصروا على كفرهم وإلحادهم ، فالله هو الذي يتولى حسابهم وعذابهم ، أما نحن فما علينا إلا البلاغ المبين .

 ورأيت أن من واجبنا أيضاً أن نقيم بينهم وبين أجيالنا سداً منيعاً من المعرفة الرصينة الراسخة بحججها وبراهينها ، حتى لا تنخدع هذه الأجيال بزيف ما يكتبون ، وزخرف ما يقولون ، لا سيما حينما يلبس هؤلاء الملحدون أقنعة العلمانية المزورة ، ويتسترون وراء التقدم العلمي الحديث ، ويستغلون لأنفسهم مظاهر التقدم الصناعي والتكنولوجيا .

 مع أن التقدم الصناعي والتكنولوجي لم يكن ولن يكون في الحقيقة ملحداً بالله ، بدليل أن معظم أئمة التقدم الصناعي والتكنولوجي وأئمة العلوم الحديثة مؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً يصرِّف أموره بعلمه وقدرته وعنايته وحكمته .

 من هذا الذي يستطيع أن يثبت حقاً أن علوم الفيزياء والكيمياء والطب ، وعلوم الرياضيات والفلك والأحياء والنباتات ، وعلوم الذرة والصواريخ والمركبات الفضائية ، علوم قائمة على أسس الإلحاد بالله والكفر بقدرته وعلمه وعنايته وحكمته؟

 هل هذه العلوم تثبت ببراهينها أنه ليس لهذا الكون خالق قادر مدبر؟

 إننا إذا وجدنا ملحداً واحداً من علماء هذه العلوم وجدنا في مقابله عشرات المؤمنين بالله من كبار هؤلاء العلماء أنفسهم ، ولو أن علومهم قائمة على قاعدة الإلحاد ، أو تشتمل على براهين تنفي وجود الله لكان الأمر معكوساً تماماً ، ولأظهر لنا هؤلاء العلماء أدلتهم وبراهينهم ، ولأثبتوا لنا ذلك في مكتوباتهم ، بيد أننا نجد في أقوالهم الكثيرة ما يدعم قضية الإيمان بالله .

 إلا أن حركة يهودية أرادت نشر الإلحاد في الأرض فتسترت بالعلمانية ، ونشطت عناصر منها فبثَّت نظريات من عند أنفسها وضعت خصيصاً لدعم قضية الإلحاد ، وكان ذلك ضمن مخطط يهودي شامل ، لإفساد أمم الأرض بالإلحاد والمادية المفرطة ، والانسلاخ من كل الضوابط التشريعية والأخلاقية كيما تهدِّم هذه الأمم أنفسها بأنفسها ، وعندئذ يخلو الجو – بحسب تصورهم – لليهود قلة في العالم ، ومتى خلا لهم الجو استطاعوا – كما يزعمون – أن يحكموا العالم كله حكماً مباشراً ظاهراً .

 علماً بأن هؤلاء اليهود الذين تستروا بالعلمانية والبحث العلمي المحايد لم يقدِّموا نظريات تدعم قضية الإلحاد في العوم البحتة الخاضعة للاختبار والتجربة وتقويم النتائج ؛ وإنما قدموا نظريات أو فرضيات على الأصل في العلوم الإنسانية ذات الاحتمالات الكثيرة ، غير الخاضعة للاختبار والتجربة وتقويم النتائج ، وضمن نظرياتهم التي قدموها في علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد وفلسفة النشوء والارتقاء دسوا قضية الإلحاد والكفر بالله ، تحقيقاً للمخطط اليهودي الشامل .

 وهذا يوضح لنا أن قضية الإلحاد بالله قضية سياسية عالمية ، تخدم مصالح خاصة لفئات معينة من الناس ، وهذه الفئات تجند الذين يستجيبون لدعوتها ، ثم تقدمهم وقوداً لدعم سياستها وخدمة مخططاتها .

 هذه في هذا العصر هي حقيقة المذهب الإلحادي المنظم الذي تدعمه قوى سياسية ذات ثقل في العالم ، أما الإلحاد الفردي الذي تدفع إليه دوافع إجرامية فجورية خاصة فهو موجود في كل عصر ، وكذلك نظرات الشك التي قد يتعرض إليها الإنسان في بعض مراحل من حياته ، هي أيضاً ذات طابع فردي غير منظم ولا مدعوم ، وليس لها قوى جماعية كبيرة تنصرها وتنشرها وتدعو الناس إليها ، لأن نظرات الشك في قضية الإيمان لا تحمل أصحابها قضية ذات رسالة تبشيرية ، ولا تستطيع هي في نفسها أن تجد أدلة تدعم قضية الإلحاد والكفر بالله ، وبذلك تبقى قضية الإلحاد قضية ساكنة صامتة في نفوس أصحابها ، لا دوافع تحركها ولا دلائل تدعمها .

 بخلاف قضية الإيمان فإن وراءها دوافع تدفعها إلى الحركة والنماء والانتشار والبيان المستمر ، ومعها مئات الأدلة التي تدعمها ، وإن نظر إليها بعض الناس بشك في بعض مراحل حياتهم .

 إن المؤمنين بالله لهم أدلة لا تحصى على ما آمنوا به ، وكل باحث منهم يتكشف له في موضوع اختصاصه طائفة من هذه الأدلة ، وهي تقدم له القناعة الكافية بأن الله حق .

 أم الملحدون فليس لهم أدلة يمكن أن يعتمدوا عليها في نفس وجود الخالق جل وعلا ، إلا مجرد الارتباط بالمادة المدرَكَة بالحواس الإنسانية ، أو بالأجهزة التي توصل إليها الإنسان في القرن العشرين ، وهذا لا يستطيع أن يقدم أي دليل على النفي .

 نحن نعلم أنه لا خوف على الحقائق الدينية الإسلامية من جدليات الملحدين ، لأنهم يجادلون بالباطل ليُدحضوا به الحق ، ولكن قد تؤثر جدلياتهم المشحونة بالتزييف على الناشئين المطبوعين بطابع الثقافات الحديثة ، الموجهة شطر مبادئ ومذاهب معينة ، وضعت خصيصاً لمحاربة الدين وهدم مبادئه الحقة .

 وليس جدالهم بالباطل بدعاً في تاريخ المبطلين ، بل هي طريقة كل أهل الباطل ، ومن إبليس قائدهم إلى آخر جندي من جنوده ، وأصغر تابع من أتباعه ، كل منهم سائر على سُبُله ومتبع لخطواته .

 وقد وصف الله الكافرين عموماً بأنهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق ، فقال تبارك وتعالى في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):

 {..وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً}.

 وهي طريقة لا سبيل لهم سواها ، ليؤيدوا أفكارهم ومذاهبهم ، وينصروا باطلهم ، ويُدحضوا الحق ، ما داموا قد التزموا في أفكارهم ومذاهبهم جانب الباطل ، وأصروا بعناد على رفض جانب الحق .

 ولما انغمسوا بكفرهم في رذيلة خلقية خطيرة هي رذيلة جحود الحق ، كان لا غرو أن تجرهم هذه الرذيلة إلى رذائل خلقية أخرى ، منها أن يجادلوا بالباطل ، ويستخدموا كل ذكائهم في تزييف الحق ، ويقوم تزييفهم على اصطناع هياكل وهمية لمذاهبهم ، وهياكل وهمية لمذاهب خصومهم ، ثم يحملون حملاته الهجومية على هذه الهياكل التي اصطنعوها لمخالفيهم ، وعندئذ يسهل عليهم تحطيمها بسرعة ، لأنهم هم الذين اصطنعوا بأنفسهم ،ووضعوا فيها نقاط الضعف التي يسهل عليهم تهديمها من قبلها .

 وقد يحاربون الدين كله من خلال رأي ضعيف قاله بعض الناس المنتسبين إلى الدين .

 أو يحاربون الأديان كلها صحيحها وباطلها ، من خلال ما في بعضها من تحريف عن الأصل الرباني ، أو من خلال الأديان الباطلة التي تحمل اسم دين ، وهي في الحقيقة أوضاع إنسانية مخترعة ، وليست ديناً إلهياً .

 وهذه الطريقة قد استخدمها الناقد (د. العظم) أقبح استخدام فيما زعم أنه نقدٌ للفكر الديني ، قال في الصفحة (21) من كتابه “نقد الفكر الديني”:

 “يجب ألا يغيب عن بالنا أنه مرت على أوروبا فترة تتجاوز القرنين ونصف القرن قبل أن يتمكن العلم من الانتصار انتصاراً حاسماً في حربه الطويلة ضد العقلية الدينية التي كانت سائدة في تلك القارة ، وقبل أن يثبت نفسه تثبيتاً نهائياً في تراثها الحضاري . ولا يزال العلم يحارب معركة مماثلة في معظم البلدان النامية ، بما فيها الوطن العربي ، علماً بأنها معركة تدور رحاها في الخفاء ولا تظهر معالمها للجميع إلا بين الفينة والأخرى “.

 فهو في هذا يحشر الأديان كلها صحيحها وباطلها ويعتبرها جبهة واحدة ضد العلم ،ثم يوجه طعناته ضد ما في بعضها من باطل ، ثم يستنتج من ذلك أنها جميعاً أديان باطلة ، باعتبارها جبهة دينية واحدة ، وقد وجد بعضها باطلاً ، أو وجد في بعضها ما هو باطل .

 فهل يقبل مثل هذه الحجة الساقطة من لديه أبسط قواعد الاحتجاج المنطقي ، التي تعرفها الأوليات الفكرية؟ إنها حجة مرفوضة بداهة شكلاً ومضموناً ، وحينما يعتبرها الملحد طريقة منطقية كافية للاحتجاج فإننا نستطيع أن نستخدمها سلاحاً ضد اتجاهه الذي يزعم أنه اتجاه علماني ، فنقول له : إن أصحاب الاتجاه العلماني جبهة واحدة ، ومن المعروف أن لهم مذاهب شتى متناقضة في معظم القضايا التي بحثوها وفق أصول البحث العملي الذي توصل إليه العلماء ، وفي كثير منها نظريات باطلة ، إذن فالاتجاه العلماني كله باطل .

 مما لا شك فيه أننا لا نقبل هذا الكلام لأنفسنا ، ولكننا نكشف به فساد حجة الملحد الناقد للفكر الديني ، إذ نستخدم سلاحه ضد اتجاهه ، ونحن نرفض مثل هذا الاحتجاج أصلاً.

 وصنيع الملحد في هذا تزييف مفضوح للحقيقة ، وتلاعب شائن في العمليات الفكرية ، واستهانة شنيعة بالمنطق الفكري لأجيالنا الناشئة من مثقفي هذا العصر ، فهل بلغ بهم الأمر أن تنطلي عليهم مثل هذه الحيلة من حيل التزييف الفكري ، حتى بدأ الملاحدة يستخدمونها في تضليلهم؟ أم فقد الملاحدة صوابهم حتى أخذوا يحتجون بما ليس فيه حجة ولا شبه حجة؟ إذ أفلست قواهم المادية في فرض مذاهبهم على الطلائع المثقفة في العالم الإسلامي ، لا سيما حينما وجدوا في هذه الطلائع المثقفة جماهير مؤمنة بالله ، تنصر الإسلام وتعمل له ،وتلتزم بأحكامه وتعاليمه .

 ولعل الأمرين موجودين معاً ، فبعض أجيالنا الناشئة الموجهة ضمن البرنامج الإلحادي قد أمست مرجوجة الأصول الفكرية ، تخدعها الحيل المصبوغة بصبغ الثقافات المعادية للدين ، والمقنعة بقناع العلمانية الأكاديمية ، والمحاطة بهالة مزخرفة من العبارات التي احتلت مركزاً ارستقراطياً بين المجتمعات المثقفة ، على الرغم من أنها عبارات جوفاء ليس لها إلا طنين يخدع صغار العقول ، وبعض أجيالنا الناشئة المثقفة هي – بحمد الله – مؤمنة بالله مسلمة حقاً ، ذات منطق علمي سليم ، تعرف الحق ، وتناقش بالحق ، وتجادل بالحق ، وتناصر الحق حيث وجدته .

 وأرجو أن لا يغيب عن بال سيادة (د.العظم) ومن هم على شاكلته أن كل اتجاه عام في الواقع الإنساني يوجد فيه فئات مختلفة ، ويوجد فيه أفكار متباينة ، فهل يعني وجود هذا الاختلاف بطلان الاتجاه العام من أساسه؟ أم واجب العاقل المنصف التمييز بين المحقين والمبطلين ، وبين الحق والباطل .

 إن دين الله للناس دين واحد ، وهو دين الحق الذي اصطفاه لعباده ، وأنزله على رسله بحسب حاجات الأمم ، التي اقتضت أن ينزل إليها متدرجاً على طريقة التكامل ، وكان ختم هذا الدين بصورته الكاملة التامة في رسالة الإسلام الذي اصطفى الله لحمله للناس محمداً عليه الصلاة والسلام .

 إلا أن الأديان الأولى لم يتوافر لها النقل الصحيح ، ودخل إليها عن طريق بعض أتباعها التحريف والتغيير في النصوص وفي العقائد ، فجعلها غير ممثلة للدين الحق ، غذ دخل إليها كثير من الباطل ، كما أن أدياناً حملت هذا الإسلام وهي صناعة بشرية غير ربانية ، أفتحشر هذه الأديان كلها بما فيها من حق وباطل ثم يصدر بحقها جميعاً أحكام تتناسب ما في بعضها من باطل ، أو أحكام تناسب ما في بعضها من حق؟؟

 هكذا كان عمل (د. العظم) لدعم مذهب الإلحاد بالله وجحود اليوم الآخر .

 ببالغ من التزييف الوقح بدأ الملحدون من أجراء صانعي الهزيمة العربية في عام 1967م يحمِّلون الدين وزور الهزيمة التي اصطنعوها ، وكانوا قبل المعركة وفي أثنائها قد عزلوا الدين عزلاً كلياً عن جميع ساحاتها ، حتى لم يبق له صوت ولا سوط يرتفعان ، ثم يقولون : إن سبب الهزيمة هو وجود رواسب من الذهنيات الدينية الغيبية الاتكالية عند الثوريين الذين قادوا المعركة .

 وكل عارف بالحقيقة يعلم أن معركتهم لم تكن ضد العدو الباغي ، إن معركتهم معه لم تكن إلا معركة صورية أو شبه صورية ، أما معركتهم الحقيقة فقد كانت ضد الدين الذي يتابع كتابهم اليوم محاربته بالتزييف والتضليل ، بعد أن حاربوا دعاته بالتعذيب والتنكيل حرباً لا هوادة فيها .

 لقد أفلست عمليات الاضطهاد في تحقيق كل ما يهدفون إليه ، فلجؤوا إلى أسلحة التضليل الفكري .

 مما لا شك فيه أن معركة الإسلام مع الملاحدة العالميين الذين يتحركون بدفع آلي من القيادات اليهودية العالمية ذات مراحل ، كلما أنجزوا في تصورهم مرحلة منها انتقلوا إلى مرحلة أخرى .

 لقد كانت معركتهم الأولى تهدف إلى إقامة الثورة الاقتصادية والاجتماعية كمرحلة أولى ، مع التزييف الفكري بعدم معارضتها للدين ، بغية تضليل الجماهير المسلمة بأن تغييراتها الاقتصادية والاجتماعية لا تمس جوهر العقائد الدينية التي تؤمن بها هذه الجماهير ، تخديراً لها وتبريداً لمشاعر النقمة التي قد تلتهب ضد ثورتهم ، وحين انتهت فيتصورهم هذه المرحلة وبلغت مداها المرسوم لها أخذوا يحضرون للمرحلة الجديدة ،وهي مرحلة نسف العقائد الدينية التي ظلت راسخة في قلوب كثرة كاثرة من الجماهير العربية ، بغية تغيير الإنسان العربي تغييراً كلياً ، حتى في مفاهيمه وعقائده وعواطفه القومية والتاريخية ، وسائر مشاعره ، وعندئذ يستطيع العدو المحرك من وراء الستار تطويعه وتسخيره واستعباده .

 وهذا يفسر حملة مكتوبات الملحدين الجديدة ، التي تهدف إلى تحضير النفوس والأفكار للمرحلة الآتية من مراحل الحرب المستمرة .

 قال الناقد (العظم) في كتابه في الصفحة (12):

 “ولكن الواقع هو أن حركة التحرر العربي غيرت بعض ظروف الإنسان العربي الاقتصادية والاجتماعية ، ثم وضعت في نفس الوقت كافة العراقيل والموانع الممكنة في وجه حدوث أية تغييرات وتطورات موازية في ضمير الإنسان العربي وعقله ، وفي “نظرته للذات والحياة والعالم” …”.

 ثم ذكر أن حركة التحرر العربي قد وقفت على رأسها بدلاً من قدميها فقال :

 “عبَّرت هذه الوقفة (على الرأس بدلاً من القدمين) عن نفسها في السياسات الثقافية التي اتبعتها حركة التحرر العربي ، كما في أسلوب اهتمامها السطحي والمحافظ جداً بالتراث والتقاليد والقيم والفكر الديني ، مما أدى إلى عرقلة التغييرات المرجوة في الإنسان العربي نفسه ، وفي نظرته إلى الذات والحياة والعالم ، تحت ستار حماية تقاليد الشعب وقيمه وفنِّه ودينه وأخلاقه ، تحوَّل الجهد الثقافي لحركة التحرر إلى صيانة للأيديولوجية الغيبية ، بمؤسساتها المتخلفة ، وثقافتها النابعة من العصور الوسطى ، وفكرها القائم على تزييف الواقع وحقائقه”.

 أقل متأمل في هذا الكلام وأشباهه يتبين له أنه إرهاص واضح بمرحلة جديدة من مراحل الحرب اليهودية الماركسية العالمية ، ضد الإسلام داخل الوطن العربي ، لتحطيم الرصيد الباقي من أمل هذه الأمة في إمكان ظفرها على عدوها ، إذا هي استطاعت أن تتحرر من القيود ، وتستخدم ما لديها من طاقات محركة ، تصلها بدينها وأخلاقها وقيمها .

 إنهم يمهدون بهذا للثورة الثقافية الفكرية التي تريد اقتلاع كل تراث مجيد للمسلمين ، حتى لا يبقى لهم أي أمل بالظفر على عدوهم ، وحتى لا يبقى لديهم أي نزوع لاستعادة مركزهم القيادي في العالم .

 ومما يؤسف له أن العدو القابع وراء الحجب قد استطاع أن يشتري من سلالات هذه الأمة جنوداً مغفلين ، يدفع بهم إلى صف المواجهة ، ويحملهم الأسلحة الفتاكة ضد أمتهم وأقوامهم وأمجادهم ، وأخيراً ضد أنفسهم ، لأن العدو سيتخلص منهم متى استنفد طاقاتهم ، وصاروا في نظره كالثور الذي يأكل كثيراً ، وهو لا يحرث أرضاً ، ولا يسقي زرعاً ، ولا يدفع كيداً ولا يدرّ بِلَبن .

 وماذا ترجو الأمة ممن باع نفسه لعدوه وعدوها ، ورضي بأن يكون سلاحاً نجساً مصلتاً عليها في أيدي الخنازير؟!

 وحين نتساءل : كيف استطاع العدو أن يشتري هؤلاء الجنود ، وأن يسرقهم من أحضان أمتهم ، ليسخرهم هذا التسخير الخبيث الذي لا يرضى به الهمجيون البدائيون ، فضلاً عن المثقفين الذين يدعون التقدمية ، ويلقبون أنفسهم بالطلائع المتحررة؟

 فإن الجواب يأتينا من الواقع بأن العملة التي يشتري بها العدو شباباً من أجيالنا الناشئة . ثم يجندهم في صف المواجهة ضدنا ، هي عملة تبذل للأهواء والشهوات بغير حساب ، أما مادتها فالمرأة الفاجرة ، والشهوة العاهرة ، والخمرة المضلة ، والرشوة المذلة ، ومطامع المال والسلطان ، وأحياناً أوراق مجد علمي تُمنح على صفة شهادات عليا ، ويجري ضمن ذلك كله عمليات تغيير كلي لجهاز التفكير ، وتغيير كلي في المختزنات العاطفية ، وتبديل تام أو ناقص لعناصر الكيان الذاتي التي هي قوام الشخصية .

 وبعد هذا التغيير والتبديل تتم عملية التجنيد الطوعي ، أو التجنيد المسوق بالسلاسل ، والمدفوع بالسياط اللاهبة ، خوف الحرمان والفضيحة ، وأخيراً خوف القتل بأي سبب ظاهر أو خفي .

 وما التقدم والعقلانيات والبحث العلمي والنظرة الأكاديمية إلا ألفاظ وشعارات تستعمل في الأقوال فقط ، وليس لمدلولاتها الحقيقية واقع معتبر لديهم .

 تزييف في الألفاظ ،تزييف في الحقائق ، تزييف في المعارف ، تزييف في الرجال ، تزييف في المؤسسات الصغرى والكبرى ، تزييف في الدول وتكوين الأمم والشعوب ، هذه هي خطتهم .

 وغرضهم الحقيقي تدمير الأمة الإسلامية وفي مقدمتها الشعوب العربية تدميراً يشمل ما يسمونه في مصطلحاتهم : “البنية الفوقية – البنية التحتية – الأصعدة العليا – الشرائح الوسطى ، والجانبية والعلوية والسفلية” إلى آخر هذه المصطلحات الإيهامية ، التي يقذفونها للتغطية حيناً ، وللتهويل حيناً آخر ، وللتظاهر بارتقاء المستوى الفكري أمام الذين لم تتجاوز عقولهم طور مراهقتها ، بغية السيطرة الفكرية عليهم ، وتقييدهم بمصطلحات يتميزون بها ، ويدسون في المراد منها ما شاءوا .

 وجملة هذه المصطلحات تدور حول عقائد المسلمين ومفاهيمهم الإسلامية والأخلاقية والاجتماعية ، وحول مستويات المجتمع الإسلامي على اختلافها ، فهم يشرحونه إلى شرائح وفق مخططهم ، ويوجهون لكل شريحة وسائل تدميرها ، ويركزون معظم طاقاتهم لتدمير العقائد والمفاهيم والأخلاق وسائر القيم والتطبيقات الإسلامية ، ومراكز حماية كل هذه الأثقال التي تقف في طريق تسلطهم الكامل على الأمة الإسلامية وشعوبها المختلفة .

 وانطلت حيلة التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي لا تتعارض مع الدين ولا تمس عقائده ومفاهيمه الأساسية كما زعم أجراؤهم والمنخدعون بهم .

 وتجند لمؤازرتها ومناصرتها فريق الطامعين ، وسارت من ورائهم جماهير العمال والفلاحين وصغار الكسبة ، وقادة المسير صنائع وأجراء من طبقة القيادات المثقفة ، الذين استطاعوا أن يشتروهم أو يغرروا بهم ، إذ وجدوا في نفوسهم مواطن ضعف نؤهلهم لهذه العمالة .

 وقامت الثورة ، ورافق إقامتها حملة عنيفة من ضجيج الوعود الكبيرة بتحقيق النصر المنشود ، وسارت وفق المخطط الذي رسم لها ، وفي الوقت المناسب سيقت إلى خيبة كبرى حملت آلام نتائجها الأمة العربية والأمة الإسلامية من ورائها .

 وأزيح الستار عن الفصل الأول من التمثيلية ، وطلع الملحد العميل يقول : إن الهزيمة قد كانت بسبب وجود رواسب من الذهنية الدينية لدى القيادات الثورية في حركة التحرر العربي ، وبسبب عدم التغيير الشامل في تركيب المجتمع كله ، لأن التغيير الاقتصادي والاجتماعي لا يكفي لتحقيق النصر ، بل لا بد من تغيير يشمل المبادئ والعقائد والتقاليد وسائر المواريث القائمة في المجتمع العربي .

 هلمَّ إذن إلى هذا التغيير ، لتفقد الأمة العربية كل كيانها وكل مقوماتها ، وعندئذ تسقط سقوطاً كاملاً في يد عدوها ، الذي يستعبدها ويسخرها فيما يريد .

 وهذا هو ما يهدف إليه العدو في خطته ضمن حربه الشاملة للإسلام والمسلمين .

 وجاءت حرب رمضان (تشرين أول- أكتوبر) في عام 1973م فأظهرت للناس جميعاً أن الإسلام لما دخل في المعركة دخولاً اسمياً وبصورة جزئية ظهرت في الأمة العربية بطولات حقيقية لم يكن لها وجود مطلقاً في حرب (حزيران-يونية) عام 1967م ،وكان من نتيجتها تحول جزئي لصالح الأمة العربية ، وكان في هذا تكذيب واقعي لمفتريات الملحد الماركسي العميل .

 وقد يبدو عجيباً أن يوجه هؤلاء الملاحدة الماركسيون انتقادهم لحركة التحرر العربي وقياداتها الثورية ، إذ لم تقم بتغيير شامل في مجال سلطانهم ، يتناول كل إرث الأمة العربية ، من عقائد ومبادئ وأخلاق وعادات ومفاهيم ومشاعر نحو أمجادهم وتاريخهم .

 ولكن هذا العجب ينتهي تماماً حين نعلم أن المخططات المرحلية للحروب الحديثة التي يحركها أساطين المكر العالميون لا تهتم بالأشخاص ولا بالمنظمات .

 إن الأشخاص والمنظمات وسائر الأدوات المرحلية هي بمثابة جسور توضع لتنسف متى تم العبور عليها ، حتى لا يعود عائد عن طريقها إلى المنطلق الأول ، وكل من يقدم نفسه جسراً لها من أشخاص أو منظمات فليعلم أنه سينسف بدداً متى استنفد الماكرون أغراضهم ومنه ، وعندئذ لا يجد عاطفة تحنو عليه ، ولا وفاء يستقبله .

 وكل لاحق من هذه الجسور المرحلية لا بد أن يؤدي وظيفة تهديم من سبقه وانتقاد أعماله ، ليقدم تبريراً لمرحلته الجديدة ، وليمحو من الأذهان ما ترسب فيها من مفاهيم كان يقدمها السابق .

 وكل ذلك في ترتيب الخطة العامة أزياء فكرية مرحلية ، يجب تغييرها لدى تنفيذ المرحلة التالية ، إلا أنها تمهيد ضروري لها .

 وليس لها منا مجرد تحليلات ذهنية ، وتقديرات خيالية ، بل مكتوبات العدو السرية تنص عليه بصراحة لا تقبل التأويل .

 مسكينة هذه الجسور البشرية كيف تقدم خدماتها الجلي للشياطين ، لتقدم أنفسها فيما بعد ضحايا لهم ، وليس لها منهم عبر الرحلة القاسية الشاقة إلا الإباحيات المختلفات ، والمواعيد الكاذبات ، وأنواع من المساعدات للتسلط على أمتهم في الأدوار المرحلية .

 ولتحويل الأنظار عن العدو الحقيقي بدأ الملاحدة الماركسيون يهونون من أمر مكايد الاستعمار ، ومكايد الصهيونية العالمية ، ويوجهون كل اهتمامهم لميراث الأمة العربية من قيم وأخلاق ومبادئ وعقائد وعادات وتقاليد ومفاهيم ، ويحملون هذا الميراث وزر تخلف هذه الأمة ، ووزر الهزيمة العسكية التي صنعتها التقدمية العربية بأيديها ، سيراً مع المخطط المرسوم لها .

 ومع أن الماركسيين كانوا مع الذين حملوا شعارات محاربة الاستعمار في الوطن العربي ، إلا أن ذلك قد كان منهم خطة مرحلية ، أما اليوم فالصهيونية العالمية ليست عدوة لهم ، إن عدوهم الأكبر عقائد الإسلام ومبادئه ، ومفاهيمه وتشريعاته ، وما له من رصيد كبير في الجماهير العربية ، لأن هذه هي العدو الأكبر لليهودية العالمية ، ومن يسير في ركابها أو يتأثر بدسائسها .

 قال الناقد (د. العظم) في كتابه “نقد الفكر الديني” في الصفحة (13):

 “قامت حركة التحرر بتجريد العلاقة الاستعمارية في حياة الوطن العربي عن جملة الظروف التاريخية ، والأوضاع الاجتماعية العربية المتشابكة معها ، والمحيطة بها إلى درجة جعلت “الاستعمار” يبدو وكأنه الحقيقة المباشرة الوحيدة الماثلة في مجرى الأحداث في المنطقة والمحركة لها . أي : كان هناك اختلال أساسي في التوازن بالنسبة لنظرة حركة التحرر إلى نفسها وواقع مجتمعها ، وإلى أعدائها والعالم الخارجي المحيط بها ، بصورة عامة . بالغت عملية التجريد هذه في تبسيطها للواقع التاريخي المعقد ، مما جعل (الاستعمار) – أحياناً الصهيونية العالمية – يبدو وكأنه القوة الوحيدة المتحكمة ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، بحركة المجتمع العربي ، وبالبيئة التي تثير ردود فعله . أدى هذا القصور إلى ما يشبه الإهمال التام لأوضاع القوى والمؤسسات والتنظيمات والمجهودات الذهنية الموجودة دوماً في التركيب الاجتماعي (العربي) والفاعلة باستمرار في حياته ، والمهمة أيضاً في تحديد ردود فعله وأنماط سلوكه الجماعية والفردية . إن الوجه الآخر لعملة تجريد العلاقة الاستعمارية على هذا النحو هو التعصب للوهم المثالي الكبير القائل: بأن الأيديولوجيات الغيبية والفكر الديني الواعي الذي تفرزه مع ما يلتف حولها من قيم وعادات وتقاليد … إلخ هي حصيلة للروح العربية الخالصة الثابتة عبر العصور ، وليست أبداً تعبير عن أوضاع اقتصادية متحولة ، أو قوى اجتماعية صاعدة تارة ونازلة تارة أخرى ، أو بنيات طبقية خاضعة للتحول التاريخية المستمر ، ولا تتمتع إلا بثبات نسبي”.

 ألا يمثل هذا الكلام وقاحة بالغة النهاية ، لا يفعلها إلا أجير ذليل باع نفسه للصهيونية العالمية عن طريق الإلحاد الماركسي؟!

 ولا يشك خبير بحقائق الأمور أن سبب تخلف العالم العربي هو هجره لمفاهيم الإسلام الصحيحة المتقدمة جداً ، ثم تعلقه بوافدات تفد إليه من أعدائه ، الذين يخشون أن يصحو من نومه العميق ، ويستمسك من جديد بإسلامه ، ويثب وثباته المدهشة ، ويحتل قيادة العالم مرة ثانية .

 أما الوافدات الوبائية التي تفد إلى بلاد المسلمين من خارج حدودهم فالذين يحملونها بأمانة تامة للعدو وخيانة تامة لأمتهم وتاريخهم معروفون تماماً ، وأقوالهم وأعمالهم تدل عليهم ،ولئن اختفوا حيناً فلا بد أن يظهروا بعد حين .

 يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (9) من كتابه:

 “تبيَّن أيضاً بعد هزيمة (1967م) أن الأيديولوجية الدينية على مستوييها الواعي والعفوي . هي السلاح (النظري) الأساسي والصريح بيد الرجعية العربية في حربها المفتوحة ، ومناوراتها الخفية على القوى الثورية والتقدمية في الوطن”.

 ويقول أيضاً:

 “يلعب الفكر الديني دور السلاح (النظري) المذكور عن طريق تزييف الواقع وتزوير الوعي لحقائقها : تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي – مثلاً – والعلم الحديث . تزييف حقيقة العلامة بين الدين والنظام السياسي مهما كان نوعه “.

 إنه في هذا يخص الإسلام بالذكر إعلاناً عن غرضه الذي يهدف فيه إلى تهديم الإسلام وإطفاء نوره ، عن طريق التهجم الصريح المقرون بالشتائم التي يطلقها زوراً وبهتاناً على الدين .

 ونحن لا ننتظر منه ومن كل الملحدين وسائر أعداء الإسلام غير هذا ، فهم يتميزون غيظاً منه كل يوم ألف مرة ، لأنه حق قوي كاشف لزيف المبطلين ، وكما يقول هذا الكاتب نفسه في أول كلامه في المقدمة عن الفكر الديني :

 “من نافل القول أن هذا النوع من الفكر يسيطر إلى حد بعيد على الحياة العقلية والشعورية للإنسان العربي ، إن كان ذلك بصورة صريحة وجلية ، أو بصورة ضمنية لا واعية”.

 وقبل أن نفند أقواله عن الدين وعن الفكر الديني الصحيح غير المزيف ، وأمام حملات الكذب والشتائم الوقحة ، نقول ما قال الله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

 {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}.

 أي : يريدون مرادات كثيرة ، ويتخذون أسباباً متعددة ، ليطفئوا نور الله العظيم بأفواههم ، بأكاذبيهم وشتائمهم وأباطيلهم وافتراءاتهم ومغالطاتهم ونظرياتهم العلمية الباطلة ، والله مُتم نورِه رغم كل محاولاتهم الفاشلة ، ولو كرهوا ذلك وتميزوا منه غيظاً .

 أما ادعاؤه “بأن الفكر الديني يلعب دور السلاح (النظري) عن طريق تزييف الواقع ، وتزوير الوعي لحقائقه” ، فمجرد شتائم يطلقها تعبيراً منه ومن رفاقه وسادتهم المديرين لحركاتهم عن مدى غيظهم من الإسلام ، وعن مبلغ حقدهم عليه ، وعلى المسلمين الملتزمين بإسلامهم .

 وأنت خبير أن الشتائم ليس لها في ميادين الجدل المنطقي مقام . فمن قلت له : أنا موجود هنا أخاطبك ، هلُمَّ فناظرني ، فقال لك : هذا تزييف للواقع ، أنت مزور للحقيقة كاذب ، تريد أن تضللني وتزور وعيي ، أنت وهم ، أنت خيال ، أنت ليست شيئاً حقيقياً ، فمباذا ترد عليه؟ وبماذا تجيبه؟

 لا جواب له عند العقلاء إلا الإعراض عنه ، أما الدخول معه في حرب الشتائم فصناعة الغوغائيين ، لا صناعة الجدليين المفكرين الذين ينشدون الحق .

 وهذا هو سبيلنا مع أي عدو من أعداء الإسلام ، أعداء الحق ، حينما يوجه له شتيمة : “تزييف الواقع وتزوير الوعي لحقائقه” دون أن يقدم براهين صحيحة تثبت دعواه .

 ولكنه حينما يقدم ما يراه دليلاً وحجة فإننا لا نسكت عن مناقشتها ونقضها وبيان المغالطات فيها .

 وأما ادعاؤه : “أن الدين هو السلاح النظري الأساسي والصريح بيد الرجعية العربية ، في حربها المفتوحة ومناوراتها الخفية على القوى الثورية والتقدمية في الوطن”.

 فلا شأن للإسلام حقيقة في هذا ، والحق قد يتستر به المبطلون من كل جانب ، ولا يضير الطود المنيع أن يتستر في ظله من الواديَين فريقان متصارعان متضادان في مذاهبهما .

 أما التقدمية والرجعية والثورية وغير الثورية فألفاظ يطلقونها بأفواههم وفق أهوائهم .

 لقد استخدموا الإباحية الفكرية واللفظية أسوأ استخدام ، فقد يطلقون عبارة التقدمية على أقبح الرجعيات الفكرية والسلوكية ، فالقتل والسحق والتمثيل بالقتلى والتشويه والتعذيب الذي لا يخطر على بال كبار المجرمين ، والسلب والنهب وهتك الأعراض ، وكل الموبقات تقدمية ، مع أنها غاية في الهمجية الممعنة في الرجعية التاريخية ، التي ترجع إلى الوحشية البهمية ، وتجرُّع قوارير (الفودكا) حتى الارتماء على قمامات الشوارع هي في نظرهم تقدمية ، مع أنها في الحقيقة رجعية إلى ما دون مستوى البهائم وأضل سبيلاً ، والكفر بالله والإلحاد به تقدمية في نظرهم ، مع أن الكفر بالله من رجعيات القرون الأولى . أما الصدق والأمانة والمحبة الإنسانية والإخاء وحسن المعاملة وسائر مكارم الأخلاق وفضائل السلوك فهي في نظرهم وتسمياتهم رجعيات ، وهي أمور سخيفة يجب تركها والاستهانة بها .

 أليس هذا التلاعب بالحقائق تنفيذاً للمخطط اليهودي الشامل ، الذي يعمل على تجريد الأمة الإسلامية من كل قواها المقوّمة لكيانها ، حتى تفقد كل مقاومة ضد عدوها ، وتستلم لها استسلاماً كاملاً على ذل وضعة وعبودية؟

 وهؤلاء الملاحدة هم من أخطر جنود تنفيذ هذه الخطة اليهودية العامة ، ولا ضيرإذن أن يكون الإسلام سلاحاً ضدهم لأنهم أعداؤه ، وهم ومبادئهم وأفكارهم ومخططاتهم أسلحة فتاكة مسلطة ضد الإسلام ومبادئه وعقائده وتشريعاته والمؤمنين به .

 وفي كلام الماركسيين عن الرجعة العربية مغالطة قائمة على التعميم ، فحينما يطلقون عبارتي الرجعية والرجعيين فإنهم يقصدون الإسلام والمسلمين ودعاته وحماته ، ويقصدون أيضاً سائر الأنظمة العالمية المخالفة للنظام الماركسي ، وحماة هذه الأنظمة والمستفيدين منها ، وفي ضمن هذا التعميم المقصود يقذفون مغالطاتهم ، إذ يوهمون بأن الإسلام في نظرياته ومفاهيمه وتشريعاته يدعم النظام الرأسمالي مثلاً ، أو يدعم أنظمة الحكم الدكتاتورية ، مع أن موقف الإسلام من الأنظمة الرأسمالية المخالفة له مثل موقفه من الأنظمة الماركسية ، يخالف هذه وتلك ، ويقاوم هذه وتلك ،ولا يدعم هذه ولا تلك ، إن الإسلام نظام غيرهما جميعاً .

 هذه هي حقيقة الإسلام التي تشتمل عليها نصوصه ، ويعترف بها المسلمون الصادقون ، ولكن ما نصنع بالذين يستغلون اسم الإسلام لنصرة مذاهبهم التي تخالف الإسلام وهو لا يعترف بها؟

 هذا عيب في الناس وليس عيباً في الدين نفسه ، ونفاق الناس للمذاهب والأنظمة ، وتسترهم بها ، واحتماؤهم بقواها ، موجود في كل موقع فكري أو جماعي ، ولا يمكن أن يدفعه إلا نظام صحيح ثابت ، له في الأرض قوة تحمي مبادئه بحق ، وتكشف باستمرار المزيفين الذين يستخدمون اسمه وقوة الجماهير التي تنتسب إليه لدعم انحرافاتهم .

 فبالنفاق والتزوير والمخادعة قد يستخدم النظام الماركسي اسم الإسلام سلاحاً لدعم نظامه وحمايته ، إذا وجد جماهير تنخذع بنفاقه وتزويره ، ووجد أجراء وصنائع تزين أمام الجماهير نفاقه وتزويره وتتلاعب بمفاهيم الإسلام وفق أهوائه ، ولا يكون هذا بحال من الأحوال جريرة تلتصق بالإسلام أو عيباً ينسب إليه ، فالإسلام من نفاق المنافقين وتزوير المزورين بريء .

 وبالنفاق والتزوير والمخادعة قد يستخدم نظام رأسمالي اسم الإسلام سلاحاً لدعم نظامه وحمايته ، إذا وجد جماهير تنخدع بنفاقه وتزويره ، ووجد أجراء وصنائع تزين أمام الجماهير نفاقه وتزويره ، وتتلاعب بمفاهيم الإسلام وفق أهوائه ، ولا يكون هذا بحال من الأحوال جريرة تلتصق بالإسلام أو عيباً ينسب إليه ، فالإسلام الحق بريء من نفاق المنافقين وتزوير المزورين وتلاعب المتلاعبين .

فاتهام الإسلام بأنه سلاح في يد الرجعية ، أو في يد بعض الأنظمة التقدمية ، مغالطة قائمة على التعميم أولاً ، إذ يُعمِّم المغالطون اسم الإسلام فيجعلونه شاملاً لدين الله وللمنتسبين إليه بصدق ، وللمنتسبين إليه زوراً ونفاقاً ، وللمستغلين اسمه وهو منهم بريء ، وقائمة ثانياً على تحميل الدين جرائر المنافقين له ، والعابثين أمام بعض الجماهير بمفاهيم ينسبونها إليها ، وهي ليست منه .

 ولكن:

 يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتِمّ نوره ولو كره الكافرون .

 قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (9) من كتابه :

 “يلعب الفكر الديني دور السلاح (النظري) المذكور عن طريق تزييف الواقع وتزوير الوعي لحقائقه : تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي – مثلاً – والعلم الحديث ، تزييف حقيقة العلاقة بين الدين والنظام السياسي مهما كان نوعه (الاشتراكية – العربية – العلمية الإسلامية – المؤمنة – الثورية) تزييف الحقيقة حول التصنيف الثوري الصارم للأعداء والأصدقاء على مستوى العلاقات بين الدول في المرحلة الحالية الحرجة (مؤتمر القمة الإسلامي) تزييف حقيقة الصراع الاجتماعي القائم في الوطن العربي بين قوى اجتماعية ثورية صاعدة ، وقوى رجعية معطّلة ، بين قوى طبقية مسيطرة ، وقوى متمردة مسحوقة مستغلة (الدعوة لبناء الجسور بين الطبقات باسم الإصلاح والتسامح والمحبة وغيرها من القيم الروحية) ولا شك أن عملية التزييف هذه تعمل في صالح مجموعة مصالح طبقية ضيقة ومسيطرة ، تنزع نحو الاستماتة في المحافظة على نفسها وعلى مواقعها ،وبذلك نحو فرض أيديولوجيتها الدينية ومنظورها الميثولوجي المزيف للواقع على المجتمع بأسره ، وعلى حياته الفكرية والثقافية بكاملها تقريباً “.

 ( أ ) إذا تركنا شتائم (العظم) للفكر الديني في هذا النص ، لأننا عالجناها فيما سبق ، فإننا نلاحظ أن الذي يلعب دور التزييف بكل معانيه وصوره هو الفكر اللاديني الإلحادي ، لا الفكر الديني المؤمن .

 فاللادينيون هم الذين يصنعون هذه التزييفات ويستغلونها لستر واقعهم المعادي لجماهير الأمة ، والكثرة الكاثرة من شعوبها ، ولمبادئ هذه الجماهير وقيمها وأخلاقها وتاريخها ومؤسساتها .

 ( ب ) أما ما زعمه من تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي والعلم ، فقد كشفنا بطلانه بالشرح العلمي المركز في الفصل الثاني من هذا الكتاب ، وأثبتنا بالبراهين المنطقية أنه لا نزاع مطلقاً بين الدين الصحيح والعلم اليقيني الثابت ، وسنزيد هذا بياناً في جدليات تفصيلية ، نعالج فيها كشف أكاذيبه وتزييفاته في الفصل الثامن من هذا الكتاب ، والواقع أن الملاحدة وكل اللادينيين هم الذين يزيفون حقيقة العلاقة بين اللادين والعلم ، إذ يصورون كذباً وزوراً أن العلم صديق الإلحاد ، أو صديق اللاتديُّن ، ويحاول جهدهم ويكدون كداً لاهثاً ليثبتوا وجود التناقض بين الدين والعلم ، ويصنعون كل ألوان التزييف والتزوير لإثبات هذه الفرية ، ليتوصلوا من ذلك إلى نقض الدين وإبطاله .

 فمن المزيف للحقيقة والواقع ؟؟

 ( ج ) وأما ما زعمه من تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي والنظام السياسي مهما كان نوعه (الاشتراكية – العربية – العلمية الإسلامية – المؤمنة – الثورية).

 فالمزيفون في الحقيقة هم أصحاب المذاهب والنظم المخالفة للإسلام ، ويستأجرون أجراء للقيام في وسط الجماهير المسلمة بالدعاية لصور التزييف التي يصنعونها ، ستراً لمواقفهم المعادية للإسلام ، وكيداً لجماهير المسلمين ، ويسير وراءهم مخدوعون ، يظنون أنهم يخدمون الدين بما يصنعون . أما الدين ألإسلامي فلا يعترف بأي نظام مهما كان نوعه ، إذا كان يخالف المبادئ الإسلامية الصحيحة ، فللإسلام مناهجه ونظمه الواضحة البينة .

 والمسلمون الصادقون لا يقبلون أية صورة من صور التزييف التي يحاول غير المسلمين مخادعة الجماهير المسلمة بها .

 ( د ) وأما ما ذكره ” من تزييف الحقيقة حول التصنيف الثوري الصارم للأعداء والأصدقاء ، على مستوى العلاقات بين الدول في المرحلة الحرجة (مؤتمر القمة الإسلامية)”.

 وما ذكره من “تزييف حقيقة الصراع الاجتماعي القائم في الوطن العربي بين قوى اجتماعية ثورية صاعدة ، وقوى رجعية معطَّلة ، بين قوى طبقية مسيطرة وقوى متمردة مسحوقة مستغلة (الدعوة لبناء الجسور بين الطبقات باسم الصلاح والتسامح والمحبة وغيرها من القيم الروحية)”.

 فإن الإسلام أشد حرصاً على مقاومة هذا التزييف ، إن المؤمنين الصادقين أحرص من الملاحدة على إيجاد التصنيف الصارم ، وعلى إقامة الحدود الفاصلة بين الأعداء والأصدقاء ، أي : بينهم وبين الكافرين ، ولو كانوا من أبناء جلدتهم ، ويتكلمون بألسنتهم ، ولو كانوا منحدرين من السلالات الإسلامية ، ولو كانوا من أقرب أقربائهم ، فالإسلام لا يعرف مداهنة ولا مصانعة على حساب الدين والعقيدة ، أو على حساب جماعة المسلمين ، ولا يقر مبدأ المساومة في أي أمر من أمور الدين ، فالعدو عدو ولو كان أباً أو ابناً أو أخاً أو أقرب الأقربين في النسب ، والصديق صديق مهما كان بعيداً عن وشائج القرابات ، فالله يقول في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

 {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إَنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ منكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ منَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }

 فالأمر في المفهوم الإسلامي ليس بالسهل ولا باليسير ، إنه لعب بمصير الأمة ، ولعب بمصير دينها ، وفيه تمكين عدوها منها ، فليست موالاة أعداء الله من المعاصي الفردية العادية ، إنها خيانة للأمة جميعها ، وخيانة للكيان الإسلامي كله ، ودونها بنسبة كبيرة بعض كبائر المعاصي الفردية ، لأن هذه الموالاة لأعداء الله فرع من فروع النفاق .

 والله تبارك وتعالى يقول في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

 {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }

 حشر الناقد (د. العظم) اتجاهاته السياسية المعينة في صلب قضايا يزعم أنها قضايا نقدية علمية بحتة ، فهو بالإضافة إلى أنواع التضليل الذي سلكه في المسائل العلمية ضد الدين ،أخذ يحشر اتجاهاته السياسية ليتابع عملية التضليل ، ويسلك فيها مسلك الغوغائية الدعائية المعروفة في الكتابات الصحفية ، التي يكتبها الملاحدة الماركسيون ، فقال في الصفحة (23) من كتابه:

 “كان الدين في أوروبا حليف التنظيم الإقطاعي للعلاقات الاجتماعية ، ولا يزال على هذه الحال في معظم البلاد المتخلفة وخاصة في الوطن العربي . في الواقع أصبح الإسلام الأيديولوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي وخارجه (السعودية ، أندونيسيا ، الباكستان) والمرتبطة صراحة ومباشرة بالاستعمار الجديد الذي تقوده أمريكا . كما كان الدين المصدر الأساسي لتبرير الأنظمة الملكية في الحكم لأنه أفتى بأن حق الملوك نابع من السماء وليس من الأرض . ثم أصبح اليوم الحليف للأوضاع الاقتصادية الرأسمالية والبرجوازية ، والمدافع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها ، حتى أصبح الدين وأصبحت المؤسسات التابعة له من أحصن قلاع الفكر اليميني والرجعي . فالدين بطبيعته مؤهل لأن يلعب هذا الدور المحافظ ، وقد لعبه في جميع العصور بنجاح باهر ، عن طريق رؤياه الخيالية لعالم آخر تتحقق فيه أحلام السعادة ، وواضح أن هذا الكلام ينطبق على الإسلام كغيره من الأديان “.

 واضح من هذا الكلام (العظمى) أنه من قبيل الغوغائية الدعائية السياسية ، التي تعمل لنصرة مذهب سياسي واقتصادي معين ، أثبت الواقع فشله في المجالين السياسي والاقتصادي ، وأثبت أنه كان سلاحاً في أيدي الانتهازيين الطامعين باحتلال المواقع الرأسمالية والبرجوازية ، عن طريق النهب والسلب والاستغلال الظالم الآثم ، وأن شعارات هذا المذهب الاقتصادي لم تكن إلا أقنعة للتضليل .

 وقد عمد إلى ذكر بلاد إسلامية معينة لأنها ما زالت نوعاً ما ترعى الإسلام ، وتحمي شعاراته ، وتطبق بعض أحكامه .

 أما قصة الارتباط صراحة ومباشرة بالاستعمار الجديد الذي تقوده أمريكا فقصة أتقن تشييعها أجراء هذا الاستعمار ، وأجراء الصهيونية العالمية ، وغايتهم هدم الإسلام من وراء ذلك ، وهو يعلم أكثر من غيره دور الماركسية الملحدة التي تعمل لصالح الاستعمار الجديد ، وتعمل لصالح الصهيونية العالمية .

 وحرب رمضان عام (1973-1393هـ) ودور الدول الإسلامية فيها ، ودور المملكة العربية السعودية إذ دخلت فيها بكل ثقلها ، ربما يكون قد أغاظه كثيراً ، لأنه جاء على غير هوى سادته ، ولأنه كشف زيفاً كثيراً كان يصدّره هو وكل الذين يلبسون أقنعة التقدمية .

 وأكتفي عند هذه النقطة بهذا القدر لأنه ليس من خطتنا في الدفاع عن الدين وحقائقه أن ندخل معارك سياسية ذات طابع زمني ، وذلك لأن الدين دين الله ، وهو تعاليم ومفاهيم وحقائق فكرية ، ومتى هبطنا بها إلى مستوى الصراع السياسي فإننا تورَّط الدين توريطاً سيئاً ، إذ نجسده في واقع بشري ، مع أن الواقع البشري غير المعصوم قد يخالف الدين في كثير من التصرفات الإنسانية ، والدين لا يحمل جريرتها ، وإنما يحمل جريرتها المخالفون للدين أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الإيمان به والمطبقين لبعض تعاليمه ، ومن الذين يرفعون لواءه ، ويحرصون على نصرته .

 إن أي تجسيد للدين في واقع بشري غير معصوم عن الخطأ أو المخالفة يعتبر تشويهاً للدين ، وتحويراً في مفاهيمه وتعاليمه ، وهذه ليست خطة رشد في الدفاع عن الدين .

 إن الصراع من أجل الواقع البشري عمل سياسي قد يتصل بالمبدأ إلا أن له مجالاً آخر .

 وبالتضليل المقصود لمحاربة الإسلام بوصفه ديناً ربانياً ؛ يحاول أعداء الإسلام من ملحدين وغيرهم التقاط صور معينة عن الواقع البشري للمنتسبين إلى الدين ، ولو كانوا من أئمة المسلمين ومرشديهم ، ثم يأخذون هذه الصور البشرية المعينة ، ويجعلونها من الدين عقيدة ومفاهيم وأنظمة وغير ذلك ، مع أنها في الواقع ليست إلا انحرافات بشرية عن عقائد الدين أو مفاهيمه أو أنظمته ، وليس الدين هو المسؤول عنها ، ولكن أصحابها هم المسؤولون.

 وهذا التضليل من أعداء الإسلام مغالطة خبيثة ماكرة ، يقصدون منها تشويه الصورة الإسلامية من جهة ، واستدراج مغفلين من أنصار الدين ليتورطوا في الدفاع عن الواقع البشري ، فيستغله أعداء الإسلام استغلالاً سيئاً .

 يضاف إلى كل هذا أن المعارك السياسية الزمنية لها وجهات أنظار مختلفة ، ومن العسير جداً تمييز جانب الحق فيها ، وما أكثر ما ترى الغوغائية الجماهيرية رأياً أملته عليها الغوغائية الدعائية التي تنصر مذهباً اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً معيناً ، وتدعم مصالح معينة ، ثم يتبين بعد التجربة أن الرأي المناقض له كان هو الأحق بالاعتبار ، وأن محاربته كان رعونة وطيشاً ، وتورطاً في مزالق سياسية تكبد المنزلقين خسائر فادحة ، وتحمِّلهم مصائب كثيرة ، وقد تدفع بهم على أيدي أعدائهم ضحايا رعوناتهم ، وعندئذ تجد جنود الأعداء الذين دفعوا بهم إلى هذه المزالق يطبلون ويزمرون ويرقصون على أجساد الضحايا .

 أما زعمه : أن الدين أصبح اليوم الحليف الأول للأوضاع الاقتصادية الرأسمالية والبرجوازية ، والمدفع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها … إلى آخر كلامه .

 فالواقع أن هذا الكلام ليس فيه من النقد الفكري شيء ، بل هو لون دعائي سياسي صحفي قائم على التضليل .

 إن أي دارس للنظام الاقتصادي الإسلامي يعلم بداهة أنه نظام فذّ قائم بنفسه ، فلا هو نظام رأسمالي يساير الأنظمة الرأسمالية في العالم ، ولا هو نظام اشتراكي يساير الأنظمة الاشتراكية في العالم ، ولكن قد تتلاقى الأنظمة الرأسمالية معه في بعض الجوانب ، وقد تتلاقي الأنظمة الاشتراكية معه في بعض الجوانب ، وينفرد الإسلام بمفاهيم خاصة وتنظيم كلي خاص ، والشبه الجزئي لا يعني التبعية بحال من الأحوال .

 وأما تحصن الرأسماليين بالإسلام فيشبه تحصن بعض الاشتراكيين به ، وهو ليس حصناً في الحقيقة لهؤلاء ولا لهؤلاء ، ولكن يتحارب الفريقان فيختبئ هؤلاء وراء جانب منه ، ويختبئ أولئك وراء جانب آخر منه ، وتتساقط بعض الضربات من هؤلاء وأولئك على الحصن الإسلامي زوراً وبهتاناً ، ولو كان في الحصن الإسلامي جنود حقيقيون لخرجوا وقاتلوا الفريقين معاً ، ولطردوهما عن جوانب الحصن .

 وأما قوله : “إن الدين قد أصبح المدافع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها”.

 فإننا نقول : ما دامت الملكية الخاصة مكتسبة بطرق مشروعة يوافق عليها نظام الإسلام فاحترامها حق ، واحترام الحق من أسس مبادئ الإسلام العامة ، ولا يضيره في هذا أن توافقه أو تخالفه أنظمة وضعية ومذاهب اقتصادية أخرى ، فالحق أحق أن يتبع .

 وتعلن بإصرار أن النظام الإسلامي هو الأكمل والأصلح للإنسانية ، وستضطر الأنظمة الأخرى أن تتراجع إلى نظامه .

 وهل عيب في النظام الإسلامي أن يحترم الملكية الخاصة المشروعة ، لأنه لا يوافق في هذه الناحية النظام الماركسي؟

 إن العيب والنقص فيما خالف الإسلام ، نقول هذا بكل فخر واعتزاز .

 ثم نتساءل فنقول: هل تتنازل الأنظمة الماركسية عن ملكياتها لصالح دول أخرى ماركسية أيضاً؟

 إنهم يتقاتلون لحمايتها ، فأين بقيت مقومات المذهب؟

 مفتريات وأباطيل ، وخداع وتضليل!!

المصدر

كيف ترد على شبهات الملحدين

يقتات الملحدون في وسائل التواصل الاجتماعي على طرح الشبهات حول الإسلام أو القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يناقشون أو يطرحون وجهة نظرهم المتعلقة بالإلحاد، وذلك لأن موقفهم ضعيف جدا. فليس أمامهم إلا أن يهاجموا ويلبسوا على المسلم ليبقى المسلم في موقف دفاعي دائم!

المطاردة والاستجابة

في بعض الأحيان نجد أن المشكلة لا تكمن في الملاحدة، فهم أهل جحود وكبر على أية حال، وإنما المشكلة في بعض الأفاضل ممن يتوهم أنه كلما جاءه ملحد بسؤال: ما تأويل هذه، وما تأويل تلك، فإنه يتعين عليه أن يجد له الجواب المفصل على نحو ما يريد هذا الملحد، وإلا كان الإشكال.

ويجب إدراك أمر مهم، هو أن الإيمان بالخالق وبنسبة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إليه ليس مشروطا عند العقلاء بمعرفة جواب كل شاردة وواردة ترميها الشياطين في خواطر الناس بشأن أفعال الله جل وعلا! فهذا جهل لا يضر، لأن العلم بتلك التفاصيل ليس واجبا في العقل ولا شرطا لازما للتسليم بالقواطع العقلية التي يجحدونها جملة واحدة.

بل ليس لازما للتسليم بشيء مما أخبرنا به الرب من صفاته سبحانه وتعالى! هذا أمر يعلمونه تمام العلم.

ولو جئناهم بعشرات التأويلات والتفسيرات والتعليلات والأجوبة فلن يكتفوا، لأن الغاية عندهم ليست تحصيل المعرفة بالأساس، وإنما البقاء على الإلحاد والتذرع له بكل ذريعة، ولهذا لزمهم تعليق الإيمان بالحق على شرط معرفي باطل لا يشترطه عاقل!

والملاحدة يتواصون دائما باستخدام أسلوب الهجوم والإغراق بالشبهات والأسئلة، وهذه عينة من إحدى الوصايا بينهم:

فهم لا يناقشون موضوع الإلحاد أصلا، بل إنهم أقل الناس مناقشة لهذا الموضوع، وإنما هم في الحقيقة يتحدثون عن الإسلام أكثر مما يتحدثون عن عقيدتهم (الإلحاد).

وهذا أسلوب بائس يدل في حد ذاته على ضعف الطرح الإلحادي، فعندما يطرح الملحد مثلا شبهة (خلق الشر)، فإن طرح هذه الشبهة أصلا يفترض أن هناك خالق وأن هذا الخالق قد خلق الشر! وعندما يطرح شبهة حول نصوص القرآن فإن الهدف من هذا هو التشكيك بأن القرآن وحي من الله، ولننظر إلى النتيجة على افتراض أن هذا هدفه: هل لإثبات عدم صحة القرآن أية علاقة بوجود الخالق؟

فالملحد عموما ليس لديه أي طرح إلحادي، فكيف يكون الرد عليه؟

لا تشغل نفسك أبدا بالرد على شبهته، لأنك إن رددت عليه فسوف يعطيك شبهة أخرى.. ثم أخرى.. وهكذا، حتى يستهلك جهدك، أو يأتيك بشبهة يصعب عليك ردها. لا ترد على شبهته إلا عند الضرورة، وعندما ترى أن الرد مهم جدا.

بماذا ترد عليه؟

عندما يطرح الملحد شبهته أو تعليقه طالع في نبذة الحساب عنده لتتعرف على توجهه بشكل أفضل، ثم استئذنه بطرح بعض الأسئلة فقط إن كان لا ينزعج من الأسئلة، وسأخبرك لاحقا لماذا يجب أن تستأذنه.. فإذا وافق بادره بالسؤال التالي:

هل أنت ملحد أم لاأدري؟

هذا السؤال هو الذي يخص الإلحاد وليس طرح الشبهات والرد عليها.

إن رفض الإجابة فإن لديه إشكاليات قوية ونقاط ضعف يخشى من نقاشها، ويمكنك حصاره وملاحقته في النقاش حتى يجيب.

فإن أجاب بأنه (ملحد)، فهو هنا قد وضع نفسه في موقف بائس، وهو أضعف موقف يمكن أن يضع الملحد نفسه به. بادره فورا بسؤال مثل:

أنت إذن تقول إنه لا يوجد خالق؟ (ملاحظة: الخالق هو الله، لكن دائما ناقشه باستخدام لفظة “الخالق” وليس “الله”، لأنك إذا استخدمت لفظ الجلالة “الله” فإنك تعطيه مخارج يهرب منها في النقاش، كصفات الله.. الخ.)

فإذا أجابك بنعم، أو قال أرجح ذلك، فقد وقع في مشكلة منطقية كبيرة. إذ أنه يتحمل عبء الدليل على هذا الادعاء.. فيمكنك حينئذ أن تسأله بسؤال كهذا:

هل لديك دليل على عدم وجود الخالق أم أنك تؤمن بذلك بلا دليل؟

الملحد المتمرس في النقاش سيهرب أصلا إلى ادعاء أنه لاأدري، فيجعل نفسه بلا موقف لكي لا يلزم نفسه بأي إثبات أو نفي.. ولكن يكفي من هذا أنه لا يمكنه أن يدعي أي شيء، فما عليه سوى الاستماع وطرح الأسئلة. وهنا يمكنك مراجعة تغريداته وستجد فيها عادة ما يدل على إلحاده التام.. ويمكنك حينئذ كشف تناقضه..

ولكن عموما ما دام وصل إلى اعترافه بأنه ملحد فسوف يجيب على سؤالك بقوله: إنه يرى عدم وجود خالق لأنه لا يوجد دليل على وجود الخالق..

وهذا هو المطب المنطقي، لأن هذه مغالطة منطقية شهيرة اسمها مغالطة الاحتكام إلى الجهل fallacy of ignorance، وملخصها هو أن الاحتجاج بعدم وجود دليل لا يصح. بمعنى آخر: إن عدم وجود الدليل لا يعتبر دليلا على العدم. فإذا قلت مثلا إنه ليس لديك دليل على وجود شخص خلف الجدار فلا يصح أبدا أن تدعي بناء على ذلك أنه لا يوجد شخص خلف ذلك الجدار. ولو كان هذا الأسلوب في الاستدلال صحيحا فإن هذا يعني أن القارة الأمريكية لم تكن موجودة قبل ألف عام، لأنه لا أحد لديه دليل على وجودها في ذلك الوقت..

وبهذا تكون قد أسقطت دعواه بعدم وجود الخالق تماما عن طريق إثبات المغالطة المنطقية التي قامت عليها دعواه.

طيب لنفترض أنه لا يعتبر نفسه ملحدا وإنما أجاب على السؤال الأول بأنه لاأدري.. فكيف تتعامل معه؟

هنا تسأله ببساطة:

ما نسبة احتمال وجود خالق وما نسبة احتمال عدم وجوده؟

فإذا قال 50% و 50%، فهذا يعني أنه ليس لديه موقف من ناحية وجود الخالق، ولك أن تلزمه بعدم الاعتراض على وجود الخالق لأنه ليس لديه موقف، وأن الاعتراض يجب أن ينطلق من موقف يتضمن معارضة الآخر المخالف.. فعليه أن يحزم أمتعته ويذهب ليقرر له موقفا واضحا من وجود الخالق وحينها يمكنه أن يعترض أو يوافق. وجواب الـ (50-50) يأتي غالبا من الملاحدة واللاأدريين المتمرسين في النقاش والمطلعين على المغالطات المنطقية.. وإن شئت فإنك تستطيع أن تطالبه بدليل ال 50% التي بنى عليها وجود الخالق، وتدخله في متاهات منطقية، لأن دليل الإثبات لا يتجزأ، إما أن يكون دليلا أو لا قيمة له.

ولكن في الغالب ستجد أن من يناقشك من الملحدين أو اللاأدريين العرب هم من الشباب الغر المغرور الذي ليس لديه أي عمق في النقاش، وإنما هو يردد تلك الشبهات كالببغاء، ويعتقد أن الناس جهال لا يفقهون. وستجد أنه يعطيك رقما يفيد ميله إلى ترجيح عدم وجود الخالق، ويتراوح هذا الرقم من 51% إلى 99%.. وبعضهم لشدة جهله تجده يعطيك احتمالا لعدم وجود الخالق هو 99.99%، وهو بترجيح عدم وجود الخالق يحاول أن يبرر لنفسه الهجوم على الإسلام، ولا يعلم أنه وقع في المغالطة، وأن عليه عبء الدليل لإثبات دعواه.

فإذا اتضح أنه يميل بأية درجة إلى ترجيح عدم وجود الخالق، هنا يمكنك أن تتبع معه نفس الأسلوب مع الملحد، كل ما عليك هو أن تطالبه أن يخبرك بسبب هذا الترجيح.. لابد أن هناك دليلا أو مبررا منطقيا لهذا الترجيح.. فإن عجز عن الإتيان به فمعنى هذا أنه يرجح بناء على هواه ورغبته الشخصية وليس على أساس منطقي أو عقلي.. وهذه ضربة قوية تهدم طرحه كاملا، وتكشف أنه ملحد نفسي.

ستلاحظ عند المناطق المحرجة في النقاش أنه سيتذمر ويطرح شبهات خارجة عن الموضوع، وقد يطالب بطرح الأسئلة مثلك، أو يتهمك بأنك تحقق معه.. ولهذا قلت إن الاستئذان منه ضروري في البداية.. حتى لا يكون لديه مجال للهروب من النقاش.

ستجد مثلا أنه سيطالبك بإثبات وجود الخالق، هنا لا تتجاوب معه، وقل إنك لم تدّع وجود الخالق حتى الآن، وإنما هو الذي ادعى عدم وجود الخالق فعليه عبء الإثبات.. وعندما يحين الوقت مثلا، أو تحتاج إلى إثبات وجود الخالق فإن هذا الموضوع ، وأيضا هذا الموضوع قويان ومفيدان جدا.

طريقة أخرى لنقاش الملحد

قد يسلك الملحد أسلوب الهجوم، ويطرح عليك هذا السؤال: هل من دليل على وجود الله؟

فتسأله إي دليل تبحث عنه؟

فيرد عليك: أُريد رؤيته..

فترد: ماذا لو رأيته؟

فيقول: سأسلم وأؤمن بوجوده.

وهنا يكون التساؤل منك: كيف ستعرف أنه إله؟

هو إذن أقر بإجابته بإمكانية وجود الإله وإمكانية التعرف عليه، فالمشكلة ليست في استحالة وجوده وإنما في رؤيته.

وكأنه بهذا النقاش يقول صراحة: ليس لدي مانع من الإيمان بوجود إله ولكني أريد أن أراه.

هنا تكون أسقطت إنكاره لوجود الإله، ويمكنك بعدها أن تستطرد معه في سؤالك: لو رأيته فكيف تعرف أنه إله.. وسترى كيف يسقط في يده ويحتار.. فالله سبحانه ليس كمثله شيء.

وقد يبدأ الملحد النقاش بسؤاله مثلا: أثبت أنت أن إلهك على العرش في السماء؟

من خلال قوله هذا فهو مؤمن بالله وهو لا يدري.. فكيف يكون ذلك؟

قل له: بما أنك تريد إثباته بتصور محدد فهذا يعني أن مشكلتك في تصوره لا في وجوده، وهذا جيد..

والإلحاد هو “لا إله”، أي لا وجود لله، وليس لا صفات لله! فرفض الصفات هو إيمان مسبق بالإله.

يمكنك أيضا أن تسأله: ما قولك لو أخبرك شخص ما أنه هو إلهك الذي خلق الكون؟

سيخبرك أنه لن يصدقه، ولو سألته لماذا؟ سيقول إن الإنسان لا يستطيع فعل ذلك.

فهو الآن قام بحصر نفسه من حيث لا يدري!

فكونه رفض ذلك الشخص لأنه لا يستطيع يدل على أن استبدال ذلك الشخص العاجز بإله قادر على كل شيء سيكون معقولاً مقبولاً.

ماذا إن كان ربوبيا؟

الربوبي هو الذي يؤمن بوجود الخالق لكنه لا يؤمن بالأديان ولا بالأنبياء، وهو من أغبى خلق الله، حيث يمكنك بسهولة أن تهدم عقيدته. فهو شديد الحيرة في الرد على الأسئلة، ولهذا تجد أكثرهم يدعي أنه لا يهتم بمعرفة شيء عن الخالق لكي يريح نفسه من الرد على الأسئلة المحرجة.

وتكمن الصعوبة في النقاش مع الربوبي في أن لكل ربوبي اعتقاداته الخاصة التي يؤلفها من رأسه، والسبب هو عدم وجود إجابات لديهم على الأسئلة الحاسمة.. اسأله مثلا:

ما هي صفات الخالق؟

فإذا أعطاك أي صفة من الصفات طالبه بالأدلة عليها، وخصوصا الصفات الغيبية.

ويمكنك أن تطرح عليه أسئلة محرجة جدا ولا يوجد لها إجابة إلا عند المسلمين، مثل سؤال وجود الشر، وهل هناك آخرة أم لا؟ وإذا لم تكن هناك آخرة وعقاب وثواب فكيف تتحقق صفة العدل عند الرب والعدل غير متحقق في هذه الدنيا.. الخ. أما إذا كان لا يعرف أي صفات عن الخالق فهو يؤمن بمجهول، وهذا يكفي لإسقاط إيمانه. فمفتاح النقاش مع الربوبي هو إقراره بالغيبيات من دون مصادر، أو جهله بما لا يسعه الجهل به منها.

ويمكنك أيضا أن تنطلق من أسئلة مثل:

هل الربوبية تقوم على وجود الخالق ومعرفته أم يمكن أن تقوم على وجوده والجهل به؟ (الإيمان بوجود مجهول)

هل يكفي العقل لمعرفة الخالق وصفاته والغيبيات الأخرى أم يلزم الوحي؟ (إذا كان الوحي ضروريا فهو موجود حتما فمتنع إنكاره ويجب إيجاده وتحديده، ويلزم أن تكون معايير الاستبعاد في تحديد الوحي الصحيح منطقية. أما إذا ادعى عدم وجود وحي فإن وجود العقل الباحث عن الغيبيات دون توفيرها يناقض اتصاف الخالق بالحكمة وينسب إليه العبث وهذا ممتنع).

لماذا خلقنا؟ (هنا سيشعر الربوبي بالإشكال، فإذا كان الخلق من أجل العبادة أو الإيمان فسوف يسقط أي افتراض لاحق للربوبي أن الخالق قد غرس معرفة صفاته في قلب كل مؤمن، وسيقع الربوبي في إشكالية أخرى هي عبادة إله مجهول، أما إن كان الجواب هو عدم وجود أي هدف من الخلق أو عدم إمكانية الجواب فهذا قول بالعبث في الخلق، وهو يناقض حكمة الخالق أيضا).

ويجب أن نؤكد على السؤال المهم: هل يتفق مع حكمة الخالق أن يهبنا عقلا ليس لديه عن الخالق سوى الأسئلة ثم لا يعطينا مصدرا يخبرنا عن تلك الصفات؟ (لقد خلقَنا الخالق بكل احتياجاتنا ثم وفرها لنا من هواء وماء وطعام وأمن ولباس.. الخ، فمن المنطقي عندما خلق لنا عقولا تسأل أن يوفر لها الإجابة من خلال الوحي، ومن هنا يأتي التكامل: العقل يدرك وجود الخالق والوحي يعرفنا به وبالحساب وبالغاية من خلقنا.. هنا تظهر أهمية الدين).

ماذا بعد الموت؟ (يمكن النقاش هنا بنفس طريقة السؤال السابق، مع إثارة مسألة العدل الإلهي ومعضلة الشر كما أشرنا سابقا)

قد يتذرع الربوبي بأهمية الشك، وهذه إشكالية لديهم، فإذا كان الشك محمودا لديهم فما نقيضه؟ إنه اليقين.. وبالتالي فإن النتيجة هي أن اليقين مذموم.. وهذا انتكاس في العقل والفطرة.

عندما تحيرك شبهة

قد يطرح الملحد أو اللاأدري أو الربوبي شبهة لم يسبق لك أن عرفتها.. وكل شبهاتهم تقوم على المغالطات والتدليس.. فإذا احترت في شبهة فما عليك إلا أن تفتح محرك البحث Google وتبحث عن الردود عليها، فهناك ردود عديدة على جميع الشبهات تقريبا، وهي ردود تكشف المغالطات والتدليس في تلك الشبهات.. اكتب كلمة (شبهة) ثم بعدها وصف الشبهة..

إذا سب أو شتم

غالب بضاعة الملاحدة والربوبيين هي السب والشتائم والسخرية بالله ودينه ونبيه وكتابه.. فإذا لاحظت أن المناقش قد يمارس هذه العادة البذيئة أثناء النقاش نبهه في البداية إلى أن يناقش باحترام، أما إذا لاحظت أنه بدأ بالسخرية والسباب، فلا أنصحك أبدا بمواصلة النقاش، وإنما كل ما عليك هو حظره.. وهو في الغالب يلجأ لذلك عندما يتورط، وهو يعلم أنك ستنهي النقاش وتحظره، وذلك أفضل عنده من انكشاف جهله.

المصدر

كيف يغضب الله وهو يعلم الغيب؟

إذا كان الله يعلم منذ الأزل بوقوع المعاصي فكيف يغضب إذا وقعت؟

هذا السؤال يطرحه الملحد على المسلم، وقد يلتبس الأمر على بعض المسلمين.

مصدر الإشكال

مصدر الإشكال في هذه الشبهة وفي شبهات أخرى تتعلق بصفات الله تعالى هو استحضار الصفات الإلهية في الخيال.. وكأن صفات الخالق هي نفسها صفات المخلوق. والصحيح أن ذات الخالق لا ندركها، وصفاته لا نعرفها إلا من الوحي، والله سبحانه يقول في الوحي: “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”.

فلا يصح أن نتخيل صفاته كما نتخيل صفات البشر، بل إن كل ما نتخيله من الصفات فصفات الله خلافها، وإنما نحن نعقل تلك الصفات كما وصف الله بها نفسه أو وصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ونتوقف عند كيفيتها.

غضب الله وغضب البشر

ولكي نعرف صفة الغضب التي يتصف بها الله عز وجل فسوف نستعرض الآيات التي وردت فيها الإشارة إلى غضب الله ونلاحظ أمرا مهما، وهو أن غضب الله نوع من أنواع العقاب يقع على من يستحقه وليس كغضب البشر الذي يقع في أنفسهم فيؤلمهم ويزعجهم، ولهذا فهو صفة كمال في حق الله وصفة نقص في حق البشر.

“… وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون”

“بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين”

“ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله”

“ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما”

“قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه… الآية”

“قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان… الآية”

“إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين”

“ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير”

“من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم”

“كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى”

“والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين”

“والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد”

“ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا”

“ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون”

“يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور”

ثم لاحظ وصف الغضب عند الناس في القرآن، فهو هنا حالة انفعالية يستحسن التخلص منها:

“والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون”

وتأمل في هذه الآية مقارنة واضحة بين غضب الإنسان (موسى) وغضب الله تعالى، الأول صفة نقص بشري مزعجة، والآخر صفة كمال تحل عقوبة بالعصاة:

“فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي”

لم لا يغضب الله قبل المعصية؟

إذا عرفنا أن غضب الله إنما هو عقوبة تقع على مستحقيها، فإن من غير المناسب أن نتساءل: لم لا يغضب الله قبل وقوع المعصية إذا كان يعلم أنها ستقع.. إذ كيف تأتي العقوبة قبل ارتكاب الجرم؟

وكما ذكرنا آنفا، فالإشكال الأساسي يكمن في الاعتقاد أن كيفية الغضب عند الله هي نفسها الكيفية التي يغضب بها البشر، وهذا خطأ فادح يقع فيه الكثيرون عند الحديث عن صفات الله تعالى.. فيجب أن نستحضر دائما في أذهاننا أنه “ليس كمثله شيء”، ويجب أيضا أن نلاحظ نفي التشبيه المضاعف هنا: (الكاف) و (مثل)، فلا تشابه أبدا بين صفات الخالق وصفات المخلوق إلا من ناحية كونها موجودة.

 المصدر

كوزمولوجيا الأكوان المتعددة ونشأة الحياة (1)

بدأ العلماء يدركون على نحو متزايد أن الموارد الاحتمالية للكون المرصود غير كافية لتفسر – بالصدفة وحدها– نشأة أبسط خلية معقدة، أو نظامٍ متكاثر ذاتيًّا من جزيئات الرنا (أو قل حتى: بروتينٍ مفردٍ بطول متواضع)، واستجابةً لذلك سعى بعض العلماء لتفسير نشأة الحياة بالاستدلال بآليات مادية أخرى أو عمليات تنظيم ذاتي، ولكن كما ذكرنا في الفصلين الحادي عشر والرابع عشر؛ فقد تعثّر هذا النوع من النظريات أيضًا، ولذلك تطلَّع بعض العلماء إلى ما وراء كوننا للحصول على موارد احتمالية إضافية تجعل تفسير نشأة الحياة بالصدفة أكثر قبولًا.

وفي الشهر الخامس من عام 2007 نشر يوجين كونين من المركز القومي لمعلومات التقانة الحيوية في معاهد الصحة القومية، مقالًا في مجلة بيولوجي دايركت Biology Direct بعنوان “نموذج التضخم الكوني الأبدي، والانتقال من الصدفة إلى التطور الحيوي في تاريخ الحياة”، واعترف كونين في مقاله أنه لا يمكن تفسير نشأة الحياة بفرضية عالم الرنا ولا بأي فرضية تطور كيميائي مادية، عند أخذ الموارد الاحتمالية في الكون بأكمله بعين الاعتبار، وكما شرح كونين: “رغم الجهد التجريبي والنظري المبذول، فلا يوجد حاليًا سيناريو مقبول لأحداث نشأة عملية تضاعف الجينات وترجمتها إلى بروتينات، وهما العمليتان الرئيسيتان اللتان تشكلان معًا لب الأنظمة الحيوية والمتطلب السابق للتطور الحيوي، قد يعرض مفهوم عالم الرنا أفضل فرصة لحل هذه المعضلة، ولكنه حتى الآن لا يفسر ظهور أنزيم رنا ريبليكاز فعال أو نظام الترجمة”.1

ولمعالجة هذه المشكلة اقترح كونين تفسيرًا لنشأة الحياة يعتمد على مجرد الصدفة، ولكن تفسيره الخاص المعتمد على الصدفة لا يرجع إلى أي عملية تحدث على كوكب الأرض أو حتى ضمن الكون المرصود، بل افترض بدلًا من ذلك وجود عدد لا نهائي من الأكوان التي تتوافق مع الحياة، وجادل بأن وجود هذه الأكوان سيجعل وقوع أغرب الأحداث غير المحتملة (كنشأة الحياة) أمرًا محتملًا، بل قد يجعله أمرًا محتّمًا.

ولتبرير ادعاءه بوجود الأكوان الأخرى استدل بإحدى نماذج نشأة الكون المبنية على نظرية التضخم في علم الكونيات inflationary cosmology والتي وضعها عالم الكونيات ألكسندر فلينكين Alexander Vilenkin تحت مسمى فرضية “العوالم المتعددة في عالم واحد”، إذ أنه وفق علم الكونيات التضخمي حدث لكوننا في أول جزء من الثانية بعد الانفجار العظيم توسع أُسِّيّ مفرط السرعة، ثم عاد التوسع ليهدأ ويسير بسرعة هادئة، وقد جاء علم الكونيات التضخمي أساسًا لتفسير سمتين محيرتين للكون إن نظرنا له من ناحية نظرية الانفجار العظيم في الكونيات، وهما تجانسه uniformity (homogeneity) وتسطحه flatness.

ويعني علماء الكون بالتجانس homogeneity أن الكون يبدو نفسه لجميع المراقبين، بغض النظر عن مكان وجودهم، وإحدى جوانب هذا التجانس هو تماثل إشعاع الخلفية الكوني الذي له الدرجة نفسها في كل الكون القابل للرصد، وهذه مشكلة تواجه نظرية الانفجار العظيم القياسية في علم الكونيات، إذ وفق هذه النظرية كانت الفوتونات في إشعاع الخلفية ترتد عن الإلكترونات في البلازما الساخنة التي ملأت الكون كله، واستمر ذلك حتى 300.000 سنة بعد بداية الكون، وعند تلك النقطة برد الكون بما يكفي لتتشكل الذرات المعتدلة كهربائيًّا، وتحرر إشعاع الخلفية، الذي وصلنا بالنهاية وأعطانا صورة عن الكون في عمر 300.000 عامًا بعد ولادته.

الشيء المحير في هذا الإشعاع هو أن له الحرارة نفسها في كل الاتجاهات إلى درجة جزء من مائة ألف، وهذا يقتضي أن الكون في عمر 300.000 عامًا كان ذا حرارة متجانسة إلى درجة لا تصدق، وهذا بدوره يتطلب شروطًا أولية ­دقيقة بدرجة فائقة، وبالتالي يمكن تفسير التجانس المشهود في إشعاع الخلفية الكوني وفق سيناريو الانفجار العظيم التقليدي بافتراض أن تكون الحالة الأولية للكون متجانسة للغاية في حرارتها وتوزيع البلازما فيها، وهذا يتطلب بدوره انفجارًا أوليًّا مضبوطًا بدقة متناهية.2

يسمى الكون المتجانس homogeneous “مسطحًا” إن كان متوازنًا بين الانهيار الثقالي النهائي eventual gravitational collapse والتوسع الأبدي eternal expansion، وفي هذه الحالة تكون هندسته الفراغية إقليدية تمامًا، ولن يكون الفضاء منحنيًا، ويصل الكون إلى هذا التسطّح عندما تكون كثافته الكتلية الحقيقية قريبة من الكثافة الكتلية الحرجة (الكثافة المطلوبة لإيقاف توسع الكون)، أي عندما تكون النسبة بين الكثافتين الحقيقية والحرجة قريبة من الواحد، وفي كوننا تكون النسبة بين هاتين الكميتين أقل من الواحد بقليل، ونتيجة لذلك سيستمر كوننا بالتوسع دون انهيار ثقالي جديد، ولا يكاد يكون للفضاء أي انحناء إجمالي overall curvature، ووجود ذلك التوازن الدقيق بين هذه القيم هو أمر يثير العجب وفق رؤية نظرية الانفجار العظيم النموذجية بسبب أن هذا التوازن في الكون كان سيحتاج لشروط أولية مضبوطة بدقة فائقة.

يحاول علم الكون التضخمي تفسير مشكلة الأفق (التجانس) باعتبارها غير ناتجة عن هذه الشروط الأولية المضبوطة بدقة (رغم أنه يستدل بشروط محددة خاصة به، انظر أدناه)، ولكنه بدلًا من ذلك يفسر التجانس بأنه نتيجةٌ لتوسع كوني مبكر بمعدل أُسِّي مرتفع، ووفقًا لنموذج التضخم الكوني فقد وجدت درجة حرارة الكون فرصة لتتجانس خلال الأجزاء الأولى من الثانية بعد الانفجار العظيم، ثم وزع التوسع السريع للكون هذا الإشعاع المتجانس عبر كل الكون القابل للرصد، كما دفع أي بقايا من عدم التجانس إلى ما وراء حافة الكون القابل للرصد.3

يبدأ التضخم وفق النماذج الحالية في زمن حوالي 10–37 ثانية بعد الانفجار العظيم ويستمر إلى 10–35 ثانية؛ حيث يتوسع الفضاء نفسه خلالها 10­60 مرة أو ما يقارب ذلك، افترض مثلًا أنه في بداية زمن التضخم كان حجم الكون القابل للرصد تقريبًا حوالي 10–60 مترًا، وكان قطره في نهاية التضخم مترا، ولكن في بداية التضخم كان حجم الأفق (المسافة التي قطعها الضوء منذ الانفجار العظيم) حوالي 10–37 ثانية ضوئية، وهذا أكبر بكثير من الرقعة الصغيرة التي قدر لها أن تنمو لتشكل كوننا المرصود، ولذلك فعملية التضخم الكوني لم توزع فقط إشعاع الخلفية المتجانس عبر الكون المشاهَد، ولكنها وزعت أيضًا أية بقايا لعدم التجانس إلى ما وراء حافة الكون القابل للرصد.

يفسر التضخم حالة الكون القريبة من التسطح كنتيجة للتوسع المفرط أيضًا؛ حيث ازدادت كل مسافات الكون بمقياس 10­60 مرة خلال زمن التضخم، وذلك يعني زيادة قطر الكون القابل للرصد بالمعدل نفسه كذلك، افترض أن للأبعاد الأربعة (الزمان–مكان) في الكون قبل التضخم انحناءً إيجابيًّا، مثل سطح بالون عند تخيل أبعاده الثلاثية، وأن قطر الكون كان جزءًا من مليار جزء من المتر (نانومتر)، فبعد التضخم يكون قطره 10­51 مترًا، أو حوالي 10 مليار مليار ترليون سنة ضوئية، وكما أن نفخ بالون إلى حجم أكبر وأكبر يجعل بقعة صغيرة منه تبدو مسطحة، كذلك تضخم كل الكون يجعل رقعة الكون القابل للرصد [من الزمان–مكان] تظهر أكثر تسطيحًا.

إن علم الكون التضخمي ذو صلة بالجدل حول نشأة الحياة لأن بعض علماء الكونيات يعتقدون أنه يوفر الآلية التي تولد كثيرًا من الأكوان غير كوننا، ولأن أحد علماء البيولوجيا الجزيئية المشهورين قد استدل بهذه الأكوان الأخرى مؤخرًا في محاولة لتفسير نشأة الحياة، ووفقًا “لنموذج التضخم الأبدي الشواشي chaotic eternal inflationary model” السائد حاليًا، فإن التوسع السريع للكون موجه بفعل “حقل التضخم” [وهو حقل ثقالي طارد repulsive]، وبعد المرحلة الأولية من التوسع تفكك حقل التضخم موضعيًّا لينتج كوننا، ولكنه يستمر ليعمل بقوة كاملة خارج منطقتنا المحلية لينتج توسعًا أكبر في الفضاء، وهناك ولدت أكوان أخرى في مواضع أخرى تفكك فيها الحقل التضخمي.

وهكذا فإن علماء الكونيات التضخمية يفترضون تفكك حقل التضخم كآلية يمكن بها نشأة “فقاعات أكوان” أخرى، ويفترضون إمكانية استمرار التضخم إلى أمد غير محدود في المستقبل، ونتيجة لذلك سينتج حقل التضخم الأوسع عددًا لا نهائيًّا من الأكوان خلال تفككه في جيوب محلية من الفضاء المتوسع أكثر وأكثر، ولأن الحقل التضخمي يستمر بالتوسع بسرعة هائلة أكبر من توسع فقاعات الأكوان ضمنه، فلن تتداخل أي من فقاعات الأكوان هذه مع بعضها، وبالتالي يولد الحقل تضخمي فقاعات أكوان لا نهاية لها، “عوالم متعددة في عالم واحد” كما يصفها فلنكين.4

وقام كونين بملاءمة علم الكونيات هذا بما يتفق مع تفسير نشأة الحياة بالصدفة، وجادل متابعًا لفنكين: بما أن الحقل التضخمي قادر على إنتاج عدد لا نهائي من الأكوان الأخرى، فكل حدث في كوننا لابد أنه حدث مرات أخرى لا تحصى في أماكن أخرى، وبذلك تكون الأحداث التي تبدو غير محتملة بدرجة هائلة عند اعتبار الموارد الاحتمالية لكوننا تصبح بالواقع عالية الاحتمال، بل حتمية باعتبار الكثرة الكاثرة من الأكوان الأخرى التي وجدت وستوجد لاحقًا، وكما شرح كونين: “في أكوان متعددة لا نهائية ذات عدد معين من التواريخ الماكروية (وكل منها يتكرر عددًا لا نهائيًّا من المرات) يصبح ظهور أنظمة عالية التعقيد بالصدفة أمرًا ليس ممكنًا فقط بل حتميًّا… ويصبح من المعقول أن المتطلب الأدنى (مرحلة الانطلاقة) لبدء التطور البيولوجي هو نظام تضاعف وترجمة يظهر بالصدفة.

إن وقوع هذا الحادث النادر جدًّا على الأرض وتسببه في الحياة كما نعرفها لا يفسره إلا مبدأ الانتقاء الإنساني فقط”،5 ويقصد كونين بعبارة ” الانتقاء الإنساني” ببساطة أن تصورنا بأن الحياة غير محتملة بدرجة مذهلة ما هو إلا نتيجة خاطئة نتجت عن زاويتنا في الرؤية، ولأننا نشاهد فقاعة كون واحد فقط لا ندرك أن وجود الأكوان الأخرى والآلية التي أنتجت تلك الأكوان تجعل الحياة في كون مثل كوننا حتمية.

فهل حل استخدام كونين لعلم الكون التضخمي مشكلة نشأة الحياة ونشأة المعلومات البيولوجية الضرورية للحياة؟ هل اقترح تفسيرًا لنشأة المعلومات البيولوجية أفضل مما قدمه التصميم الذكي؟ لدينا عدة أسباب لنفي ذلك.

  1. Koonin, Eugene V. “The Cosmological Model of Eternal Inflation and the Transition from Chance to Biological Evolution in the History of Life.” Biology Direct 2 (2007): 15.
  2. تخبرنا الحسابات المستندة إلى كوزمولوجيا الانفجار الكبير التقليدية أن الإشعاع القادم من اتجاهات متضادة في السماء كان من الممكن أصلا فصله، عندما كان عمر الكون 300,000 عام، بنحو 100 مسافة أفق (مسافة الأفق هي المسافة التي يمكن أن يقطعها الضوء منذ بداية الكون). وبالتالي، تشير هذه الحسابات إلى أنه لم تكن هناك فرصة لإشعاع الخلفية في الزوايا النائية من الكون “لتسخينه” أو توصيله إلى حالة التوازن الحراري عن طريق الخلط. بدلاً من ذلك، فإن الطريقة الوحيدة لشرح التجانس في درجة حرارة إشعاع الخلفية بالنظر إلى نموذج الانفجار الكبير التقليدي هي افتراض أن الظروف الأولية للكون تم ضبطها بدقة شديدة. في النماذج الحالية، يبدأ التضخم في حوالي 10-37 ثانية بعد الانفجار العظيم ويستمر حتى 10-35 ثانية، حيث يتمدد الفضاء نفسه بمعامل 6010 أو نحو ذلك.
  3. في بداية عصر التضخم، كان حجم الكون المرئي مثلا يتراوح بين 10-60 مترًا في الحجم، وفي نهايته وصل قطره إلى حوالي متر واحد. ومع ذلك، في بداية التضخم كانت مسافة الأفق (المسافة التي يمكن أن يقطعها الضوء منذ الانفجار العظيم) 10-37 ثانية ضوئية، وهي أكبر بكثير من الرقعة الصغيرة التي كان من المقرر أن تنمو في كوننا المرئي. وفقًا للنموذج التضخمي، ربما بقي بعض عدم التجانس المتبقي في إشعاع الخلفية حتى بعد حدوث التسخين الأولي. ومع ذلك، لو كان موجودًا، لكان موجودًا فقط في أجزاء الكون المبكر التي تقع وراء الرقعة التي من شأنها أن تصبح كوننا المرئي. ومن ثم، فإن العملية التضخمية لم توزع فقط إشعاع الخلفية المتجانس في جميع أنحاء الكون المرئي، بل كانت ستوزع أيضًا كل عدم التجانس المتبقي خارج حافة الكون المرئي أيضًا.
  4. Garriga, Jaume, and Alexander Vilenkin. “Many Worlds in One.” Physical Review D64 (2001): 43511; Vilenkin, Alexander. Many Worlds in One: The Search for Other Universes. New York: Hill and Wang, 2006.

إن نموذج العوالم-المتعددة-في-واحد له نتيجة مفادها أن جميع التسلسلات الماكروية (كبيرة الحجم) للأحداث التي لا تحظرها قوانين الحفظ الفيزيائي لا تحدث فقط في مكان ما في عالم متضخم إلى الأبد، بل تحدث مرارًا وتكرارًا دون حدود حيث ينتج التضخم مناطق متوسعة جديدة من الزمكان بلا نهاية. على سبيل المثال، يقترح النموذج أن هناك عددًا غير محدود من النسخ الماكروية (كبيرة الحجم) المطابقة للأرض وكل ما هو موجود عليها، على الرغم من أن احتمال وجود أي منطقة يمكن ملاحظتها من الكون تحتوي على مثل هذه النسخة؛ ضئيل جدًا.

  1. Koonin, Eugene V. “The Cosmological Model of Eternal Inflation and the Transition from Chance to Biological Evolution in the History of Life.” Biology Direct 2 (2007): 15.

المصدر

كوزمولوجيا الأكوان المتعددة ونشأة الحياة (2)

هل حقول التضخم الكوني موجودة؟

أولًا، هناك أسباب وجيهة لنشك بوجود حقول التضخم Inflation Fields أصلًا، إذ افتُرضت أساسًا لتفسر مشكلتي التجانس في الكون وتسطحه، ولكن كما دلل عدد من الفيزيائيين المرموقين، فقد لا تفسر هذه الحقول هاتين السمتين للكون على الإطلاق، فحتى يفسر الفيزيائيون تجانس الكون بمفهوم حقول التضخم عليهم تبني افتراضات واسعة غير مبررة حول المتفردة singularity التي جاء منها كل شيء، وكما شرح الفيزيائي في أوكسفورد روجر بينروز Roger Penrose: “إن كانت المتفردة شاملةً تمامًا، فسيُنتج التوسع منها الكثير من الأنواع المختلفة من الأكوان غير المنتظمة (غير المتجانسة)، حتى لو حدث التضخم الكوني”6، ولهذا فإن التضخم وحده دون افتراضات إضافية لا يحل مشكلة تجانس الكون، وللحصول على نتائج مفيدة فلابد من فرض القياس الملائم (قياس المسافة) على الزمكان.

بالإضافة إلى ذلك، ذكر ستيفن هوكينج Stephen Hawking ودون بايج Don Page وجود صعوبة في تفسير وجوب العمل المشترك لحقول التضخم الكوني وحقول الجاذبية (كما تصفها نظرية النسبية العامة التي يوجد لدينا أسباب قوية لنقبلها) لإنتاج التجانس في إشعاع الخلفية الكوني وتفسير التسطح في الزمكان في كوننا المرصود، الواقع أن الحقول عندما تُربط، فلا ضمانة حتى لحدوث التضخم،7 بالإضافة إلى أن حقول التضخم الكوني هذه بقدرتها المدهشة على التفكك بالوقت المناسب تمامًا، (بين 10–37 إلى 10–35 ثانية بعد الانفجار العظيم) وبالقياس المناسب تمامًا، لها خصائص لا تصاحب أية حقول فيزيائية أخرى، (بدلًا من ذلك، فإن لها خصائص مخترعة بهدف حل مشكلتي الأفق والتسطح فقط، وهاتان لا يمكن حلهما دون افتراضات وخصائص اعتباطية أخرى في الشروط الأولية).

اعتبارات الكفاية السببية

يوجد سبب آخر يمنع علم التضخم الكوني من تقديم تفسير مقبول أو أفضل من التصميم الذكي لنشأة المعلومات البيولوجية، تعتمد القدرة التفسيرية لعلم الكون التضخمي على القدرات السببية المفترضة لكيان مجهول تمامًا (كيان مطروح فقط لتفسير مجموعة تأثيرات غامضة) وله قدراتُ سببية لم توضَّح أو تُلاحَظ، ولا نعلم هل الحقول التضخمية موجودة حقًّا أم لا، ولا نعلم في حال وجودها ما الذي ستفعله حقيقة، ومع هذا نعلم (من الوعي المباشر للإنسان بنفسه إن لم يكن من شيء آخر) أن العقول الذكية الواعية موجودة ونعلم ما يمكنها فعله.

وبعد فإن فيلسوف الفيزياء روبن كولينز Robin Collins قد جادل بأنه في حال تساوي الظروف، علينا أن نفضل الفرضيات التي “تُعتبر استقراءً طبيعيًّا لما نعرفه مسبقًا” عن القدرات السببية للكيانات المختلفة،8 وفي سياق مختلف قليلًا جادل بأن فرضيات الأكوان المتعددة تفشل في تجاوز هذا الاختبار في تفسيرها للضبط الدقيق للكون الذي يوجه لصالح المبدأ البشري، في حين تتجاوز فرضيات التصميم هذا الاختبار، ولتوضيح هذا يطلب كولينز من القارئ أن يتخيل عالم أحافير يدعي وجود “حقل كهرومغناطيسي منتج لعظام الديناصورات”، في مقابل الديناصورات الحقيقية، كتفسير لنشأة العظام المتحجرة الضخمة، ورغم أن مثل هذا الحقل مؤهل كتفسير محتمل لنشأة العظام المتحجرة، فليس لنا خبرة بهذه الحقول أو بإنتاجها عظامًا متحجرة، ولكننا رصدنا بقايا الحيوانات في مختلف المراحل من تفكك العظم وحفظه في الترسبات والصخور الرسوبية، ولهذا يفضل معظم العلماء –وهم محقون في ذلك– فرضية الديناصور الحقيقي على فرضية الديناصور الظاهري (أي فرضية “الحقل المنتج لعظام الديناصور”) كتفسير لنشأة الأحافير.

وعلى نفس المنوال، لا نملك خبرة سابقة عن أي شيء يشبه حقل التضخم الكوني المولد لأكوان كثيرة لا نهاية لها (أو في هذا السياق، أي خبرة عن أي آلة أو آلية قادرة على إنتاج أي شيء ذي ضبط دقيق مثل كوننا دون أن تكون هي نفسها مصمَّمة)، ولكن عندنا خبرة واسعة بإنتاج الفاعلين الأذكياء آلات دقيقة الضبط أو أنظمة غنية بالمعلومات من شيفرات رقمية أو ألفبائية، ولذلك يستنتج كولنز أن افتراض العقل لتفسير الضبط الدقيق للكون يشكل استقراءً طبيعيًّا لخبرتنا بالقوى السببية للفاعل الذكي، في حين أن افتراض الأكوان المتعددة (بما فيها الناشئة عن حقول التضخم) تفتقد أي أساس مشابه، وبالتالي فالاستنتاج الأقوى هو أن فرضية التصميم تفسير أفضل من تفكك الحقل التضخمي لتعليل نشأة المعلومات الضرورية لإنتاج الحياة الأولى، لأنها تعتمد على القوى السببية المعروفة المألوفة لكيانات من خبرة متكررة ومباشرة، ويعتمد علم الكون التضخمي على كيان مجرد لم تشاهد قواه السببية أو تثبت.

عودة مشكلة الإزاحة

هنالك مشكلة إضافية في استعمال الحقول التضخمية لتفسير نشأة المعلومات الضرورية للحياة الأولى، لكي نفسر نشأة سمات محددة من كوننا المرصود، ونفسر (كمكسب إضافي غير مقصود) نشأة الأكوان الملائمة للحياة التي لا تحصى عددًا وتشبه كوننا، فإن على فرضية الكون التضخمي أن تلجأ إلى عدد من المصادر غير المفسرة أو مصادر ضخ معلومات، على سبيل المثال، يجب أن تكون الحقول التضخمية والحقول التي تتزاوج معها مضبوطة بدقة لتُنتج فقاعات أكوان جديدة من النوع الصحيح، وإن “قطع” الطاقة عن الحقل التضخمي (وهو ما يحدث خلال تفككه) لوحده يجب أن يكون مضبوطًا بدقة بين جزء من 1053 وجزء من 10123 (حسب نموذج التضخم المستدل به) لينتج فقاعة كون متوافقة مع الحياة، بالإضافة إلى أن علم الكون التضخمي يعقد أكثر من مشكلة الضبط الدقيق المعقدة أصلًا المتعلقة بالإنتروبية المنخفضة الأولية في كوننا، ووفقًا لحسابات روجر بينروز (الذي يعتبر علم الكون التضخمي نشاطًا علميًّا مشكوكًا به جدًّا) فإن الإنتروبية الأولية لكوننا كانت مضبوطة بدقة أصلًا إلى درجة جزء من 10 إلى القوة 10 إلى القوة 123،­9 ولا يفسر التضخم شيئًا من هذا الضبط الدقيق بل يضاعف المشكلة.

ويجادل بعض علماء الكونيات بالطبع بإمكانية تخطي عقبة هذه الأمور غير المحتملة بوجود عدد من فقاعات الأكوان التي أنتجها حقل التضخم الأصلي، ولكن إلى جانب ضعف هذه الاستراتيجية التفسيرية وافتقادها للبساطة والاقتصاد العلمي، فإن توليد حقل تضخمي أكبر ليعطي النتائج الصحيحة (أي أكوانًا لها خصائص كوننا المرصود) يعتمد نفسه على عدد من الافتراضات المبالغ فيها والشروط الأولية دقيقة الضبط، وكما أشرنا أعلاه، يضع الفيزيائيون عددًا من الافتراضات غير المبررة عن المتفردة الأولى ليتمكنوا من التوفيق بين الحقل التضخمي ونظرية النسبية العامة، على سبيل المثال لجعل التضخم الكوني منسجمًا مع النسبية العامة ينبغي على علماء الكونيات افتراض طريقة خاصة لقياس المسافة في الزمكان (وهي ما يُسمى مقياسًا metric) ورفض كل الطرق الأخرى، بالإضافة إلى وجود عدة نماذج ممكنة من التضخم الكوني، وبعضها فقط (عندما تُدمج مع النسبية العامة) سيتسبب بتضخم الأكوان، ولكي نضمن أن الحقول التضخمية ستنشئ فقاعات كونية، على الفيزيائيين انتقاء بعض النماذج التضخمية وإقصاء نماذج أخرى في افتراضاتهم النظرية، وكل خيار من هذه الخيارات يشكل تدخلًا واعيًا من جانب واضع النموذج، وهو تدخلٌ يعكس وجود معلومات غير مفسرة لابد من وجودها في الشروط الأولية المرتبطة بالمتفردة الكونية.

وفي الواقع إن الحاجة إلى طرح مثل هذه الافتراضات وتقييد الفرضيات النظرية يوحي بأنه كان من اللازم أن تكون المتفردة الأولية نفسها مضبوطة بدقة حتى يستطيع أي حقل تضخمي إنتاج كون مثل كوننا، ولكننا نعلم أن كوننا موجود، ولدينا أسباب وجيهة للاعتقاد بأن النسبية العامة صحيحة، وبالتالي، إنْ وجد حقل تضخم كوني، فلن يعمل بالطريقة التي تصورها علماء الكون التضخمي إلا لو كانت المتفردة نفسها التي ظهر منها الحقل التضخمي مضبوطة بدقة (وغنية بالمعلومات).

وهكذا، وبالاعتماد على علم الكون التضخمي لتفسير المعلومات الضرورية لإنتاج الحياة الأولى، أنشأ كونين مشكلة معلومات في ادعائه محاولة حل مشكلة معلومات أخرى (انظر الفصل الثالث عشر)، وحتى مع افتراض وجود الحقول التضخمية وإمكانية نشأة عدد لا نهائي من الأكوان (وهذا رهان غير مضمون مطلقًا)، فإن كونين يحل مشكلة نشأة المعلومات البيولوجية بإيجاد مشكلة جديدة للمعلومات الكونية، وهي معلومات ضرورية تمامًا في نموذجه أيضًا لتفسير نشأة الحياة، بالإضافة إلى أن كل النماذج التضخمية تفترض أن الحقل التضخمي يعمل ضمن الأكوان وينشئها بنفس القوانين الأساسية والثوابت الفيزيائية التي توجد في كوننا، ولكن قوانين وثوابت كوننا نفسها مضبوطة بدقة شديدة للسماح بإمكانية وجود الحياة، وهذا الضبط الشديد يشكل مصدر معلومات آخر يجب تعليله لنتمكن من تفسير نشأة الحياة في كوننا، ولكن مع هذا تفترض نظرية التضخم الكوني وجوده مسبقًا بدلًا من أن تفسره.

الكلفة الأبستمولوجية

وفي علم الكون التضخمي أيضًا نقطة ضعف أخرى، فبمجرد أن نسمح بهذا العلم كتفسير محتمل لأي شيء، سيُدمر المنطق العملي والعلمي لكل شيء، فعلم الكون التضخمي قادر على تفسير نشأة كل الحوادث مهما كانت غير محتملة بإرجاعها إلى الصدفة، لأن الموارد الاحتمالية التي يُفترض أنه يولّدها لانهائية، وبالتالي فإن كل الأحداث التي نفسرها بأسباب معروفة بناء على الخبرة العادية يمكن تمامًا تفسيرها في علم الكون التضخمي كحوادث مصادفة دون أي مسبب سابق، وبناء على علم الكون التضخمي، فإن كل الأحداث المتوافقة مع قوانينا الطبيعية قد تنشأ في النهاية نتيجة تموج عشوائي في الفراغ الكمومي الناشئ من الحقل التضخمي، وهذا يعني أن الآلة المصممة بدقة أو قصيدة الشعر المؤلفة بإحكام كليهما يتساوى احتمال إنتاجهما بصدفة تموج في الفراغ الكمومي مع احتمال أن يكون قد أنتجها إنسان، كما أن ذلك يعني أن أحداثًا مثل الزلازل أو الظواهر المعتادة مثل تكاثف البخار يتساوى احتمال حدوثها نتيجة صدفة تموجات في الفراغ الكمومي مع احتمالية حدوثها نتيجة توالي أسباب مادية محددة، وباختصار، إن كان علم الكون التضخمي صحيحًا فأي شيء يمكن أن يحدث بلا سبب على الإطلاق، انطلاقًا من تموجات كمومية عشوائية للحقل التضخمي.

والأدهى أن علم الكون التضخمي يوحي ضمنيًّا بأن بعض التفسيرات التي نعتبرها غير محتملة بدرجة هائلة تصبح محتملة الصحة أكثر من التي نقبلها عادةً، ولننظر على سبيل المثال في ظاهرة “دماغ بولتزمان Boltzmann brain” التي درسها علماء الكونيات الكمومية كثيرًا، فضمن علم الكون التضخمي يمكن نظريًّا أن يظهر فجأة دماغ بشري كامل الوظائف تلقائيًّا إلى الوجود نتيجة تموجات حرارية في الفراغ الكمومي ثم يختفي تلقائيًّا مرة أخرى، وسمي هذا الكيان بـ”دماغ بولتزمان”، وتحت الظروف القياسية لتوليد الفقاعات الكونية في علم الكون التضخمي، يُتوقع ظهور دماغ بلوتزمان بقدر حدوث الظواهر الطبيعية في كوننا أو أكثر من ذلك، بل إن الحسابات بناءً على بعض نماذج التضخم الكوني تؤدي في الواقع إلى وضع يكون فيه وجود أدمغة بولتزمان سابحة مستقلة بأعداد لا نهائية تفوق عددًا الأدمغة العادية التي توجد عند أشخاص مثلنا.10

فالمقتضيات الأبستمولوجية لهذا الاحتمال أثارت قضايا لا يمكن لعلماء الكونيات تجاهلها، فلو كانت هذه النماذج الكونية التضخمية دقيقة، فسيكون احتمال أن نكون نحن أنفسنا أدمغة بولتزمان تسبح مستقلة أكثر بكثير من أن نكون أشخاصًا حقيقيين لنا تاريخ من الحياة في هذا الكون الذي عمره 13.7 مليار سنة، حتى أنه في بعض النماذج يكون احتمال ظهور كون كامل مثل كوننا بشكل تلقائي مفاجئ أكثر من احتمال أن يكون كوننا –بشروطه الأولية غير المحتملة بدرجة هائلة– قد تطور بشكل مرتب منتظم عبر مليارات السنين، وهذا يعني أن فرضية العوالم المتعددة في عالم واحد قد أنشأت سخفًا، لأنها تعني احتمال أننا لسنا من نظن أننا نكون، وأن ذاكرتنا وتصوراتنا غير معتَمدة، بل من المحتمل أن صدفة ما قد اصطنعتها من حقول كمومية، وكذلك كوننا نفسه ليس ما يبدو عليه وفق فرضية التضخم الأبدي، باختصار؛ إن الفرضية التي اعتمدها كونين ليحل مشكلة نشأة الحياة جعلت كل التفكير والتفسير العلمي غير معتمد عليه، وبالتالي فإنها تهدد أي أساس لتفسيره كونين نفسه لكيفية نشأة الحياة، إنه لمن العسير أن نخترع فرضية تنقض ذاتها أكثر من هذه!

  1. Penrose, “Difficulties with Inflationary Cosmology,” 249–64. Penrose, The Road to Reality: A Complete Guide to the Laws of the Universe, 746–57.
  2. Hawking, Stephen, and Donald Page. “How Probable Is Inflation?” Nuclear Physics B 298 (1988): 789–809.
  3. Collins, “The Fine-tuning Design Argument,” esp. 61.
  4. Penrose, “Difficulties with Inflationary Cosmology,” 249–64. Penrose, The Road to Reality: A Complete Guide to the Laws of the Universe, 746–57, esp. 730, 755.
  5. Dyson, Lisa, Matthew Kleban, and Leonard Susskind. “Disturbing Implications of a Cosmological Constant.” Journal of High Energy Physics 10 (2002): 11.
  6. Penrose, “Difficulties with Inflationary Cosmology,” 249–64. Penrose, The Road to Reality: A Complete Guide to the Laws of the Universe, 746–57.
  7. Hawking, Stephen, and Donald Page. “How Probable Is Inflation?” Nuclear Physics B 298 (1988): 789–809.
  8. Collins, “The Fine-tuning Design Argument,” esp. 61.
  9. Penrose, “Difficulties with Inflationary Cosmology,” 249–64. Penrose, The Road to Reality: A Complete Guide to the Laws of the Universe, 746–57, esp. 730, 755.
  10. Dyson, Lisa, Matthew Kleban, and Leonard Susskind. “Disturbing Implications of a Cosmological Constant.” Journal of High Energy Physics 10 (2002): 11.

المصدر

الرد على الدحيح

أنا لستُ من متابعي برنامج (الدَّحِّيح) لكن لَفَتت نظري حلقةٌ كَثُرَ الكلام عنها، تابعتُها، ففهمتُ طريقة (الدَّحِّيح) لذلك ردِّي هنا ليس على هذه الحلقة بالذات، بل على طريقته بشكلٍ عامٍّ، والحلقة بعنوان: (يا محاسن الصُّدَفْ)

ليس أي شيءٍ فيه كلمة (نظريَّةٍ) معناه: محترمٌ وله وزنٌ، أنا بيّنتُ بالتفصيل في حلقة: (نظريَّة البان كيك)، وحلقة: (كل الطرق تؤدِّي إلى الخرافة) أنَّ كلمة: (نظريَّة) هذه تُوضَع قبل سخافاتٍ مضحكةٍ لإعطائها: هَيْبةً، مع أنها مجرَّد: خيْبةٍ.

هل تذكرون لويس باستور؟ ومن قبله: فرانسيسكو ريدي في القرن (17) اللّذين أثبتا بُطلان نظريَّة: (النشوءِ التلقائيِّ للكائنات الحيَّة من الجمادات)؟ أي أن المتخلِّفين في أوروبا كانوا يظنّون أنَّ الذُّباب ينشأ تلقائيًا من القمامة، وأنَّ الفئران تنشأ تلقائيًّا من اللحم المتعفِّن.

(لويس) وقَبْلَه (رِدِي) بيَّنَا بُطْلان هذه النظريَّة المتخلِّفة، وأنَّ الكائنات الحيَّة -كالذُّباب- تنشأ في الواقع من كائناتٍ مِجهريَّةٍ كبيوض الذُّباب، فالّذي يقول هذه الأيام: المادة تنشأ من لا شيء، المادة تخلق نفسها بنفسها هو أشدُّ تخلفًا من المتخَلِّفين الأوروبيِّين في القرون الوسطى، لأنه يقول لك: لا، ليست الكائنات الحيَّة تنشأ تلقائيا من الجمادات فقط، بل الجمادات تَنشأ تلقائيًّا من لا شيء، يعني في مثال الغرفة والعجلات، كأنَّ صاحبنا لمَّا سألناه:حسنًا، وأين العجلات والأولاد؟ قال: افترِض أنهم ينشؤون تلقائيًا، وسنسمِّي هذا الافتراض

(نظريَّة العجلات الذاتيَّة) (ونظريَّة الأولاد الذاتِيِّين) فهل هذا علمٌ أم سخافةٌ؟!

لو رأيتَ سيَّارةً تَصلُح لركوب الإنسان، ومليارات المليارات من المَرْكبَاتِ الأخرى المتناسِقة التي أجزاؤها متكامِلةٌ، لكن لا تَصْلُح لركوب الإنسان، فهل سيكون الاستنتاج: أنَّ هذه السيارة والَمركْبَات كلَّها جاءت بالصُّدْفة؟ أم أنَّ وراءَها صانعًا عليمًا؟

(الدَّحِّيح) يكرِّر كلمة (ثوابت فيزيائيَّة) هل هناك -أصلًا- شيءٌ اسمه (ثوابت فيزيائيَّة) دون وجود خالق؟!

يعني حتى لو تجاوزنا أنَّ العدم لا يخلُق المادَّة، هل العدم -اللاشيء- سيجعل المادَّة أيضًا تسير بانتظامٍ دون اضطراب؟

مِنْ أكثر طرائف الملحدين حمقًا أنَّهم يجعلون النظام -الدَّالَّ على وجود إلهٍ منظِّمٍ- بديلًا عن وجود الله.

(الدَّحِّيح) يمارس (التَّسطِيحَ) المضحِك عندما يقيس الكون -بتعقيده الشديد- على مثال ارتفاع سوق الأوراق الماليَّة أو انخفاضها، أو الربح والخسارة.

هل تعرفون -إخواني- ما معنى انضباط الكون؟ تعالوا نأخذ أبسط شيءٍ فيه:

أكثر من (90) عنصرًا طبيعيًا مُكتَشفًا في الأرض، ورُتِّبت النيوترونات في كلٍّ منها -والبروتونات- في أَنْوِيَةٍ محدَّدةِ الحجم بدقَّةٍ تَجذِب إلكترونات في مداراتٍ بالأبعاد اللازمة. هذه العناصر تفاعلت بقوانين كيميائيةٍ ثابتةٍ، لتعطيَ مُرَكَّباتٍ لازمةً للحياة

ومرةً أخرى: هذه القوانين، لا بدَّ لها من فاعلٍ، منظِمٍ، متقِنٍ.

جاذبيَّةٌ أرضيَّةٌ بالمقدار اللازم، بحيث لا نَسْبح في الهواء، ولا تلتصق أقدامنا بالأرض.

أرضٌ تدور بسرعةٍ دقيقة؛ من أجل ليل ونهارٍ يتعاقَبان للنوم والعمل.

بُعْدٌ دقيقٌ عن الشمس: فلا تُحرقُنا ولا نتجمَّد.

درجة تبخُّر الماء، كثافة الهواء، نِسَبُ العناصر في الهواء، كلُّه بما يُناسب حياتَنا.

آلاف المليارات من الكواكب والنجوم، تسير بسرعةٍ مناسبةٍ في مداراتٍ محدَّدَةٍ، بدقَّةٍ شديدةٍ.

هل افتراض أكوان متعدِّدةٍ علمٌ تجريبيٌّ؟ هل الأكوان اللانهائيَّة الصُّدَفيَّة التلقائيَّة هذه هي علمٌ تجريبيٌّ مرصودٌ محسوسٌ مُشاهَدٌ، أو آثاره مُشاهَدة؟ هل يمكن أن تجيبونا يا جماعة الأكوان المتعدِّدة؟

هل يمكن أن تجيبونا: مم تألفت هذه الأكوان؟ ما نوع ذرَّاتها؟ ما عدد عناصرها؟ ما القوانين التي تَصِف نظامها؟

الذرَّاتُ تحتاج إلى ثوابتَ فيزيائيَّةٍ دقيقةٍ جدًّا تربط نيوتروناتها ببروتوناتها وإلكتروناتها، وتلاعبٌ بسيطٌ بالعلاقة بين هذه الجسيمات يعطينا انفجارًا نوويًّا.

هل هذه الضوابط هي نفسُها محفوظةٌ في الأكوان الأخرى؟ وكيف تكون هي نفسُها؟

طيّب، إذا كانت غير محفوظةٍ، فما هي الثوابت البديلة في هذه الأكوان؟

هذه الأكوان، لماذا لا يصطدم بعضها ببعض؟ ولماذا لم تدمِّر كوننا بما أنَّها لانهائيَّةٌ؟ أليست الأكوان تتمدَّد؟ وإذا كانت تتمدَّد لماذا لا يصطدم بعضها ببعض وبكوننا؟

أم ستقولون: أنّ هناك فراغًا ضخمًا جدًا جدًا؟

حسنًا، من أين جاء هذا الفراغ؟ يعني هذا المكان؟ هل (أكوانكم المتعدِّدة) تُجيب عن أيٍّ من هذه الأسئلة؟

إذَن، هل هي علم تجريبيٌّ مرصودٌ محسوسٌ مشاهَدٌ، أو آثار مشاهَدة؟ أم هو ردٌّ غبيّ -من شخصٍ مُحرَج- على سؤال: فمَن أَوجدَ الكَون إن لم يكن الخالق؟!

المصدر

ادعاء اختلاف تصور الإله عند المسلمين عنه لدى سائر الأنبياء

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المغالطين أن الإله الذي يؤمن به المسلمون هو إله خاص بهم وحدهم، مختلف عن الإله الذي دعت إليه كل الرسالات وديانات كل الرسل من قبل؛ فليس هو إله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وموسى، وعيسى – عليهم السلام، ومتى تقرر أن وحي الله في جانب العقائد لا يتبدل كان ذلك بمجرده طعنا في الإسلام وعقيدته؛ بما أن تصوره عن الإله لا يكاد يعرف عن أحد من الأنبياء السابقين.

وجها إبطال الشبهة:

1) العقيدة في الله التي بعث بها الأنبياء جميعهم لم يختلف مضمونها منذ بعثة أدم ـعليه السلام – إلى بعثة خاتم النبييين محمد – صلى الله عليه وسلم – وهي الإيمان بوجود الله ووحدانيته.

2) الصورة التي تقدمها الكتب المقدسة لغير المسلمين من اليهود والنصارى للألوهية فيها من التشويه وإثبات صفات النقص ما يتنزه جناب الألوهية عنه، وهو ما لا نجده في التصور الإسلامي عن الإله.

التفصيل:

أولا. العقيدة الصحيحة التي بعث بها الأنبياء عليهم السلام:

إن العقيدة الصحيحة لم يختلف مضمونها منذ بعثه آدم – عليه السلام – إلى خاتم النبيين محمد – صلى الله عليه وسلم – ومضمونها الذي تعاقب الرسل والأنبياء على الدعوة إليه هو: الإيمان بوجود الله ووحدانيته، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من صفات النقص، والإيمان باليوم الآخر والحساب والجنة والنار وما إلى ذلك.

فكان كل رسول يدعو قومه إلى الاعتقاد بهذه الأمور، وكان كل منهم يؤكد بذلك دعوة من بعث قبله، ويبشر ببعثة من سيأتي بعده، وهذا وضحه الله – عز وجل – في كتابه المبين في آيات كثيرة، كقوله تعالى: )وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25)( (الأنبياء)، وقوله تعالى: )شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13)( (الشورى).

 بل إن من يتتبع آيات القرآن الكريم، يلاحظ أن اسم الإسلام كان هو الاسم القديم والدائم لهذه العقيدة، يقول تعالى: )ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67)( (آل عمران)، وفي قوله تعالى عن سحرة فرعون: )قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيــات ربنــا لمـا جاءتنــا ربنا أفرغ علينـا صبـرا وتوفنـا مسلميـن (126)( (الأعراف) وفي قوله تعالى عن حواريي عيسى عليه السلام: )فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريـون نحن أنصـار الله آمنـا بالله واشهـد بأنا مسلمــون (52)( (آل عمران)، ومن ذلك يتبين أن الدين الحق واحد لم يتعدد، وأن كلمة “الأديان السماوية” التي تتكررعلى ألسنة عوام الناس كلمة خاطئة، فليس ثمة إلا دين حق سماوي واحد تعاقبت الأنبياء والرسل على الدعوة إليه والبعثة به.

وكيف يمكن للدين الحق أو الاعتقاد الصحيح أن يتعدد أو يختلف على ألسنة الأنبياء والمرسلين، وأمور العقيدة تكون دائما من قبيل الإخبار، والخبر الواحد لا يمكن أن ينقل على أشكال ووجوه عديدة متخالفة ثم تكون كلها أخبارا صحيحة سماوية صادقة؟

إن الذي تطور وتغير مع الزمن وعن طريق بعثة الرسل والأنبياء، إنما هو التشريع على اختلافه من عبادات ومعاملات… وغير ذلك. والحكمة في ذلك أن التشريع إنما هو إقامة الأحكام التي يتوخى منها تنظيم حياة المجتمع والفرد، وبدهي أن يكون للتطور الزمني واختلاف الأمم والأقوام أثر في تطور شرائعهم، ففكرة التشريع – إذا – قائمة على ما تقتضيه مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم، وهذه المصالح كثيرا ما تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فقد بعث موسى – عليه السلام – إلى بني إسرائيل، وكان الشأن يقضي – بالنسبة لحال بني إسرائيل إذ ذاك – أن تكون شريعتهم شديدة وقائمة في مجموعها على أساس العزائم لا الرخص، ولما مرت أزمنة وبعث فيهم سيدنا عيسى عليه السلام جاءهم بشريعة أسهل وأيسر، وانظر إلى قول الله تعالى على لسان عيسى – رضي الله عنه – وهو يخاطب بني إسرائيل: )ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50)( (آل عمران)، فقد بين لهم أنه فيما يتعلق بأمور العقيدة، مصدق لما جاء في التوراة، ومؤكد له ومجدد للدعوة إليه، أما بالنسبة للتشريع وأحكام الحلال والحرام، فقد كلف ببعض التغييرات وإيجاد بعض التسهيلات؛ فعمل الرسول بالنسبة للعقيدة ليس سوى تأكيد نفس العقيدة التي بعث بها من قبله دون أي مخالفة أو تغيير.

والذي يدرس شئون العقيدة وبراهينها، إنما يدرس تلك الحقائق التي ألزم الله عباده بالإيمان والاعتقاد بها منذ بعثة آدم عليه السلام إلى أن يرث الأرض ومن عليها، وتلك هي العلاقة بين العقيدة الإسلامية وكل ما جاء به الأنبياء والرسل – عليهم السلام -، وأهل الكتاب يعلمون هذه العلاقة، ويعلمون وحدة الدين، ويعلمون أن الأنبياء إنما جاءوا ليصدق كل منهم الآخر فيما بعث به، وما كانوا ليتفرقوا إلى عقائد متباينة مختلفة، ولكنهم اختلفوا وتفرقوا فيما بينهم، واختلقوا على الأنبياء ما لم يقولوه على الرغم مما جاءهم من العلم في ذلك، بغيا بينهم، وصدق الله إذ يقول: )إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19)( (آل عمران) [1].

ثانيا. أهل الكتاب حرفوا كتبهم وغيروا عقيدتهم، أما العقيدة الإسلامية فبقيت على الأصل الصحيح:

جاء الإسلام بالعقيدة الصحيحة المؤكدة لما أرسل الله به رسله من قبل بصورة متكاملة ونظرة متوازنة توافق الفطرة الإنسانية، ويستسيغها العقل البشري، على النقيض من تلك الصورة التي عرضتها اليهودية والنصرانية المحرفتين للإله، فالإله الذي نؤمن به وندين بشرعه هو إله واحد لا شريك له متصف بصفات الكمال، ووضوح هذا التصور يقابله وضوح هذه الشريعة الإسلامية وكمالها ومواءمتها لأحوال الناس، وتميز العقيدة يدل دلالة يقينية على تميز الشريعة، فإن الإله الذي له حق العبودية هو وحده الذي له حق التوجه والعبادة، وهو وحده الذي له حق التشريع.

وإليك تصور الإله عند اليهود والنصارى؛ لتعلم الفرق بين العقيدة الصحيحة التي تتفق مع الفهم الفطري السليم، وبين هذا الانحطاط والسقوط:

  1. الإله عند اليهود:

اتصف اليهود بالطبيعية المادية، فقد كانوا دائما مائلين إلى تشبيه الإله وتجسيمه: )وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (55)( (البقرة)، وعلى الرغم من بقايا النظرة الصحيحة للإله كإله واحد مستحق للعبودية، طغت طبيعة اليهود الحسية على هذا التوحيد الخالص، وألبست الإله ثوب الخصوصية لهذا الشعب.

فإله اليهود ليس عالـما بكل شئ، كما أنه ليس معصوما من الخطأ. ويهوه إله اليهود يأكل ويشرب ويأمر بالسرقة، يهوه إله قاس ومدمر، متعصب لشعبه، ليس إله كل الشعوب، بل إله بني إسرائيل فقط، وهو بهذا عدو للآلهه الآخرين، كما أن شعبه عدو للشعوب الأخرى، وقد قسم لهم الشعوب قسمين: أمما قريبة، وهؤلاء جزاؤهم التحريم والقتل، وأما الأمم البعيدة فقد جاء النص عليهم بمايلى: “حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستبعد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكروها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك”. (التثنية 20: 10 – 14). ولا يمكن أن يقبل عاقل أن تكون هذه الدعوة دعوة رب إله، وإن شاءوا أن يعرفوا دعوة الإله لعبيده فليقرءوا ما خاطب به الإسلام شعوب الأرض إبان الفتوحات الإسلامية.

  1. الإله عند النصارى:

المسيح – كما يدعي المسيحيون – إله النصارى، فالله عندهم هو الذي نزل وظهر كإنسان، وصلب وصعد إلى السماء، فهو ذو طبيعة واحدة، كما يرى الأرثوذكس[2]، أو هو إله ذو طبائع ثلاث فهو آب وابن وروح قدس، وكل واحد، منهم متفرد عن الآخر، ولكنهم ليسوا ثلاثة، بل إله واحد وهو ليس واحدا بسيطا، ولكنه آلهة ثلاثة، والعقلية التي تؤمن وتعتقد هذه العقيدة لا يمكن أن تكون سوية، وما يقال عن النصرانية يقال عن اليهودية من سفاهة العقيدة في الإله، وغباوة التصور العنصري، الذي يرى الإله إلها خاصا لشعب خاص، وباقي شعوب الأرض خلقوا من طينة مختلفة.

  1. العقيدة الإسلامية في الله:

هذه العقيدة يصورها أدق تصوير قوله تعالى: )قل هو الله أحد (1) الله الصمـد (2) لـم يلـد ولـم يولد (3) ولم يكن لـه كفـوا أحـد (4)( (الإخلاص)، إنها أحدية الوجود، فليس هناك وجود حقيقي إلاوجوده، وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية، وهي من ثم أحدية الفاعلية، فليس سواه فاعلا في شىء من هذا الوجود أصلا، وإذا استقر هذا التفسير ووضح هذا التصور خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلق بغير هذه الذات الواحدة المنفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية، فعندئذ يتحرر العبد من جميع القيود، ويتحرر من الرغبة في غير الله والرهبة من غير الله، وهو لا يفقد شيئا متى وجد الله، ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعلية إلا الله؟!

 يلي هذه الدرجة درجة يرى فيها القلب يد الله في كل شىء ووراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيئا في الكون إلا الله، ويصحب هذا نفي فاعليه الأسباب ورد كل شىء وكل حدث وكل حركة إلى السبب الأول الذي منه صدرت وبه تأثرت، قال تعالى: )فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17)( (الأنفال)، وقال تعالى: )وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126)( (آل عمران)، وقول تعالى: )وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30)( (الإنسان).

 ومن هنا ينبثق منهج متكامل للحياة: منهج لعبادة الله وحده الذي لا حقيقة لوجود إلا وجوده، ولاحقيقة لفاعلية إلا فاعليته، ولا أثر لإرادة إلا إرادته، ومنهج للاتجاه إلى الله وحده في الرغبة والرهبة، وإلا فما جدوى التوجه لمن لا حقيقة لوجوده، ولا حقيقة لفاعليته؟ إنه منهج للتلقي عن الله وحده، تلقي العقيدة والتصور والقيم والموازين، والشرائع والقوانين والأوضاع والنظم، والآداب والتقاليد، فالتلقي لا يكون إلا عن الوجود الواحد والحقيقة المفردة في الواقع وفي الضمير، ومنهج للتحرك والعمل لله وحده ابتغاء القرب من الحقيقة، ومنهج يربط مع هذا بين القلب البشري وبين كل موجود برابط الحب والأنس والتعاطف والتجاوب[3]. هذه العقيدة الصافية هي التي ترتاح إليها الفطر السوية، وتقبلها العقول السليمة، وهي العقيدة التي جاء بها الرسل جميعا.

الخلاصة:

العقيدة الصحيحة لم يختلف مضمونها منذ بعثة آدم – عليه السلام – إلى بعثة خاتم النبيين محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو الإيمان بوجود الله ووحدانيته وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من صفات النقص، والإيمان باليوم الآخر والحساب والجنة والنار…

يس هناك إلادين حق سماوي واحد تعاقبت الأنبياء والرسل على الدعوة إليه والبعثة به، وعمل الرسول بالنسبة للعقيدة ليس سوى تأكيد لنفس العقيدة التي بعث بها من قبله دون أي تخالف أو تغير.

جاء الإسلام بالعقيدة الصحيحة الواضحة بصورة متكاملة ومتوازنة للإله، توافق الفطرة الإنسانية ويستسيغها العقل البشري، ففي حين اتصف اليهود بالطبيعة المادية التي تميل إلى تشبيه الإله وتجسيمه، وزعم النصارى أن المسيح هو الله جاء الإسلام ليقر عقيدة الوحدانية واتصافه – عز وجل – بالكمال والجلال، وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجانب الألوهية، هذه هي العقيدة النقية، وهي التي ترتاح إليها الفطرة السوية، وتقبلها العقول السلمية، وهي العقيدة التي جاء بها كل الأنبياء والمرسلين من آدم – عليه السلام – إلى محمد – صلى الله عليه وسلم – وبهذا البيان بطل الزعم القائل: إن الإله الذي يعبده المسلمون يختلف عن إله الديانات السماوية الآخرى.

(*) قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية: نقد مطاعن ورد شبهات، د. فضل حسن عباس، دار البشير، عمان، الأردن، ط2، 1410هـ/ 1989م.

[1]. كبرى اليقينات الكونية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، دمشق، ط25، 1426هـ/2005م، ص74.

[2]. الأرثوذكس: هي إحدى الكنائس الرئيسة في النصرانية، وقد انفصلت عن الكنيسة الكاثولوكية الغربية، وتمثلت في عدة كنائس مستقلة لا تعترف بسيادة روما عليها، ويجمعهم الإيمان بأن الروح القدس منبثقة عن الآب وحده، وعلى خلاف بينهم في طبيعة المسيح، وتدعى “أرثوذكسية” بمعنى مستقيمة المعتقد مقابل الكنائس الأخرى، ويتركز أتباعها في المشرق؛ ولذلك يطلق عليها “الكنيسة الشرقية”.

[3]. شبهات المستشرقين حول العبادات في الإسلام، ناصر محمد السيد، مركز التنوير الإسلامي، القاهرة، ط1، 1426هـ/ 2006م، ص100: 107.

المصدر

الاستدلال بشيوع الإلحاد على خطأ العقائد الإسلامية

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المفترين أن الإسلام ليس الدين الحق، ويتساءلون: إذا كان في الإسلام ما يرضى الإنسان ويكفيه، فلماذا – إذن – يتركه الناس ويلحدون؟!

وجوه إبطال الشبهة:

1)  معنى الإلحاد إنكار وجود الله – عز وجل – وهو من جهة السلوك حالة من الحرية بلا حدود.

2) أسباب انتشار الإلحاد كثيرة ومتنوعة، ومنها الجهل واللامبالاة والنظرة الإباحية وغيرها، وله – بعد ذلك – عواقب وخيمة، فهو يؤدي إلى الأمراض النفسية والانتحار.

3)  الإيمان بالله ربا وبالإسلام دينا فيه صلاح الفرد والمجتمع.

التفصيل:

أولا. معنى الإلحاد وأساسه النظرى:

الإلحاد يعني الإنكار، والإلحاد من الناحية الفكرية هو إنكار وجود الله – سبحانه وتعالى – وعدم الإقرار به، والإلحاد في مستوى التصور هو حالة الحرية بلا حدود، أما في مستوى العمل والسلوك فيدافع عن الإباحية.

والخاصية الحسية المادية الإلحادية تتجسد في الفكر الفلسفي والأوربي منذ عصر النهضة إلى اليوم، فلقد نادى فلاسفة عصر النهضة بأن “كل العقائد المضادة للخبرة الإنسانية والملاحظة (التجريبية) يجب أن تستبعد، وسخروا من النبوات والمعجزات، والوحي، وكل الشعائر والطقوس الدينية بوصفها خرافة، وشبه “فولتير” (1694 – 1778م) خلق الله للكون بتجميع صانع الساعات للساعة، ثم انقطاع صلته بعد ذلك.

ويزداد إنكار الخالق – عز وجل – في هذه الفلسفة في رفض دافيد هيوم (1711 – 1776م) العقائد الدينية على أساس عدم إمكان البرهنة عليها، لا بالتجربة العلمية، ولا بالعقل الإنساني، وهاجم هيوم رب فولتر نفسه معلنا: “أننا رأينا الساعات تصنع، ولكننا لم نر العالم يخلق”.

وزعم فرويد (1856 – 1939م) أن الدين مصدره اللاشعور، لا الوحي، وزعم استحالة البرهنة على صحة الإيمان الديني، ومن ثم أنكر وجود الله”[1].

ولا تزال الثقافة الأوربية بعيدة عن الإيمان بالله، وكتبه ورسله، وعن الإقرار بأن الوحي مصدر من مصادر المعرفة، ونتيجة لإنكار كل وسيلة معرفية غير الحواس، كالحدس والوحي، أنكرت الفلسفات الأوربية المعاصرة كل وجود غير حسي كوجود الله، والملائكة والروح والشيطان، ووقع التصادم والتناقض التام بينها وبين العقائد الدينية الأساسية[2].

ثانيا. أسباب انتشار الإلحاد:

الجهل: إن أول بيئة ينمو فيها الإلحاد هي البيئة التي يسود فيها الجهل بالدين، ويغيب عنها العلم والإيمان، فكتل الجماهير التي لا تتلقى تربية وتغذية روحية، وقلبية، ستقع – إن عاجلا أو آجلا – في براثن[3] الإلحاد، وإذا لم تتدخل العناية الإلهية فإنها لن تستطيع إنقاذ نفسها، إذا لم تبذل الأمة عناية خاصة في تعليم ضرورات الإيمان لأفرادها.

اللامبالاة تجاه أسس الإيمان، وعدم الاهتمام بها: ومثل هذا السلوك الذي يتسم بحرية التفكير ما إن يجد أية أمارة صغيرة تعين على الإنكار وعلى الإلحاد، حتى ينمو هذا الإلحاد ويزداد، مع أنه لا يستند إلى أي سبب علمي، ولكن إهمالا معينا، أو غفلة معينة، أو تقييما خاطئا، كل ذلك قد يولد الإلحاد.

اعتمادهم الأول على قوانين الطبيعة التي هي أهم أداة في يد الإلحاد: لكن هل يمكن أن تكون هذه الطبيعة الجميلة التي تسحر النفوس والأرواح مثل شعر منظم نتيجة مصادفات عمياء؟

إن كانت الطبيعة تملك – كما يتوهم هؤلاء – قوة قادرة على الإنشاء والخلق فهل نستطيع أيضاح كيف استطاعت الطبيعة الحصول على مثل هذه القدرة؟ أنستطيع أن نقول إنها خلقت نفسها بنفسها؟ أيمكن تصديق مثل هذه المغالطة المرعبة؟

النظرة الإباحية: التي ترى الاستفادة من كل شىء موجود مهما كان ذلك الشيء، أي النظرة التي تستند إلى الفائدة والتلذذ من جميع النعم، وتبذل المحاولات اليوم لصب هذه النظرة في قالب فلسفي وفكري ومنهجي.

غياب النظرة التدبرية في الكون: وهي النظرة المجردة من الأهواء والميول الشهوانية، أو تغييبها، من قبل دعاة الإلحاد، والذين يريدون للعقل ألايتدبر إلا ما يكتبونه، ولا يأخذ إلا بنظرياتهم المادية.

ومساوئ الإلحاد كثيرة ومتعددة، ومن أهمها:

الأمراض النفسية: يقول العالم النفسي الشهير يونج 1875 – 1961م: “طلب مني أناس كثيرون من جميع الدول المتحضرة مشورة لأمراضهم النفسية في السنوات الثلاثين الأخيرة، ولم تكن مشكلة أحد من هؤلاء إلا الحرمان من العقيدة الدينية”.

ويمكن أن يقال: إن مرضهم لم يكن إلا أنهم فقدوا الشيء الذي تعطيه الأديان الحاضرة للمؤمنين بها في كل عصر، ولم يشف أحد من هؤلاء من المرض، إلا عندما استرجع فكرته الدينية”[4]. والشىء الذي فقدوه هو الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى.

يحرم الإنسان من كل النعم: ويدعه بلا أمل ولا أمن، ويقبل الإنسان على الدنيا فيصطدم بالآخرين، ويحتدم الصراع، ويتردد الإنسان بين الملل والألم – كما يقول “شو بنهود” – الملل إذا فاز في الصراع وأشبع بطنه وفرجه، والألم من الحرمان إذا انهزم ولم يشبع حاجاته؛ فالإلحاد يهدم الدين، ولا يعطي الناس شيئا بديلا.

انتشار الجريمة والإحساس بالتعاسة، وإدمان الخمر للهروب من الواقع، والانتحار للتخلص من الملل والقلق والغربة النفسية في المجتمعات الملحدة، حتى وصل الانتحار بين الإفريقيين في جنوب إفريقيا إلى (10 – 100.000)، وبين البريطانيين (1 – 100.000) وبين الأمريكيين إلى (11 – 100000).

ثالثا. أثر الإيمان بالله في مواجهة الإلحاد وتحقيق صلاح الفرد والمجتمع:

الإيمان بوجود الله فيه سعادة الفرد والمجتمع، فالثقافة الإسلامية هي التي تبني نظاما أخلاقيا دينيا ثابتا مطلقا، قوامه الإيمان بثواب الله الأخروي، وجوهره الإيثار الذي يتمثل في تقديم حظ الآخرين على حظ النفس بدرجة أو بأخرى؛ طلبا للفوز بالسعادة الأخروية[5].

ويقول جمال الدين الأفغانى: “وأما الاعتقاد بالألوهية وبيوم الجزاء، وفحواه الإيمان بأن للعالم صانعا عالما بكل شىء، وسامي القدرة، وأنه قدر للخير والشر جزاء يوفاه مستحقه في الدار الآخرة، فهذه العقيدة هي الوحيدة التي تقمع الشهوة، وتردع الهوى، فهذان الاعتقادان هما وسيلة إحقاق الحق، والتوقف عن الشرود في السر والعلن.. وذلك أن العلة الغائية لأعمال الإنسان هي نفسه، فإذا لم يؤمن بأن هناك ثوابا وعقابا، فلا يوجد ما يحمله على تحمل الفضائل والابتعاد عن الرذائل، وخصوصا إذا كان في مأمن من الناس[6].

وإن النظر في الحالة الدينية للبلاد التي يشيع فيها الإلحاد يبدي أن القيم الإيمانية قد نحيت رأسا عن إدارة الحياة وعن التكوين النفسي للأفراد؛ فلذلك اجتالتهم المذاهب الإلحادية باسم العلم عن حقائق الدين الكبيرة، وذلك قصاراه أن يعطي معنى أن الدين قد غيب عن الحياة، أو أن الدين المعين لا يرضى الضمير الإنساني والمدارك السوية، فأما الإسلام فهو بمعزل عن هذه التيارات، وبلاده أقل البقاع في ظهور مثل هذه المذاهب.

الخلاصة:

المظهر العقدي للإلحاد هو إنكار وجود الله – سبحانه وتعالى – والمظهر السلوكي له هو النظرة الإباحية على الحياة ومتاعها، وهو يروج لنفسه على المنهج العلمي ويحث على إعماله.

الجهل بالحقائق الدينية الكبرى هو ما هيأ للمد الإلحادي المناخ الملائم للانتشار والرواج، ثم لحدوث نتائجه الطبيعية من الاضطراب النفسي والقلق والانتحار.

لا ينتشر الإلحاد إلا حيثما تغيب القيم الدينية عن الحياة، أو حيثما تكون هذه القيم في رتبة من الضعف والتهافت تجعلها قاصرة عن هداية الفرد أو توجيه المجتمع وجهة صالحة.

(*) أسئلة العصر المحيرة، محمد فتح الله كولن، ترجمة: أورخان محمد علي، دار النيل، القاهرة، ط1، 1422هـ/ 2002م.

[1]. نقد الثقافة الإلحادية، د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم، دار هجر، القاهرة، ط1، 1406هـ/1985م، ص19.

[2]. نقد الثقافة الإلحادية، د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم، دار هجر، القاهرة، ط1، 1406هـ/1985م، ص26.

[3]. البراثن: جمع البرثن، وهو المخلب.

[4]. نقد الثقافة الإلحادية، د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم، دار هجر، القاهرة، ط1، 1406هـ/1985م، ص37.

[5]. الفضائل الخلقية في الإسلام، مكتبة دار العلوم، الرياض، 1402هـ، ص269.

[6]. الرد على الدهريين، جمال الدين الأفغاني، ترجمة: محمد عبده، الإسلام العالمية، د. م، 1983م، ص72، 73.

المصدر

كيف ننتقد الكافر المتقدم علميا؟

هل يمنعنا تخلفنا العلمي والتقني من انتقاد الكافر المتقدم علميا؟

وهل تقدم الكافر علميا وتقنيا وتأخرنا عنه في هذا المجال يعني أنه على حق ونحن على باطل؟

هذه الشبهة قديمة، وقد عالجها القرآن فقال: ﴿وَإِذا تُتلى عَلَيهِم آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذينَ كَفَروا لِلَّذينَ آمَنوا أَيُّ الفَريقَينِ خَيرٌ مَقامًا وَأَحسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]

فمعيار الحق والباطل عندهم هو الوضع الاقتصادي والترف!

لقد غرس النبي– صلى الله عليه وسلم- في أصحابه الشموخ بالعلوم الإلهية فوق المدنيات الصغيرة مقارنة بجلال المعرفة الإلهية، ونبّه أصحابه إلى أن التنوير الحقيقي هو نور الوحي، وربّى أصحابه على أن تلك المجتمعات المتمدنة تحتاج إليكم أضعاف ما تحتاجون إليهم، فهم إنما يملكون الوسائل بينما أنتم تعرفون الغايات، وشتان بين منزلة الوسيلة ومنزلة الغاية.

من أجل ذلك لم ينبهر الصحابة بالحضارات التي كانت في زمانهم! بل كانوا يقولون مرارا وتكرارا إنهم جاؤوا لإنقاذ هذه الحضارات من جاهليتها.

انظر إلى الصحابي الجليل ربعي بن عامر – رضي الله عنه – حين دخل على رستم قائد الفرس وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وملابسه الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. فلما دخل عليه ربعي كان يلبس ثيابا صفيقة ومعه سيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبَها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وخوذته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك! قال: إني لم آتكم وإِنّما جئتكم حين دعوتموني، فإما تركتموني هكذا وإِلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له! فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النَّمارق فخرَّقها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه.

انظر إلى احتقاره لزينة الكافر وبهرجه.. انظر إلى اعتزازه بجواب الأسئلة الوجودية الكبرى التي يحملها، التي تنخرق أمامها كل زينة الدنيا ومتعها!

فنجاح الصحابة المؤكد هو أنهم لم يكونوا يعانون من عقدة النقص التي يعاني منها بعض المعاصرين، بل كانت عزتهم في امتلاكهم أجوبة الأسئلة الوجودية الكبرى، وتأكيدهم على تفاهة الحياة الدنيا وحقارتها مقارنة بالنعيم الأبدي!

فلا يفرح الكافر بأكثر من أن يُبهرك بنمارقه المذهبة وزينته العظيمة، فالانكسار لفتنته يُنهي المعركة قبل أن تبدأ!

ولذلك لم يفت ربعي بن عامر جهل رستم بأعظم مطلوب وهو الله سبحانه فتحولت كل زينته إلى صورةٍ بلا قيمةٍ ولا غايةٍ كما يصف القرآن الكريم “والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام” سورة محمد 12.

فإجابة الأسئلة الوجودية الكبرى ترقى بمالكها وتسقط بمفتقدها.

وعند هذه النقطة لابد من إلماحةٍ هامة ذكرها إبراهيم السكران وهي أن: “هذا الانتقاص والاستعلاء الشرعي على المنجزات الحضارية والفنية قبيل مبعثه – صلى الله عليه وسلم – ليس ذما لتلك المنجزات لذاتها، وإنما لأن أصحابها لم يتزكوا ويتنوروا بالوحي والعلوم الإلهية، فلم يصلوا إلى الرقي والسمو الحقيقي، وهو مرتبة العبودية، وإنما بقوا في حضيض المنافسة الدنيوية.

هذا الموقف النبوي من أدق ما يبين أن الانتفاع بما لدى الغير لا يقتضي الانبهار بهم، وأن الذم لواقعهم لا يتعارض مع الاستفادة من الحكمة التي هي ضالة المؤمن.”

د. هيثم طلعت (بتصرف)

المصدر

الزعم أن تقديس الحجر الأسود عبادة وثنية

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المغالطين أن تقديس المسلمين للكعبة (بالطواف حولها)، وتقديسهم للحجر الأسود (بتقبيله واستلامه) نوع من الوثنية وعبادة الأصنام؛ لأن الحجر الأسود في ظنهم كان صنما من جملة الأصنام التي كانت في الكعبة، لكنه لم يزل كغيره من الأصنام عام الفتح.

وبهذا التقديس – للكعبة وللحجر الأسود – تستوي عبادة المسلمين للأحجار مع عبادة الكفار الجاهلين الذين كانوا يظنون أنها تقربهم إلى الله زلفى، وقد أخذ محمد بهذه العادة حينما وضع شعائر دينه، وجعل الكعبة هي مركز هذه الشعائر عند استقبالها في كل صلاة. ويتساءلون: إذا كان الإسلام دين توحيد فلماذا أبقي على تعظيم الكعبة، والحجر الأسود، وسائر طقوس الحج ذات الأصل الوثنى؟!

وجها إبطال الشبهة:

1) الشعائر التي يؤديها المسلمون في الحج هي عبادة الله عز وجل يأتونها امتثالا لأمره، ولا يصرف أحد من المسلمين إلى الحجر أو الكعبة خوفا أو رجاء، فإنما ذلك لله وحده.

2) شرع الإسلام تقبيل الحجر الأسود لما له من منزلة عظيمة، وما يقال من أن أصله صنم جاهلي هو افتراء خالص لا يسنده شىء من حق أو علم.

التفصيل:

أولا. شعائر الحج هي امتثال لأمر الله – عز وجل – لا عبادة للكعبة:

العبادة في المفهوم الإسلامي تشتمل على معنى الخضوع والذل والانقياد والطاعة، فالعبد عندما يكون عابدا لشىء ما، ينبغي أن يخضع ويذل له، ويقف بين يديه ضعيفا ذليلا لا يملك من أمره شيئا، فإن من يعبد شيئا، مهما كانت طبيعته، يعتقد أن له سلطة غيبية ينعكس تأثيرها على الواقع، وبالتالي فإن العابد يتقرب إلى معبوده رجاء للنفع أو دفعا للضرر، وهو في الوقت ذاته يعتقد أن التقصير في حق هذا المعبود، أو ترك عبادته يترتب عليه حصول الضرر ووقوعه كنوع من العقاب، فأمره مستجاب، ونهيه كذلك، بمعنى أنه يأتمر بما يأمره به، ويترك ما ينهاه عنه.

تقدير واحترام لا خضوع وتذلل:

ومما سبق من مفهوم العبادة الموجز نستطيع أن ندرك أن المسلمين لا يعبدون الكعبة، ولا الحجر الأسود، فهم لا يخضعون لهما ولا يذلون، وإنما يقدرون ويحترمون، وهم لا يتلقون شيئا من الأوامر أو النواهي من الكعبة والحجر الأسود؛ لأنهما لا يضران ولا ينفعان ولا يصدر عنهما شىء يمكن أن يكون فيه توجيه أو إرشاد، وإنما كان التقبيل والتقدير لهذا الحجر لتحقيق متابعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وليس له أدنى تعلق بالعبادة بحال من الأحوال، بل إن المسلمين الذين يقبلون الحجر الأسود يعتقدون أنه لا يملك الضر والنفع غير الله تعالى، فهم ينفون وجود أي سلطة ذاتية في المخلوقات مهما كانت، كما أنهم يعتقدون أن علاقة المخلوق بالخالق علاقة مباشرة ليس فيها وسيط، وأن العباد لا يحتاجون إلى شفيع يقصدونه للتقرب إلى الله – عز وجل – بل إنهم يعدون ذلك من الشرك الأكبر المخرج من الملة.

مناسك الحج هي من ملة إبراهيم – عليه السلام – محطم الأصنام:

الحج من ملة إبراهيم – عليه السلام – فقد بدأ الحج إلى بيت الله الحرام، منذ أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج: )وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام( (الحج).

فإبراهيم – عليه السلام – هو الذي بدأ الحج، ومثله لا يتهم بعبادة الأصنام؛ لأنه هو الذي حطمها وجعلها جذاذا، وأحيا بذلك الملة الحنيفية ملة التوحيد: )ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123)( (النحل).

طقوس وثنية حرمها الإسلام:

وأكثر من ذلك أن أهل الجاهلية حين أدخلوا على الحج بعض الطقوس الوثنية وبعض الشعائر غير المقبولة كالطواف بالبيت عرايا، جاء الإسلام فأبطلها ومنع أن يطوف بالبيت عريان، وكان هذا في العام التاسع للهجرة؛ حين أعلن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: «ألا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان»[1].

ومن شعائرهم أنه كانت لكل قبيلة تلبية كقولهم: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملكك” يقصدون بهذا الشريك “الأصنام”، فجاء الإسلام وأبقى على جوهر التلبيات جميعا ووحدها في التلبية المعهودة: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»[2].

والنبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير»[3].

وهذا من مقاصد الإسلام في الحج، حيث قرر تثبيت التوحيد ومحو طقوس الشرك، فكان الحج مخلصا ومطهرا تماما من كل مظاهر الشرك. وكذلك نجد أن الجاهليين كانوا يعتقدون أن الأصنام والأوثان التي يعبدونها تقربهم إلى الله – عز وجل – وتشفع لهم عنده، يقول الله تعالى مبينا ذلك: )والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى( (الزمر: 3)، وقال عز وجل: )ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله( (يونس: 18).

وهذه صورة من التقديس الوثني تنزل عن العبادة الصريحة المباشرة إلى رتبة الاستشفاع بالوثن على سبيل التقرب إلى الله عز وجل والإسلام – مع ذلك لا يقرها ولا يرضى بها وينعي عليهم هذه الصورة من التعظيم الذميم والعبادة الملفقة.

وليس أدل على موقف الإسلام من الوثنية ومحاربته لمظاهرها من كل وجه، من شهادة طائفة من غير المسلمين بهذه الحقيقة، نحو جوستاف لوبون قي قوله: “للإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم”[4].

وصفوة القول أن رحى العبادة تدور على قضيتين أساسيتين: تمام المحبة مع غاية الذل والخضوع، فمن أحب شيئا ولم يخضع له، فليس بعابد له، ومن خضع لشىء دون أن يحبه فهو كذلك ليس بعابد له، ومعلوم أن شعائر الحج تصرف الحب والذل جميعا إلى الله – عز وجل – لا إلى الحجر أو الكعبة المبنية.

ومن المناسب أن نقول: إن من يعبد شيئا فلا شك أنه يرى في معبوده أنه أعلى منه وأفضل، ونعلم أن حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة، بل من حرمة الدنيا بأسرها، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال في الكعبة: «ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك» [5]، وهذا جدير بأن يجلي حقيقة الفكرة الإسلامية عن هذه الشعائر ومعنى تأدية المسلمين لها.

ولنقف لنتدبر، ألم يكن العرب في جاهليتهم يتخذون العديد من الآلهة من مختلف الأشياء، وهم مع ذلك لم يتخذوا الحجر الأسود إلها من دون الله، ولكنهم جعلوا له حرمة ومكانة، باعتباره من البقايا الموروثة للكعبة التي بناها إبراهيم، وإسماعيل – عليهما السلام – فإذا كان هذا حال العرب في جاهليتهم، فأين العقل عندما ينسب هذا إلى المسلمين؟!

الحجر الأسود كتلة من الحجر ضارب إلى السواد بيضاوي في شكله، يقع في أصل بناء الكعبة في الركن الجنوبي الشرقي منها، يسن استلامه وتقبيله عند الطواف. وقد روى ابن عباس عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم»[6].

كما أثبتت بعض النصوص الترغيب في تقبيله وبيان أنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه بحق، وأنه تحط به الذنوب، ففي الحديث: «إن مسح الحجر والركن اليماني يحطان الخطايا حطا»[7].

وفي الحديث: «والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق»[8].

ثانيا. حقيقة الحجر الأسود ومنزلته في الإسلام:

لقد اكتسب الحجر الأسود هذه المزية – مزية تعظيمه – لأمر الله تعالى بتقبيله، ولو لم يرد ذلك الأمر لم يكن لأحد أن يقوم بتقبيله؛ إذ إن الشرع أمر بإسلام الوجه لله، وقبول ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – مع التسليم وانتفاء الحرج، قال تعالى: )وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا( (الحشر: 7).

 وقال تعالى: )وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم( (الأحزاب: 36)، وقد ورد تقبيل الحجر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو كما قال الله تعالى: )وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) علمه شديد القوى (5)( (النجم)، فمن الحكمة في مشروعية تقبيل الحجر والطواف والرمي – ابتلاء العباد وإظهار العبودية؛ ليعلم المسلم أنه لا اختيار مع أمر الله وأمر رسوله – صلى الله عليه وسلم – فشرع الله هو الذي حرم عبادة الأحجار والأشجار والأوثان وحرم التقرب إليه بغيرها، وهو الذي أمر بالطواف حول البيت الحرام، وشرع تقبيل الحجر الأسود، ولهذا جاء قول عمر رضي الله عنه «ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك»[9].

تقبيل الحجر لغة رمزية:

وهذا التقبيل هو في حقيقته عمل رمزي، فالحج يتميز بأن فيه اللغة الرمزية، فرمي الجمار – مثلا – رمز لمقاومة الشر الذي يتمثل في الشيطان، والمسلم يقتدي في هذا بإبراهيم عليه السلام حينما رمى إبليس، حينما تعرض له ليثنيه عن ذبح ولده فرماه بالجمار، وكذلك نحن حينما نرمي الجمار نتمثل أننا نرمي الشيطان ونقاوم الشر، بل حتى العوام من المسلمين يكادون يتمثلون أن هذا الذي يرمونه هو إبليس “كأنهم يرونه” ويقولون: هذا إبليس الكبير، وإبليس المتوسط، وإبليس الصغير، فهذه عملية رمزية.

والإنسان بطبيعته وفطرته يحتاج إلى تمثيل المعاني في صورة محسوسة، والله – عز وجل – أعلم بخلقه، ألم يقل: )ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14)( (الملك)، فتعظيم العبد لله وإعلانه لخضوعه له واستكانته لأمره، جعله – سبحانه وتعالى – في صور محسوسة؛ لكي تكون دلالتها الرمزية تحقق معنى العبودية، وتشبع العاطفة والميل الإنساني للتعبير عن هذه المعاني في صورة حسية.

والكعبة والبيت الحرام وغيرهما صور حسية رمزية لحقائق معنوية، وجعلت الكعبة في العبادة، وفي الصلاة خاصة، مركزا للتعظيم والتوقير والإجلال لا لذاتها، وإنما لعبادة الله، وجعلت واحدة في مكان واحد؛ لتعطى – أيضا – مع معنى التعبد معنى الدلالة على منهج الوحدانية لله عز وجل.

وباختصار شديد ليست العبادة للكعبة، ولا للحجر الأسود وإنما لله، ومن رحمته وحكمته أن جعل بعض معاني هذه العبودية تتجلى في صورة حسية؛ ليتوافق ذلك مع طبيعة وفطرة الإنسان في تعبيره عن المعاني والمشاعر في صور حسية.

وقد يقال – بعد ذلك كله – إن الحكمة في هذا التقبيل تكمن في ذلك الاتصال بين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأمته، فهو اتصال من نوع خاص، اتصال روحي وكياني، وكأنه – صلى الله عليه وسلم – قبل الحجر الأسود ليكون هذا بمثابة الاتصال المادي والحسي بينه وبين أمته أليس هو القائل: «وددت أني لقيت إخواني» [10]، وفي رواية: «وددت أنا قد رأينا إخواننا»[11]، غير أن المستشرقين الذين يعدون تقبيل الحجر الأسود من بقايا الوثنية لا يعلمون الحكمة من ذلك، وهي حب النبي – صلى الله عليه وسلم – لأحبابه الذين لم يرهم ولم يروه، وآمنوا به، والذين سيأتون من بعده، فالصحابة – رضوان الله عليهم – كانوا يرون الرسول – صلى الله عليه وسلم – ويصافحونه ويسمعون الوحي المنزل عليه من فمه الشريف، أما المؤمنون من بعدهم فإنهم لم يواكبوا هذه الأحداث الملموسة، وآمنوا بها بالرغم من عدم رؤيتهم لها، فربما أراد الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يطبع على جبين كل واحد منهم ما هو بمثابة وسام؛ تكريما لهم على إيمانهم ومحبتهم لهذا الدين من خلال تقبيله الحجر الأسود، فكأنما صار هذا الحجر الواسطة بينهم لنقل هذه المشاعر وتقليدهم هذا الوسام الرفيع.

ومما سبق ندرك أن المسلمين لم يعبدوا الحجر الأسود ولم يقدسوه، وإنما يتبعون سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – فيقدرونه ويحترمونه.

الخلاصة:

تشتمل العبادة على معنى الخضوع والذل والانقياد، فالعبد ينبغي أن يخضع ويذل إلى معبوده ويتقرب إليه رجاء للنفع، أو دفعا للضرر، والمسلمون لا يذلون ولا يخضعون للكعبة ولا للحجر؛ لأنهما لا يضران أو ينفعان، وإنما يقدرونها ويحترمونها امتثالا لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

بدأ الحج إلى بيت الله الحرام، منذ أمر الله إبراهيم – عليه السلام – أن يؤذن في الناس بالحج، وهو – عليه السلام – الذي بدأ الحج، ولا يمكن أن يتهم إبراهيم بعبادة الأصنام وهو محطمها، وصاحب الملة الحنيفية التي اتبعها الموحدون من بعده.

أدخل أهل الجاهلية على الحج بعض الطقوس الوثنية، فجاء الإسلام وألغاها وأبقى على جوهر التلبية، وكانوا – أيضا – قد اعتقدوا أن الأصنام والأوثان التي يعبدونها تقربهم إلى الله عز وجل فجاء الإسلام فجعل علاقة المخلوق بالخالق علاقة مباشرة ليس فيها وسيط.

اكتسب الحجر الأسود تقديسه لأمر الله – عز وجل – بتقبيله، ولو لم يرد ذلك الأمر لم يكن لأحد أن يقوم بتقبيله، إذ إن تقبيله؛ طاعة لأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي لا ينطق عن الهوى.

تقبيل الحجر عمل رمزي وتواصل روحي وكياني مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكأنه قبل الحجر ليكون بمثابة الاتصال المادي والحسي بينه وبين أمته، فتقبيله لحكمة؛ وهي حبه – صلى الله عليه وسلم – لأحبابه الذين لم يرهم ولم يروه وآمنوا به، ومعنى ذلك – على كل حال – أن المسلمين لم يعبدوا الحجر الأسود ولم يقدسوه، وإنما كان هذا اتباعا منهم لسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – وامتثالا لأمر الله الذي أوحى به للنبي صلى الله عليه وسلم.

(*) قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية: نقد مطاعن ورد شبهات، د. فضل حسن عباس، دار البشير، الأردن، ط2، 1410هـ/ 1989م.

[1]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك (1543)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (3353).

[2]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب التلبية (1474)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها (2868).

[3]. حسـن: أخرجــه الترمـذي في سننــه، كتـاب الدعـوات، بـاب في دعـاء يــوم عرفـــة (3585)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1503).

[4]. حضارة العرب، جوستاف لوبون، ترجمة: عادل زعيتر، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، د. ت، ص125.

[5]. صحيـح: أخرجـه الترمـذي في سننــه، كتـاب البـر والصلـة، بـاب تعظيـم المؤمــن (2032)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3420).

[6]. صحيح: أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الصوم، باب ما جاء في فضل الحجر الأسود والركن والمقام (877)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب المناسك، باب صفة الركن والمقام (2733)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6756).

[7]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمــر رضـي الله عنــه (5621)، والطبرانــي في المعجــم الكبيــر (12/ 389) برقـم (13438)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2194).

[8]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، من مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (2215)، والترمــذي في سننــه، كتـاب الصـوم، بـاب الحجـر الأسـود (961)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (7098).

[9]. أخرجــه البخـاري في صحيحـه، كتـاب الحـج، بـاب مـا ذكـر في الحجـر الأســود، (1520)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف (3126).

[10]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه (12601)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (7108).

المصدر

إنكار ثبوت عقيدة التوحيد في الشرائع السماوية

مضمون الشبهة:

ينكر بعض المغالطين ثبوت عقيدة التوحيد في الشرائع السماوية، ويدعون أنها أقرت عقيدة التثليث، مستدلين على ذلك ببعض شعائر المسلمين، كقولهم في الأذان: الله أكبر؛ فاستخدام صيغة أفعل تدل على أن هناك أكثر من إله، هذا أكبرهم. وكذلك قول المسلمين: بسم الله الرحمن الرحيم؛ كما يقول النصارى: بسم الآب والابن والروح القدس، كما يستدلون على ذلك بقوله تعالى: )فتبارك الله أحسن الخالقين (14)( (المؤمنون) حيث تدل صفة أفعل (أحسن) أيضا على وجود أكثر من خالق، هذا أحسنهم، ويتساءلون: كيف بعد هذا يدعى أن الإيمان في الإسلام مؤسس على التوحيد؟

وجوه إبطال الشبهة:

1) الحقيقة الواضحة في القرآن هي التوحيد الخالص، ونفي ألوهية غير الله، ونبذ الشرك، وهذا هو الأساس الذي تصح معه جميع الأعمال.

2)  التوحيد هو أصل جميع الشرائع، والأنبياء دينهم واحد وإلههم واحد.

3)  ليس في القرآن الكريم ما يسوغ أن يكون إشارة إلى إقرار التثليث ونحوه من صور التعدد.

التفصيل:

أولا. التوحيد الخالص في القرآن الكريم:

إن التوحيد هو الأساس الذي تقوم عليه العقيدة الصحيحة في الإسلام، وتصح معه جميع الأعمال، كما قال تعالى: )قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110)( (الكهف)، وقال تعالى: )ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65)( (الزمر)، وقال تعالى: )إنا أنزلنا إليــك الكتـاب بالحـق فاعبـد الله مخلصا له الديـن (2) ألا لله الدين الخالـص( (الزمر).

فدلت هذه الآيات الكريمة، وما جاء بمعناها – وهو كثير – على أن الأعمال لا تقبل إلا إذا كانت خالصة من الشرك، والتوحيد ثلاثة أنواع:

توحيد الربوبية[1]:

 وهو الذي أقر به الكفار على زمن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يدخلهم في الإسلام، وقاتلهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واستحل دماءهم وأموالهم، وهو توحيد بفعله تعالى، والدليل قوله تعالى: )قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميـت من الحي ومـن يدبـر الأمر فسيقولــون الله فقـل أفلا تتقـون (31)( (يونس)، وقال تعالى: )قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتـم تعلمـون (88) سيقولـون لله قـل فأنـى تسحــرون (89)( (المؤمنون).

والآيات على هذا كثيرة جدا، أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر[2].

توحيد الألوهية[3]:

وهو التوحيد الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو: توحيد الله بأفعال العباد، كالدعاء والنذر والنحر، والرجاء والخوف والتوكل، والرغبة والرهبة والإنابة.

وذلك كما في قوله تعالى: )وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60)( (غافر)، وكل نوع من هذه الأنواع عليها دليل من القرآن.

وأصل العبادة تجريد الإخلاص لله تعالى وحده، وتجريد المتابعة للرسول – صلى الله عليه وسلم – قال تعالى: )وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18)( (الجن)، وقال تعالى: )وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25)( (الأنبياء)، وقال تعالى: )له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14)( (الرعد)، وقال تعالى: )ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30)( (لقمان).

توحيد الذات والأسماء والصفات:

قال تعالى: )قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4)( (الإخلاص)، وقال تعالى: )ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180)( (الأعراف)، وقال تعالى: )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11)( (الشورى) [4].

مما سبق يتبين أن التوحيد هو أساس العقيدة الصحيحة، ولأهميته كان اهتمام الرسل – عليهم السلام – بإصلاح العقيدة أولا ودعوة الناس إلى توحيد الله – عز وجل – وترك عبادة ما سواه، كما قال تعالى: )ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت( (النحل: 36)، وكل رسول يقول أول ما يخاطب قومه: )اعبدوا الله ما لكم من إله غيره( (الأعراف: 59)، قالها نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وسائر الأنبياء لقومهم.

وقد بقي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مكة بعد البعثة ثلاثة عشر عاما يدعو الناس إلى التوحيد، وإصلاح العقيدة؛ لأنها الأساس الذي يقوم عليه بناء الدين[5].

وقد تبين أن الإسلام نبذ الشرك ونفى تعدد الآلهة، فليس في هذا الوجود من إله إلا الله عز وجل.

ثانيا. التوحيد هو الأصل الذي دعت إليه جميع الشرائع، والأنبياء دنيهم واحد وإلههم واحد:

وهذا في القرآن مذكور في مواضع كثيرة، وكذلك في الأحاديث الصحيحة مثل ما جاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد» [6]، ومثل صفته في التوراة: “لن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، ففتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا”، ولهذا وحد الصراط والسبيل في مثل قوله تعالى: )اهدنا الصراط المستقيم (6)صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)( (الفاتحة)، ومثل قوله تعالى: )وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله( (الأنعام:153).

والإسلام دين جميع المرسلين، قال نوح عليه السلام: )فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72)( (يونس)، وقال الله عن سحرة فرعون: )ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126)( (الأعراف)، وقال عن فرعون: )آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين (90)( (يونس)، وقال الحواريون: )اشهدوا بأنا مسلمون (64)( (آل عمران)، وقال يوسف عليه السلام: )توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101)( (يوسف)، وقال موسى: )وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84)( (يونس)، وقالت بلقيس: )رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين( (النمل: 44)، وقال عن التوراة: )إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار( (المائدة: 44).

وقد وردت نصوص عديدة في التوراة تدعو إلى التوحيد، وتحذر من صور الشرك، فقد جاء في سفر الخروج: “أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية”. (الخروج 20: 2)، وفي سفر التثنية: “فتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك ومن كل قوتك، ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق، وحين تنام وحين تقوم، واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك.ومتى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي حلف لآبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيك، إلى مدن عظيمة جيدة لم تبنها، وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها، وأبآر محفورة لم تحفرها، وكروم وزيتون لم تغرسها، وأكلت وشبعت، فاحترز لئلا تنسى الرب الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. الرب إلهك تتقى، وإياه تعبد، وباسمه تحلف. لا تسيروا وراء آلهة أخرى من آلهة الأمم التي حولكم، لأن الرب إلهكم إله غيور في وسطكم، لئلا يحمي غضب الرب إلهكم عليكم فيبيدكم عن وجه الأرض”. (التثنية 6: 5 – 15)، وكما نهوا عن عبادة الأوثان نهوا عن عبادة النجوم وغيرها كما جاء: “ولئلا ترفع عينيك إلى السماء، وتنظر الشمس والقمر والنجوم، كل جند السماء التي قسمها الرب إلهك لجميع الشعوب التي تحت كل السماء، فتغتر وتسجد لها وتعبدها “. (التثنية 4: 19).

بل وأمروا أن يعاملوا بالشدة جميع الأمم التي تدين بعبادة الأوثان، كقوله في سفر التثنية: “فإنك تحرمهم، لا تقطع لهم عهدا، ولا تشفق عليهم، ولا تصاهرهم. بنتك لا تعط لابنه، وبنته لا تأخذ لابنك؛ لأنه يرد ابنك من ورائي فيعبد آلهة أخرى، فيحمي غضب الرب عليكم ويهلككم سريعا، ولكن هكذا تفعلون بهم: تهدمون مذابحهم، وتكسرون أنصابهم، وتقطعون سواريهم، وتحرقون تماثيلهم بالنار”. (التثنية 7: 2 – 5).

وكما أمروا بالقسوة على الأمم الوثنية أمروا بمثل ذلك في حق من يشرك منهم: فقد أمر موسى – عليه السلام – بني لاوي رهطه بقتل عبدة العجل حين عبد العجل في غيبته، وفي سفر التثنية: “إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلما، وأعطاك آية أو أعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلا: لنذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها ونعبدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم، لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم، وراء الرب إلهكم تسيرون، وإياه تتقون، ووصاياه تحفظون، وصوته تسمعون، وإياه تعبدون، وبه تلتصقون، وذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم يقتل، لأنه تكلم بالزيغ من وراء الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر، وفداكم من بيت العبودية، لكي يطوحكم عن الطريق التي أمركم الرب إلهكم أن تسلكوا فيها، فتنزعون الشر من بينكم، وإذا أغواك سرا أخوك ابن أمك، أو ابنك أو ابنتك أو امرأة حضنك، أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلا: نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب الذين حولك، القريبين منك أو البعيدين عنك، من أقصاء الأرض إلى أقصائها، فلا ترض منه ولا تسمع له ولا تشفق عينك عليه، ولا ترق له ولا تستره، بل قتلا تقتله، يدك تكون عليه أولا لقتله، ثم أيدى جميع الشعب أخيرا، ترجمه بالحجارة حتى يموت”. (التثنية 13: 1 – 10).

وكما أمرت التوراة بعبادة الله وحده ونبذ الشرك وعبادة غير الله، كذلك وجد في الإنجيل ما يدل على أن الله واحد لا شريك له، وما ذهبوا إليه من التثليث وادعاء آلهة مع الله، هو وهم باطل لا دليل عليه من كتابهم، وهذا التوحيد قد بينته نصوص من أناجيلهم على النحو التالى:

إنجيل متى: “وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية، فقال له: لماذا تدعوني صالحا، ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله”. (متى 19: 16، 17). فهذا القول يقلع أصل التثليث، وما رضى تواضعا أن يطلق عليه لفظ الصالح. أيضا ولو كان إلها لما كان لقوله معنى، وكان عليه أن يبين، لا صالح إلا الآب وأنا وروح القدس، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة. وإذا لم يرض بقوله “الصالح”، فكيف يرضى بأقوال أهل التثليث التي يتفوهون بها في أوقات صلاتهم: يا ربنا وإلهنا يسوع المسيح لا تضيع من خلقت بيدك؟

وورد في قول إبليس للمسيح: “إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب: أنه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك، قال له يسوع: مكتوب أيضا: لا تجرب الرب إلهك، ثم أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدا، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وقال له: أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد”. (متى 4: 6 – 10).

ويقول المسيح لتلاميذه: “متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء، كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا وأعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير؛ لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين”. (متى 6: 9 – 13).

ويقول: “أفما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل: أنا إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب، ليس الله إله أموات، بل إله أحياء”. (متى 22: 31، 32).

إنجيل مرقس: “فجاء واحد من الكتبة، وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسنا سأله: أية وصية هي أول الكل، فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا: اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى، وثانية مثلها هي أن تحب قريبك كنفسك، ليس وصية أخرى أعظم من هاتين”. (مرقس 12: 28 – 31).

إنجيل يوحنا: قال عيسى – عليه السلام – في خطاب الله: “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”. (يوحنا 17: 3)، فبين عيسى – عليه السلام – أن الحياة الأبدية عبارة عن أن يعرف الناس أن الله واحد حقيقي، وأن عيسى – عليه السلام – رسوله. وما قال: إن الحياة الأبدية أن يعرفوا أن ذاتك ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي. وأن عيسى إنسان وإله، أو أن عيسى إله مجسم، فلو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لبينه، وإذ ثبت أن الحياة الأبدية اعتقاد التوحيد الحقيقي لله واعتقاد الرسالة للمسيح، فضدها يكون موتا أبديا وضلالا بينا ألبتة. والتوحيد الحقيقي ضد للتثليث الحقيقي. وكون المسيح رسولا ضد لكونه إلها؛ لأن التغاير بين المرسل والمرسل ضروري.

وهذه النصوص السابقة تدل على أن المسيح – عليه السلام – دعا إلى عبادة الله وحده، ولم يدع أحدا إلى عبادة نفسه، والقرآن يشهد له أنه ما خالف الأنبياء والمرسلين في دعوة التوحيد، قال تعالى: )ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64)( (الزخرف).

ويذكر لنا القرآن صورة لما سيكون يوم القيامة، حين يسأل عيسى – عليه السلام – عما يقوله النصارى من أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فيجيب على ذلك البهت بهذا الجواب المفحم: )سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117)( (المائدة). فتبين أن التوحيد هو أصل جميع الأديان، دعت إليه التوراة ودعا إليه الإنجيل، وإنما طرأت مزاعم التعدد بالتثنية أو الثليث في هذه القصائد في طور متأخر من تاريخها، ولم تكن تعرفها النصوص الأولى التي لم تزل – على رغم تبديلها – تحتفظ بما يشهد للاعتقاد الأول فيها، وهو التوحيد[7].

ثالثا. تهافت المزاعم عن إقرار الإسلام لبعض صور التثليث:

من العجيب – بعد كل ما تقدم – أن يلتمس أناس إشارات إلى التثليث في القرآن الكريم وغيره من العبادات التي يرددها المسلمون في عباداتهم، ويقدمون هذا الفهم الخاطئ لهذه الإشارات التي يتوهمونها على الآيات الصريحة الكثيرة التي تشرح التوحيد خالصا من شوائب الشرك.

ومن ذلك استدلالهم بما يقال في أول القرآن عند التسمية )بسم الله الرحمن الرحيم( بأنه مثل ما جاء في الإنجيل عن عيسى عليه السلام: “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس”. (متى28: 19)، فالمسلمون بهذا في نظرهم يعتقدون بتثليثهم. والجواب: أن التثليث ليس من المسيحية التي أتى بها المسيح، فالمسيح جاء بالتوحيد الخالص الذي دعا إليه جميع الأنبياء، وقد تقدم بيان ذلك.

أما زعمهم أن )بسم الله الرحمن الرحيم( هي مثل: الآب والابن والروح القدس، فهذا فهم خاطئ وتحريف؛ لأن الله تعالى في البسملة معناه: الذات الموصوفة بصفات الكمال، ونعوت الجلال، و )الرحمن الرحيم( صفات الله سبحانه وتعالى باعتبار الخير والإحسان الصادرين عن قدرته[8].

فهذا – إذن – ليس تثليثا، والله – عز وجل – كما هو رحمن ورحيم، فهو – أيضا – ملك وقدوس، وسلام ومؤمن ومهيمن… إلخ، فأسماء الله وصفاته كثيرة، لا يعقل أن يقال إن الله يتعدد بتعدد صفاته وأسمائه.

وأما استدلالهـم بقـول الله تعالـى: )فتبـارك الله أحسـن الخالقيــن (14)( (المؤمنون)، فهذا فهم خاطئ، فقوله في هذه الآية: )أحسن الخالقين( أي: المقدرين، والعرب تطلق الخلق وتريد التقدير، ومنه قول زهير:

ولأنت تفري ما خلقت وبعـ

ض القوم يخلق ثم لا يفري

فقوله: يخلق ثم لا يفرى؛ أي: يقدر الأمر، ثم لا ينفذه لعجزه عنه كما هو معلوم[9].

فكيف يزعمون ذلك والله تعالى ينفي الخلق عن غير الله، فيقول: )أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17)( (النحل)، ويثبت الخلق لله وحده: )ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54)( (الأعراف: 54)، أي: له الخلق وليس لغيره، ويتحدى الله تعالى أن يكون الشركاء الذين يعبدون من دونه الله يخلقون: )إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73)( (الحج).

وأما زعمهم بأن قول المؤذن: “الله أكبر” يقتضي أن هناك مقارنة بين إلهين أكبر وأصغر، فهذا الفهم الفاسد يبرهن على فساده آيات كثيرة، جاءت صريحة قاطعة بأن لا إله إلا الله، حتى أصبحت حقيقة إسلامية يعرفها جميع الناس عن الإسلام دين التوحيد، الذي لا يؤمن فيه المؤمن بإله مع الله.

أما التكبير بهذه الصيغة في الآذان وفي الصلاة، وفي الذكر فهو تنبيه للعاقل بأنه مهما كبر عندك شىء فانتبه إلى أن الله أكبر منه؛ ليترك كل ما في يده مهما كان شأنه عنده، ويقبل على ربه ومناجاته، فليس هناك أكبر من الله تعالى.

من هنا اقتضت الحكمة أن يفتتح بها الآذان ويختتم، وتفتتح بها الإقامة للصلاة وتختتم، وتفتتح بها الصلوات وتتخلل أعمالها، ليكون التكبير تنبيها متواليا يرد المسلم إلى ربه كلما شرد به تفكيره إلى ما يهمه من أمر دنياه.

ومن هنا كان التكبير شعار المجاهدين المنتصرين الفاتحين، فهو مصدر إلهام لهم، وقوة إيمانية لهم، حيث لا يجدون فوق الله كبيرا، وبهذا تتحطم على أيديهم قوى الطغيان والبطش مهما أوتيت، وكيف يكون التكبير اعترافا ضمنيا بإله مع الله، وإن كان أصغر، مع أن كل تكبير في أذان أو إقامة أو صلاة، أو ذكر يعقبه إعلان بأنه: لا إله إلا الله، لا إله غيره، لا إله معه، لا إله إلا هو سبحانه؟!

الخلاصة:

إن توحيد الله – عز وجل – هو الحقيقة الواضحة الجلية التي دعا إليها الإسلام، وتوحيد الله – عز وجل – ونفي ألوهية غير الله، ونبذ الشرك، وتعدد الآلهة أمور يعلمها كل مسلم ولا تخفى على أحد؛ لأن الإسلام جعل التوحيد هو الأساس الذي تصح معه جميع الأعمال.

والتوحيد هو دعوة جميع الأنبياء، وكذلك هو أول ما بدأ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – دعوته، وظل في مكة ثلاث عشرة سنة، يدعو إليه، التوحيد هو دين جميع المرسلين، أقرته التوراة والإنجيل، على الرغم مما فيها من أمور تتنافى مع العقيدة الصحيحة، كالقول بالتثليث وألوهية غير الله.

وما زعمه هؤلاء من إقرار الإسلام لصور من التثليث هو زعم طائش لا يستند إلى فهم سليم لهذه الإشارات والشواهد التي استدلوا بها، وهو يخالف ما يعرفه المسلمون عن دينهم بالبداهة ويجعلونه أصل إيمانهم.

(*) هذا هو الحق: رد على مفتريات كاهن الكنيسة، ابن الخطيب، المطبعة المصرية، القاهرة، 1979م. الجذور التاريخية والجسور الحضارية بين الإسلام والغرب، د. محمد محمد أبو ليلة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر، 1421هـ/ 2001م.

[1]. توحيد الربوبية: الاعتقاد الجازم بأن الله ـ عز وجل ـ رب كل شيء، ولا رب غيره، أو بعبارة أخرى: الإقرار بأن الله هو الخالق لكل شيء، وهو المدبر، وهو الذي يعطي ويمنع، ويحي ويميت، لا يشاركه أحد في فعله سبحانه وتعالى.

[2]. مجموعة التوحيد: الرسالة الأولى، محمد بن عبد الوهاب، دار الفكر، بيروت، د. ت، ص3، 4.

[3]. توحيد الألوهية: توحيد القصد والطلب، ومعناه: الاعتقاد الجازم بأن الله ـ عز وجل ـ وحده هو الإله المستحق للعبادة، وإفراده ـ عز وجل ـ بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة.

[4]. مجموعة التوحيد: الرسالة الأولى، محمد بن عبد الوهاب، دار الفكر، بيروت، د. ت، ص4، 5.

[5]. عقيدة التوحيد، د. صالح بن فوزان، مؤسسة الحرمين الخيرية، الرياض، د. ت، ص6، 7.

[6]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ) واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها ( (مريم: ١٦) (3259)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام (6281).

[7]. انظر: دعوة أهل الكتاب إلى دين رب العباد، د. سعيد عبد العظيم، دار العقيدة، القاهرة، د. ت. إظهار الحق، رحمة الله بن خليل الهندي، دار الحرمين للطباعة، مصر، ط2، 1413هـ/1992م.

[8]. انظر: الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة، القرافي، تحقيق: د. بكر زكي عوض، دار ابن الجوزي، القاهرة، 2004م.

[9]. أضواء البيان، محمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1408هـ/ 1988م، ج5، ص781.

المصدر

دعوى انتشار الإسلام بحد السيف وإساءة معاملة الآخر
 
مضمون الشبهة:
 
يدعي بعض المشككين أن الإسلام انتشر بحد السيف، وأنه أساء معاملة أهل البلاد المفتوحة من اليهود والنصارى، ويستدلون على ذلك بما يلي:
 
سبق الجيوش المحاربة قوافل الدعاة، في البلاد المحاربة.
إجبار بعض النصارى على الدخول في الإسلام.
عدم قبوله للتعددية الدينية، والعمل على إقصاء الآخر.
 
ويهدفون من وراء ذلك إلى اتهام الإسلام بالدموية والعنف، وأنه دين غير مقنع بذاته ومبادئه.
 
وجوه إبطال الشبهة:
 
1)  الإسلام وضع قواعد عادلة حكيمة في التعامل مع أهل البلاد المفتوحة، يدلك على ذلك سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتاريخ الخلفاء الراشدين من بعده الذين طبقوا هذه القواعد الحكيمة بكل ما تحمله من معان، هذا فضلا عن معاملة غير المسلمين المسالمين داخل المجتمع الإسلامي.
 
2)  الأديان السابقة – اليهودية والنصرانية – لا تنكر القتال في كتبها، وقد حاول أهلها مرارا نشر مبادئها بالوسائل القمعية، وهذا واضح من كتبهم.
 
3)  الحرب في الإسلام ضرورة أو وسيلة – وليست غاية – لإزاحة الطواغيت، وإتاحة حرية الاختيار أمام الشعوب المستضعفة، وحماية الدعاة من الأذى، ومن أن يحال بينهم وبين عامة الناس.
 
4)  الوقائع التاريخية تشهد بأن المسلمين لم يكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، بل ويؤيد هذا شهادات غربية على حسن معاملة المسلمين لأهل البلاد المفتوحة.
 
5)  لما ضعفت شوكة المسلمين وتمكن الآخرون منهم، ظهرت العنصرية البغيضة، التي استحلت قتل الكبار والصغار والنساء، وتخريب دور العبادة، والديار العامرة، والتاريخ خير شاهد على ذلك في الأندلس وغيرها من بقاع الأرض.
 
التفصيل:
 
أولا. الإسلام أرسى قواعد عادلة وحكيمة في التعامل مع الآخر، يدلك على ذلك سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – في الغزوات، وتاريخ الخلفاء في الفتوحات، وهذا يؤكد صلاحية تشريعات هذا الدين عالميا في مقابل محدودية الأديان السابقة:
 
محدودية الأديان السابقة زمانا ومكانا:
 
 بعث الرسل السابقون إلى أقوامهم، وأرسل الأنبياء إلى قبائلهم وعشائرهم خاصة: )ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25)( (هود)، )وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85)( (الأعراف)، )وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73)( (الأعراف)، )وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50)( (هود).
 
وإلى بني إسرائيل كانت نبوة موسى – عليه السلام – والأنبياء من بعده، وقد أثر عن المسيح – عليه السلام – قوله: “بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة”، والرب ينعتونه عندهم بإله إسرائيل، ويخصون بالذكر من أبناء إبراهيم – عليه السلام – ذرية يعقوب (إسرائيل) بن إسحاق دون سائر العبريين، وفي سفر الأيام من العهد القديم: “مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل إلى الأبد”[1]، وعلى هذا كانت النبوات السابقة كلها محلية مؤقتة؛ أي محدودة الزمان والمكان.
 
عالمية الإسلام وختمه رسالات السماء:
 
الإسلام هو الصورة الأخيرة للوحي الأعلى، وهو كذلك الصورة العامة التي تستغرق الأجناس كلها والأجيال جميعها على وجه الأرض حتى قيام الساعة، وعلة ذلك أنه قد زود الإنسان بالوصايا الأخيرة للوحي الإلهي، وأرسى دعائم العقيدة والعبادات والمعاملات، وتضمن نصوصا حاسمة تضبط سيرة المرء وتقاليد الجماعة، وهي أسس وتوجيهات لا تختلف باختلاف العصور. أما ما خلا ذلك من شئون فموكول للعقل البشري، يمحو فيه ويثبت مسترشدا بتلك الأصول السماوية الشرعية السابقة، وإجمالا فقد حدد الإسلام المبادئ وحرر الوسائل[2].
 
وعلى هذا فلئن اتفق الإسلام مع الأديان السماوية السابقة في وحدة الأديان ومصدرها الإلهي، فقد اختلف معها وامتاز عنها في كونه الدين النهائي الخاتم لجميع الأديان، وكونه دينا عاما أنزله الله على محمد – صلى الله عليه وسلم – ليقوم بتبليغه إلى الناس كافة عربا وعجما، بيضا وسودا، إنسا وجنا، وتبعا لهذا فقد تميز بالصلاحية لكل زمان ومكان، وهذا مقتضى الختم والعالمية، قال عز وجل: )تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1)( (الفرقان)، )قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158)( (الأعراف)، )هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33)( (التوبة).
 
ولا شك أن خاصية العالمية توجب على حملة هذا الدين إبلاغ دعوته للعالمين؛ أداء للأمانة وإقامة للحجة عليهم، فكيف كانت طبيعة هذا البلاغ؟
 
طبيعة انتشار الإسلام:
 
الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم – ومن ثم في نشر دعوتهم – هو السلم ما لم يطرأ ما يقيد هذا الأصل، وقد أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – والمسلمون أن يدعوا إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادلوا بالتي هي أحسن: )ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125)( (النحل)، )وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29)( (الكهف)، )فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82)( (النحل)، )لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256)( (البقرة)، )لكم دينكم ولي دين (6)( (الكافرون).
 
وقد سار النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحبه على هذا النهج في دعوتهم، واستمسكوا بهذا الهدي، وأحداث التاريخ تبرهن عمليا – بوضوح – على هذا، فحينما بدأ الرسول – صلى الله عليه وسلم – دعوته بمكة وحيدا، لا قوة تسنده ولا مال يعينه، دخل في دعوته مجموعة من وجوه الناس: كأبي بكر وعثمان وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير، ثم لحقهم عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهم، فهل يمكن القول بأن هؤلاء في تلك الظروف قد أكرهوا على اعتناق الإسلام تحت حد السيف؟!
 
بل إن مشركي قريش قد اضطهدوا المسلمين طيلة الفترة المكية اضطهادا قاسيا، فهؤلاء إذن – على حد قول العقاد في كتابه “عبقرية محمد” – هم من تعرضوا بإسلامهم لحد السيف، وليس العكس، أي أنهم لم يخضعوا أحدا للسيف ليسلم.
 
وهنا تحدث المفارقة الدالة، ففي الوقت الذي كان المسلمون فيه بمكة مستضعفين، كان بعض رجالات يثرب يسعون نحو الدعوة المطاردة ونبيها – المحاصر من المشركين، المعاند بكل وسيلة من قبلهم -فيعتنقونها ويتبعونه، ويجذبون نحو عقيدتهم الجديدة أهلهم وذويهم. فمن أكره هؤلاء السادة الأحرار على اعتناق هذه العقيدة؟!
 
الإذن بالقتال ومراحله:
 
يذكر التاريخ أن المسلمين قبل الهجرة لم يؤذن لهم بقتال ودفاع عن النفس، مع كل صنوف الأذى والعذاب التي نزلت بهم، وكانوا كلما همت نفوسهم لرد الظلم وتطلعوا للقصاص من الظالمين، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل أمرهم بالاستمساك بالصبر وانتظار أمر الله مذكرا أنه لم يؤمر بقتال، فلما أسرف أهل الكفر في عنادهم ولجوا[3] في طغيانهم، وألجئوا المسلمين إلى الهجرة مفارقين الولد والأهل والمال والوطن، ثم تابعوا تدبير المؤامرات، ووضع الخطط للقضاء على الدعوة في مهجرها، وعلى الدولة الوليدة الناشئة في مهدها – عندئذ شرع القتال للدفاع عن النفس، والذود عن الحياض والذب عن الحرمات. قال عز وجل: )أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39)( (الحج).
 
وعند إمعان النظر في هذه الآية يستشعر المتأمل أن الإسلام لم يرغب في القتال كغاية في حد ذاته؛ فقد بني الفعل “أذن” للمجهول لكيلا يقترن الإذن بالقتال بلفظ الجلالة مباشرة عند بنائه للمعلوم، وحذف أيضا نائب الفاعل المأذون به، وهو لفظة القتال حتى لا يذكر صراحة، وذكر بدلا منه سبب الإذن “بأنهم ظلموا” وفسرت المظلومية في الآية التالية: )الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40)( (الحج). ثم نزلت آية أخرى أكثر صراحة في الإذن بالقتال وهي قوله عز وجل: )وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190)( (البقرة).
 
وألح القرآن من جديد على تحريم الحرب العدوانية، فحرم على المسلمين محاربة من لم يحاربهم ولم يعتد عليهم: )إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (90)( (النساء).
 
وحتى لا تبقى زيادة لمستزيد – على حد قول المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان – نجد القرآن يستوصي خيرا بالمسالمين للمسلمين من غيرهم: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8)( (الممتحنة)، هذا هو السياق الطبيعي الحقيقي للآيات المذكورة، الذي يبتر عند المغالطين، وتستل منه هذه الآيات وأشباهها لتستنطق بغير ما تنطق به فعلا[4].
 
ومع كل هذه الضجة حول رفعه – صلى الله عليه وسلم – السيف وخوضه الغزوات، فإن المتأمل للآثار الناجمة عن هذا القتال وأعداد ضحاياه يتبين مدى ضآلة هذه الآثار قياسا إلى الحروب الطاحنة في تاريخ الأديان الأخرى وهذا ما يوضحه الجدول الآتي:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الغزوة
 
 
 
شهداء المسلمين
 
 
 
قتلى العدو
 
 
 
ملاحظات
 
 
 
 
بدر
 
أحد
 
الخندق
 
بنو المصطلق
 
خيبر
 
بئر معونة
 
مؤتة
 
حنين
 
الطائف
 
معارك أخرى
 
 
 
14
 
70
 
6
 
ــ ــ
 
19
 
69
 
14
 
4
 
13
 
118
 
 
 
70
 
22
 
3
 
3
 
ــ ــ
 
ــ ــ
 
14
 
71
 
ــ ــ
 
256
 
 
 
لم يدخل اليهود في هذه الإحصائية؛ لأن لهم حكما آخر بسبب خيانتهم.
 
 
 
 
المجموع
 
 
 
317
 
 
 
439
 
 
 
756 من الجانبين[5].
 
حقا لم تعرف البشرية في تاريخها حامل سيف أعف من محمد صلى الله عليه وسلم، ما غضب لنفسه قط، وما غضب إلا لله وحده، وما استعمل السيف إلا في حينه:
 
قالوا غزوت، ورسل الله ما بعثوا
 
بقتل نفس ولا جاءوا بسفك دم
 
جهل وتضليل أحلام وسفسطة
 
فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
 
هذه المفارقة الواضحة بين حقيقة استعمال السيف في الإسلام، وبين ادعاءات المغرضين، هي ما دعت أحد الباحثين إلى أن يقول: إن الشيء الذي يغيظ أعداء الحقيقة هو أن الإسلام زودته العناية الإلهية بتعاليم تجعله صلب المكسر، لا يستطيع الباطل أن يجتاحه بسهولة، ولا أن ينال منه بيسر، بل نستطيع أن نقول: لقد كان هذا الباطل يزأر في عرصات[6] الدنيا دون تهيب، ويزعج الآمنين في كل قطر دون وجل[7]، فلما ظهر الإسلام واشتبك الباطل معه – على عادته – عاد من هجومه مقصوم الظهر مخضوب الكف، فراح يجأر بالشكوى أن الإسلام دين سيف، وأن الحكم في رحابه جعله صلب العود. نعم هو كذلك، وما عيب السيف إذا رد المعتدين؟ وما عيب الصلابة في الحق إذا استعصت على الفتانين؟! إن السؤال الذي يجب أن تتحدد الإجابة عنه هو: هل كان الحكم في الإسلام أساسا لفتنة غير المسلمين عن دينهم؟ هل كانت الدولة في خدمة الدعوة من حيث استغلال أجهزتها للفتنة والإعنات[8]؟!
 
كتب النبي ورسائله إلى الأمراء والملوك:
 
ومع ذلك فقد استغل الرسول – صلى الله عليه وسلم – هدنة صلح الحديبية ليعود بأمر الدعوة إلى أصله – وهو السلم -، فراسل زعماء الأرض، وأرسل الكتب والرسائل، ولم يبعث الجيوش والكتائب ابتداء، والمعروف أن الإسلام قد بعث أمة العرب بعثا، فقبله لم تكن هناك أمة عربية ذات لحمة متماسكة، بل قبائل عربية متنازعة، هان أمرها على نفسها فهانت على القوى الكبيرة في العالم آنذاك كفارس والروم؛ فلم يقيموا لها حسابا، فلما جاءها الإسلام ودانت غالبيتها به، وتأسست دولة قوية وحدت ديارها داخل شبه الجزيرة، وفوجئ كسرى وقيصر بجرأة النبي – صلى الله عليه وسلم – وإقدامه على مراسلتهما – مع غيرهما من الزعماء والملوك – يدعوهما للدخول في دينه ومعهما قومهما، استشعرا لأول مرة الخطر من جهة بلاد العرب.
 
وعلى الرغم من أن مضامين هذه الرسائل قد صيغت بمنتهى الحكمة واللين، فالرسول فيها سمح يدعو ولا يتهدد، ويتلطف ولا يتوعد، ويخاطب من وجهت إليهم بألقابهم مقرا بسلطانهم في ظل الإسلام، كما يتضح من بعض نصوصها ككتابه إلى كسرى بلاد فارس وفيه: “بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، أدعوك بدعوة الله، فإني رسول الله إلى الناس كافة؛ لأنذر من كان حيا، وليحق القول على الكافرين. أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم كل المجوس”.
 
ورسالته للمقوقس بمصر: “من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك للإسلام، فأسلم تسلم، وإن يسلم قومك يؤتك الله أجرك مرتين: )قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64)( (آل عمران)”[9].
 
وعلى الرغم كذلك من سماحة الخطاب ووقار الكتاب – نقول: على الرغم مما سبق كله فإن ردود الفعل على هذه المراسلات قد جاءت متباينة؛ فمنهم من رد ردا حسنا وآمن كملوك اليمن وعمان، ومنهم من تلطف في الرد وتوقف في الإيمان كالمقوقس بمصر، والنجاشي في الحبشة – في بعض الروايات – ولهذا لم يتعرض المسلمون لهما ابتداء – تعرضوا لمصر بعد ذلك؛ لأن الروم تجيشت بها بعد فتح الشام وهددت مكانة المسلمين فيها – ولو كان المقصود نشر الإسلام بالقوة لهاجموا بلاد الحبشة؛ فهي أقرب إليهم، وأقل قوة من فارس والروم، ومنهم من أغلظ في الرد ومزق كتاب رسول الله، فدعا عليه بتمزيق ملكه، فحدث ذلك على يد الفاتحين المسلمين بعد سنوات، وهو كسرى فارس، ومنهم من زاد فقتل رسول رسول الله، وهو أمير غساني موال للروم.
 
إذن فقد جاهر الصنفان الأخيران بالعداوة، وصارا طواغيت أعاقت انتشار الدعوة سلما، فكان لا بد أن يتقيد الأصل مرة أخرى – وهو السلم – ليرتفع السيف، لا لإجبار الناس على قبول الدعوة، ولكن لإزاحة العوائق من مجرى نهر الدعوة؛ لينساب انسيابا طبيعيا، وتختار الشعوب المستضعفة لنفسها دون خوف تحت شعار “لا إكراه في الدين”.
 
الجهاد زمن الراشدين:
 
من هنا استؤنف الجهاد وانطلقت موجة الفتح الإسلامي زمن الراشدين نحو جبهتي فارس والروم، اللتين اتخذتا خطوات عملية في سبيل القضاء على الدعوة الإسلامية والدولة الوليدة، ففي السنة السادسة للهجرة أسلم عامل الروم في عمان، فحاول الروم حمله على الارتداد، فلما أبى سجنوه ثم صلبوه.
 
وكانت تجمعات الروم تجول على حدود دولة المسلمين بشكل مستمر، والمسلمون يتوقعون هجومها في أية لحظة، يؤكد ذلك أن صحابيا طرق باب عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو نائم ذات ليلة فهب من نومه مذعورا وهو يهتف: أجاءت غسان؟! – حلفاء الروم – وكذلك تحرش بهم الفرس.
 
على أن هذه الحروب لم تكن ضد الشعوب وإنما ضد الطواغيت من القياصرة والأكاسرة وجيوشهم، وحين أزيحت هذه الحواجز فكرت هذه الشعوب في الإسلام وأقبلت عليه تتفيأ[10] ظلال الحرية في كنفه[11]؛ فحركة الفكر الإسلامي إذن كانت بمثابة حركة تحرير لصالح الشعوب المستعمرة المستضعفة، كما قال رسول جيش المسلمين لرستم قائد جيوش الفرس في معركة القادسية: “لقد من الله علينا برسول جاءنا بدين أخرجنا به من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”[12].
 
كانت هذه إذن هي الدوافع النبيلة والمقاصد السامية لحركة الفتح الإسلامي في الأعم الأغلب من فتوحات المسلمين عبر التاريخ، والاستثناء البسيط من تلك القاعدة يؤكدها ولا يلغيها، قارنها بدوافع أية موجة استعمار – استدمار واستخراب على الحقيقة – واحتلال وغزو عبر التاريخ لتقف على البون الشاسع والجهة المنفكة بين الحالتين: الفتح من ناحية، والاحتلال والاستعمار والغزو من ناحية أخرى.
 
سلوك المسلمين العملي وطبيعة جهادهم:
 
على أية حال، اندفعت حركة الفتح بهذه الدوافع، فكيف كان سلوك الفاتحين وممارساتهم خلالها؟
 
 المعروف أن أخلاق الحرب في الإسلام والتي طبقها الفاتحون على أرض الواقع كانت ألا يقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة، وألا يتعرضوا لـمهادن أو رجل دين مسالم، وألا يحرقوا زرعا أو يقطعوا نخلا، وأن يدعوا الخصوم قبل مصارعتهم إلى إحدى ثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال، فإن مالوا للمسالمة قبل المسلمون منهم ذلك، ويؤكد ذلك قوله تعالى: )وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61)( (الأنفال)، وقوله: )فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (90)( (النساء).
 
وبناء على هذا لم يثبت في حقهم تاريخيا أنهم ارتكبوا جرائم إبادة جماعية أو تطهير عرقي، على عكس ما نضح به سلوك الآخرين تجاه المسلمين حين تمكنوا منهم ــ بدءا بمذابح بيت المقدس ومعرة النعمان زمن الصليبيين، وانتهاء بالبوسنة وكوسوفا وفلسطين في الآونة المعاصرة، مرورا بالأندلس وغيرها ــ بل لم يثبت في حقهم محاولة إحراق مكتبة أو إهدار تراث ما.
 
والمرة الوحيدة التي حاول فيها الشانئون[13] إلصاق تهمة إحراق مكتبة الإسكندرية القديمة بالفاتحين المسلمين وقائدهم عمرو بن العاص رضي الله عنه، أثبت المنصفون من المستشرقين بالأدلة والبراهين أنها أحرقت على يد الرومان قبل الفتح الإسلامي بقرنين من الزمان، في حين أشرف الكاردينال “كسيمنس” على إحراق كل ما دون بالعربية من التراث الأندلسي – وهو جله – في ساحات غرناطة، وأمر صنجيل الصليبي بإحراق كتب دار العلم بطرابلس، وكانت أكثر من مائة ألف مجلد، وغير هذا كثير من الوقائع مما هو أظهر من أن يشار إليه.
 
فليست هذه الفعال حقا من طبائع المسلمين، إذ إن مبادئ دينهم تمنعهم من ذلك، بل تحضهم على عكسه: )يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8)( (المائدة)، وصدق القائل مخاطبا غير المسلمين من المحتلين والمستعمرين والغزاة، ومعقبا على سلوكهم المناقض لهذه الأخلاقيات، عندما تعلو يدهم، حين قال:
 
ملكنا فكان العفو منا سجية
 
فلما ملكتم سال بالدم أبطح
 
فحسبكم هذا التفاوت بيننا
 
وكل إناء بالذي فيه ينضح
 
وحين فتح المسلمون حمص بالشام – مثلا – جبوا الجزية من أهلها، ثم خرج منها المسلمون ليلحقوا بإخوانهم في بقية الفتوحات، وتركوا بها حامية صغيرة، فجاءتها الروم في جموع كثيفة، ولهذا اضطرت الحامية للخروج منها، لكنهم قبل أن يخرجوا حرصوا على رد مال الجزية للحمصيين، مما أثار استغرابهم، ففسر لهم المسلمون الأمر بأن الجزية مقابل المنعة والدفاع، أما وقد عجزوا مؤقتا عن الدفاع عنهم، فليردوا إليهم أموالهم ريثما يعودون مع إخوانهم في موجة فتح جديدة، فاستحسن أهل حمص ذلك منهم وأعانوهم في محاولة دفع الروم عن بلدهم.
 
وقد أجملت هذه الأخلاقيات وصية القائد الأعلى للفتوحات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لسعد بن أبي وقاص بطل القادسية، التي تمثل دستورا عاما في أخلاق الحرب والجهاد، ومعاملة أهل البلاد المفتوحة، ومن نصها: “أما بعد، فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، وعدتنا ليست كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله. ولا تقولوا: إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل – لما عملوا بمعاصي الله – كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا، وسلوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم، وأسأل الله ذلك لنا ولكم.
 
وترفق بالمسلمين في سيرهم ولا تجشمهم مسيرا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم، وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة؛ حتى تكون لهم راحة يحيون فيها الأنفس، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يرزأ[14] أحد من أهلها شيئا، فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها، كما ابتلوا بالصبر عليها، ولا تنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح، وإذا وطئت أرض العدو فأرسل العيون بينك وبينهم، ولا يخفى عليك أمره”[15].
 
مع هذه السياسة السمحة اللينة غير المكرهة على شيء – مما جذب القلوب إليها – تأخر تحول المسلمين إلى أغلبية في كثير من البلاد التي فتحوها كالشام ومصر لقرون، بل بقيت بها أقليات كبيرة العدد حتى الآن على غير الإسلام.
 
ويشهد الواقع التاريخي والتراث الفكري السياسي الإسلامي أن تسامح المسلمين بلغ حد أن صرح فقهاء كبار – كالماوردي في الأحكام السلطانية – بجواز تقليد الذمي وزارة التنفيذ، فينفذ أوامر الإمام ويمضي ما يصدر عنه من أحكام، وقد تولي الوزارة زمن العباسيين والفاطميين عديدون من أهل الذمة، جار بعضهم في حق الرعية المسلمة التي شكت من تسلط اليهود والنصارى بغير حق في شأنها[16].
 
غير المسلمين في المجتمع الإسلامي:
 
كثر اللغط في هذا الموضوع، وانقلبت الأباطيل حقائق، والحقائق أباطيل، وتجلية للأمر نبدأ بكلام تأسيسي للدكتور يوسف القرضاوي حول دستور العلاقة مع غير المسلمين، إذ يقول: “وأساس هذه العلاقة مع غير المسلمين قوله تعالى: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9)( (الممتحنة)، فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعا، ولو كانوا كفارا بدينه، ما لم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته، ويضطهدوا أهله.
 
ولأهل الكتاب من بين غير المسلمين منزلة خاصة في المعاملة والتشريع، والمراد بأهل الكتاب من قام دينهم في الأصل على كتاب سماوي، وإن حرف وبدل بعد، كاليهود والنصارى، الذين قام دينهم على التوراة والإنجيل، فالقرآن ينهى عن مجادلتهم في دينهم إلا بالحسنى؛ حتى لا يوغر[17] المراء[18] الصدور، ويوقد الجدل واللدد[19] نار العصبية والبغضاء في القلوب، قال تعالى: )ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46)( (العنكبوت).
 
ويبيح الإسلام مؤاكلة أهل الكتاب، والأكل من ذبائحهم، كما أباح مصاهرتهم، والتزوج من نسائهم المحصنات، مع ما قرره القرآن من قيام الحياة الزوجية على المودة والرحمة في قوله: )ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21)( (الروم).
 
وهذا في الواقع تسامح كبير من الإسلام؛ حيث أباح للمسلم أن تكون ربة بيته وشريكة حياته، وأم أولاده غير مسلمة، وأن يكون أخوال أولاده وخالاتهم من غير المسلمين، قال تعالى: )وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان( (المائدة:5).
 
وهذا الحكم في أهل الكتاب، وإن كانوا في غير دار الإسلام، أما المواطنون المقيمون في دار الإسلام فلهم منزلة ومعاملة خاصة، وهؤلاء هم أهل الذمة، فما حقيقتهم؟
 
جرى العرف الإسلامي على تسمية المواطنين من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي باسم “أهل الذمة أو الذميين”. والذمة كلمة معناها: العهد، والضمان، والأمان. وإنما سموا بذلك؛ لأن لهم عهد الله والرسول وجماعة المسلمين؛ أن يعيشوا في حماية الإسلام، وفي كنف المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم، بناء على عقد الذمة بينهم وبين أهل الإسلام. فهذه الذمة تعطي أهلها من غير المسلمين ما يشبه في عصرنا الجنسية السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين ويلتزمون بواجباتهم.
 
فالذمي على هذا الأساس من أهل دار الإسلام، كما يعبر الفقهاء، أو من حاملي الجنسية الإسلامية، كما يعبر المعاصرون. وعقد الذمة عقد مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم، وتمتعهم بحماية الجماعة الإسلامية، ورعايتها، بشرط بذلهم الجزية، والتزامهم أحكام القانون الإسلامي في غير الشئون الدينية، وبهذا يصيرون من أهل دار الإسلام. فهذا العقد ينشئ حقوقا متبادلة لكل من الطرفين: المسلمين وأهل ذمتهم بإزاء ما عليه من واجبات. فما الحقوق التي كفلها الشرع لأهل الذمة؟ وما واجباتهم”[20]؟
 
ثم يعدد هذه الحقوق مثل: حق الحماية من الاعتداء الخارجي، والظلم الداخلي، وحرية التدين، وحرية العمل والكسب. وتلك الواجبات مثل: أداء الجزية، والخراج، والتزام أحكام القانون الإسلامي فيما لا يمس عقائدهم وحريتهم الدينية.
 
وانطلاقا من هذا الأصل والأساس الشرعي لعلاقة المسلمين بغير المسلمين، واتساقا معه جرت – غالبا – ممارسات المسلمين الواقعية تجاه الآخر عبر تاريخهم. فالتسامح – وهو أساس مكين من أسس بناء الحضارة من المنظور الإسلامي – يكاد يكون خصيصة إسلامية. فبوجه عام يشهد تاريخ المسلمين – فكرا وممارسة – لأهله أنهم حين يمتلكون القوة وتتيسر لهم الفتوح، فإنهم يكونون أكثر تسامحا، وأعظم نبلا، وأرقى إنسانية تجاه الآخر، في مقابل عجرفة[21] هذا الآخر واستبداده وغطرسته وقسوته وعدوانيته حيالهم حين يمتلك أسباب القوة وتنقلب الحال لصالحه.
 
ماذا لدى الآخر؟
 
وحول نظرة الإسلام المنصفة للأديان السماوية السابقة عليه، ونظرة المسلمين المتسامحة تجاهها بالتالي، مقابل نظرة أتباع هذه الديانات الظالمة للإسلام، نتيجة الجهل والتعصب والتعمية والدعاية المغرضة، يقول أحد المنصفين من أبناء الغرب: “فكتاب اليهودية المقدس هو التوراة، وتختلف التوراة عن العهد الجديد المسيحي؛ لأن هذا الأخير قد أضاف عدة أسفار لم تكن موجودة بالعبرية؛ غير أن هذا الاختلاف لا يمس شيئا من العقيدة، لكن اليهودية لا تعترف بأي وحي جاء بعدها. وهكذا فإن المسيحية قد اعتمدت التوراة العبرية، ولكنها زادت عليها بعض الإضافات، غير أن المسيحية لم تقبل كل ما انتشر من كتابات تستهدف تعريف الناس برسالة عيسى؛ ولذلك قامت الكنيسة بإجراءات حذف هامة جدا لعدد كبير من الأسفار التي كتبت لتعريف الناس بحياة السيد المسيح وتعاليمه.
 
وهكذا فإن الكنيسة لم تحتفظ من العهد الجديد إلا بعدد محدود من الكتابات، كان من أهمها الأناجيل الأربعة المعترف بها كنسيا، غير أن المسيحية بدورها لا تعترف بأي وحي جاء بعد المسيح وحوارييه؛ ولذلك فهي تستبعد القرآن.
 
أما القرآن، وقد أتى بعد المسيح بقرون ستة، فإنه يتناول معطيات عديدة جاءت في التوراة العبرية والإنجيل؛ ولذلك فهو يذكر التوراة والإنجيل كثيرا، والقرآن يوصي كل مسلم بالإيمان بالكتب السابقة: )يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136)( (النساء).
 
وهكذا فإن القرآن يؤكد المكانة البارزة التي يحتلها رسل الله في تاريخ التنزيل مثل: نوح، وإبراهيم، وموسى، والأنبياء خاصة المسيح الذي يحتل مكانة بارزة، والقرآن مثل الأناجيل يقدم ميلاد المسيح، كفعل خارق يفوق الطبيعة، ويخص بالذكر أيضا مريم، ويطلق على السورة رقم 19 اسمها “سورة مريم”.
 
والواقع أننا ملزمون بملاحظة أن المعطيات الخاصة بالإسلام التي ذكرناها مجهولة عموما في بلادنا الغربية، ولا يدهشنا ذلك إذا تذكرنا الطريقة التي اتبعت في تثقيف الأجيال الكثيرة فيما يتعلق بالقضايا الدينية لدى الإنسان، وكيف فرض الجهل في كل ما يمس الإسلام.
 
وهكذا فإن الاستعمال السائد حتى اليوم في التسميات (الدين المحمدي، المحمديون) ليدل على الرغبة في أن تظل النفوس مقتنعة بذلك الرأي الخاطئ القائل بأن تلك المعتقدات انتشرت بفضل جهاد رجل، وأنه ليس لله (بالمعنى الذي يدركه المسيحيون) مكان في تلك المعتقدات، ولنضف أن كثيرا من معاصرينا المثقفين يهتمون بالجوانب الفلسفية، والاجتماعية، والسياسية في الإسلام دون أن يتساءلوا عن التنظيم الإسلامي بصورة خاصة، كما كان يجب عليهم أن يفعلوه، ويرون من البديهيات أن محمدا – صلى الله عليه وسلم – قد اعتمد على ما سبقه، وذلك بقصد استبعاد الوحي منذ البدء.
 
وزيادة على ذلك فهناك بعض أوساط مسيحية تحتقر المسلمين، ولقد خبرت هذا حين حاولت إقامة حوار من أجل دراسة مقارنة حول عدد من الأخبار المذكورة في القرآن والتوراة معا في موضوع واحد، ولاحظت أن هناك رفضا باتا للنظر بعين الاعتبار، ولو لمجرد التأمل، فيما يحتويه القرآن فيما يتعلق بموضوع الدراسة المزمعة[22]، كأن الرجوع في ذلك إلى القرآن يعني الاعتماد على الشيطان”.
 
ثانيا. القتال في الأديان السابقة:
 
نود أن نبين كذب مزاعمهم في أن المسيحية تنكر القتال على إطلاقه، وتمقت الحرب وتدعو إلى السلام، من الكلام المنسوب إلى السيد المسيح نفسه – من كتبهم – قال: لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفا، وإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنة[23] ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته، من أحب أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني، من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها. (إنجيل متى، 10/ 34 – 38). فما رأي المبشرين والمستشرقين في هذا؟ أنصدقهم ونكذب الإنجيل؟ أم نكذبهم ونصدق الإنجيل؟! وأما التوراة فشواهد تشريع القتال فيها أكثر من أن تحصى على ما فيها من الصرامة وبلوغ الغاية في الشدة، مما يدل دلالة قاطعة على الفرق ما بين آداب الحرب في الإسلام وغيره من الأديان.
 
دلائل الواقع على افترائهم:
 
وليس أدل على افترائهم من أن تاريخ الأمم المسيحية في القديم والحديث شاهد عدل على رد دعواهم، فمنذ فجر المسيحية إلى يومنا هذا خضبت أقطار الأرض جميعها بالدماء باسم السيد المسيح، خضبها الرومان وخضبتها أمم أوربا كلها، والحروب الصليبية إنما أذكى المسيحيون – لا المسلمون – لهيبها، ولقد ظلت الجيوش باسم الصليب تنحدر من أوربا خلال مئات السنين قاصدة أقطار الشرق الإسلامية، تقاتل وتحارب وتريق الدماء، وفي كل مرة كان الباباوات خلفاء المسيح – كما يزعمون – يباركون هذه الجيوش الزاحفة للاستيلاء على بيت المقدس والبلاد المقدسة في المسيحية، وتخريب بلاد الإسلام.
 
أفكان هؤلاء الباباوات جميعا هراطقة، وكانت مسيحيتهم زائفة؟! أم كانوا أدعياء جهالا لا يعرفون أن المسيحية تنكر القتال على إطلاقه؟!
 
أجيبونا أيها المبشرون والمستشرقون المتعصبون، فإن قالوا: تلك كانت العصور الوسطى عصور الظلام – عندهم – فلا يحتج على المسيحية بها، فماذا يقولون في القرن العشرين، وفي السنوات التي مضت من القرن الحادي والعشرين، وهم يسمون هذه الفترة عصر الحضارة الإنسانية الراقية؟!
 
لقد شهد هذان القرنان من الحروب التي قامت بها الدول المسيحية، ما شهدت تلك العصور الوسطى المظلمة – عندهم – بل أشد وأقسى! ألم يقف اللورد اللنبي – ممثل الحلفاء: إنجلترا وفرنسا وإيطاليا ورومانيا وأمريكا – في بيت المقدس في سنة 1918م حين استولى عليه في أخريات الحرب الكبرى الأولى قائلا: اليوم انتهت الحروب الصليبية؟! ألم يقف الفرنسي غورد ممثل الحلفاء أيضا – وقد دخل دمشق – أمام قبر البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي قائلا: لقد عدنا يا صلاح الدين؟! وهل هدمت الديار، وسفكت الدماء، واغتصبت الأعراض في البوسنة والهرسك إلا باسم الصليب، بل أين هؤلاء مما يحدث في الشيشان وفي أفريقيا وإندونيسيا وغيرها؟ وهل يستطيع هؤلاء إنكار أن ما حدث في كوسوفا كان حربا صليبية؟
 
إن الإسلام إنما غزا القلوب، وأسر النفوس بسماحة تعاليمه في العقيدة والعبادات والأخلاق والمعاملات، وآدابه في السلم والحرب، وسياسته المتمثلة في عدل الحاكم وإنصاف المحكومين، والرحمة الفائقة والإنسانية المهذبة في الغزوات والفتوح، إنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلا عجب أن أسرعت إلى اعتناقه النفوس، واستجابت إليه الفطرة السليمة، وتحملت في سبيله ما تحملت، فاستعذبت العذاب، واستحلت المر، واستسهلت الصعب، وركبت الوعر، وضحت بكل عزيز وغال في سبيله[24].
 
طبيعة انتشار الديانات السابقة:
 
رغم محدودية طبيعتها إلا أن بعض الأديان السماوية، وكثيرا من الديانات الوضعية قد حاولت نشر مبادئها، ولكن كيف كانت طبيعة هذه المحاولات؟
 
شهد التاريخ أن العنف والقهر قد صاحبا غالبية هذه المحاولات، فقد فرض “أمنحتب” فرعون مصر على شعبه عبادة إله الشمس “آتون”، وأغلق معابد الآلهة الأخرى وحطم تماثيلها ومحا صورها واضطهد المخالفين، وقريب من هذا حدث مع البوذية والكونفوشيوسية في جنوب شرقي آسيا، وقبل حكم “قباذ” كسرى فارس لم يكن للمزدكية اعتبار، فتبناها وحاول فرضها على شعبه، كما نشر “دارا” الفارسي الزرادشتية حربا.
 
أما بالنسبة للديانات السماوية فقد جاء في العهد القديم: “حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا، فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرمها تحريما”. (التثنية 20: 10ـ 17).
 
وتطبيقا لهذا فقد حكى العهد القديم أيضا أن موسى – عليه السلام – قد أرسل اثني عشر ألف رجل لمحاربة أهل مدين، فحاربوهم وانتصروا عليهم، وقتلوا كل ذكر منهم، وسبوا نساءهم وأولادهم. وكان داود – عليه السلام – يقتل أعداءه ولا يبقي ذكرا ولا أنثى ولا طفلا، وكان أحيانا يمثل بمن يقتلهم “فكلم موسى الشعب قائلا: جردوا منكم رجالا للجند، فيكونوا على مديان ليجعلوا نقمة الرب على مديان. ألفا واحدا من كل سبط من جميع أسباط إسرائيل ترسلون للحرب. فاختير من ألوف إسرائيل ألف من كل سبط. اثنا عشر ألفا مجردون للحرب. فأرسلهم موسى ألفا من كل سبط إلى الحرب، هم وفينحاس بن ألعازار الكاهن إلى الحرب، وأمتعة القدس وأبواق الهتاف في يده. فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر. وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم: أوي وراقم وصور وحور ورابع أوي. خمسة ملوك مديان. وبلعام بن بعور قتلوه بالسيف. وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم، وجميع مواشيهم وكل أملاكهم. وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم، وجميع حصونهم بالنار. وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم”. (العدد 31: 3 – 11).
 
وفي العهد الجديد لم يهمل الإنجيل الكلام عن الحروب، فقد جاء فيه نص صريح واضح على لسان السيد المسيح – عليه السلام – يقول: “لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما، بل سيفا”. (متى 10: 34).
 
وعلى أرض الواقع فإن المسيحية لم تكن لتنتشر – في البداية – لولا سلطة قسطنطين – الإمبراطور البيزنطي – الذي أراد أن يكون سيدها، وأما شارلمان فقد كان متحمسا للمسيحية، يؤمن أن من واجبه تحويل جيرانه إليها بالقوة، فقد ظل يحارب السكسونيين ثلاثا وثلاثين سنة بعنف ووحشية حتى أخضعهم وحولهم قسرا للمسيحية، وحين اعتنقها بعض المصريين نكلت بهم الدولة الرومانية الوثنية، ونفي كثيرون منهم أو أحرقوا أو ذبحوا قربانا للآلهة الوثنية. وفي سنة 304 م نكل الإمبراطور دقلديانوس بالقبط؛ فنفي بعضهم من مصر، ورمي بعضهم للوحوش الضارية في حلقة الألعاب على مشهد من الناس، وما زال القبط يذكرون هذا العصر ويسمونه “عصر الشهداء” ويتخذونه مبدأ لتقويمهم الخاص.
 
وكان المتوقع أن يستريح القبط من هذا التعنت وهذه الوحشية حين صارت المسيحية دين الدولة الرومانية الرسمي، لكنهم اصطلوا في العهد المسيحي للدولة بمثل ما عانوه في عهدها الوثني، فقد كانت الكنيسة البيزنطية على مذهب يسمى “الملكاني”، وهو يقول بطبيعتين للمسيح عليه السلام: إلهية وبشرية، بينما قالت كنيسة الإسكندرية المصرية بطبيعة واحدة.
 
وقد أصرت السلطة على نشر مذهبها، وأصر القبط على مذهبهم، فنكلت الدولة بهم، وصارت البلاد مسرحا للاختلافات الدينية، واقتتل الناس لأجل ذلك، وتاقت نفوس القبط للخلاص من ضغط الرومان.
 
فلم يكن عجبا أن رحب كثيرون منهم بالفاتحين المسلمين، فلا غرابة في قول المؤرخ المسيحي ميخائيل السوري: إن الله المنتقم الجبار أتى بأبناء إسماعيل من الصحراء لينقذوا الأمم من عسف الروم[25].
 
وفي روسيا انتشرت المسيحية على يد جماعة اسمها “إخوان السيف”، وقد دخلت المسيحية إليها على يد فلاديمير دوق كييف (985- 1015م)، وكان يضرب به المثل في الوحشية والشهوانية، وقد وصل إلى زعامة الدوقية فوق جثة أحد إخوته، وقد اقتنى من النسوة ثلاثة آلاف وخمسمائة، على أن هذا كله لم يمنع من تسجيله قديسا في الكنيسة في عداد القديسين بالكنيسة الأرثوذكسية؛ لكونه الرجل الذي جعل من الروس شعبا مسيحيا، وهذا كفيل بغفران ذنوبه، إذ أمر بتعميد الروس جميعا في مياه نهر الدنيبر[26].
 
ولم تكن الكشوف الجغرافية الأوربية في مطالع العصر الحديث خالصة لوجه الحضارة والمدنية، فقد ارتكب المنصرون الذين رافقوا هذه الرحلات من الأعمال البشعة مالا يليق بالإنسانية؛ فقد أبادوا – مثلا – الهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا، وكذا فعلوا في بقية مستعمراتهم الجديدة، فحين اكتشف الإسبان جزيرة هاييتي بالبحر الكاريبي أبدوا من ضروب الوحشية ما لم يسبق له مثيل، متفننين في تعذيب سكانها؛ بقطع أناملهم، وفقء عيونهم، وصب الزيت المغلي والرصاص المذاب في جراحهم، أو بإحراقهم أحياء على مرأى من الأسرى؛ ليعترفوا بمخابئ الذهب أو ليهتدوا إلى الدين. وقد حاول أحد الرهبان إقناع أحد زعماء سكان الجزيرة بالتنصر مخبرا إياه أنه إن تنصر سيذهب إلى الجنة، فسأله الزعيم الهندي – وكان مشدودا إلى المحرقة -: وهل في الجنة إسبانيون؟ فأجاب الراهب: طبعا، ما داموا يعبدون الإله الحق! فما كان من الهندي إلا أن قال: إذن أنا لا أريد أن أذهب إلى مكان أصادف فيه أبناء هذه الأمة المتوحشة[27].
 
ولعل من قبيل تحصيل الحاصل الإشارة إلى ما ارتكبه الصليبيون – الذين جاءوا إلى الشرق رافعين شعارا دينيا – من مذابح وفواجع، وأفجع منه ما حدث بالأندلس.
 
مصداقا لما سبق نورد شهادة باحث مسيحي، يقول فيها: “الإسلام كديانة سماوية لم يحاول إفناء أصحاب الديانات الأخرى أثناء الحروب معهم، فحينما ظهر المذهب البروتستانتي في أوربا على يد مارتن لوثر قامت الكنيسة الكاثوليكية اعتمادا على تفسير الفقرة (34) من الإصحاح العاشر من إنجيل متى تفسيرا على هواهم، وهي تقول على لسان السيد المسيح: “لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفا”، وعلى هذا الأساس ظهرت “نظرية الخلاص” في الملة الكاثوليكية، ومضمونها أن خلاص روح الإنسان لا يكون إلا بالإذعان التام لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية فقط، وعلى أساس هذه النظرية ينظر الكاثوليك لأتباع المذاهب المسيحية الأخرى على أنهم هراطقة وملحدون، ويسمحون بتعذيبهم والتنكيل بهم، وهذا ما حدث في عام 1572م، حيث دعا الكاثوليك البروتستانت ضيوفا عليهم في باريس 24 أغسطس للبحث في تسوية وتقريب وجهات النظر بين الكاثوليك والبروتستانت، وحضر قادة الملة البروتستانتية إلى باريس، فما كان من الكاثوليك إلا أن سطوا على ضيوفهم البروتستانت في ظلمة الليل وقتلوهم جميعا، وجرت دماؤهم في الشوارع، وانهالت التهاني على تشارلز التاسع ملك فرنسا بغير حساب من بابا الفاتيكان، ومن ملوك الدول الكاثوليكية على هذه المجزرة البشرية.
 
ومثل هذا ما حدث للأقباط الأرثوذكس في مصر على يد الكاثوليك الرومان بعد “مؤتمر خلقدونيا” لبحث طبيعة السيد المسيح – وقد اختلفوا في ذلك – لذلك أقيمت المجازر البشرية، وكان يتم وضعهم – أي المخالفين الرومان – في زيت مغلي، ويتم كشط جلودهم وإغراقهم أحياء في الماء؛ لكي يتركوا الملة الأرثوذكسية، ووصل عدد القتلى أكثر من مليون قتيل أو شهيد مسيحي أرثوذكسي رفضوا ترك ملتهم، والانضمام إلى الملة الكاثوليكية”[28]. فالحرب إذن سنة كونية لم يخل منها تاريخ أمة بشرية، ولكن شتان بين مفهومها لدى المسلمين، ولدى غيرهم.
 
ثالثا. الحرب في الإسلام ضرورة وليست غاية لإزالة العقبات التي تحول بين الدعاة وبين عامة الشعب، ومن أهدافها حماية الدعاة من الأذى وحماية المستضعفين:
 
إن المتتبع لنصوص القرآن وأحكام السنة النبوية في الحروب يرى أن الباعث على القتال ليس فرض الإسلام دينا على المخالفين، ولا فرض نظام اجتماعي، بل كان الباعث على القتال في الإسلام هو دفع الاعتداء.
 
وها هنا قضيتان إحداهما نافية والأخرى مثبتة:
 
أما النافية فهي: أن القتال ليس للإكراه في الدين، ودليلها قوله تعالى: )لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي( (البقرة: 256)، ولقد منع النبي – صلى الله عليه وسلم – رجلا حاول أن يكره بعض ولده على الدخول في الإسلام[29]، وجاءت امرأة عجوز إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في حاجة لها، وكانت غير مسلمة، فدعاها إلى الإسلام فأبت فتركها عمر، وخشي أن يكون في قوله – وهو أمير المؤمنين – إكراه فاتجه إلى ربه ضارعا قائلا: “اللهم أرشدت ولم أكره”، وتلا قوله تعالى: )لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي(، ولقد نهى القرآن الكريم عن الفتنة في الدين، واعتبر فتنة المتدين في دينه أشد من قتله، وأن الاعتداء على العقيدة أشد من الاعتداء على النفس؛ ولذا جاء فيه صريحا: )والفتنة أشد من القتل( (البقرة: 191).
 
وأما القضية الثانية: وهي أن القتال لدفع الاعتداء، فقد نص عليها القرآن أيضا، إذ يقول: )فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194)( (البقرة)، وإن القرآن بمحكم نصوصه جعل الذين لا يقاتلون المؤمنين في موضع البر إن وجدت أسبابه، وجعل الذين يقاتلون هم الذين يعتدون؛ فقد جاء فيه: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9)( (الممتحنة).
 
ومع أن القتال شرع لدفع الاعتداء لم يأمر القرآن بالحرب عند أول بادرة من الاعتداء، أو عند الاعتداء بالفعل إذا أمكن دفع الاعتداء بغير القتال؛ فقد جاء فيه: )وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127)( (النحل)[30].
 
وتحت عنوان لماذا شرع القتال؟ يقول د. المطعني: لم تكن شريعة الإسلام أوحدية في مشروعية القتال، فالقرآن يقص علينا أن كثيرا من الأنبياء مارسوا هذا الفن بإذن الله، فقال: )وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146)( (آل عمران). والتاريخ النبوي لبني إسرائيل حافل بالمعارك بين الأنبياء ومعارضيهم، فليس القتال إذا مسبة ولا نقيصة لا في الإسلام ولا في غير الإسلام من الرسالات السابقة.
 
ومشروعية القتال في الإسلام من الضرورات التشريعية التي يلجأ إليها المسلمون حين لا يكون من حيلة إلا القتال، وهو لم يشرع في الإسلام ليكون وسيلة للبطش والتجبر والقهر، وحبا في سفك الدماء، ونهب الأموال، والتشفي الأهوج، بل شرع لردع الظلم، وحماية الحق، ورعاية الفضيلة ولرد العدوان، شرع لإقرار التوازن في الأرض، وإشاعة السلام والأمن، والقضاء على الطغيان، وفي هذا الإطار كانت معارك المسلمين في عصر النبوة، وعصر الخلافة الراشدة، ومن سار سيرتهم من ولاة الأمور.
 
ومن الأهداف العليا في مشروعية القتال في الإسلام حماية الدين والعقيدة، ودحر الفتنة، وحماية المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وكل أولئك مقاصد نبيلة، وقيم إنسانية مقدسة يجب أن تحمى وتصان. قال عز وجل: )وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193)( (البقرة)، وقال تعالى: )وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75)( (النساء). فالقتال في الإسلام ضرورة، وإجراء استثنائي له موجباته ودواعيه، وهو كما قال أمير الشعراء شوقي مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 
الحرب في حق لديك شريعة
 
ومن السموم الناقعات دواء
 
ليس القتال للإجبار على اعتناق الإسلام:
 
ومهما اتفقنا أو اختلفنا حول الأسباب التي أدت إلى مشروعية القتال في الإسلام: إباحة ووجوبا، فليس من بين الأسباب أن القتال شرع لإجبار الناس على الدخول في الإسلام، ونتحدى بأعلى صوت من يدعي ذلك من أعداء الإسلام وعملائهم، ونقول لهم:
 
أمامكم الإسلام قرآنا وسنة وإجماعا وتاريخا وسيرة، فهيا فأتونا بنص من كتاب الله أو من أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، أو من إجماع علمائه، أو واقعة من تاريخه وسيرته تدل على أن من أهداف القتال في الإسلام جبر الناس على الدخول فيه كراهية وقسرا.
 
والإسلام كله معروف كالشمس، فليس فيه جوانب علنية وأخرى سرية، فما الذي يعجزهم أن يقوموا بهذه التجربة؟ وصدق الشاعر الذي قال في أمثالهم:
 
يقولون أقوالا ولا يعلمونها
 
وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
 
وليس عقابا على الكفر:
 
وكذلك ليس في مشروعية القتال في الإسلام أن يكون عقابا على كفر من كفر، وإلحاد من ألحد باستثناء حد الردة، ولتوضيح هذا نقول: إن الكفر في تقدير الإسلام نوعان:
 
الأول: الكفر الذي ولد عليه صاحبه ونشأ عليه، أو الكفر الأصلي إذا صح هذا التعبير، وصاحبه لم يسبق له الدخول في الإسلام.
 
الثاني: الكفر الطارئ على صاحبه بعد الدخول في الإسلام.
 
فالنوع الأول لا يقاتل عليه صاحبه ولا يقتل، بل يكتفى بدعوته إلى الإسلام، فإن أسلم فحسن، وإن امتنع ترك وشأنه والله هو الذي يتولى حسابه، فالكافر الأصلي دمه مصون، والاعتداء عليه حرام كالاعتداء على ماله وعرضه.
 
أما النوع الثاني ففيه حد الردة الوارد في السنة وعمل الخلفاء الراشدين مع إجماعهم عليه.
 
ولو كان القتال والقتل عقابا على الكفر في النوع الأول لما تهاون فيه صاحب الرسالة، ولا الخلافة الراشدة من بعده، فكم من الاتفاقات ومعاهدات الصلح التي عقدوها مع الناس مع تركهم على عقائدهم دون أن يكرهوهم أو يقاتلوهم على كفرهم، ومن أوضح الأمثلة تصالح عمر بن الخطاب مع نصارى فلسطين، وامتناعه أن يصلي في الكنيسة حين أذن للصلاة مع دعوة قسيسها أن يصلي فيها، ولكن عمر – رضي الله عنه – امتنع عن الصلاة فيها قائلا: لو صليت لجاء المسلمون وقالوا عمر صلى هنا فأخذوا الكنيسة!
 
ثم تصالح عمرو بن العاص مع قبط مصر، وتركهم على عقيدتهم دون أي إكراه على تركها والدخول في الإسلام، بل إنه ساعد القبط على استقرار شئونهم الدينية باستدعاء البطريرك بنيامين الذي كان مختفيا هربا من بطش الرومان، وأعطاه الأمان ليرعى شئون الأقباط دينيا في مصر.
 
بل إن صاحب الدعوة نفسه – صلى الله عليه وسلم – كان يعقد معاهدات صلح، ويترك أهل البلاد على عقائدهم مهما كانت مخالفة للإسلام أصولا وفروعا، ولا تنس المعاهدة التي عقدها مع اليهود في المدينة عقب الهجرة مع تركهم على يهوديتهم، أحرارا في تأدية طقوسهم الدينية على مرأى ومسمع من المسلمين.
 
وبهذا تتبين لنا جوانب أخرى من سماحة الإسلام، أبرزها جانبان:
 
الأول: أن مع مشروعية القتال في الإسلام لم يكن من أهدافه حمل الناس بالقوة المسلحة على اعتناق الإسلام؛ لأن في القرآن العظيم نصا واضحا وصريحا ومحكما يمنع من هذا الهدف، وهو قوله تعالى: )لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي( (البقرة:256).
 
الثاني: ومع مشروعية القتال في الإسلام فإنه يخلو – منهجا وسيرة – من أن يكون عقابا على الكفر الأصلي الذي ولد عليه صاحبه ونشأ، فالكفر أعظم الذنوب، ومع ذلك فالأمر فيه موكول إلى الله سبحانه يعاقب عليه في الآخرة بالخلود في النار.
 
أما في الدنيا فليس لأحد أن يعاقب صاحب الكفر الأصلي بالقتال عليه أو القتل، ودم الكافر كفرا أصليا مصون كماله وعرضه، إلا إذا حارب المسلمين، أو انضم لمن يحاربهم، فيكون هو الذي أهدر دم نفسه، ذلكم هو الإسلام، وتلك هي سماحته الرحيمة[31].
 
الحرب لإزالة الطواغيت:
 
فإذا كان طاغية أو ملك قد أرهق شعبه من أمره عسرا، وضيق عليه في فكره، وحال بينه وبين الدعوات الصالحة أن تتجه إليه، فإن حق صاحب الدعوة إذا كان في يده قوة أن يزيل تلك الحجز التي تحول بينه وبين دعوته ليصل إلى أولئك المستضعفين، وتخلو وجوههم لإدراك الحقائق الجديدة، وإعلان اعتناقها إن رأوا ذلك وآمنوا به، ولكن محمدا النبي الأمين – صلى الله عليه وسلم – لم يلجأ إلى ذلك ابتداء حتى لا يظن أحد أنه قاتل ليفرض دينه على الناس، أو ليكرههم عليه؛ ولذلك سلك طريقين:
 
أولهما: أن يرسل الدعوة الدينية إلى الملوك والرؤساء في عصره يدعوهم إلى الإسلام، ويحملهم إثمهم، وإثم من يتبعونهم إن لم يجيبوا دعوته، ولذلك جاء في كتابه إلى هرقل: “أسلم تسلم، وإلا فعليك إثم الأريسيين: )قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64)( (آل عمران)”.
 
ثانيهما: أنه بعد هذه الدعوة الرسمية أخذ يعلن الحقائق الإسلامية ليتعرفها رعايا تلك الشعوب فيتبعها من يريد اتباعها، وقد اتبعها فعلا بعض أهل الشام ممن يخضعون لحكم الرومان، وعرف المصريون وغيرهم حقيقتها، حتى لم تعد مجهولة لمن يريد أن يتعرفها، وتسامعت بها البلاد المتاخمة لبلاد العرب.
 
العوامل التي أدت إلى قتال الروم في العهد النبوي:
 
أن الروم قد ابتدءوا فاعتدوا على المؤمنين الذين دخلوا في الإسلام من أهل الشام، فكان ذلك فتنة في الدين وإكراها للمسلمين على الكفر، وما كان محمد – صلى الله عليه وسلم – ليسكت عن ذلك، وقد جاء لدعوة دينية، وإنه إن كان لا يحمل الناس على اعتناق الإسلام كرها، فلا يمكن أن يسكت عمن يحاولون أن يخرجوا أتباعه من دينهم كرها، إنه لا يريد أن يعتدي، ولا أن يعتدى عليه؛ ولذلك عد هذا العمل من جانب الرومان اعتداء على دينه وعليه؛ لأنه صاحب الدعوة فلا بد أن يزيل هذه الفتنة.
أن كسرى عندما بلغه كتاب الرسول هم بقتل من حملوه، وأخذ الأهبة[32]ليقتل النبي صلى الله عليه وسلم، واختار من قومه من يأتيه برأسه الشريف الطاهر، ولكن أنى لكسرى وأمثاله من الطغاة أن يمكنهم الله – عز وجل – من ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم – وقد علم بالأمر – ما كان ليسكت حتى يرتكب كسرى هذا الإثم، بل إنه القوي العادل الحصيف؛ ولذلك كان لا بد أن يصرعه وجيشه قبل أن يصرعه هو.
 
لهاتين الحقيقتين اتجه النبي – صلى الله عليه وسلم – لقتال الرومان والفرس لمنع الفتنة في الدين من أولئك الرومان ومحاربيهم، كما قاتل المشركين لمنع هذه الفتنة، إذ يقول القرآن: )وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193)( (البقرة).
 
ويقول ابن تيمية في قتال النبي – صلى الله عليه وسلم – لأهل الروم: “وأما النصارى فلم يقاتل النبي – صلى الله عليه وسلم – أحدا منهم، حتى أرسل رسله إلى قيصر وإلى كسرى، وإلى المقوقس والنجاشي، وملوك العرب بالشرق والشام، فدخل في الإسلام من النصارى وغيرهم من دخل، فعمد النصارى بالشام فقتلوا بعض من قد أسلم، فالنصارى هم الذين حاربوا المسلمين أولا، وقتلوا من أسلم منهم بغيا وظلما، فلما بدأ النصارى بقتل المسلمين أرسل محمد – صلى الله عليه وسلم – سرية أمر عليها زيد بن حارثة، ثم جعفرا، ثم ابن رواحة، وهو أول قتال قاتله المسلمون بمؤتة من أرض الشام، واجتمع على أصحابه خلق كثير من النصارى، واستشهد الأمراء الثلاثة – رضي الله عنهم – وأخذ الراية خالد بن الوليد”[33].
 
وبهذا يتبين أن قتال النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن إلا دفعا للاعتداء، والاعتداء الذي حدث في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – كان على صورتين:
 
أن يهاجم الأعداء النبي – صلى الله عليه وسلم – فيرد كيدهم في نحورهم.
أن يفتن الأعداء المسلمين عن دينهم، ولا بد أن يمنع النبي – صلى الله عليه وسلم – ذلك الاعتداء على حرية الفكر والعقيدة.
 
وفي الصورتين نجد النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يفرض دينه، ولا يكره أحدا عليه، ولكن يحمي حرية الاعتقاد التي هي مبدأ من مبادئه، إذ قد جاءت مقررة في القرآن، حيث يقول: )لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي( (البقرة: 256).
 
ولما جاءت الخلافة إلى أبي بكر، ثم عمر أرسلا الجيوش إلى كسرى وهرقل بعد أن خمدت الردة، وصارت الكلمة لله ولرسوله وللمؤمنين في جزيرة العرب.
 
رابعا. الوقائع التاريخية منذ عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – والخلفاء من بعده تشهد بأن أحدا لم يكره على الدخول في الإسلام، وقد شهد بهذا العديد من مفكري الغرب من غير المسلمين:
 
تسامح إسلامي فريد عبر التاريخ:
 
واقعيا، وضعت اللبنات الأولى في صرح خصلة [34] التسامح في تاريخ المسلمين في ممارسات صاحب الدعوة نفسه، إلى جانب أقواله الداعية إليها، كموقفه من مشركي قريش، الذين آذوه وأخرجوه هو وآله وأصحابه حين فتح مكة؛ إذ جاءه أبو سفيان فقال: «يا رسول الله، أبيدت خضيراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن»[35]. وهذا نموذج وشاهد على تسامحه ورفقه صلى الله عليه وسلم.
 
ويجدر بنا الآن أن نذكر مظاهر تسامح المسلمين مع الآخر، في عصورهم المختلفة، وذلك على النحو الآتي:
 
التسامح في عهد الراشدين:
 
إن في بقية حقب تاريخ المسلمين نماذج ناصعة مشرفة من التسامح والعدالة في معاملة الآخر؛ فحين فتحت مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على يد عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أمن عمرو النصارى على معتقداتهم، وأعاد البطريرك بنيامين إلى زعامتهم، بعد أن كان مختفيا لمدة طويلة فرارا من بطش البيزنطيين حكام مصر في ذلك الوقت، وقد قيل: إن الإمبراطور البيزنطي جستنيان أمر بقتل مائتي ألف من القبط في مدينة الإسكندرية، وإن اضطهادات خلفائه حملت كثيرين على الالتجاء إلى الصحراء.. كما أوكل ابن العاص إلى بنيامين الإشراف على شئون أهل طائفته من القبط[36].
 
ويوضح نص الصلح بين المسلمين والمقوقس – حاكم مصر من قبل البيزنطيين – بعد فتح حصن بابليون ملامح سياسة المسلمين تجاه أهالي البلاد المفتوحة، وما تتميز به من نبل وتسامح، يقول النص[37]:
 
“بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر، الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم، وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب[38]، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية – إذا اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم – خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتهم[39]، فإن أبى أحد منهم أن يجيب؛ رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى، رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب، فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا”.
 
ويرجع النجاح الذي أحرزه الإسلام في مصر – في بعض أسبابه – إلى ما لاقاه المسلمون من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطي، فاليعاقبة[40] الذين كانوا يمثلون السواد الأعظم[41] من المحكومين المسيحيين قد عوملوا معاملة مجحفة من أتباع المذهب الأرثوذكسي من الحكام البيزنطيين، الذين ألقوا في قلوبهم بذور السخط والحنق اللذين لم ينسهما أعقابهم حتي الوقت الحاضر.
 
فقد كان بعضهم يعذب ثم يلقى به في اليم، وتبع كثيرون منهم بطريقهم في التخلص لينجوا من الاضطهاد، وأخفى عدد كبير منهم عقائدهم الحقيقية، وتظاهروا بقبول قرارات مجمع خلقدونية بآسيا الصغرى، الذي عقد سنة 451م، واتخذ قرارا بتأكيد القول بطبيعتين للمسيح – لاهوتية: إلهية، ناسوتية: مادية جسدية بشرية – وتكفير أصحاب الطبيعة الواحدة؛ أي: اللاهوتية[42].
 
وقد حاول الإمبراطور البيزنطي هرقل (610 – 641م) بعد انتصاره على الفرس سنة 638م، جمع مذاهب الدولة المتصارعة، وتوحيدها والتوفيق بينها، وتقررت صورة التوفيق في أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة السيد المسيح، وعما إذا كانت له صفة واحدة أم صفتان، ولكن عليهم أن يشهدوا بأن الله له إرادة واحدة، أو قضاء واحد، وقد حصل وفاق على ذلك.
 
وصمم هرقل على إظهار هذا المذهب الجديد على ما عداه من المذاهب المخالفة له متوسلا إلى ذلك بكل الوسائل، ولكن نصارى مصر نابذوه العداء وتبرءوا من هذه البدعة – وذلك التحريف – واستماتوا في سبيل عقيدتهم القديمة، واستمرت محاولات التوفيق دون جدوى.
 
أما الفتح الإسلامي فقد وفر لنصارى مصر حياة تقوم على الحرية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان، وتركهم المسلمون أحرارا على أن يدفعوا الجزية، وكفلوا لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية، ولم يضعوا أيديهم على شيء من ممتلكات الناس، ولم يرتكبوا أعمال سلب ونهب. وليس هناك شاهد على أن ارتداد بعض القبط مبكرا عن دينهم، ودخولهم في الإسلام على نطاق واسع كان راجعا إلى اضطهاد، أو ضغط يناقض مبدأ التسامح الذي درج عليه حكامهم الجدد من المسلمين.
 
فقد تحول كثير من هؤلاء القبط النصارى إلى الإسلام قبل أن يكتمل الفتح الإسلامي لمصر، حين كانت الإسكندرية – حاضرة البلاد في ذلك الوقت – لا تزال تقاوم الفاتحين. وقد سار كثير من القبط بعد ذلك بسنين قليلة على نهج إخوانهم؛ ففي عهد الخليفة عثمان بن عفان (23 – 35هـ) بلغ خراج مصر اثني عشر مليون دينار، ثم نقص في عهد معاوية بن أبي سفيان (41 – 60هـ) إلى خمسة ملايين، وذلك بسبب دخول عدد كبير في الدين الإسلامي من نصارى مصر، ثم أخذ الخراج في النقصان في عهد عمر بن عبد العزيز (99 – 101هـ) حتى إن والى مصر اقترح ألا يعفى من يعتنقون الإسلام بعد ذلك من أداء الجزية، ولكن الخليفة الورع أبى موافقته على طلبه قائلا: إن الله قد بعث محمدا – صلى الله عليه وسلم – داعيا ولم يبعثه جابيا[43].
 
ولكن بعض الولاة الذين جاءوا بعد ذلك خرجوا أحيانا شيئا ما على روح التسامح هذه، ولكن كان هذا بمنزلة الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا يلغيها، فقد جاءت فترات – خصوصا في العصرين الفاطمي والأيوبي – ترقى فيها رجال من أهل الذمة إلى أعلى المناصب، فكان منهم الوزراء والكتاب في دواوين الحكومة، وجمعوا الثروات الطائلة. وفي عهد السلطان المتسامح – بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء – صلاح الدين الأيوبي (569 – 589هـ) وخلفائه، نعم النصارى وسعدوا إلى حد كبير؛ فقد خففت عنهم الضرائب، وصار منهم الوزراء والكتاب، والصيارفة؛ رغم ظروف الصراع الإسلامي الصليبي.
 
وهكذا كان الإنصاف والتسامح طابعا عاما للحكم الإسلامي لمصر، فيما عدا بعض الحالات الاستثنائية، التي سرعان ما كانت تزول، والتي لم يتورع مرتكبوها عن التعدي على الرعية من إخوانهم من المسلمين أنفسهم، فهم ظالمون بدافع من ذواتهم وطباعهم، لا بعقيدتهم وتعاليم شرعهم.
 
ومما يؤيد هذا الطابع العام من الإنصاف والتسامح تجاه الآخر، أنه على الرغم من تسارع كثيرين من أهل مصر إلى اعتناق الإسلام منذ لحظات الفتح – كما سلف الذكر – فإن المسلمين لم يصيروا أغلبية بها إلا خلال القرن الرابع الهجري.
 
فلو كان الإسلام لا يقبل الآخر والمسلمون لا يميلون إلى التنوع، ولا يستريحون إلى التعامل والتعايش مع مخالفيهم في العقيدة في البلاد التي لهم فيها شوكة، وبالتالي استعملوا العنف والشدة – بل السيف كما زعم المغالطون – في نشر عقيدتهم – لما احتاج الأمر إلى ثلاثة قرون أو أكثر ليصيروا أغلبية في مصر، بل ربما لم يحتاجوا إلى ثلاث سنوات إذا كان السيف مسلطا على الرقاب.
 
بل زد على ذلك فقل إن بقاء أقلية غير مسلمة – معقولة العدد مستقرة الحال لحد كبير – بهذا البلد بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنا على فتح المسلمين له لدليل قوي على تسامحهم تجاه الآخر، بل التفاعل معه، وذلك بدافع من تعاليم دينهم: )ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى( (المائدة: 8).
 
وقد كان المسلمون الفاتحون يخيرون خصومهم بين ثلاث خصال: الإسلام، أو الجزية، أو القتال – كما هو معروف – فإذا أسلموا طواعية فهم إخوة لنا في الدين، لهم ما لنا وعليهم ما علينا من الحقوق والواجبات، وإذا أبوا الدخول في الإسلام، وقبلوا دفع الجزية قبلت منهم، وتركوا وشأنهم، ومنحوا أمانا على أموالهم وأنفسهم وعقائدهم، فإذا رفضوا الأمرين كان معنى ذلك أنهم مصرون على الحرب والعناد.
 
وحين كان المسلمون ينتصرون لم يكونوا – في الغالب – يستخدمون ما يسمى بحق الغالب في فرض شروطه على المغلوب، فلم يكونوا يكرهون الناس على اعتناق الإسلام، فهؤلاء المهزومون، بعد هزيمتهم: بين مسلم برغبته ورضاه، وبين ذمي يعطى عهدا.
 
وقد توسع المسلمون في معنى الذمي فجعلوه يشمل أهل الكتاب من اليهود، والمسيحيين، وجميع أهل الشرك من المجوس، وعبدة الأوثان، وعبدة النيران والحجارة، والصابئة[44]، فكل هؤلاء يعاهدون وتؤخذ منهم الجزية، فقد أخذ الرسول – صلى الله عليه وسلم – الجزية من مجوس هجر[45] – شرق شبه جزيرة العرب -، وأخذها عمر بن الخطاب من مجوس فارس[46]. – والجزية كما صار واضحا ومستقرا في الأذهان مبلغ بسيط، دلالة على بذل الولاء للسلطة القائمة مقابل حمايتها لأهل ذمتها، وليست جزاء للمخالفين في الدين، وإلا فهل يعاقب المسلم على إسلامه بدفع الزكاة؟! وإذا قبل هؤلاء جميعا دفع الجزية كان من حقهم البقاء على عقائدهم وأحوالهم السابقة.
 
وهاك نماذج لبعض المعاهدات التي نظمت العلاقات والالتزامات بين المسلمين وغيرهم. فقد جاء في عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لأهل إيلياء – بيت المقدس – ما يلي: “بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أمانا لأنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصلبانهم، سقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صلبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية، كما يعطي أهل المدائن، وعلى أن يخرجوا منها الروم واللصوص؛ فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم.
 
وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان”[47].
 
تسامح صلاح الدين الأيوبي مع الصليبيين بعد فتح بيت المقدس:
 
ماذا صنع السلطان صلاح الدين الأيوبي بالصليبيين الذين كانوا ببيت المقدس حين حررها من أسرهم؟
 
لقد تم التسليم على أن يعطي كل رجل من الصليبيين عن نفسه عشرة دنانير مصرية، وكل امرأة خمسة دنانير، وكل صغير أو صغيرة دينارين، وقد عومل الأسرى من الشيوخ والنساء والأطفال معاملة تنطوي على كثير من السخاء والكرم والشهامة والسماحة؛ فقد من السلطان على ملكة مسيحية كانت مترهبة بالقدس بمن معها وما معها من المال والمجوهرات، كما سمح للبطريرك الأعظم أن يحمل معه ما قيمته مائتا ألف دينار من تحف ثمينة ومجوهرات كنسية، على حين بخل هذا البطريرك على بعض أتباعه ببعض هذا المال لفكهم من الأسر.
 
وأمر السلطان المنادين بالمناداة في شوارع المدينة بمعافاة العاجزين عن الدفع، وأنهم طلقاء يذهبون أنى شاءوا، فاتجه بعض هؤلاء نحو إمارة طرابلس الصليبية؛ فأغلقها أميرها في وجوههم، واتجه بعض آخر نحو صور؛ فرفض حاكمها المركيز كنراد إدخالهم حتى لا يتحمل عبء إطعامهم وحمايتهم، ورغبت جماعة ثالثة في الانحدار إلى أوربا؛ فاعتذرت سفن التجار الإيطاليين عن حملهم بدون أجر، لولا إرغام السلطات الإسلامية لها على حملهم، وقد اجتمعت نسوة الفرسان الصليبيين المأسورين والمجروحين يسألن السلطان الرحمة والإشفاق والإنفاق عليهن، فأطلق لهن أزواجهن الأسرى، ومن فقدت زوجها خصص لها نفقة، ولم يضرب الرق في النهاية سوى على خمسة عشر ألفا من مجموع حوالي مائة ألف صليبي كانوا بالمدينة المقدسة[48].
 
لك أن تقارن هذا بصنيع الصليبيين الشنيع بالمسلمين بالقدس حين احتلوها، تقارن هذه السماحة العظيمة، والإنسانية الرحبة بتلك المجازر البشرية سابقا، وبما يحدث الآن من أهوال بفلسطين المحتلة على أيدي الصهاينة؛ لتدرك مدى سماحة المسلمين – بدافع من مبادئ دينهم الحنيف بالأساس – على مسيرة تاريخهم تجاه الآخر، مقابل إساءة هذا الآخر وعدوانيته عندما تمكنه الفرصة، ولتعلم – دون مبالغة أو تعصب – أنه مهما قيل عن بعض ما في تاريخ المسلمين من مثالب – لكونهم بشرا كالبشرـ فإنه يسمو نبلا ويرقى إنسانية عن كل تواريخ الملل والأمم الأخرى عند المقارنة، والشواهد على ذلك موفورة في كل عصر.
 
ولم تقتصر السماحة على الشعوب المسلمة قديمة العهد بالإسلام، التي تشبعت نفوسها بتعاليمه السامية، وإنما تمثلت أيضا في سلوكيات تلك الشعوب حديثة العهد به، التي كثيرا ما توصف بالعنف والشراسة والقسوة، كالمغول والترك؛ فعلى الرغم مما أظهره أوزبك خان (712 – 742 هـ /1313 – 1342م) – سلطان دولة مغول القبجاق، التي حكمت في أعالي بحر قزوين وجنوب روسيا الآن – من التحمس في نشر الإسلام، وتفانيه في الإخلاص له، فقد كان كثير التسامح نحو رعاياه من المسيحيين، فقد منحهم الحرية التامة في إقامة شعائرهم الدينية من غير أن يتعرض لهم أحد بسوء.
 
ومن أهم الوثائق التي تسترعي الانتباه عن التسامح الإسلامي، ذلك العهد الذي منحه أوزبك خان للمطران بطرس سنة 1313م، وقد جاء فيه: “بمشيئة العلي القدير وعظمته ورحمته من أوزبك إلى أمرائنا كبيرهم وصغيرهم، إن كنيسة بطرس مقدسة لا يحل لأحد أن يتعرض لها، أو لأحد من خدامها، أو قسيسيها بسوء، ولا أن يستولي على شيء من ممتلكاتها، أو متاعها، أو رجالها، ولا أن يتدخل في أمورها؛ لأنها مقدسة كلها، ومن خالف أمرنا هذا بالتعدي عليها فهو أثيم أمام الله، وجزاؤه منا القتل، ولندع المطران ينعم بالأمان والبهجة، ولندعه يقرر نظم كل المسائل الكنسية بقلب سليم، وفؤاد عادل قويم. وإننا نعلن في حزم أننا نحن وأولادنا وأمراء دولتنا وولاة أقاليمنا لن نتدخل بأي حال في شئون الكنيسة، ولا شئون المطران، ولا في شئون المدن، والمراكز، والقرى، والأراضي المخصصة للصيد في البر والبحر، ولا في الأراضي، والمراعي، والصحاري، ولا في المدن والأماكن الداخلة في أملاكها الخاصة، ولا في الكروم والطواحين، ولا في مراعي الشتاء، ولا في أي شيء من ممتلكات الكنيسة وأمتعتها. ولندع بال المطران في راحة دائمة خاليا من كل تعب أو نصب، ولندع قلبه سليما قويما، ولندعه يصلي لله من أجلنا، ومن أجل أولادنا وأمتنا، حتى إذا وضع يديه على شيء مقدس ثبتت عليه التهمة، وباء بغضب من الله، وكان جزاؤه القتل، حتى يلقي مصيره الرعب والفزع في قلوب الآخرين. وإذا فرض الخراج أو غيره من الضرائب، كالرسوم الجمركية، والمكوس، وضرائب الطرق، والأراضي غير المزروعة، أو إذا أردنا حشد الجنود من بين رعايانا، فلا يجمع شيء بالقوة والإكراه من الكنائس التابعة للمطران بطرس، أو لأي أحد من رجال الدين التابعين له.
 
وكل ما يؤخذ من رجال الدين بالقوة والإكراه يرد إليهم أضعافا ثلاثة، ولتكن شرائعهم، وكنائسهم، وأديارهم، ومعابدهم محل الاحترام والتعظيم، وكل من يتهم أو يحط من شأن هذا الدين فلن يقبل منه أي عذر ولا أن يطلب العفو، بل يكون جزاؤه القتل. وسوف يتمتع إخوة القسيسين والشمامسة الذين يجلسون إلى مائدة واحدة وفي دار واحدة، بنفس هذه المزايا والحقوق”.
 
ويمكن أن نستدل على أن هذا المرسوم لم يكن مجرد كلمات جوفاء، أو مجرد حبر على ورق، وأن التسامح الذي وعد به هؤلاء المسيحيون قد أصبح حقيقة واقعة، بهذه الرسالة التي بعث بها البابا يوحنا الثاني والعشرون سنة 1318م إلى الخان يشكر فيها الأمير المسلم على ما أظهره من عطف على رعاياه المسيحيين، ويثني على هذه المعاملة الطيبة التي كان أوزبك يعاملهم بها[49].
 
ولا شك أن هذا التشابه الكبير – بل شبه المطابقة – بين نصوص كتب العهود الممنوحة لغير المسلمين من قبل الفاتحين المسلمين ومضامينها، إنما يعبر عن سياسة ثابتة للمسلمين في هذا الشأن، فهي تنص صراحة على تأمين الناس على أنفسهم وأموالهم، ومللهم وشرائعهم، وعلى حمايتهم من الاعتداء عليهم. وقد أشاعت هذه المعاهدات العادلة جوا من الطمأنينة والأمان عند السكان، وأزالت عن نفوسهم الخوف الذي يشعر به المغلوب في مثل هذه الظروف، ففي فتوح الإسلام الأمر مختلف، فالمسلمون – غالبا – لم يفتحوا البلاد ليدمروها ويذلوا أهلها، وإنما ليعمروها ويعزوا أهلها، ويحرروهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فهم أصحاب رسالة خالدة تحمل للناس العدل والإنصاف، وتحقق لهم الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية.
 
ولكن الناس في البلاد المفتوحة – لأنهم لم يشهدوا فتحا كالفتح الإسلامي من قبل – كانوا في حاجة إلى وقت ليعرفوا أهداف المسلمين الحقيقية، فلما تكشفت لهم حقيقة الإسلام أسرعوا إلى اعتناقه بأعداد كبيرة، وقد حرص المسلمون على الوفاء بكل ما التزموا به، ولم يكن هذا من حسن السياسة فقط، وإنما هو واجب ديني يفرضه الإسلام على المسلمين، فالوفاء بالعهد ليس منة من المسلمين، ولكنه مسئولية واجبة عليهم؛ إعمالا لقوله تعالى: )وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا (34)( (الإسراء)، ولقول رسوله صلى الله عليه وسلم: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة»[50].
 
التسامح في زمن العثمانيين:
 
حين قيض الله – سبحانه وتعالى – للدولة العثمانية أن تحمل لواء الجهاد الإسلامي في شرقي أوربا إبان القرن السابع الهجري، لم يكد القرن العاشر ينتصف حتى دانت كل أمصار أوربا الشرقية لسطوة العثمانيين، وأصبح البحر المتوسط بحيرة شبه إسلامية، بعد أن كان مركزا للحضارة الهيلينية، وارتفع المد الإسلامي في ظل هذه الدولة، وبلغ حدا لم يبلغه من قبل في أية حقبة من حقب التاريخ الإسلامي، غير العصر الأموي تقريبا.
 
وعندما فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية سنة 857هـ / 1453م، أعلن في الجهات كافة أنه لا يعارض في إقامة شعائر ديانة المسيحيين، بل إنه يضمن لهم حرية دينهم، وحفظ أملاكهم، فرجع من هاجر من المسيحيين وأعطاهم نصف الكنائس، ثم جمع أئمة دينهم، فانتخبوا بطريركا لهم اختاروه وأقام له حفلا مهيبا، ووفر له حرسا من الإنكشارية[51] ومنحه حق الحكم في القضايا المدنية والجنائية، بأنواعها كافة بين أهل ملته، وعين معه في ذلك مجلسا مشكلا من أكبر موظفي الكنيسة، وأعطى هذا الحق في الولايات للمطارنة والقساوسة، واستثنى أئمة الدين من الالتزامات المادية.
 
وقد كان لهذا الفتح المبين من الآثار العسكرية والسياسية، ما جعل المؤرخين يعدونه نقطة تحول في مجرى تاريخ العالم، ووضعه مؤرخو أوربا حدا فاصلا بين العصور الوسطى والعصور الحديثة. لكن ما يعنينا هنا هو أثره في انتشار الإسلام في سماحة ويسر، فالفتح العسكري في حد ذاته لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا إذا أعقبته سياسة حكيمة تقوم على الترغيب لا الترهيب، وهذا ما سلكه الفاتح؛ فقد أعلن عن حرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية التملك، وضمان حقوق الملكية، وحين طلب من القساوسة انتخاب رئيس لهم انتخبوا أحد القساوسة الفارين من اضطهاد الأباطرة السابقين – إخوته في الدين أعدائه في المذهب – وكان مختبئا في إحدى بقاع البلقان، فاستحضره لهم.
 
وكان لهذه السياسة أثر