تعزيز اليقين وهداية الحيران

الصدفة

الكتب

لا شئ بالصدفة " العلاقة الممكنة بين الإيمان ونظرية التطور

بعض الملحدين يستخدمون نظرية التطور كرأس حربة لنشر فكرهم، يستندون إلى القبول العلمي الواسع لها لنشر الإلحاد مستغلين جمود بعض الفكر الديني لدعم حملتهم، يرسخون أن العلم يقول: إن كل شيء جاء صدفة، كل شيء عبث.
تحميل

نشأة الكون بين الإيمان والإلحاد

كتاب نشأة الكون بين الإيمان والإلحاد بدأ فيه الكاتب بمفهوم الإلحاد وتعدد مذاهبه، وطريقة الإعتزاء إلى العلم وشرح فيه مشكلة المصطلحات العلميّة، والسلام النفسي، ومن ثم للفصل الثاني الذي تحدث فيه عن مفهوم الصدفة، والنظريات التي يُستدل بها على وجود الكون بالصدفة والرد عليها والأعترضات المبنيّة في هذا الموضوع...
تحميل

خلق أم صدفة؟! حوار العلم والإلحاد

يعرض الكتاب الحقائق العلمية الخاصة بنشأة الكون وتطوره بشكل مبسط. كذلك يناقش ويفند النظريات الخاصة بتطور الكائنات الحية. الكتاب يتعرض للأسئلة التالية: ما هو العلم؟ هل هو كائن حي يمدنا بالمعلومات؟ هل هو شيء اوجده الانسان من العدم؟ أم هو شيء موجود بالفعل داخل بنية الكون وجدرانه؟....
تحميل

المرئيات

تشغيل الفيديو

الصدفة.. هل يمكنها خلق العين؟ 1

تشغيل الفيديو

 الصدفة.. هل يمكنها خلق العين؟ 2

تشغيل الفيديو

 الصدفة.. هل يمكنها خلق العين؟ 3

تشغيل الفيديو

الصدفة صنم الملاحدة

تشغيل الفيديو

الملاحدة وإله الصدفة!

تشغيل الفيديو

ضيف الكون المنتظر

تشغيل الفيديو

الصدفة لا تصنع نظاما إلا بقوانين

تشغيل الفيديو

الآلات الجزيئية داخل أجسامنا تنفي خرافة الصدفة

تشغيل الفيديو

إعجاز الحمض النووي يدفع الملحد أنتوني فلو إلى الإيمان بخالق

تشغيل الفيديو

اعتراف داروين بفشل الانتخاب الطبيعي

تشغيل الفيديو

الطفرات الضارة تجعل من التطور قصة طفولية !

تشغيل الفيديو

إبداع الكائنات الحية يتعلم منه العلماء .. فكيف بالصدفة العمياء ؟

تشغيل الفيديو

إبداع الخالق في جسم الإنسان يهدم خرافة التطور

تشغيل الفيديو

لماذا يقبل المجتمع العلمي بخرافة التطور رغم كل عوارها ؟!

تشغيل الفيديو

هل تشابه التشريح يدل على التطور أم وحدة الخالق ؟!

تشغيل الفيديو

أيتها الصدفة العظيمة !!

تشغيل الفيديو

مثال لتناقض الملحدين وخرافاتهم

تشغيل الفيديو

التصميم والصدفة والحياة الأولى على الأرض

تشغيل الفيديو

إبطال فرضية الصدفة والعشوائية في الكائنات

تشغيل الفيديو

ألماني مسلم يتحدث بسخرية عن خرافة الصدفة والإلحاد

المقالات

الصُّدفة في ميزان الفلسفة والعلم والدين دراسة تحليلية نقدية (1)

بقلم أ.د عماد العجيلي

استاذ ورئيس قسم العقيدة بجامعة الازهر والجامعة الإسلامية بمنيسوتا

تمهيد: التعريف بمفهوم الصُدفة

قبل الولوج إلى مضمار البحث، يجب التعرف على مفهوم الصُدفة.

أولاً: معنى الصُدفة في اللغة:

صَادفت فلانًا أي لقيته، ووجدته ([1])، والصُدفة: من صَادف الشخص مُصادفة؛ أي: وجده، ولقِيه، ووافقه([2])، ومعنى وافقه؛ أي: لاقاه، ووجده من غير موعد، ولا قصد، وصَادف صديقه في الطريق: لقيه مصادفةً([3])، وتصادفا: تقابلا على غير وعد([4]).

ويلاحظ أنّ الصُدفة في اللغة تدل على وقوع الشيء اتفاقًا من غير قصد، ولا توقُّع، ولا ترتيب مسبق، وتعني التلقائية، وهي الوجه المقابل للقصد.

ثانيًا: معنى الصُدفة في الاصطلاح:

ورد في المعجم الفلسفي أنّ “الصُدفة اتفاق مجهول العلة، أو تزامن لسلسلتين عليتين مستقلتين، أو هي سلب الضرورة”([5]).

والموجودات إما أن تكون موجودة عن قصد وعن علة، أو عن غير قصد أو علة مجهولة، وتسمى المصادفة يقول أرسطو: “المصادفة هي اللقاء العرضي الشبيه باللقاء القصدي، أو هي العلة العرضية المتبوعة بنتائج غير متوقعة، تحمل طابع الغائية”([6]).

ومن تعريفات المصادفة هي:” الأمر الذي لا يمكن تفسيره بالعلل الفاعلة، ولا بالعلل الغائية” ([7]).

وقيل الصدفة تعني ” ما يخرج على النظام والقانون المعروف، ولا يبدو له سبب ولا غاية واضحة، وهو أشبه ما يكون بالاتفاق ومعناه ما يحدث عرضًا ولا تعرف له أسباب واضحة”([8])

وهو قول بعض الملاحدة أنّ هذا العالم بكل ما فيه من إتقان، وإبداع باهر وُجد بطريق الصُدفة، وليس له موجد أوجده، ولا يمكن تفسيره بأنه له علة فاعلة، ولا علة غائية.

 وقيل في تعريفها: ” الصُدفة: كلمة تعني انعدام السبب الفاعل، والسبب الغائي، وهذا يستلزم غيبة النظام، وغيابة العناية والقصد”([9])

وقيل: “تعني أنّ شيئًا يحدث ولا ضرورة في ذلك الحدوث، وكان من الممكن ألا يحدث، فحدوثه وعدم حدوثه يحتملان، ومن ثم فإننا نلاحظ أنّ تصور المصادفةَ تصور علاقي” ([10])

وموضوع البحث: المصادفة والتي تعني: الحصول على نتيجة لم تقصد، أو الوصول إلى نتيجة بغير سبب فعّال فيها موصل إليها غالبًا.

مما سبق، يظهر أنّ للصدفة معانٍ مختلفة ومتعددة، ومن هذه المعاني ما يلي:

الصُدفة: بمعنى وجود الشيء من دون علّة، ينفي العلل الطبيعية وغير الطبيعية، أي نفي وجود العلة مطلقًا، ومصطلح “الصُدفة” يعني أنّ التحولات، والتغيرات في الكون قد حدثت من دون علّة.

الصُدفة: بمعنى اتفاق مجهول العلة: فإذا كان هذا المعنى الاصطلاحي هو المقصود فيكون استخدام كلمة صدفة هنا بمثابة قولهم: إن علة الكون ( أو علة إنشائه من العدم ) مجهولة.

الصُدفة: بمعنى صدور النظم والسنن عن سلسلة من العلل غير العاقلة وغير المدركة، والصُدفة بهذا المعنى قَبِلها وتبنّاها المفكّرون الماديون.

الأمر الأهم هو أن الملحد يتوخى من وراء فكرة الصُدفة نفي الحاجة إلى وجود الخالق، فالكون والعالم، والوجود مطلقًا وُجد هكذا بلا قصد في وجوده.

*****

المبحث الأول

 القول بالصُدفة بين الاتجاه الفلسفي والعلمي

المطلب الأول

القول بالصُدفة في الاتجاه الفلسفي

إنَّ الفلسفة هي إعمال الفكر في واقع الإنسان، وواقع العالم، وواقع الإله، وفي معضلة الوجود، ومعضلة المعرفة، ومعضلة السلوك الإنساني، وفى الجواهر، والأسباب، والغايات، والمعاني، وفى أصول التفكير، وقواعد البناء النظري.

ذهب إليه بعض الفلاسفة، والمفكرين من أصحاب الاتجاهات الفكرية، والمذاهب المادية، أن ثمة فَرضِية ([11]) تزعم أنّ نشأة الكون، والكائنات في العالم كانت بالصُدفة من دون خالق، زاعمين أنّ الكون، وما فيه من كائنات وجدت دون علة مدركة مدبرة لوجودها؛ وإنما بطريقة عشوائية، ومن طبيعتها الوجود، والفناء، وليس هناك مُوجد، أو مدبر لها، فوانيها ذاتية، وهذه القوانين مستمرة في عملها دونما فاعل لها في البدء، ودونما مدبر قائم على عنايتها، وتنظيمها، فكان وجودها صدفة، وكذلك استمرارها وأيضًا فناؤها.

وقد بدأ هذا الاتجاه لدى بعض فلاسفة اليونان أمثال(ديموقريطس)([12]) الذي زعم أنّ الحياة وجدت اتفاقاَ، دون احتياج لعلة مؤثرة، فجميع ما في الكون وُجد نتيجة للصدفة العمياء([13]).

 ويعد (ديموقريطس) من أصحاب المذهب الذري، حيث كان أول من نادى بفكرة الجوهر الفرد من بين فلاسفة اليونان، ومنه انتقلت الفكرة إلى الفكر الإسلامي الكلامي الذي فسّر التغيرات التي تحدث في الوجود على أنها إما اتصال الذرات، أو انفصالها، وهذه الذرات – عنده – تتحرك بذاتها دون محرك من خارج، وأنّ كل الأشياء بالضرورة، والضرورة هي البحت، وأنّ ثمة عوالم بلا نهاية، ومُدَبَّرة بطبيعة غير ناطقة أيأنّ العالم إلى محض، أو محكوم بألية محضة” ([14])

ويتبنى الفكر الإلحادي المعاصر مفاهيم من أهمها أنّ ” الكون نشأ تلقائيًا نتيجة لإحداث عشوائية دون الحاجة إلى صانع، وظهرت الحياة ذاتيًا من المادة عن طريق قوانين الطبيعة” ([15])، ومن ثم ليس هناك حاجة إلى القول بوجود إله.

يقول الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل ([16]): ” إنَّ الكون الذي نشاهده الآن إنِّما وجد بمحض الصُدفة”([17])، هكذا تعمل قوانينه ويكون اتفاقًا.

وهذا الاتجاه هو ما يقوم عليه المذهب الطبيعي، فقد عُرّف بأنّه: ” موقف فلسفي يعتبر أنّ كل الموجودات، والحادثات نشأت وتنشأ نتيجة لعوامل موجودة في الطبيعة، ولا شيء سوى الطبيعة ” ([18])

وقد وجد لمذهب الصُدفة صدى في الفكـر الحديث، وكان القول به إعلانًا لإنكار الخالق، والدين، والكتب السماوية، قال (نوبل لورييت جاكمونود) في كتاب (الصدفة والحاجة):”أنه لا يوجد إله،وأنّ العهد القديم قد انهار، فقد عَرف الإنسان أخيرًا أنه وحيد في هذا الكون الشاسع المُوحش، وأنه لم يوجد فيه إلِّا عن طريقة الصُدفة” ([19]).

وتقوم النظرة المادية للكون على أساس أنّ المادة قديمة، ولها قوانينها، وتلك القوانين هي التي أوجدت كل الموجودات، وقوانين المادة تلك هي البديل عن الله، فالمادة هي الإله، وقوانينها هي الإرادة الإلهية.

ووصف (ريتشارد دوكينز) نشأة الحياة والعقل بأنها ” حادث عارض؛ نتيجة لضربة حظ”([20])

وزعم الملحد الأمريكي (دانييل دينيت) أنه ” يمكن رجوع كل سمة من سمات العالم إلى ألية ميكانيكية عمياء لا غاية لها ولا بصيرة” ([21])، أي بدأ الكون بلا علة عاقلة مدبرة، وسينتهي كذلك من تلقاء نفسه.

وقد آمن دوكينز بالاتفاق، وأنّ الكون وُجد بدون إله، وعلى افتراض وجود إله فهو بلا قدرة، أو إرادة، أو علم، أو بصر، وحسب تعبيره: ” وإذا كان من الممكن أن يقال عنه أنه يلعب دور صانع الساعات في الطبيعة، فهو صانع ساعات أعمى” ([22]).

ويلخص (برتراند راسل) هذه النظرة المادية المتطرفة في القول بالصُدفة فيقول:” ليس وراء نشأة الإنسان غاية أو تدبير، إنَّ نشأته، وحياته، وآماله، ومخاوفه، وعواطفه، وعقائده، ليست إلا نتيجة لاجتماع ذرات جسمه عن طريق المصادفة”([23]).

والمقصود بالصُدفة أنّ العالم قد وُجد نتيحه سلسلة من التفاعلات الطويلة، دون تنظيم أو تخطيط سابق، ويمثل ذلك بجلاء ما يقوله (جوليان هكسلي) الذي عبّر عن فكرة المصادفة بقوله: ” لو جلست ستة من القرود على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير، فكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة لعمليات عمياء ظلت تدور في المادة لملايين السنين “([24]).

وهكذا استقر رأي هؤلاء الملاحدة على الإيمان المطلق بهذه المقولة، فأي حدث في الكون؛ إنِّما هو من باب المصادفة.

فما يقصده الملحد الذي يؤمن بهذه الشبهة هو أنّ الثوابت الكونية الدقيقة قد نشأت عشوائيًة، وأنّ نظام الكون إنِّما نشأ صدفة لا عن قصد.

وذكر دوكينز أنّ نشأة الكون لم تكن بصدفة واحدة؛ بل مرّت بعدة صدف متتابعة متراكمة هي التي شكّلت وكونت الكون فقال: ” لا يمكن أن تتشكل الحياة بصدفة واحدة لكن يمكنها تتشكل بصدف كثيرة متراكمة أخذت وقتًا كافيًا مقدار بملايين السنين”([25])

ومن طريف ما يُعبر به عن مبلغ غَرابة دقة الثوابت الكونية، قول الفيلسوف والفيزيائي ( روبن كولنز):” إن الحصول على الدقة المطلوبة للحياة بصورة عشوائية، هو أشبه برمي سهم عبر كامل الكون ليصيب نقطة في حافته من طرفه الآخر يبلغ حجمها قدمًا واحدة “([26]).

وهكذا يستمر هؤلاء المؤمنون بالمصادفة في غيهم إلى أن يصلوا في النهاية إلى نتيجة فحواها أنّ العالم وجد بدون علة عاقلة مدبرة حكيمة قاصدة، ولذا، فإنَّ هذا الاتجاه يزعم أنه “ليس ثمة راحة نفسية يمكن أن تستخلص من الفرضية القائلة: إنّ هذا العالم هو من صنع خالق، وبالمثل…في الافتراض القائل بأنّ هذا الكون المزعج قد وضع وفقًا لخطة مرسومة أو تدبير سابق” ([27]).

 هذا و قد تأثر بعض المفكرين في البيئة الإسلامية بالقول بالصُدفة، وأثرها في وجوده في الحياة، ومغادرته هذا العالم، وجعل كل شيء سببه الصُدفة، فقال عبد الرحمن بدوي تحت عنوان ( كل شيء بالصُدفة ): ” بالصُدفة أتيت إلى هذا العالم، وبالصُدفة سأغادر هذا العالم “(1) .

 ثم يبرر هذا الزعم بأنّ أباه قد تعرض لمحاولة قتل قبل أن تحمل أمه به ثم فشلت، وهذا من وجهة نظره يدل على أنه أتى صدفة!!

مما سبق، تبين أنّ ثمة فَرضِية تقول: إنّ العلة في وجود هذا الكون لم يتوفر لدينا عنها معلومات قطعية فلا بد من تفسيرها بالصدفة، ومن ثم فإن الموجودات والكائنات في العالم نشأت صدفة من دون خالق، فقد اخترعت المادية إله اسمه الصُدفة، ودافعوا عنه؛ الأمر الذي لا يصمد أمام التحقيق الفلسفي، والعلمي، والديني.

*****

([1]) الفراهيدي: الخليل بن أحمد البصري (ت: 170هـ)، (العين) المحقق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، الناشر: دار ومكتبة الهلال، ص 7/102، الجوهري: أبو نصر إسماعيل بن حماد (ت: 393هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت، ط/4 (1407هـ‍- 1987م)، 4/1384.

([2]) الزبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى الزّبيدي، تاج العروس، المحقق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية، ط/ د ت، 24/10 مادة صدف..

([3]) أحمد مختار عبد الحميد عمر (ت: 1424هـ)، (معجم اللغة العربية المعاصرة)، دار النشر: عالم الكتب ط1، (1429هـ – 2008م)، 2/1281.

([4]) (المعجم الوسيط) مجمع اللغة العربية بالقاهرة، (إبراهيم مصطفي، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار)، دار الدعوة، ط/ دار الدعوة، ط5 (2011م)، 1/510.

([5]) عبد المنعم الحفني، المعجم الفلسفي، الطبعة الأولى1410 هـ – 1990 م، الناشر: الدار الشرقية، ص166.

([6]) جميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982م، 2/383.

([7]) المرجع نفسه، /383.

([8]) مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، ص 185.

([9]) محمد هشام سلطان، العقيدة والفكر الإسلامي، مكتبة الرحاب، 1408هـ- 1988م، ص، 86.

([10]) محمود فهمي زيدان، الاستقراء والمنهج العلمي، مكتبة الجامعة العربية، بيروت، 1966م، ص 120.

([11]) الفَرضِية:” فكرة، أو قضية توضع، ثم يُتحقق منها بالملاحظة، أو التجريب” راجع، جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، ص 324. فالفَرضِية: مجرد تخمين، أو احتمال مفتقر إلى الأدلة، ومجرد الفرض: لا يعني رأيًا مُدَعَّمًا بالبراهين، والفَرضِية أحد معاني النظرية؛ حيث إن النظرية لها معنيان:

الأول: فرض قد تأكد، أو ثبت بالملاحظة، والتجربة، ويتم طرحه، أو الموافقة عليه باعتبار أنه يفسر الحقائق المعروفة.

الثاني: فرض يُطرح كتفسير، وبالتالي مجرد فرض تخمين حدس أو مجموعة من الأفكار حول شيء برؤية أو مفهوم فردي، راجع: دوكينز، تشارلز، أعظم استعراض فوق الأرض، أدلة التطور، ترجمة وتقديم: مصطفى إبراهيم فهمي، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 2015م، 1/42، 43.

 إذن الفَرضِية تُعد كالإرهاص الذي يسبق النظرية، والفَرضِية قد تصدق، وقد تكذب، وكي تصل إلى نظرية علمية لا بد لها من أدلة قائمة على الملاحظة والتجربة، فإذا استقرت على مدار سنوات تسمى حقيقة علمية.

([12]) ديموقريطس الأفريقي: هو فيلسوف يوناني ولد عام- 46ق.م تقريبًا، وتوفي عام .37 ق م. راجع، موسوعة أعلام الفلاسفة، إعداد روني إيلي الفا، وزميله، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1412هـ- 1992م، 1/455، 456،

([13]) يوسف كرم: (ت:1959م)، تاريخ الفلسفة اليونانية، ط/ مكتبة الدراسات الفلسفية، ط5 (1986م)، ص 40.

([14]) محمد سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، ص 162، محمد على أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1986م، ص 106، 107.

([15]) عمرو شريف، خرافة الإلحاد، مكتبة الشروق الدولية، ط1، 1435هـ- 2014م، ص 18..

([16]) برتراند راسل: فيلسوف رياضي ومنطقي وعالم اجتماع انجليزي، ولد عام 1289هـ، 1872م وتوفي عام 1390هـ، 1970م، موسوعة أعلام الفلسفة العرب والأجانب، جـ1 صـ482-484.

([17]) راسل، فلسفتي كيف تطورت، ترجمة: عبد الرشيد الصادق، مراجعة: د. زكي نجيب محمود، ط مكتبة الأنجلو، 1960م، ص 2.

([18]) عمرو شريف، خرافة الإلحاد، ص 89

([19]) التطوُّر بين الضلال وحق النقد، ص 38، 39 نقلا عن: (Jo Monod, Chance and Necessity p. 167

([20]) عمرو شريف رحلة عقل، تقديم: أحمد عكاشة، مكتبة الشروق الدولية، ص 39.

([21]) عمرو شريف، خرافة الإلحاد، ص366.

([22]) ريتشارد دوكنز، الجديد في الانتخاب الطبيعي (بيولوجيا)، ترجمة: مصطفى إبراهيم فهمي، ص26.

([23]) جون كلوفر مونسيما، الله يتجلى في عصر العلم، ترجمة: ظفر الدين خان، مراجعة: د. عبد الصبور شاهين، ط3، المختار الإسلامي، 1973م، ص 57، 58.

([24]) وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى: مدخل علمي إلى الإيمان، ترجمة: ظفر الإسلام خان، مراجعة وتقديم: د.عبد الصابور شاهين، الطبعة السابعة 1397هـ-1977م، المختار الاسلامي للطباعة والنشر، ص 72.

(([25]ريتشارد دوكنز، وهم الإله، ترجمة: بسام البغدادي، إصدار تجريبي آيار، 2009م، ص 97.

([26]) د سامي عامري، براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، ط1، تكوين، السعودية، 1440هـ، 2018م، ص 473.

([27]) زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، الناشر: مكتبة مصر، دار مصر للطباعة، ط/ 1968م، 1/ 235، 236.

المصدر

 

بقلم أ.د عماد العجيلي

استاذ ورئيس قسم العقيدة بجامعة الازهر والجامعة الإسلامية بمنيسوتا

 

تمهيد: يُبنى المذهب الإلحادي على المادية التي تنبذ كل تصور فكري يُخرج الإنسان من دائرة واقعه الملموس.

ومما لا شك فيه، أنّ المذهب الإلحادي أراد أن يواكب في تطوره تطور العلوم والمعارف، وكان في كل حقبة يعكس المستوى المعرفي في الفكر الإنساني، وأراد أن يدعم مزاعمه بنظريات علمية.

” ولذلك كان لكل عصر إلحاده الذي يستفز الشعور الديني، ويضطره إلى تبرير نشوئه، وتأسيس مقولاته، وتدعيم آرائه ” ([1])

وقد تمخض عن لفكر المادي القول: إنّ الكون وما فيه نشأ صدفة من لا شيء، أي من علة غير مُدركة وغير مدبرة، و لم يُوجده موجد، وإنما حصل هكذا عن طريق الصُدفة، ويزعم هؤلاء أنّ الكون بهذا الانتظام قد وُجد صدفة نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة، دون تنظيم أو تخطيط سابق، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

فهم يعتبرون أنّ المادة هي الأصل الذي انشقت منه كل الكائنات الحية، وغير الحية، بما في ذلك الإنسان، وأنشأت كل ما يحتوي عليه عالم الإنسان، والمادية ” تذهب إلى أنّ المادة في كافة صورها هي المؤثرة في كل شيء، وإلى أنها في الوجود أسبق.” ([2])

 ويتضاعف ذلك الغلو المادي في تصور أنّ المادة الصماء سابقة على العقل نفسه، وكل آلاته وإدراكاته، فقد “وجدت الطبيعة ليس فقط قبل الناس، وإنما عمومًا قبل الكائنات الحية، وبالتالي مستقلة عن الإدراك، وهي أولية. أما الإدراك فلم يستطع التواجد قبل الطبيعة، فهو ثانوي”([3]).

فالحقيقة الوحيدة في الفكر الإلحادي العلمي هي المادة، والوحدة التي تجمع الكون هي ماديته، ويذهبون إلى أنّ المادة تقوم على قوانين، تلك هي التي أبدعت النظام.

أما مسألة قدم العالم والمادة، فقد ذهب الملاحدة إلى القول: ” إن أصل الكون هو المادة، وأنه لا وجود لشيء سوى المادة، ومن ثم استبعدوا أي مصدر خارجي للكون، وأنكروا وجود الله، وعللوا وجود الكون، وتطو المادة فيه بالمصادفة”([4]).

أما المادة ذاتها فلم تُخلق، إنما كانت موجودة، وستظل دائمًا موجودة، أي أنها أزلية أبدية موجودة بذاتها ومنشئة لغيرها، وأما الله الأزلي الأبدي الخالق البارئ المصور المريد الفعال لما يريد؛ فهو عندهم خرافة ابتدعها خيال الإنسان، وبناءً عليه يمكن القول إن الفكر المادي يقوم على رفض وجود الخالق لهذا الكون؛ وأصبح ينكر كل ما هو غيبي، والنظر إلى الإنسان على أنه كائن مادي، وأنه مجرد نتاج للمادة.

وقد أثر الفكر المادي ليس فقط على تشويه الأفكار؛ بل على انحراف مسيرة العلم، كما ربط الفكر المادي بين نشوء إلحاده، وبين التقدم العلمي، وأنهما متلازمان.

يقول (كيلي وكوفالزون): ” إنّ العلم إذ يكشف عن الصلات الطبيعية بين ظواهر الطبيعة؛ يطْرُد في تصوره الإله من الطبيعة، ويدحض خطأ المثالية، ويؤيد صحة النظرة المادية للعالم، والعلم يتفق مع المادية في بحثه عن الحقيقة في الحياة ذاتها، وفي الطبيعة، وهذا ما يدل على أنّ العلم الحقيقي هو ذو طابع مادي، وأنّ العلم مادي بطبيعته وجوهره، والمثالية غريبة عنه وعدوة له”([5])

هذا وإن تفسير الكون بوساطة قانون ” الصُدفة ” ينطبق على قوانين الصُدفة الرياضية المحضة، وفي ذلك يقول أحد العلماء الأمريكيين: ” إنَّ نظرية الصُدفة ليست افتراضا، وإنما هي نظرية رياضية عُليا، وهي تطلق على الأمور التي لا تتوفر في بحثها معلومات قطعية، وهي تتضمن قوانين صارمة للتمييز بين الباطل والحق، وللتدقيق في إمكان وقوع حادث من نوع معين، وللوصول إلى نتيجة هي معرفة مدى إمكان وقوع ذلك الحادث عن طريق المصادفة”([6])؛ بل إن بعض المنظرين لها، والمعجبون بها قال عنها ” هي نظرية رياضية علمية نطبقها في حياتنا على كل ظاهرة، أو حدث لا يتوافر لنا معرفة علته معرفة يقينية، فالمصادفة اليوم أساس تقوم عليه العلوم الحديثة ” ([7]).

والحديث عن إمكانية العشوائية أن تُنتج ما في عالم المادة أمر داخل في علم الرياضيات، أو ما يُعرف تحديدًا بعلم الاحتمالات، يقول الفيزيائي الملحد (أندريه لا لاند): ” لدينا العديد من المصادفات العجيبة جدًا جدًا، وكل هذه المصادفات تتميز بأنها تنتهي إلى جعل الحياة ممكنة “([8]).

 وبالصدفة نفسر كثيرًا من الأشياء، ونتوصل إلى كثير من المخترعات: فقانون الجاذبية، واكتشاف الكهرباء، وغيرها قد جاء صدفة وهكذا.

هكذا قالوا بالصُدفة على اعتبار أنّ الصُدفة نظرية رياضية تطلق على الأمور التي لا تتوافر في بحثها معلومات قطعية، أي دون أن يكون وراء ذلك أي تخطيط، وأية محاسبة؛ لأنّ المصادفة لا تجري على ترتيب، ولا تدعو إلى نظام، إنها فعل بدون قصد ولا غاية

هذا وقد أثر الفكر المادي على بعض الاتجاهات العلمية فانحرفت مسايرة للفكر المادي، حيث نشأت نظريات علمية مأخوذة من الأسس والمنطلقات الفكرية، والمنهجية التي قام عليها الفكر المادي، سيما أنّ الفكر المادي مرتكز على أزلية المادة وأبديتها، وانكار الغيبيات، ورفض الغائية، ورفض الإقرار بوجود خالق للكون، وربط التقدم العلمي، والمنهج التجريبي بالفكر المادي.

وقد احتج القائلون بالصُدفة لتأييد زعمهم بنظريتين:

أولهما: نظرية التطور ([9])

لقد اتخذت المادية بُعدًا علميًا جديدًا للمعركة بين الإيمان والإلحاد، وذلك عندما جاء ” تشارلز داروين” (1809م – 1882م) بكتابه ” أصل الأنواع ” – وليس المقام يتسع لعرض تفاصيل هذه النظرية، ونقدها، وحسبنا أن نذكر منها ما يتعلق بموضوع الصُدفة فقط.

فقد ” كانت فكرة التطور دائمًا متصلة بالإلحاد، وقد ظهرت الأفكار الأولية عن أصل الأنواع وفنائها عند الشاعر الروماني (لوكرنوس)، وكان معروفًا بأفكاره الإلحادية، وبمذهب اللذة”([10]).

ويطلق التطور على: “سلسلة التحولات التدريجية، والمستمرة التي بوسعها تسيير العالم الفيزيائي (والكوسمولوجى) ([11])، وعالم الأحياء، ويرتكز مبدأ التطور وفق التطورات السائدة إما على المصادفة، وإما على قانون يفرض عليه منحى معين” ([12]).

 ويذهب داروين إلى أنّ الحياة بدأت صغيرة، وفى غاية الدقة، والبساطة، ثم اتخذت تنمو، وتتطور، وتزداد تعقيدًا وتعددًا وتميزًا، وذلك يجري في الكائنات بسبب تطورات كثيرة عبر ملايين السنين، ويُرجع ذلك إلى الانتخاب الطبيعي، ونتيجة تفاعلات بين التغيرات، فمن يتكيف ويواءم يبقى، ومن لم يستطع التكيف يفنى، ويبقي الأقوى والأصلح. وهو بهذا يحاول أن ينفي كلية وجود خالق، ويثبت أنه ليس في الوجود فاعل سوى ” الصُدفة” والانتخاب الطبيعي، ويؤكد ذلك بقوله:” بعد اكتشاف قانون الانتخاب الطبيعي ضعفت عندي فكرة أنّ الكون مخلوق لغاية ووفق خطة معينة، تلك الفكرة التي كانت تبدو لي من قبل قوية” ([13]).

ويصل داروين من خلال نظريته إلى نتيجة مفادها، أنّ الكائنات وُجدت وتطورت صدفة، ومن ثم إنكار وجود خالق ومدبر للكون فقال: “إنّ النظام الذي نراه في الطبيعة، ليس نتيجة لتدخل قوة عُليا خارجية؛ ولكنه نتيجة للتوافق أو التكييف بين أعضاء الكائن الداخلية، وبين ظروف البيئة التي يعيش فيها” ([14])

وبذلك أصبح النظام في الطبيعة نتيجة عن التوافق والتكيف، وأما ذلك التنوع الطبيعي يرى ” داروين” أنه من فعل “الطبيعة” فهو حادث” بالصُدفة” ولهذا فهو يقول: ” أنه لما كانت التنوعات النافعة لا تحدث إلا مصادفة، فإنّ الفرص لتأكيدها، وإبرازها تزداد كلما اتجهنا إلى تربية عدد أكبر من الأفراد، الذين تظهر فيهم الصفات الجديدة”([15]).

ولهذا قال ” جورج برنارد شو”: ” إن القاعدة الداروينية للتطور قد سلمت الكون للصدفة”([16])

فقد جعل (داروين) الفاعلية في الكون إلى الطبيعة، ولا شيء وراء ذلك، ومن ثم ليس هناك خالق، بل كل ما يجري في هذا الكون من متغيرات إنِّما ناتج عن الصُدفة.

 وفكرة الله الخالق المدبر المريد ذي القصد عكس ما زعمت الداروينية في قضية الخلق، حيث نفى ” داروين” القصد، ونفى أن يكون الخلق المباشر بيد الله وأرجعه إلى عملية التطور.

ويذهب أصحاب المذهب التطوري أنّ الصُدفة تداخل في كل مراحل التطور، فقد” تطورت مذاهب التطور في المصادفة لتنسج بها نظريتها في أهم محاورها:

 أولًا: في الحركة الأولى التي حدثت للمادة في حالتها الأولية الراكدة.

ثانيًا: في ظهور الحياة في البروتوبلازم ([17]).

ثالثًا: فظهور الإنسان بتكوينه المشتمل على العقل وعلى الجهاز البدني شديد التعقيد” ([18])

لأنّ تلك النظرية عندهم تعني أنّ وجود الكائنات الحية أتت في أول الأمر بطريق الصُدفة وتطورت إلى ما هي عليه، ويعتبرون ذلك قد تم بلا قصد.

فقد كان بعض العلماء الذين تبنوا الإلحاد وجدوا – على زعمهم – بغيتهم في نظرية التطور الداروينية وأنها تمثل الدليل على أنّ ” تطور الكائنات الحية نتيجة لطفرات عشوائية تحدث بالصُدفة هذه هي حجتهم العلمية الكبرى”([19]).

يقول الماديون:” الإنسان هو الحيوان الكامل، وأنّ الفرق بين الإنسان والحيوان إنِّما هو فرق في الدرجة، وليس في النوع، فليس هناك جوهر إنساني متميز” ([20])، أي أن الإنسان لم يُخلق خلقًا مستقلاً عن خلق الحيوانات.

أما بالنسبة لخلق الكائنات الحية، فينطلق الماديون في نظرتهم من المنهج الاختزالي، الذي يحلل الكائنات الحية إلى مكوناتها الأولية، من أعضاء وخلايا ([21]) وغيرها، وفى النهاية نصل إلى مجالات الطاقة العشوائية، عندها يقول الماديون: لم نجد إلا مادة تنفك إلى طاقة عشوائية ([22]).

 إذن كیف نشأت المادة الحیـة؟ و كیـف تنوعـت بعـد ذلـك إلى أنواع مختلفة؟ زعم ” داروين إلى أنها نشأت في المـاء مـن مـادة هلامية تـشبه البروتـوبلازم، ثـم تـشكلت وتطـورت بعـد ذلـك إلـى كائنـات بسيطة من فصيلة الأوليات كالأمیبیات ومنها اشتقت بقية الأقسام الحیة ” ([23])

ويصور الشيخ الغزالي مذهبهم بقوله:” فقد ادعى أصحاب هذا الإلحاد الفريد من نوعه أنّ كل ما في الوجود أزلي صادر عن المادة، على سبيل المصادفة والاتفاق، فالحياة بدأت خلية بسيطة، أو مجموعة خلايا، ثم بدأ التكاثر يعمل عمله، والتطور يعمل عمله بدون أي تدخل خارجي، حتى وصلت الحياة إلى ما هي عليه الآن”([24])، بالتالي فلا يوجد خالق لهذا الكون.

حيث زعمت نظرية داروين أنّ الله لم يخلق أي كائن حي، فقد وُجدت جرثومة واحدة، وهذه الجرثومة أخذت تتفرع وتتنوع عبر ملايين السنين، فعندهم أنّ” الكائن البشري بدأ تكوينه – جرثومة- منوية تقابلت ببويضة، فاندمجت بها ثم انقسمت الخلية الحادثة من الاندماج إلى خليتين، والخليتين انقسمتا إلى أربع، وهكذا ما زالت الخلايا تتكاثر بالانقسام، وتتكاثر، وتتراص بعضها بجوار بعض حتى تكون ذلك المخلوق البديع. ([25])

المسألة إذن، سلسلة مصادفات متتابعة، الجرثومة خرجت هائمة تتحرك كما يتحرك كل كائن حي فتلاصقت بالبويضة مصادفة، وبذلك نسب داروين خلقة الكائنات الحية للطبيعة قائلًا ” الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق”([26]) لقد أنكرت نظرية التطور حقيقة (الله خالق كل شيء).

 يقول عبد الوهاب المسيري: “إشكالية الأصل. فكل المخلوقات حسب التصور الداروني المادي ترجع إلى الأشكال البدائية للحياة (الأميبا)، والتي ظهرت بدورها نتيجة عملية طبيعية كيميائية [مادية]. إنّ الإنسان في الحقيقة (من هذا المنظور) إن هو إلا حيوان تطور من المادة إلى الأميبا، والأميبا تطورت حتى وصلت إلى القردة العليا، ومنها إلى الإنسان الذي اتجه نحو الكمال الجسمي والفكري، ومنه إلى الذكاء الخارق. فالتطور ظل محدودًا في نطاق الطبيعة/المادة”([27])

وتذهب نظرية التطور إلى أنّ كل الكائنات الحية على مر الزمان تنحدر من أسلاف مشتركة، وأنّ الإنسان والقردة أبناء عمومة، وتوجد حلقة مفقودة في تطور الإنسان من القرد، وليس مخلوقًا مستقلًا.

وذهب الدارونينون إلى أكثر ما ذهب إليه هو، وأصبحوا ملكيّين أكثر من الملك، فيقارن الدكتور كمال شرقاوي بين داروين، وأتباعه قائلًا: ” ولم يفقد داروين نفسه في سبيل نظرية التطوَّر، ويتنحى عن عقيدته الأصلية المسيحية، كما فعل كثيرون مما أُعجبوا وفتنوا بنظريته…كان البعض من المفتونين بسحر النظرية يساهمون في تفسير بعض الأمور المتعلقة بها، فعملوا على إدماج الفروض العلمية في هيئة دين، ومن هنا نمت شجرة الكُفر والإلحاد، واستهوى ذلك الكثيرين ليستظلو بظلها أمثال أبسن، وويلز، وبرجسون، وبرناردشو”. ([28])

ترى فكرة الداروينية أنّ هذا الكون نشأ بالمصادفة، وظل يتطور شيئا فشيئا حتى وصل إلى هذا القدر، وهذا يعني وجود الخلق بلا خالق خلقه ومدبر يدبره، وبهذا كانت نظرية داروين من أكثر النظريات التي اعتمد عليها أصحاب القول بالصدفة، وهو ما نراه في كثير من أقوالهم.

يقول عالم الأحياء (فرانسيس كريك):”إنّ استمرار النظام الموجود في العالم يحدث عن طريق المصادفة، وقد تتكرر هذه العلمية فتحدث المرة بعد المرة، وذلك كلما ألقت الصُدفة بطفرات جديدة نافعة. كما أنّ التحسين قد يضاف إلى التحسين، فإذا ما أعطينا هذه العملية الزمن الكافي فسينتج التطور كائنات متوافقة مع بيئتها على نحو ممتاز، والأمر لا يحتاج إلى أكثر من هذه الطفرات التي تحدث بالصُدفة، للوصول إلى هذا الكمال في التصميم ولا يبدو أنّ هناك آلهة، أو على الأقل آلهة شائعة تُوجِد هذا التغيير في الحين…، ولهذا السبب، لابد أن تعتمد على الصُدفة، فالصُدفة هي المصدر الوحيد”([29]). وهكذا ظهر الكون تلقائيًا.

 بل وصل الأمر إلى أشد من ذلك حيث زعم بعضهم أن الإنسان هو من اخترع فكرة وجود إله في الوجود الذهني، وجعل له قداسة، فزعم (جوليان هكسلي) أن الإله من صنع الفكر الإنساني، حيث أضفى عليه صورة القداسة فيقول: ” والإنسان التطوري لم يعد يستطع الفرار من وحدته بالاحتماء نحو مأوى يقيه، أحضان إله من صنع الإنسان نفسه، خلقه في صورة أب مضفيًا عليه ألوان القداسة”([30]).

فتنظر المادية إلى الخلق بعيدًا عن وجود خالق، إذ تنكر وجود الله، ونذكر على سبيل المثال: الفيلسوف الشيوعي انجل يقول:” ما خلق الإنسان إلا عملية بيولوجية”([31]).

ترى الداروينية أنّ الإنسان نشأ من تطور تدريجي غير مستقل. فتهدف نظرية التطور إلى إلغاء قدرات الإله الخالق، والتعامل مع التطور، وكأنه حقيقة واقعية، ونظرية علمية ثابتة قد تحققت لها أسبابها، وهي أصلاً نظرية معدومة لم تثبت حتى وقتنا هذا؛ بل هي مجرد فرض يحتاج إلى دليل وهو ما لم يقع.

 ثانيهما: نظرية التولد الذاتي والصُدفة

فقد لاحظ بعضهم ظهور كائنات حية دقيقة على الطعام والخبر والجبن واللحوم التي تُترك، وخروج بعض الديدان من الأرض الرطبة حية أي المادة، وأنّ الحياة نشأت في الماء قبل اليابس، وحبيبات الطين هي أنسب مكان لحدوث التفاعلات التي أدت إلى نشأة الحياة، وذلك لتوفر العناصر التي تتكون منها الكائنات الحيَّة في الطمي نفسه، ومع توافر مصادر طاقة صدرت من البروق أو الإشعاعات الشمسية، ساعدت على حدوث التفاعلات التي أدت إلى نشأة الحياة.

فالطبيعة هي التي خلقت الكون صدفة، وهي نظرية في علم الأحياء تُعرف بنظرية ” التولد الذاتي” وقد قام أصحاب هذه النظرية “بأخذ المادة بعد أن يبحثوها جدًا، ويفتشونها للغاية، حتي يعلموا خلوها من ديدان وحشرات، مستعينين على ذلك بكل وسيلة، ثم يضعونها بعد ذلك في إناء محكم؛ ويتركونه مدة ثم يفتحون، فإذا بالمادة تشتمل على ما لا يحصى من حيوانات تدب دبيبًا، وتتلوي تلويًا، وأنّ لونها ليشابه المادة تماما، وإذا فصلوها ثم وزنوا المادة وحدها، وجدوها قد نقصت بقدر هذه الحشرات، فهل بعد ذلك كان للعقل أن يقول بغي ما قالوا؟”([32]).

وجاء الخطأ عند أصحاب هذه النظرية من كونهم لم يفهموا أنّ هذه الديدان إنِّما كانت لها بذور من الأول في الهواء الذي كان مع المادة داخل الإناء، فأغلقوا الإناء والهواء فيه ببذوره فأفرخت فصار ما رأوا، ولما كانت هذه الحشرات ستتربى من نفس المادة، وتبني بناءها من أديمها، فكان طبيعيا أن يكون لونها كلونها، وأن تنقص بقدر حجمها.

وتزعم نظرية التولد الذاتي ” أنّ هناك كائنات حية تتولد ذاتيًا من أشياء غير حية في وجود جوهر نشط كالهواء كما يتولد الدود على الجثث فيحللها، وتتكون البكتيريا على الطعام فتفسده ” ([33])

تقوم فكرة التولد التلقائي على فَرضِية أنّ الأشكال الحية الأولى نشأت بسيطةً للغاية وأصبحت معقدة، واعتبر أصحاب هذه النظرية أنّ الفيروسات المتبلورة تعد مرحلة وسيطة بين عالمي الجماد والأحياء.

فلما أنكر الماديون وجود الخالق جل وعلا، زعموا أنّ ” المادة الأولي للكون التي هي عديمة الحياة والإحساس والإدراك والفكر، قد ارتقت بالتطور الذاتي حتى نشأت الحياة، التي هي أكمل وأرقى من مادة الكون الأولى. ثم نشأت بعد ذلك في الحياة الإحساسات الراقية، حتى مستوى الفكر، ووعي ما في الكون عن طريقه. وبذلك استطاعت المادة أن تعي ذاتها، متمثلًا ذلك في الجهاز الراقي الذي أبدعته بالتطور الذاتي، وهو الدماغ” ([34]).

مما سبق، تبين أن أصحاب هذه النظرية زعموا أنّ نشوء الحياة على الأرض كانت من مكونات غير حية، وأنّ الحياة نشأت صدفة نتيجة تفاعلات كيميائية. هذه فكرة (التولد الذاتي).

فقد زعم هؤلاء أن الطبيعة – في زعمهم- هي الخالقة لهذا الوجود، والعالم بما فيه من الحياة والأحياء قد تكون هكذا اتفاقًا بطريق الصدفة، أو عن طريق القوة الذاتية في المادة، ومن ثم لم تبق هناك حاجة إلى فرض قوة غيبية غير الطبيعة وقوانينها لتفسير نشوء هذا الكون، وظهور الحياة، وتدبير هذا الوجود.

*****

 

([1]) مشير باسيل عون، نظرات في الفكر الإلحادي الحديث، دار الهادي، بيروت، لبنان، تاريخ النشر 2015م، ص 93.

([2]) محمد عبد المنعم خفاجي، الرد على الماديين، الناشر: القاهرة، دار الكرنك للنشر والطبع والتوزيع، سنة 1961م، ص 21.

([3]) سيرىكينوياخوت، أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، ترجمة: محمد الجندي، دار التقدم، موسكو، ص 39.

([4]) صابر عبد الرحمن طعيمة، الإلحاد الديني في مجتمعات المسلمين، ط1، 1425 هـ – 2004 م، بيروت، ص 16.

(([5] ف. كيللي، م كوفالزون، المادية التاريخية، ترجمة: أحمد داود، ط دار الجماهير، دمشق، سورية، 1970م، ص500.

([6]) وحيد خان، الإسلام يتحدى، ص 66.

([7]) محمود أمين العالم، فلسفة المصادفة، ص 17.

([8]) سامي العامري، براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، ص 472، 473.

([9]) عُرف “التطور” بأنه: “نمو بطئ متدرج يؤدى إلى تحولات مُنظمة، ومُتلاحقة تمر بمراحل مختلفة يُؤذِن سابقها بلاحقها، كتطور الأفكار، والأخلاق، والعادات، ولا يكون التطور مسبوقًا بتخطيط، ولا مستهدفًا لغاية عكس التقدم، وهو في الجملة انتقال من المخْتَلف إلى المؤْتَلَفْ، ومن غير المتجانس إلى المتجانس، ومن اللامحدود إلى المحدود، أو بالعكس، ولايتضمن التطور في ذاته فكرة التقدم أو التقهقر، وإنما يعبر عن التحولات التي يخضع لها الكائن العضوي، أو المجتمع سواء كانت ملائمة أم غير ملائمة، ومذهب التطور هو: “مذهب يعتمد على فكرة التطور، ويؤيد الصيرورة، والتحول، ويذهب إلى أنّ القانون العام لنمو الكائنات يتلخص في تنوع، وتكامل مستمرين .إبراهيم مدكور، المعجم الفلسفي، القاهرة: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، 1403هـ -1983م، ص 47، ص 175.

([10]) على عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، تقديم عبد الوهاب المسيري، وترجمة: محمد يوسف عدس، الناشر: مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام، ط/1994م، ص 50.

([11]) الكوسمولوجيا: علم الكون هو العلم الذي يدرس أصل، ونشأة، وتاريخ، ومحتويات تطور الكون، و دراسة البنية الواسعة للفضاء، بكل ما فيه من مادة، وطاقة، و موضوعاتها: ظهور الكون والبنية التي يتألف منها ثم ماهي طبيعة المكان وما طبيعة الزمان؟ وكيف ظهرت البدايات الأولي على الأرض؟، وكذلك دراسة مشكلة الغائية» هل هناك غاية أو هدف في الكون» أصحاب مذهب الغائية «أم أنّ الكون بما فيه من ظواهر= = يسري بلا هدف ولا غاية» الطبيعيون «؟ وهل يمكن التوفيق بين النظرة الغائية الدينية، والنظرة العلمية الرافضة لكل غاية؟ بحيث يستطيع الإنسان قبول النظريتين معا ورغم حداثة هذا العلم من حيث تداخله مع الفيزياء الحديثة، فإنّ جذوره تمتد إلى العصور القديمة بمعالجتها الفلسفية، والدينية، والميثولوجية الغيبية (ميتافيزيقية) لموضوع أصل الكون، انظر: هيجل/ جورج فيلهلم فريدريش: موسوعة العلوم الفلسفية: صـ12، وانظر: موسوعة ويكيبديا الحرة http://ar.m.wikipedia.org.

([12]) مصطفي حسيبة، المعجم الفلسفي، دار أسامة للنشر والتوزيع، ط1، 2012م -1433هـ، ص 41.

([13]) شمس الدين آق بلوت، داروين ونظرية التطور، ترجمه: اورخان محمد على، القاهرة: دار الصحوة حدائق حلوان، ط7/1980م، ص 86.

([14]) السيد محمد بدوي، التطور في الحياة وفي المجتمع، دار المعرفة الاجتماعية، ط1/2000، ص 67.

([15]) المرجع نفسه، ص 62.

( ([16]فران كلين – ل باومر، نقلًا عن الفكر الأوروبي الحديث، ترجمه: أحمد حمدي محمود، القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، ص9 .

([17]) البروتوبلازم: المادة الزلالية الحية التي تتكون منها خلية الأجسام النباتية والحيوانية، وقد رأينا أن نترجمها بكلمة (النطفة) انظر: كمال الدين الحناوي، معجم مصطلحات علم الأحياء، مراجعة: هشام كمال الدين الحناوي، الناشر: المكتبة الأكاديمية، القاهرة، ط/ 1987م، ص399.

([18]) يحي هاشم فرغل، الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، القاهرة: دار المعارف كورنيش النيل، ط/ د ت، ص 57.

([19]) عمرو شريف، خرافة لإلحاد، ص 26.

([20]) على عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص 47

([21]) الخلية: كتلة صغيرة من مادة حية، تحتوى عادة على نواة أو مادة نووية، وهى الوحدة الأساسية في بناء وعمل النباتات والحيوانات. معجم مصطلح علم الأحياء، ص 92.

([22]) عمرو شريف، وهم الإلحاد، تقديم: د. محمد عمارة، الأزهر، هدية المجلة، 1435م، ص 72.

([23]) د. يحي هاشم فرغل، الإسلام والاتجاهات العلمية الحديثة، ص 37.

([24]) الشيخ محمد الغزالي، الإسلام في وجه الزحف الأحمر، ط/ نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، سنة 2005م، ص49 – 50 بتصرف واختصار، انظر أيضا: نديم الجسر، قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن، منشورات دار الخلود طرابلس لبنان، ط3/ 1389م-1969م، ص157 – 182.

([25]) هلال على هلال، الجائزة أو لماذا أؤمن بالله، مطبعة إليوسفية بطنطا، ط1، 1367هـ- 1948هـ، 2/12.

([26]) القس عبد المسيح بسيط – الكتاب المقدَّس يتحدى نُقَّاده والقائلين بتحريفه، مطبعة: بيت مدارس الأحد بروض الفرج، ط1/ 2005م، ص 14، 15.

([27]) عبد الوهاب المسيري، رحابة الإنسانية والإيمان، دار الشروق، القاهرة: مدينة نصر، 8 شارع سيبويه المصري، ط1/2012م، ص78.

([28]) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد، ص 29، 30

([29])  فرنسيس كريك، طبيعة الحياة، ترجمة: د. أحمد مستجير، مراجعة: د. عبد الحافظ حلمى، سلسلة عالم المعرفة، العدد 125، مطابع الرسالة بالكويت، 1408هـ- 1988م، صـ 63-64.

([30]) القس عبد المسيح بسيط – الكتاب المقدَّس يتحدى نُقَّاده ص 14، 15

([31]) على عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص 48

([32]) هلال على هلال، الجائزة أو لماذا أؤمن بالله، ص123.

([33]) د. صبري الدمراش، للكون إله، مكتبة المنار الإسلامية، ط2/ 1427ه- 2006م، ص527.

([34]) عبد الرحمن حبنكة، كواشف زيوف في المذاهب المعاصرة، دار القلم، دمشق، ط2، 1412هـ، 1991م، ص 540.

 

الصُّدفة في ميزان الفلسفة والعلم والدين دراسة تحليلية نقدية – المبحث الثاني- المطلب الاول

بقلم أ.د عماد العجيلي

استاذ ورئيس قسم العقيدة بجامعة الازهر والجامعة الإسلامية بمنيسوتا

المبحث الثاني

 نقد القول بالصُدفة

المطلب الأول

نقد القول بالصُدفة في الاتجاه الفلسفي

إنَّ المتأمل في العالم الذي نعيش فيه يستطيع أن يقف على بطلان الصُدفة بالبراهين العقلية، فالكون من حولنا من ذراته إلى مجراته حوى نظامًا بديعًا محكمًا.

فالنظام المحكم، والقوانين الكونية لم تختلف يومًا عن نظامها؛ فهذه الشمس لم تغير نظامها في الشروق والغروب، والنجوم والكواكب، كل شيء بحساب دقيق، وضبط كوني، والأمر كذلك من أصغر وحدة للمادة في هذا الكون ألا وهي الذرة تقوم على نظام محكم، إلى أكبر مجرة، كل ذلك يسير في نظام مطرد.

والصُدفة أمر لا يتفق مع كل هذا الإحكام والاطراد، إذ الصُدفة هي فعل بدون قصد، ولا غاية، وكل ما في الوجود مقصود، وموضوع لغاية محدودة، قال تعالى:﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [ البقرة: 29].

فإنّ الصُدفة عمياء لا يمكن لها أن تخلق شيئًا من العدم إلى الوجود، وكل ما يمكن نسبته إليها هو حركة التلاقي بين الموجودات، وهذه الحركة قد تحدث مرة بين آلاف المرات.

فالقول بالمصادفة إذن أمر لا يتخيله عقل ولا منطق، فكيف يحدث هذا الكون بشكل عشوائي، ثم إنَّ الطبيعة غير عاقلة، وجافة ليس بها إحساس، فكيف وهبت العقل والإحساس، هي لا تملكه، وفاقد الشيء لا يعطيه.

 أضف إلى ذلك فرضية (الصدفة) تتهافت أمام مبدأ (السببية) الضروري.

وتتعدد تعريفات السبب عند الفلاسفة باختلاف مدارسهم وعصورهم – وليس الغرض استقصاءها – لكنها وفق ما يتفق عليه الغالب الأعم منهم: “ما يحتاج إليه الشيء في حقيقته، أو وجوده”([1]).

وعلى مستوى أيسر من التعبير هي: “العلاقة بين السبب والمسبب”([2])، ومبدأ السببية من الضرورات العقلية، والبديهيات الفطرية التي لا يختلف فيها العقلاء.

السببية (أو العلية) هي “إحدى بداءة الفكر الأساسية، فإنه لا يحدث شيء بلا علة، أو على الأقل بلا سبب محدد” ([3])

نجد أرسطو قد اهتم بدرس العلل، ” وقسمها إلى علل أربع: المادية، والصورية(الهيولى)، والفاعلية، والغائية”([4])، “والله عنده هو العلة الأولى، وليس معلولًا لشيءٍ آخر”([5]).

 والمتأمل في الكون وما فيه ” وحوادثه المستمرة يجد أمورًا لم تكن ثم كانت، وكل شيء لم يكن شيئًا مذكورًا، ثم كان لابد له حتمًا من موجد أوجده، ولا بد أن يتصف هذا الموجود بالصفات التي تؤهله لعمليات الإيجاد، ولا بد أن يكون أزليًا غير حادث، وإلا احتاج هو أيضًا إلى موجد يوجده. (وهذا هو دليل السببية)”([6])

 والقول بالصُدفة معناه الاستغناء عن قانون السببية، ويعد هذا استغناءً عن العقل في مقام يقتضي الإيمان بالعقل.

ومن يدعي بأنّ الصُدفة وراء الخلق والإماتة لا يستند إلى دليل أو برهان بل ” إنّ القول بالصُدفة يتنافى مع القول بقانون السببية أو العلية الذي هو أساس كثير من العلم والذي يؤمن به حتى الأطفال والصبيان، إننا لا نفهم كيف يمكن للمصادفة التي تعني الفوضى واللاقصد والاتفاق والتشويش أن تنتج هذا النظام الدقيق ” ([7])

 هذا ويتفق الجميع على افتقار الكون، وما فيه إلى محدث؛ إلا أنّ هذا المحدث في نظر زعماء الصُدفة هو الصُدفة، وزعماء الطبيعة هو الطبيعة، وكل هذه لا تعبد، وما ينبغي لها أن تعبد؛ لأن غاية الملحدين التخلص من ربقة الدين التي تأمر بالعبادات، وذلك هو مفترق الطرق بين طائفة المؤمنين، والملحدين والكلمة الفاصلة في قضيتهم.

والقول بالمصادفة في ظهور العالم يسقط تلقائيًا عند إثبات حدوث العالم، حيث إنَّ المصادفة تثار على أساس القول بقدم العالم.

 أيضًا القول بالمصادفة نوع من التجهيل يلجأ إليه الإنسان عند جهله بالأسباب، وإذن القول بالمصادفة من شأنه أن يكون متناقضًا مع وظيفة العلم، الذي يقوم منهجه على البحث عن الأسباب لا على التجهيل بها، وإنكارها.

إذ الصُدفة ” لفظة تدل على التجاهـل لمـا وراء الحـوادث الوجودية مـن علـل وأسـباب، ومـا تترتب علـى تلـك العلـل والأسـباب والـنظم مـن نتـائج وغايات، فهي سـتار مـن الباطـل يخفون وراءه مـا يجهلونه مـن أسـباب للحـوادث”.([8])

يقول الأستاذ إسماعيل مظهر:” إذا سألتهم – أي الماديين- كيف وجد السديم – المادة الأولية التي ظهر منها الفلك في زعمهم- أصلًا؟ وأية قوة حركته؟ ومن أحكم تلك التغيرات بحيث انتهت إلى ذلك النظام المحكم؟ لم يجدوا مخرجًا إلا بالركون إلى القول بالمصادفة”.([9])

أي أنّ احتمال الصُدفة ليست إلا تعبيرًا عن الجهل، وهكذا فإنَّ الجهل بالأسباب هو السبب في افتراض الصُدفة، أو بعبارة الفيلسوف الفرنسي (بول جانبه) ” الصُدفة كلمة خالية من المعنى اخترعها جهلنا” ([10]).

فهم يهربون من الإرادة الإلهية التي لا مفر منها في تفسير الكون ونشأته إلى القول بالصُدفة في تفسير ظواهر الكون والكائنات.

يقول الدكتور ليكونت دي نوى:” نكرر القول بأنه لا توجد حقيقة واحدة، أو نظرية واحدة في يومنا هذا تقدم تفسيرًا قاطعًا لمولد الحياة وتطور الطبيعة، ولقد درسنا مسألة أصل الحياة، فوجدنا أننا مضطرون إلى أن نقبل فكرة تدخل قوة سامية يدعوها العلماء أيضًا ” الله” وهي عكس الصُدفة”([11]).

فالمذاهب الإلحادية تدور حول القول بنشوء العالم إما على سبيل الصُدفة، وإما على سبيل القانون الضروري، وهذا يتنافى مع العقل والواقع.

فإنَّ هذه الأقوال تحتوى على تناقض آخر ذاتي، إذ أنها تجعل نفس العالم خالقًا ومخلوقًا في وقت واحد، وهذا ما يسمى بالدور([12])، وهو باطل بالضرورة.

يقول عالم الطبيعة الأمريكي جورج إيرل ديفيس: ” لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإنَّ معنى ذلك أنه يتمتع بأوصاف الخالق، وفى هذه الحال سنضطر أن نؤمن بأنّ الكون هو الإله، وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله)، ولكن إلى هنا هذا سوف يكون عجيبًا، إلهًا غيبيًا وماديا في آن واحد! إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي، وهو ليس بجزء من هذا الكون، بل هو حاكمه ومديره ومدبره”([13])

 ونجد أن ما درج عليه الفلاسفة الإلهيون، منذ أقدم العصور، أنَّهم جعلوا في تقسيم الفلسفة: الطبيعية، وما بعد الطبيعة.

هذه هي النقطة المشتركة بين الإلهيين والماديين، وأما نقطة الافتراق فهي أنّ الإلهي يسند هذا النظام (أي نظام الأسباب والمسبّبات المادية الطبيعية) في نشأته، وبقائه إلى خالق، حكيم، قدير، أوجد هذه السنن والقوانين بقدرته المطلقة، وبعلمه الواسع الذي نعبر عنه بالمحاسبة الدقيقة؛ بينما يسندها المادي الى الصُدفة.

لقد أنكر الملحدون دليل العناية الإلهية والنظام الكوني، واستعاضوا عنه بالقول بالمصادفة، وأنّ هذا الكون ليس من صنع الله؛ بل إنّه وجد مصادفة دون أن يكون للقدرة الإلهية أي تأثير فيه، بيد أنّ العقل الصحيح يستنكر ذلك؛ لأنّ حدوث المحدثات بما هي عليه من قصد وإحكام يستلزم وجود قاصد فاعل مؤثر؛ ولذا يقال لهؤلاء من أين للعالم هذا النظام العجيب، وهذا الترتيب الدقيق الذي حارت فيه العقول؟ إنه لا يحدث صدفة!

 ثم إن الصدفة لا تجرى على نسق، ولا تسير بنظام، وكل ما في هذا العالم يجرى على نسق عجيب ونظام بديع، كما أن الصدفة فعل بلا قصد، ولا غاية، وكل ما في الكون له هدف، وغاية.

أيضًا الصدفة لا تتكرر، ويبقى الفعل بعدها بغير ممسك له أو حافظ، والعالم لم يتطرق إليه خلل، و هو متماسك بقدرة الله وعنايته به.

*****

([1]) الفخر الرازي، المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات، ط/انتقشاراتبيدار، ط1(1370هـ)، 1/586.

([2]) المعجم الفلسفي، جميل صليبا، /649

([3]) أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، وأشرف عليه أحمد عويدات، منشورات عويدات بيروت- باريس، ط2/ 2001م، 1/15.

([4]) جميل صليبا، المعجم الفلسفي، 2/96.

([5]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 148.

([6]) عبد الرحمن حبنكة، كواشف زيوف في المذاهب المعاصرة، ص 549

([7]) د. عبد الرحمن المراكبي، محاضرات في العقيدة والتوحيد، ص 416.

([8]) الـسید محمـود أبـو الفیـضى المنوفي، تهافت الفلسفة، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1387هـ، 1967م، ص52.

([9]) يحي هاشم فرغل، مداخل إلى العقيدة الإسلامية، مطبعة التقدم، طنطا، طبعة 1985م، ص 187، 188.

([10]) سامي عامري، براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، ص472.

([11]) د يحي هاشم فرغل، مداخل إلى العقيدة الإسلامية، ص197.

([12]) هو توقف وجود الشيء على ما يتوقف وجوده عليه، وهذا هو الدور الصريح أو المصرح، راجع، تعريفات الجرجاني 105، لأنه يلزم منه تقدم الشيء على نفسه، إذ من المعروف بالبديهة أنّ العلة سابقة للمعلول، فالعلة متقدمة، والمعلول متأخر، فإنكان المعلول علة نفسه، لزم أن يكون سابقًا على نفسه!، فيكون متقدمًا ومتأخرًا في نفس الوقت، وهذا تناقض، الإيجي: المواقف، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (ت:756ه)، تحقيق: د.عبد الرحمن عميرة، الناشر: دار الجيل – بيروت، ط1/ 1997م، ص89.

([13]) عبد الرحمن حبنكة، صراع مع الملاحدة حتى العظم، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق، ط5/ 1412ه- 1992م، ص112.

المصدر

الصُّدفة في ميزان الفلسفة والعلم والدين دراسة تحليلية نقدية – المبحث الثاني- المطلب الثالث

بقلم أ.د عماد العجيلي

استاذ ورئيس قسم العقيدة بجامعة الازهر والجامعة الإسلامية بمنيسوتا

المطلب الثالث

 الصُدفة في ميزان الضبط الدقيق والتصميم الذكي

تمهيد:

يتضمن مفهوم الضبط الدقيق، والتصميم الذكي فكرة مفادها: أنّ بعض الميزات في الكون والكائنات الحية، لا يمكن تفسيرها إلا من خلال أسباب وعلل تمثل مظهرًا للدليل الغائي لوجود الله، وهذا البرهان يطرح ذاته من قِبل البعض على أنه قائم على أدلة علمية بدلًا من الأفكار الدينية، وتم تعديله لتجنب الحديث حول ماهية المصمم أو طبيعته، وهي بحسب مؤيديها نظرية علمية تضاهي النظريات المعاصرة التي تتعلق بالتطور وأصل الحياة، وترتكز فكرة التصميم الذكي على مفاهيم أساسية في التعقيدات المتخصصة، إذ أنّ هناك أنظمة بيولوجية معقدة بشكل معين حيث لا يمكن تكونها عن طريق طبيعة عشوائية، وهناك أيضًا مفهوم التوافق الدقيق للكون الذي يعتقد بأنّ الكون قد صقل بعناية ليسمح بظهور الحياة على الأرض.

وكما هو معلوم علميًا ودينيًا، أنّ هذا الكون بما فيه من مادة، وطاقة، كل ما فيه بمقدار محدد، وتحكمه قوانين متنوعة ومتعاضد منذ نشأته، والفرق بين المؤمن، وبين القائل بالصُدفة يتمثل في: أن المؤمن يقول إنَّ الله هو الخالق والمدبر لتلك القوانين، والنظم الثابتة في الكون. أما غير المؤمن فينظر في أنّ الكون على صورة بالغة الدقة لتظهر الحياة عن طريق الصدفة.

أولًا: معنى الضبط الدقيق

عبّر علماء الفيزياء عن ظاهرة الضبط الدقيق بعبارة مشهورة في كتبهم؛ بقولهم: ” إنَّ ظاهرة الحياة في هذا الكون” متوازنة على حد السكين “إنك لو غيرت من طبائع المقادير والقوانين في أقل القليل؛ سينهار الكون أو تفسد الحياة”([1]).

 لذا كان تخلف القوانين الكونية، والضبط الدقيق للكون والحياة يعني عدم الكون وانهياره. فهو دليل وبرهان لوجود الحياة كلها، وليس الوجود الإنساني فقط، ويشهد الفيزيائي (بول ديفيس) على ذلك بقوله: ” الشيء المدهش بحق ليس أنّ الحياة على الأرض قائمة على توازن دقيق جدًا كحد السكين، و انم أن الكون كله قائم على توازن دقيق كحد السكين. وحتى لو قمت بإهمال الحياة البشرية وعدها مجرد حدث غير متوقع في المجموع العام للوجود، فسيبقي هناك حقيقة أنّ الكون كله يبدو مناسبًا بوجه غير معقول لوجود الحياة” ([2]). وكأن الكون على تروس متداخلة بدقة متناهية، وراءها مدبر حكيم، والضبط الدقيق للكون على جوانب وأقسام متعددة، يقول الفيزيائي روبن كولنز: “الوضع المحدد للكون الذي يسمح بنشأة الحياة يسمي الضبط الدقيق للكون، هذا الضبط الدقيق ينقسم إلى ثلاثة أقسام كبرى: قوانين الطبيعة، والثوابت الفيزيائية، ظروف الكون الأولية” ([3])

ثانيًا: نشأة الضبط الدقيق.

لطالما ربط الفكر المادي بإلحاد نَفْسَه بالعلم والمنهج التجريبي، واتخذ من بعض النظريات التي لم تصل إلى الحقائق العلمية ذريعة له للقول بالصُدفة، وبعد ذلك أثبت العلم نفسه كذب هذه النظريات مثل (نظرية التطور، ونظرية التولد الذاتي)، وأصبحت نظرية الضبط الدقيق، والتصميم الذكي هي الناقضة لفكرة القول بعشوائية الكون، وأكدت هذه النظرية أنّ العالم له خالق مدبر حكيم، وقد ” بدأ برهان الضبط الدقيق في الظهور بوضوح في المكتبة الغربية منذ ستينيات القرن الماضي، وقد تشكل مع تطور علم الكوسمولوجيا، والفيزياء في كشفهما الشروط الضرورية لنشأة الحياة وبقائها في الكون ” ([4])

ولقد شغلت فكرة الضبط الدقيق الفكر البشري في الآونة الأخيرة، كما حظيت باهتمام علمي،” وفي العصر الحالي تنظر الهيئات التدريسية، ومشرّعو الولايات، والمحاكم في أمريكا إلى إمكانية تعليم الصنع المتقن في المدارس الحكومية ضمن المناهج التعليمية” ([5]) فالعلم ينأى بنفسه من خلال اكتشافاته عن سذاجة القول بالصُدفة والعشوائية.

والنظر في القوانين التي تحكم الوجود، يدفع العقل إلى أن يعجب من وجود القوانين، وتنوعها، وتكاملها، ودقتها، وجمالها. ولذلك عبَّر (ديفيس) عن دهشته بقوله:” القوانين تبدو نفسها نتيجة تصميم مبتكر للغاية”([6])

وقد أثبتت نظرية الضبط الدقيق استبعاد حكاية الصُدفة في بروز هذا التكوين إلى الحياة؛ لأنّ التأليف المنسق المحكم الرائع الذي يتم به هذا التكوين وراءه خالق محكم مريد.

ويُرجع (ملفن كلفن) الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء الحيوية” ما يوصف من انتظام الكون إلى الإله الواحد الذي يديره بنظام متناسق، حيث إن العشوائية أو آلهة متعددين يديرون الكون كلٌ بقوانينه كان سيؤدي إلى انهياره ” ([7])

كل ما في الكون محكوم بقوانين؛ وذلك لأنه يحتاج إلى شروط في وجوده، ولهذا فكل ما في الكون ناقص يفتقر إلى موجِده، حتى أنّ الانفجار العظيم ليس انفجارًا عشوائيًا -كما نظن نحن – حيث ينتج عن الانفجار في العادة تشتت وعشوائية، لكن الانفجار العظيم هو انفجار بمعنى فتق للمادة المتماسكة وتوسعها بشيء غاية في الدقة والاتفاق، فانفجار بهذه القوة لا يحتمل أن ينتج عنه أي نظام أو اتفاق، لكن نجد العلماء يصرحون أنه قد صاحبه دقة بالغة، وإحكام رائع لينتج لنا هذا الكون البديع.

وإلى هذا يشير العالم البريطاني المشهور (فردهويل) عندما يقول: ” نحن نعلم أنّ كل انفجار يشتت المادة ويبعثرها دون نظام؛ ولكن هذا الانفجار الكبير عمل العكس بشكل محفوف بالأسرار؛ إذ عمل على جمع المادة معًا لتشكيل المجرات”([8])

بل ” إنَّ سرعة توسع الكون سرعة حرجة جدا لدرجة أنها لو كانت في الثانية الأولى من الانفجار أقل من قيمتها بمقدار جزء من مليون في مليار لانهار الكون على نفسه قبل أن يصل إلى وضعه الحالي” ([9])، إذن هذا هو مبلغ الدقة المذهلة في تنظيم هذا الانفجار الكبير وفي تصميم سرعته.

قال نيوتن وقد سأله الناس أن يأتيهم بدليل على وجود الله:” لا تشكُّوا في الخالق، فإنه مما لا يعقل أن تكون الضرورة وحدها هي قائدة الوجود؛ لأنّ ضرورة عمياء متجانسة في كل مكان، وفي كل زمان لا يتصور أن يصدر منها هذا التنوع في الكائنات، ولا هذا الوجود كله، بما فيه من ترتيب أجزائه، وتناسبها مع تغيرات الأزمنة والأمكنة؛ بل إن كل هذا لا يعقل أن يصدر إلا من كائن أوَّلي له حكمه وإرادة” …. إلى أن قال: كيف تكونت أجسام الحيوانات بهذه الصناعة البديعة، ولأي المقاصد وضعت أجزاؤها المختلفة؟ هل يعقل أن تصنع العين الباصرة بدون علم بأصول الإبصار ونواميسه؟ والأذن بدون إلمام بقوانين الصوت. إلخ”([10]).

فهذا الكون الذي يزعم أصحاب الصُدفة أنه جاء تلقائيًا عشوائيًا، تبين أنه على نظام دقيق وذكي، هذا النظام يسير بأمر الله، فالكون مُدرك لعمله ونظامه بأمر الله، فالأرض مدركة بما فيها لعملها بأمر الله، حتى الحجر، الشجر فمن الذي أعطي الشجرة الأمر بعملية البناء الضوئي أو اللقاح؟ فالعلم يثبت أنّ هذا الكون بنظام ذكي، ويرفض فَرضِية الصُدفة بكل صورها.

يقول فرامكلين إم. هارولد:” يجب أن نرفض كمسألة مبدأ أن تحل الصُدفة والضرورة محل التصميم الذكي، لكننا يجب أن نعترف بأنه ليس هناك تفسيرات داروينية مفصلة لتطوير أي نظام كيميائي حيوي فليس هناك سوي تخمينات تواقة”([11]).

إنَّ تنظيم الكون قائم على صورة دقيقة، يقود هذا النظام إلى ظهور الحياة، نظام الكون مقدرة بطريقة خاصة لا تسمح لاحتمال الصُدفة، ووجود كون متقن العناصر بدقة بالغة حتى توجد الحياة، هذا في حد ذاته برهان أنه صَنعة خالق، يقول المنكر لوجود الله:” هذا البناء الكوني أثر للعشوائية المحظوظة”.

 إن برهان التصميم في الكون ودلالته على الخالق واضح لأي عالم منصف،

ولقد تواترت شواهد الضبط الدقيق، فقد أثبت العلم الحديث وجود ضبط دقيق، وخلق متقن، في هذا الكون، فقد” ظهر الكون إلى الوجود بمعايرة دقيقة لآلاف الثوابت الفيزيائية والطبيعية، التي سمحت بوجود الحياة والتي لو اختل ثابت منها بمقدار جزء من مليار جزء لاختل الكون، أو لتوقف عند مرحلة الذرة البدائية الأولى (البيضة الكونية)”. ([12])

ولقد قام الفلكي مارتن ريس بتأليف كتاب، أوضح خلاله أهمية ستة ثوابت ذات قيم ومقادير محددة ومصنوعة بعناية، بحيث تشكل أساس الخواص الفيزيائية الأساسية للكون، وإن كانت الأرقام الستة قد تبدلت حتى ولو لأدنى درجة، فلن تكون هناك نجوم، ولا عناصر معقدة، ولا حياة”.([13])

إن برهان الضبط الدقيق هو من أعظم الأدلة على الصنع المتقن، ووجود الخال سبحانه، فلقد أثبتت جميع الدراسات العلمية بما لا يدع مجالاً للشك أنّ هذا العالم يسير وفق ضبط دقيق، وتوازن محكم لا مثيل له.

فالأرض مثلًا يقول العالم الأمريكي الشهير موريسون: ” إنّ حجم الكرة الأرضية وبُعدها عن الشمس، ودرجة حرارة الشمس وأشعتها الباعثة للحياة، وسمك قشرة الأرض وكمية الماء، ومقدار ثاني أوكسيد الكربون، وحجم النتروجين، وظهور الإنسان، وبقاؤه على قيد الحياة، كل ذلك ضد الاعتقاد بأنّ جميع الأُمور تحدث مصادفة”([14]).

 لقد جعل الله الكون صالحًا للحياة، فلو علونا عن سطح الأرض مائة ميل – المائة ميل كخطوة نملة في الكون – والمسافة بين الأرض وبين الشمس 93 مليون ميل – يموت الإنسان في الحال؛ لأنه لا يجد هواء، فالحياة لا تستطاع بعد خمسة أميال.

فالصنع الإلهي المتقن لم يعد دعوى دينية فحسب، وإنما أصبح قوة علمية، تزداد وضوحًا بشواهدها كل يوم، وهذا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الْآفَاقِ وَفِي أنّفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنه الْحَقُّ﴾[ فصلت: 53]

إن الضبط الدقيق يدحض فرضية الصُدفة، ويدلل على وجود الخالق، فدلائل القصد والتصميم في الخلق تجعل فكرة التكوين والبناء والتركيب المعجز بطريق المصادفة مستحيلة عقلًا.

يقول كيث ورد: “كل الفلاسفة الكلاسيكيين (المؤسسين) العظماء تقريبا اتفقوا على أنّ الكون لا يشرح نفسه، وأنه يتطلب تفسيرا يتجاوزه، وقبلوا هذه الفكرة باعتبارها أمرًا في منتهى الوضوح”.([15])

ويقول ستيفن وانبرغ: ” إن من الرائع أنّ نجد في فوانين الطبيعة خطة وضعها خالق مهتم, وتؤدي فيها الكائنات البشرية دورًا متميزًا وأن أشعر بالحزن عندما أشك في ذلك”.([16])

وقد دعا فريد هويل إلى ضرورة التسليم للإبداع بقوله:” إن المواد البيولوجية – بما تحويه من قياس ونظام – يجب أن تكون ثمرة تصميم ذكي، ولا توجد أي احتمالية أخرى يمكنني التفكير بها مما جعله يهتز بشدة عندما وجد نفسه منقادًا إلى الاعتراف بتدخل خارجي إلهي”.([17])

ويقول جورج جرينشتاين: ” كلما واجهنا الأدلة، واجهتنا على الدوام الحقيقة نفسها، أنّ قوة عاقلة فوق الطبيعة تدخلت في نشوء الكون”([18]).

ويقول كريستوفر هيتشنز:” إنَّ فَرضِية التنظيم الدقيق للكون هي أقوى حجة كان يواجهني فيها الطرف الآخر المؤمن بوجود إله” ([19]).

ويقول بول دافيز الفيزيائي المعاصر: ” يتسم الكون بالتنظيم والتطابق، فهناك نظام كلي متناغم لا فوضى، وهذه الحقيقة الأساسية مهمة للغاية لوجودنا؛ إذ أنه لم يكن ممكنًا للحياة أن تنشأ ناهيك عن أن تتطور إلى مرحلة الذكاء وسط الفوضى” ([20]).

ويقول ستيفن وينبرج مخاطبًا ريشارد دوكينز:” سيبقي دائمًا سؤال لماذا قوانين الطبيعة كما هي الآن وليست مختلفة؟ ولا أجد أي طريقة للخروج من هذا، حقيقة أنّ الثوابت الطبيعية مناسبة للحياة هي حقيقة واضحة ومشاهدة” ([21]).

وعلى نهج المثبتين للضبط الدقيق سار كثير من العلماء والمفكرين في حقولهم العلمية مقرين بالضبط الدقيق الذي لا بديل عنه لتفسير نشأة الكون، واستمراره.

يظهر جوهر الضبط الدقيق للكون في وجود أمور لا تحتملها العشوائية، ولا الضرورة المادية لظهور الحياة، وهي:

الضبط الدقيق للقوانين الفيزيائية

الضبط الدقيق للثوابت الكونية

الضبط الدقيق للظروف الأولى لظهور الكون

الضبط الدقيق للمركبات الكيميائية والبيولوجية الضرورية للحياة على الأرض”([22])

 يُعد (برهان الضبط الدقيق) هو من بين البراهين العلمية على وجود الله (برهان العصر للإيمان) فهو “البرهان الذي قال في دلالته (ستيفن واينبرغ) الفيزيائي الملحد الأمريكي الحائز على جائزة نوبل في لقائه مع (داوكنز):” نحن – بسببه-في ورطة” بسبب العجز عن تفسيره في كون عشوائي أعمى، وهو البرهان الذي اعترف (هتشنز) الملحد أنه أقوى أدلة المؤمنين بالله، وأنه برهان يضطر الملحد إلى التفكير بجد فيه” وهو الذي جعل عددًا ممن يرفضون برهان التصميم في الأحياء بسبب إيمانهم بالتفسير الداروني – مثل عالم الجينات (فرانسيس كولنز)-، يُقرون أنه برهان لا سبيل لرده” ([23])

ومن علماء الكونيات الذين أذهلهم ما في الكون من دقة حتى أنهم تركوا إلحادهم لأجل البراهين المتدفقة على دقة النظم الكونية، الفيزيائي (فرنك تبلر) الأمريكي القائل:” لما بدأت حياتي المهنية منذ قرابة عشرين سنة مضت كمولوجي، كنت ملحدًا مقتنعًا بإلحادي. لم أتصور – حتى في أحلامي السادرة – أنني سأكتب كتابًا يزعم أنه يُظهر أنّ الدعاوى المركزية للاهوت المسيحي اليهودي [خَلق العالم ونظم القوانين] هي في الواقع حقيقة، وأنّ هذه الدعاوي هي استدلالات مباشرة من القوانين الفيزيائية كما نفهمها نحن الآن. لقد دُفعت إلى الإيمان بهذه النتائج، بسبب المنطق الصُلب لفرع الفيزياء الخاص الذي أُدرسه”.([24])

ومن الذين زلزل النظم الدقيق اعتقادهم بالإلحاد، وكانوا من المدافعين عنه بشدة عالم الفلك الكبير (فريد هويل)، حتى قال:” يخبرنا التفسير البديهي للحقائق أنّ كائنًا بالغ الذكاء قد تحكم في ضبط الفيزياء، وكذلك الكيمياء والبيولوجيا، وأنه لا توجد قوى عمياء تستحق الذكر في الطبيعة “([25]).

ويرى فرانسوا جاكوب: ” أنّ مفهوم (التصميم الذكي) قد أصبح نظرية علمية تتصدى لمفهوم نشأة الكائنات الحية، وتدور حول أنّ طبيعة هذه الكائنات، وطبيعة الجزيئات التي تتكون منها تحتاج في نشأتها، وفي بقائها، وفي عملها إلى ذكاء، وأنّه لا يمكن للعشوائية أن تفسرها، وقد أمتد هذا المفهوم ليشمل العموم المختلفة كنشأة الكون، والذكاء، والإنسان”([26]).

هذا ويمكن القول إنَّ العلم لعب دورًاً مهمًا في توسيع مجال عجائب الطبيعة، إذ أنه أظهر وجود الترتيب من أصغر الذرات إلى أكبر المجرات، فالنظرة المادية الحديثة ترى أنّ المادة والطاقة تستطيعان أن تنظمان نفسيهما بمختلف الأشكال، وتظهران أي نظام معقد دون أي تدخل خارجي، ومن أبرز أوجه النقد التي تم توجيهها لأصحاب النظرة المادية هو أنّ العلم المادي قد سلب الكون من جميع أسراره وغاياته، والنقاش المفصل للعالم الفيزيائي هو: إما مصادفة لا منطق له، أو نتيجة حتمية لقوانين ميكانيكية خالية من أي بعد عقلي أو غائي فالفيزيائي “ستيفن فاينبرغ”” يعتقد أنّ كلما بدا الكون غير قابل للفهم، كلما بدا أكثر غائية”([27]).

نستخلص مما سبق أنّ الضبط الدقيق للكون يلغي تمامًا فكرة أنّ الصُدفة يمكن أن تكون إجابة مفسرة ومقنعة لوجوده، فالكون يظهر للعلماء في صورة مذهلة من الدقة، فهناك عملية ضبط معقدة للغاية لأليات العمل الكوني، والتي تفرض وجود صانع وراء هذه الكون، كما يثبت الضبط الدقيق، من ناحية أخرى، أنّ أي تفسير على طريقة نظرية داروين لنشأة الحياة لا قيمة له؛ وذلك لأنّ المقاييس القائم عليه الكون ثابتة منذ نشأته.

ومن ثم بطلان رؤى القائلين بالصُدفة، مع التنبيه أنّ العلم الطبيعي يكشف ويصف الكون لا على أنّ التصميم الذكي والضبط الدقيق بمعزل عن خالق، ” فالمعارف العلمية ليست دليلًا مباشرًا، وإنما هي تؤسس لصحة البراهين العقلية، فهي أي العلوم الحديثة تقدم أدلة على أنّ الكون مُصمم مما يدفعنا إلى الإقرار بصحة المقدمات العقلية القائلة أنّ لكل تصميم مُصمم”.([28])

هناك ملحوظة مهمة هو أن برهان الضبط الدقيق يُنظر إليه على أنه دليل على وجود الله وليس استغناء الكون بنفسه، ومن هنا كانت خطورة كتاب” التصميم العظيم” من تأليف ” ستيفن هوكينج” و”ليوناردو ملودينو” الذي” يحوى في طياته نقض فكرة الإله، ويصفها بالأسطورة، التي لا تستند لدليل، ويصف الإله بأنه مجرد فكرة ليس لها أي أساس علمي، وأن العلم ينفي وجوده مطلقُا حيث يقول هوكينج” طالما أنه يوجد قانون – كالجاذبية- فالكون يستطيع أن يخلق نفسه من لا شيء، الخلق التلقائي هو سبب وجود شيء بدلا من لا شيء، وليس لزامًا أن نقحم إلهًا ليبين عمل الكون” ([29])، فهو يدعى أن سبب خلق الكون هو وجود قوة الجاذبية.

ويكون الدليل بما يلي: أنّ لكل تصميم مُصمم، الكون مصمم، إذا الكون له مُصمم.

*****

([1]) د سامي عامري، براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، ص449، 450.

([2]) المصدر نفسه، ص475.

([3]) The Blackwell Companion To Natural Theology, William Lane Craig And J. P. Moreland, P202

([4]) د سامي عامري، براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، ص 446

([5]) ويليام ديمبسكي، جوناثان ويلز، تصميم الحياة، ترجمة: موسى إدريس وآخرون، مراجعة: أحمد يحيي، وعبد الله الشهري، دار الكاتب للنشر والتوزيع- الإسماعيلية، مصر، ط1/2014م، ص 16.

([6]) د سامي عامري، براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، ص 453

([7]) عمرو شريف، خرافة الإلحاد، ص 93

([8]) https://islamonline.net/archive %

([9]) ستيفن هوكينج: موجز تاريخ الزمن، ترجمة: آدهم السمان، دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط4/ 2008م، ص121.

([10]) هلال على هلال، الجائزة أو لماذا أؤمن بالله، ص112، 113

([11]) لي ستروبل، القضية… الخالق، ترجمة: سليم إسكندر، حنا يوسف، مكتبة: دار الكلمة، ط1/ 2007، ط2/2013م، 283.

([12]) انتوني فلو، هناك إله كيف غير أشرس الملاحدة رأيه؟، ترجمة: صلاح الفضلي، ص 161.

([13]) See: Just Six Numbers: The Deep Forces that Shape the Universe, Martin Rees, p2-3

([14]) كريسي موريسون، العلم يدعو للإيمان، ص 195.

([15]) جون لينوكس، العلم ووجود الله تقديم: ماهر صموئيل، ترجمة: ماريان كتكوت، ط1/2007م، ص 101.101.

([16]) ستيفن وانبرغ، أحلام الفيزيائيين، ص 199.

([17]) هيثم طلعت، ما الإيمان وإما الفوضى، دار محاور للنشر، ط1/ 2019م، ص304 .

([18]) عمرو شريفـ خرافة الإلحاد، ص220.

([19]) نور الدين أبو لحية، الكون بين التوحيد والإلحاد، دار الأنور للنشر والتوزيع، ط1/1439ه، ص106..

([20]) بول ديفيز، الجائزة الكونية الكبرى لغز ملاءمة الكون للحياة، ترجمة: محمد فتحي خضر، مراجعة: حسام بيومي محمود، القاهرة مدينة نصر، كلمات عربية للنشر والترجمة، ط1/2012م ص 32- 36.

([21]) دقة قوانين الكون تحرج الملاحدة – ريشارد دوكينز مع ستيفن وينبرج, 21 ديسمرب2020م, https://www.youtube.com/watch?v

([22]) د سامي عامري، براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، ص 450

([23]) المصدر نفسه، 462.

([24]) نفسه، 462.

([25]) نفسه، 463.

([26]) فرانسوا جاكوب، لعبة الممكنات، ترجمة أحمد صالح، مركز الإنِّماء القومي، بيروت، 1991م، ص 25.

([27]) جاك مونود، المصادفة والضرورة، ترجمة حافظ الجمالي، دار طلاس، دمشق، 1997م، ص 154.

([28]) عبد الله العجيرى، شموع النهار، تكوين، ط1، السعودية، 2017م، ص 176، 177.

([29]) مصطفي نوح قديح، الصنع المتقن دلالات الفيزياء على وجود الخالق، مركز دلائل، ط1، السعودية، 1438ه، ص 80.

المصدر

الصُّدفة في ميزان الفلسفة والعلم والدين دراسة تحليلية نقدية – المبحث الثاني- المطلب الثاني

بقلم أ.د عماد العجيلي

استاذ ورئيس قسم العقيدة بجامعة الازهر والجامعة الإسلامية بمنيسوتا

المطلب الثاني

 نقد القول بالصُدفة في الاتجاه العلمي

قضية وجود الخالق، هذه القضية التي أصبحت مطروحة اليوم بمداخل جديدة تمامًا. فبعد أن كانت الاكتشافات العلمية هي سبب انتصار الفكر المادي في أوائل القرن العشرين، صارت هذه الاكتشافات ذاتها هي التي تثبت اليوم وجود إله خالق للكون.

فقد قام العديد من العلماء بتفنيد فَرضِية الصُدفة في نشأة الكائنات، ويعتبرون القول بها مغالطة واضحة، وبعد عن الحق، وأنّ دقة نظام الكون، والتعقيد فيه، مليء بالدلائل العلمية على تهافت فَرضِية الصُدفة، وهذه جملة من أقوالهم:

يقول عالم الوراثة والبيئة الدكتور “جون وليان كلوتس”:” إنّ هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الاتفاق، والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع، والأمور التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى، ولا شك أنّ العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة، وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن إيماننا بوجوده”([1]).

وفى موضع آخر يقول: ” إنه من الصعب على عقولنا أن تتصور أنّ كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة، إنه لا بد أن يكون نتيجة توجيه محكم احتاج إلى قدرة وتدبير”([2]).

لقد جعل العلماء من الصورة غير العادية من التعقيد الموجودة في هذا الكون دليلاً واضحًا على فساد القول بالصُدفة ” فالتعقيد الهائل في ظاهرة الحياة، والانسجام الباهر، ووضع كل شيء في محله؛ إنِّما يدل دلالة واضحة على علم، وإرادة، وقدرة وراءها موجد أوجدها على هذا النحو”([3]).

فقد أثبتت العلوم الكيمائية أنّ التعقيد الهائل الموجود في أبسط الأشياء يجعل من المستحيل جمعه فجأة بدون تدخل قوة خارجه.

ويرفض كثير من الفيزيائيين المعاصرين القول بالصُدفة، فعندما سُئل اينشتاين عن الله قال: ” لست ملحدًا، فالمسألة المطروحة أكبر من أن تستوعبها عقولنا المحدودة ” ([4]).

ماذا عن نظرية ” التولد الذاتي ” لجميع تلك الأنظمة شديدة التعقيد التي يمتلئ بها العالم الحي؟، إذا نظرنا إلي مثال (ُجزيْء واحد من البروتين) وهو: المادة الأساسية لجميع الكائنات الحية المعروفة لنا، فإنَّ خلية واحدة بها من التركيب، والتعقيد ما عجز عن إحاطتها العلماء، بل البروتين الداخل بها وهو أحد أجزائها ما هو أشد تعقيدًا، حيث” إنَّ الخلية الحية هي نظام معقد وجميل كعالم المجرات والنجوم”([5]).

وبتطبيق قانون المصادفة على جزيء البروتين الذي يعتبر المركب الأساسي في جميع الخلايا الحية كانت النتيجة مذهلة.

” إنّ عدد الذرات في جزيء البروتين الواحد يبلغ 40,0000 ذرة محصورة في خمسة أنواع من ذرات عناصر الكربون، والهيدروجين، والأكسيجين، والنيتروجين، والكبريت. وحيث إنّ عدد العناصر المعروفة يزيد على المائة عنصر، فإنّ احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة بالصُدفة لكي تُكوِّن جزيئًا واحدًا من جزئيات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي يجب أن تخلط خلطًا مستمرًا لكي تُؤلف هذا الجزيء، ثم لمعرفة الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزيء الواحد بترتيب معين”. ([6])

ولقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلس يوجين بهذه الحسابات، ” فوجد أنّ الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزيء بروتيني واحد إلى واحد وعن يمينه 160 صفرًا، وهو رقم لا يمكن نطقه! كما وجد أنّ كمية المادة اللازمة لحدوث التفاعل بالمصادفة لإنتاج جزيء واحد هي أكبر مما يتسع له الكون كله ملايين المرات، وأنّ الزمن اللازم لهذا التفاعل بأسلوب المصادفة العشوائي أكبر من عمر الكون ببلايين البلايين من المرات”.([7])

هذا كله لكي يتكون جزيء بروتين واحدًا ميت يعجز المجهر عن رصده.

والنتيجة هي أنه من المستحيل تمامًا تفسير وجود الحياة بقانون المصادفة ولا مفر – والحال كذلك- سوى الاعتراف بوجود الذات الإلهية، ” فالله وحده هو القادر على خلق ذلك الجزيء البروتيني فورًا ومنحه أسرار الحياة التي لم يعرفها العلم حتى الآن، بالإضافة إلى تجميع تلك الجزئيات ببلايين البلايين لخلق الكائنات الحية”([8]). فمثل هذا لا يمكن، بل يستحيل حدوثه بالصُدفة؛ بل إن الأولى أن يكون دليلًا على وجود الله تعالى.

وثمة العديد من التساؤلات” هل لغة الحمض النووي DNA ([9]) الدقيقة التي تحمل شفرات تكوين ملايين البروتينات([10]) في ملايين الكائنات الحية يمكن أن تظهر عبثًا بخبطات عشوائية متراكمة عبر الزمن؟”([11])

 فقد كشفت الدراسات العلمية وعلى وجو التحديد شريط  (DNA) المبهر المسؤول عن كل صفات الكائن الحي تحتاج في نشأتها، وبقائها، وعلمها إلى ذكاء فلا يمكن للعشوائية، أو الصدفة أن تفسرها، كما أثبت علماء الأحياء أنه ” يحتوي على مجلد من المعلومات الوراثية المنظمة، و أظهرت الأبحاث عن طريق التعقيد غير القابل للتصديق تقريبًا للترتيبات اللازمة لإنتاج حياة أنّ الذكاء لابد أن يكون وراء هذه العملية “([12])

 لذا قال “مان فريد إيجن([13]): ” إنَّ جميع المياه على كوكبنا ليست كافية لكي تنتج بطريق الصُدفة جزيئًا واحدًا ” ([14]).

تم الحديث عن الجزيء داخل الذرة وكيف أنه لا يمكن أن يوجد صدفة ننتقل من الذرة إلي المجرة، فإنها” تتألف- المجرة – من غاز، وغبار، ونجوم يبلغ عددها مليارات المليارات، وكل نجم منها يمكن أن يكون شمسا، وتوجد في كل مجرة نجوم وعوالم…. فما هو حظ الصُدفة إذن من هذا الصنع العجيب؟ لا مجال لها ولا وجود”([15]).

 وبعد كل هذا يمكن القول مع شهادات العلماء إن كل بما فيه من دقائق الأشياء وجليلها لا يمكن يكون قد نشأ ويستمر بعامل الصدقة، يقول الفلكي الشهير “كريسي موريسون”: ” ومثل هذه المجموعة من المعجزات لا يوجد ولا يمكن أن يحدث بأي حال في غيبة الحياة، وكل ذلك يتم في نظام كامل، والنظام مضاد إطلاقًا للمصادفة، أليس ذلك كله من صنع الخالق؟ “([16]).

ويقول الدكتور يوسف عز الدين عيسى:” لا يمكن أن تتصور بأي حال من الأحوال أنّ جهازًا دقيقًا معقدًا أشد التعقيد متناسقًا كالمخ، قد تكون من تلقاء نفسه نتيجة المصادفة العمياء”. ([17])

ومما يدحض القول بالصُدفة إضافة لما سبق:

 إن لكل شيء قانون حتى المصادفة، لها قانون يتمثل في” أن حظ المصادفة من الاعتبار يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الإمكانيات المتكافئة المتزاحمة”([18]).

 وتوضيح ذلك: أنه كلما قل عدد الأشياء المتزاحمة، ازداد حظ المصادفة من النجاح، وكلما كثر عددها قل حظ المصادفة، فإذا كان التزاحم بين عشرة يكون حظ المصادفة بنسبة (واحد ضد عشرة)، وهكذا حتى تصبح المصادفة في حكم المستحيل”([19])، فالتزاحم في الكون والكائنات دليل على استحالة المصادفة.

ويقول بول دافيز ([20]): ” لا أصدق أنّ وجودنا في هذا الكون هو مجرد صدفة غريبة حدثت، أو حادث عرضي في التاريخ، أو شذوذ عارض في المشهد الكوني العظيم، وجودنا مرحب به جدًا. إنّ (وجودنا مقصود حقيقة”.([21])

وقال الفيزيائي فريماندايسون ([22]): ” عندما ننظر في الكون، ونعرف عدد الصدف الفيزيائية والفلكية التي عملت معًا لمنفعتنا فهنا يبدو الأمر، وكأن الكون قد علم بطريقة ما بأننا قادمون”([23])، يقصد أنّ الكون مهيأ، ومسخر لخدمة الإنسان سلفًا، ولا يمكن أن يكون الكون، وما فيه من تهيئة للحياة فيه كان عن طريق الصُدفة.

فالكون نفسه فيه من الدلائل العلمية ما يؤكد على وجود خالقه وموجده المدبر الحكيم.

يقول الدكتور ايرفنغ وليام نوبلوتشي ([24]): ” ولكني أؤمن بوجود الله، إنني أعتقد في وجوده؛ لأنني لا أستطيع أن أتصور أنّ المصادفة وحدها تستطيع أن تفسر لنا ظهور الإلكترونات، والبروتونات الأولى، أو الذرات الأولى، أو البروتوبلازم الأول، أو البذرة الأولى، أو العقل الأول”([25])

هذا وإذا كانت نظرية التطور والتي كانت داعمة الإلحاد قد ثبت علميًا بطلانها فقد كانت من حجج القائلين بالصُدفة يقول سير آرثر كيت:” إنَّ نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأنّ الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهو مالا يمكن حتي التفكير فيه” ([26]) أي أن هذا الملحد يري أن الإيمان بنظرية التطور حتي مع عدم ثبوتها علميًا هي السبيل من التخلص من فكرة الألوهية.

يقول أنور الجندي عن داروين: ” وجاءت الحفريات المتوالية مُكذبة لدعواه، ومؤكدة أنّ الإنسان خُلق خلقًا مستقلًا تمامًا عن عالم الحيوان منذ اليوم الأول” ([27]). 

وبالرغم من تبني العلم ولفتره طويلة للفكر التطوري، وتبني المفاهيم الخاصة به، ومنها مفهوم المصادفة التي تقصي التصميم الغائي، فإنه قد تم الرد على دارون بعد “أنّ تم اكتشاف الحمض النووي (DNA) الخلية للمرة الأولى حيث اكتشف العلماء للمرة الأولي عالم كامل داخل الخلية، وأنها أبعد ما تكون عن البساطة، فليس من الممكن أن يكون هذا التعقيد الهائل تم بمحض الصُدفة؛ بل يبدو أنه تم تصميمه عن عمد من قبل مصمم ذكي خارق “([28])

 وفي الواقع أنّ نظرية “التطور” بطبيعته -وبغض النظر عن درجته في التعقيد أو الحقبة الزمنية التي استغرقها- لم تستطع أن تنتج إنسانًا له مشاعر، وإحساس، وإدراك، وعقل؛ وإنما كان حديثهم على أنه مجرد حيوان مثالي، قادر على التحرك داخل الجماعة بكفاءة عالية لتحقيق هدف البقاء المادي. هذا وقد كانت نظرية التطور قد قدمت العديد من المفاهيم، والفرضيات التي أصبحت أكثر رواجًا على الساحة العلمية لفترة من الزمن؛ إلا أنّ الإنجازات العلمية الرفيعة المستوى جعلت العلماء يرفضون الكثير من هذه المفاهيم التي أصبحت مثار لمخالفات والاعتراضات الشديدة، ومنها حدوث التطور في إطار النوع الواحد.

فالاعتقاد بأنّ نظرية التطور بمفاهيمها المختلفة طرحت بديلًا مقبولًا عن التصميم كفكرة أساسية في البيولوجيا لم يكتب لها النجاح، وخاصة بعد تقدم العلم، واكتشاف الكثير من المعطيات عن طبيعة الحياة، والكائنات الحية حيث أصبحت نظرية علمية تحت مسمى (التصميم الذكي) للكون.

أما عن نظرية التولد الذاتي، فإنها مرفوضة بالبرهان العقلي، والدليل العلمي:

وتعني هذه النظرية أنّ الكون كان في البداية بمثابة مادة راكدة، وفجأة وقع فيها محرك حركها من ركودها المطلق، ثم تولت المصادفة إنتاج جميع الوقائع والحوادث التالية. والسؤال لهم من أحدث هذا المحرك؟ فأجابوا المصادفة.

لقد سقطت هذه النظرية على ضوء المعطيات العلمية للقرن العشرين.

والاعتراض هو أين كانت تلك المصادفة؟ مع أنّ المحرك الذي حدث لم تكن له أسباب لا في داخل المادة الراكدة ولا خارجها، وكل سبب يؤدي إلى واقعة سبقتها.

وشيء آخر: “أنّ هذا الكون، إذا كان قد وُجد نتيجة سلسلة من المصادفات فكيف اتفقت كل هذه المصادفات لتنتج لنا كونًا منظمًا بديعًا؟ ولم لا تعمل الصُدفة دائمًا إلا في اتجاه النظام؟ ألم يكن من الممكن أن يحدث عكس ما حدث تمامًا، فتتصادم النجوم، وترتطم الكواكب بعضها ببعض، وتتحطم وينتهي كل شيء؟ وبعد حدوث الحركة في المادة، أما كان من الممكن أن تبقى مجرد ” حركة” دون أن تصبح حركة ارتقائية تجري سلسلة مذهلة من العمل التطوري لإبداع تلك العمارة الكونية الهائلة؟

وهل لدى أصحاب التفسير الميكانيكي للكون تفسيرًا لصفة ” اللزوم” التي التزمت بها وقائع مادية غير عاقلة حدثت في زعمهم بمحض المصادفة؟”([29])

والسؤال الأهم: من الذي أوجد تلك المادة الراكدة أصلًا والتي تألف منها فيما بعد الكون؟ لابد من وجود مبدأ، أو علة للسكون أو الحركة، وهو ما يتنافى مع نظرية المصادفة التى لا تربط بين الأحداث وعللها، أو أسبابها.

إن العقل لا يقبل – والأمر كما أوضحنا- سوى وجود قوة خارجة عن الكون، وليست من نوعه، أى ليست مادة مثله، وإنما هي قوة مطلقة، وعاقلة ومريدة، أوجدته ورتبت حوادثه كلها على نحو ما يصلح وينفع.

هذا وتم تفنيد نظرية ” التولد الذاتي ” علميًا فقد ” كُشف زيف ذلك الزعم على يد العالم الفرنسي الأشهر باستور الذي أثبت في عام 1865م، وأمام قضاة أكاديمية العلوم في فرنسا، إنّ الدود المتكون، وكذلك البكتيريا لم تتولد ذاتيًا من الطبيعة – أي من شيء غير حي – ؛ وإنما من أصول صغيرة سابقة لم تستطع العين مشاهدتها، وقام بتقديم الدليل التجريبي على ذلك فأتى بطعام، وعزله عن الهواء تمامًا فما تكونت بكتيريا ولا فسد الطعام، وهي ذات الفكرة التي قامت عليه -فيما بعد – عملية ضغط المأكولات بتعليبها” ([30])

وقد أثبت المنهج العلمي أنّ المادة التي لا حياة فيها، لا تتولد فيها الحياة بالتطور الذاتي، وأنّ الكائن الحي فيها لا يأتي إلا نسلًا لحي سابق عليه.” فالمادة والحياة أصلان منفصلان في هذا الكون، وليست المادة أصلًا مستقلًا للحياة. وأنّ وجود الحياة في المادة أمر حادث جدًا بالنسبة إلى مادة الكون الأولي”([31]).

والسؤال من الذي أوجد الحياة؟ هل المادة الصماء العمياء أنشأت الحياة؟ هل وجدت الحياة من عدم مطلق؟ العقل يحيل هذين الاحتمالين لأنّ المادة فاقدة الحياة، وفاقد الشيء لا يعطيه.

والعقل يرفض أن تنشأ الحياة وترتقي إلى الكمال ارتقاءً ذاتيًا، إذ المادة ناقصة، وكل ما في الكون يتجه نحو الدقة والكمال ” وصنع الناقص – المادة – لما هو أرقى منه نظير تحول العدم إلى الوجود تحولًا ذاتيًا، لأنّ القيمة الزائدة قد كانت عدمًا محضا، والعدم المحض لا يخرجه إلى الوجود إلا قوة مكافئة له، أو أقوى منه. والمادة العمياء الصماء الجاهلة لم تكن أقوى ولا مكافئة لمادة حيّة مريدة ذات وعي وإحساس، بل هي أقل قيمة منها، فهي إذن عاجزة بداهة عن انتاج ما هو خير منها”([32]).

وهذا يدل عقلاً على أنه لا بد من وجود موجد أزلي فوق المادة العمياء الصماء الجاهلة، وهذا الموجود هو الخالق للمادة وللأحياء، وهو الذي أتقن كل شيء صنعًا، وهو المتصف بالكمال المطلق، وخلق وأتقن وأبدع كل شيء.

إن فروع العلم كلها تثبت أنّ هناك نظاما للكون أساسه القوانين، والسنن الكونية التي لا تتغير، فمن الذي سن هذه القواعد، وأودعها في كل ذرة من ذرات الوجود؟ ومن الذي صمم وأبدع وقدّر فأحسن التقدير؟ هل المنظم والمبدع هو الله الحكيم العليم؟ أو الصُدفة العمياء؟

كيف يمكن للمصادفة إذن التي تعني الفوضى، واللاقصد، والتشويش، أن تنتج هذا النظام الدقيق، والتناسق العجيب البديع؟ وما مبعث ذلك إلا نفور عقولهم من تقبل فكرة مسبب عن سبب ومعلول عن علة.

إن القول بفَرضِية الصُدفة مرفوض بمنطق العلم، القائم على أساس وجود قوانين موضوعة تحكم كل شيء في هذا العالم باتفاق عن علم ووجود حقيقي لذات قادرة مريدة.

كما أنّ الصُدفة تفتقر إلى الزمن،” والذي يفتقر إلى شيء يأتي بعده، وبالتالي الصُدفة جاءت تالية للزمن؛ لأنّ الزمن شرط وجودها، وكوننا ظهر من اللازمان أي من اللاصدفة، كما تفتقر إلى المادة التي ستطبق نفسها عليها، فالمادة سابقة على الصُدفة؛ لأنّ شرط وجود الشيء سابق عليه، فكيف يفسر ظهور مادة الكون بالصُدفة؟ مع أنّ الصُدفة لن تظهر إلا بعد ظهور مادة الكون، والكون كله ظهر من اللامكان”([33]).

والعلوم الطبيعية كالأحياء، والكيمياء، والفلك وغيرها تنفي القول بالصُدفة، فملاءمة الأرض للحياة لا يمكن تفسيرها على أساس المصادفة.

إذ على التسليم الجدلي – تنزلاً معهم – أنّ الكون نشأ صدفة نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة دون تنظيم، أو تخطيط سابق، فهذا لا ينفي وجود خالق للكون، ومكون للكون؛ لأنّ الصُدفة ليست فاعلة، ولكنها صفة للفعل، والفعل لا يكون بدون فاعل.

 ويأتي السؤال مرة ثانية، من أين جاءت المادة الأساسية التي أوجدت الكون بالمصادفة؟ ومن الذي خلقها، وأودع فيها كل هذه الإمكانات؟

علاقة الجانب المادي بالجانب العلمي:

يحتكر الفكر المادي الحقائق على نفسه، ويعتقد أنّ الحقيقة المطلقة هي ما كانت متولدة من مضامينه ومعانيه، يقول العقاد:” يجيء الماديون في الزمن الأخير، فيحسبون أنهم جماعة تقدم، وإصلاح للعقول، وتقويم لمبادئ التفكير، والواقع أنهم في إنكارهم كل ما عدا المادة، يرجعون القهقري إلى أعرق عصور القدم” ([34])، بل تدعي المادية أنها تملك العلم في صورته النهائية.

يقول جوناثان ويلز([35]):” لو أنّ ما يفعله الدارونيون الدجمانيون يقتصر على تشويه الحقيقة فقط لكفى بذلك سوءًا، ولكنهم لم يتوقفوا عن هذا الحد؛ بل تعدي الأمر إلى استخدام مراكزهم العلمية للسيطرة على العلوم الحيوية في العالم المتحدث بالإنجليزية؛ ولمناوأة كل الذين يخالفون وجهات نظرهم” ([36])

ويقول عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية الدكتور (لتراوسكار لندرج):” إنّ المشتغلين بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبرى يحصلون عليها كلما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين، إذ أنّ كل كشف جديد يدعم إيمانهم بالله، ويزيد من إدراكهم وإبصارهم لأيادي الله في هذا الكون” ([37])

يقوم الإلحاد العلمي المعاصر على ادعاء أنّ قوانين العلم التجريبي تغني عن الإيمان بوجود الله، وتدل على أنّ الطبيعة كموجود مكتف بذاته، وإذا كان قد تسجى برداء بعض الفرضيات العلمية، الهدف منها انكار الدين، والإيمان بالمادة، إلا أنه ليس لديه دليل علمي قد تم التحقق منه يثبت به أنّ الحياة تشكلت عن طريق الصُدفة، فهو يجعل الصُدفة بديلاً عن الخالق المدرك العاقل دون دليل، الصُدفة إذن، تساوي العبث والتبعثر وليس النظام.

والتفسير بالصُدفة يتنافى مع المنهج العلمي، ولا يجوز طرح ” صدفة” داخل العلم، لأنّ الصُدفة لا تتصل بالعلم.

ولهذا، كان الملحدون والقائلون بالصدفة هم” من غير المحققين في العلم في هذا العالم، بل من الناكصين عن الاستجابة لما يطلبه العقل من تفسير نهائي وصحيح، وشامل للكون والحياة، أو من المخالفين للحق على علم به، أو الذين لا يريدون أن يسيروا في تفكيرهم،وحياتهم بحسب ما تقضي به المعرفة بالإله وحكمته”([38])، إذ المنهج العلمي إما (أن نفسر)، أو نكتفي بعبارة (لا نعلم السبب حاليًا).

 

([1]) جون كلوفر مونسيما، الله يتجلى في عصر العلم، ص 46.

([2]) المرجع نفسه، ص 48.

([3]) سعيد حوى، الله جل جلاله، دار السلام للطباعة والنشر، ط3/ 1990م- 1410ه، ص43.

([4]) والتر ايزاكسون، اينشتاين حياته وعالمه، ترجمة: هاشم أحمد، راجعه: مجدي عبدالواحد، القاهرة: زهراء مدينة نصر، ط1/1431ه- 2010م ص 95-96.

([5]) كارل ساعان، الكون، ترجمة نافع أيوب، مراجعة: محمد كامل عارف، سلسلة عالم المعرفة، العدد 178-ربيع الأول 1414هـ-1993م مطابع السياسة الكويتية، ص52-53.

([6]) د. صبري الدمرداش، للكون إله… قراءة في كتابي الله المنظور والمسطور، ص، 536.

([7]) على عزت بيجوفيتش، الإسلام والشرق، ص 77.

([8]) د صبري الدمرداش، للكون إله، ص 535، 536.

([9]) الحمض النووي: جزيء دقيق، يتواجد داخل خلايا كل الكائنات الحية، يحتوي على المعلومات الوراثية التي تسمح بعمل وتكاثر، وتطور هذه الكائنات، راجع: أحمد إبراهيم اختراق عقل دلائل الإيمان في مواجهة شبهات الملحدين والمتشككين، الرياض- المملكة العربية السعودية، مكتبة الملك فهد، ط1/ 1437ه، ص159.

([10]) البروتينات: جزيئات حيوية ضخمة تتكون من سلسلة أو أكثر من الأحماض الأمينية. راجع : معجم مصطلحات علم الأحياء كمال الحناوي، ص 399.

([11]) ستيفن هوكينج: أقوي براهين، جون لينكس في تفنيد مغالطات منكري الدين، جمعه وعلق عليه: أحمد حسن (أبو حب الله)، الدار العربية للطباعة والنشر، مكتبة مؤمن قريش، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1/ 1437ه، ص 302.

([12]) انتوني فلو، هناك إله كيف غير أشرس الملاحدة رأيه؟ علق عليه: مرتضى فرج، وترجمة: صلاح الفضلي، 2/1438ه، ص 167

([13]) من معهد ماكس لكيمياء الطبيعة الحيوية ” جوتنجن بألمانيا، والحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1968م.

([14]) على عزت بيجوفيتش، الإسلام والشرق، ص 77.

([15]) كارل ساعان، الكون، ص 23.

([16]) كريسي موريسون، العلم يدعو للإيمان، ترجمة: محمود صالح الفلكي، دار وحي القلم، سوريا، ط1، 1434هـ، 2013م، ص 56.

([17]) مجلة عالم الفكر، العدد الرابع من المجلد الثالث نقلا عن . د يحي هاشم، ص 58

([18]) نديم الجسر، قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم و القرآن، ص 293.

([19]) صالح إسحاق صالح، الإلحاد وآثاره في الحياة الأوربية الحديثة، ماجستير تحت إشراف: محمد الغزإلى، جامعة أم القرى، سنة 1401ه، 2001م، 59.

([20]) عالم بريطاني متخصص في علوم الكون، ولد في عام 1946م، راجع: عمرو شريف، رحلة عقل، ص 90.

([21]) عمرو الشريف، رحلة عقل، ص 90.

([22]) أستاذ الرياضيات والفيزياء النظرية مهتم بالهندسة النووية ولد عام 1923م. راجع: عمرو شريف، رحلة عقل، ص 95.

([23]) عمرو شريف، رحلة عقل، ص 95.

([24]) أستاذ العلوم الطبيعية، وأخصائي وراثة النباتات، والحياة البرية، راجع : الله يتجلى في عصر العلم، ص 57.

([25]) جون كلوفر مونسيما، الله يتجلى في عصر العلم، ص 60 .

([26]) المرابط ولد محمد لخديم الشنقيطي، (دين الفطرة استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة إنسانية)، دار المعراج، 2014م، ص 34.

([27]) أنور الجندي: أهداف التغريب في العالم الإسلامي، الناشر: الأمانة العامة للجنة العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر الشريف، 1987م، ص130، 129.

([28]) مايكل بيهي: صندوق دارون الأسود، تر: مؤمن الحسن، دار الحسن للنشر والتوزيع، ط1، مصر، 2014م، ص 221.

([29]) د صبري الدمرداش، للكون إله، ص 531

([30]) د .صبري الدمرداش، للكون إله، ص 527.

([31]) عبد الرحمن حبنكة، كواشف زيوف في المذاهب المعاصرة، ص 541.

([32]) المرجع السابق، ص 541.

([33]) عبد الله بن سعيد الشهري، من وحي كتاب: ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، لبنان، ط1/2014م، ص14.

([34]) عباس محمود العقاد، كتاب الله، أشرف عليه: داليا محمد إبراهيم، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط4/2005م، 56.

([35]) جوناثان ويلز، دكتور البيولوجيا الجزيئية، والدراسات الدينية، وُلد في عام 1942م، وهو من أشهر دعاة التصميم الذكي المؤمنة لا الملحدة، عمرو شريف، 2011، ص 197.

([36]) عبد العليم عبد الرحمن خضر، الإنسان في الكون بين القرآن والعلم، جدة، المملكة العربية السعودية، عالم المعرفة للنشر والتوزيع، ط11403ه- 1983م، ص 117.

([37]) المرابط ولد محمد لخديم، دين الفطرة، ص 33.

([38]) محمد عبد الهادي أبو ريدة، الإيمان بالله في عصر العلم، عالم الفكر، الكويت، 1970م، ص 125.

المصدر

الصُّدفة في ميزان الفلسفة والعلم والدين دراسة تحليلية نقدية – المبحث الثالث – المطلب الاول

بقلم أ.د عماد العجيلي

استاذ ورئيس قسم العقيدة بجامعة الازهر والجامعة الإسلامية بمنيسوتا

المبحث الثالث

 الصُدفة في ميزان الإسلام

المطلب الأول

 نقض القرآن لدعوى فَرضِية الصُدفة

ترى النظرة الإسلامية للوجود أنّ الكون له بداية، وأنّ الله قد خلقه من عدم، وفي هذا المعنى يقول فيه صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض. وفي رواية: لم يكن شيء قبله. قال ابن حجر: وفي رواية غير البخاري: ولم يكن شيء معه)([1]).

وقد جاءت آيات القرآن الكريم لترد على من أنكروا وجود الله، ونسبوا نشأة الكون إلى غيره، وكان معتمد آيات القرآن الكريم -في هذا المقام- هو بيان عظمة الله وقدرته في كل مخلوقاته، وبيان العناية والإبداع، والحكمة في هذا العالم، وفي نظمه وقوانينه ونواميسه، وأنّ كل ذلك إنِّما يستدعي خالقًا وصانعًا ومدبرًا.

ورؤية الإسلام للكون أنّ لله القومية المتصلة بالوجود، فليس الوجود مستقلا بذاته وقوانينه؛ بل هو محتاج في كل لحظة إلى الحق- سبحانه- ليمنعه من الزوال والفناء، ويمنحه الوجود والبقاء، وفى ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أنْ تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ﴾ [ فاطر: 41]، ويقول تعالى أيضًا: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾[ الحج: 65].

 أي أنَّ الكون مفتقر إلى الله في وجوده من عدم، ومفتقر في استمراريته إلى قيومية الله تعالى عليه، هذا في آيات الله الكونية. وكذلك في آيات الله الإنسانية، فقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ولفت نظر الإنسان إلى نفسه، وطلب منه أن يتأملها، ويتدبر ما فيها من لطيف الصنع وعظيم الغاية([2])، في مثل قوله سبحانه: ﴿ وَفِي أنّفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [ الذاريات: 21].

وامتنَّ الله تعالى على الإنسان بقوله تعالى:﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شيئًا﴾[ مريم: 67] ؛ بل في تطور خلق الإنسان في بطن أمه العجب المدهش. من هنا يلفت القرآن النظر في تكوين الإنسان منذ أن كان نطفة فعلقة فيقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 12-14].

هذه الآيات وغيرها تدل على العظمة الإلهية في خلق الإنسان، وأنّ الإنسان خلق بقدرة الله وعنايته، فكيف يدعي هؤلاء أنّ خلق الإنسان يأتي عن الصُدفة، ويزعمون أنّ التقاء الحيوان المنوي بالبويضة صدفة.

والسؤال الذي يفرض نفسه: من الذي خلق الحيوان المنوي في الإنسان؟ ومن الذي خلق النطفة؟ إذا نظرنا إلى هؤلاء الماديين الملحدين نرى أنه لم ينجح أحد إلى الآن في خلق نطفة، أو خلية حية فضلاً عن الإنسان، فما زال التحدي قائمًا مصداقًا لقوله تعالى:﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ في ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾[ لقمان: 11] .

لقد حوى القرآن الكريم كثيرًا من الدلائل التي تضيف إلى الخلق والإبداع العناية، والقصد في الكون بما فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].

إنّ سمات الألوهية لا تتشابه مع حالات المصادفة فتلك تفصح عن القصد والتدبير والحكمة، بخلاف هذه، فالعمل الذي يُحتاج في إجرائه إلى تدبير لا يمكن أن يأتي من غير تدبير، ولا سبيل إلى القول بأنه جاء مصادفة، ولا يجد المرء عنتًا إذا أراد أن يفند دعوى الصُدفة في وظائف أعضاء جسم الإنسان، فكل عضو له وظيفته، وسبق هذا تدبير وقصد وحكمة.

أضف إلى ذلك تنوع البشر من ذكر وأنثى، وتنوع الحيوانات، وتنوع الطيور، فمن الذي وجه هذا التوجيه الخلقي في كل الأنواع سواء الإنسان أو غير الإنسان؟

قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]

يقول ” القاسمي”: ” والإشارة إلى الإبداع في الصنع إذ لا يعقل أنّ هذا التخالف بين الذكر والأنثى في الحيوان يحصل بمحض الاتفاق من طبيعة لا شعور لها بما تفعل كما يزعم بعض الجاحدين، فإن الأجزاء الأصلية في المادة متساوية النسبة إلى كون الذكر، أو كون الأنثى، فتكوين الولد من عناصر واحدة تارة ذكرًا، وتارة أنثى، دليل على أنّ واضع هذا النظام عالم بما يفعل، محكم فيما يضع ويصنع “([3]).

لقد خلق الله- سبحانه وتعالى- الإنسان الأول آدم، فأوجده بعد أن لم يكن موجودًا أي أنه أصبح “شيئًا” بعد أن لم يكن “شيئًا” موجودًا ؛ وإنِّما كان وجوده فقط في العلم الإلهي، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ [ مريم: 67] .

أما مراحل خلق الله، سبحانه وتعالى، لآدم فقد بدأت بالتراب، فالماء، فالطين، فالحمأ المسنون، فالصلصال، نفخ الله، سبحانه وتعالى، في مادة الخلق هذه من روحه، فأصبح هذا المخلوق ” إنسان” هو آدم-عليه السلام- قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ﴾ (السجدة: 7).

ومن الآيات التي تحدثت عن تكامل هذه المراحل في خلق الإنسان الأول، وسلالته، قول الله، سبحانه و تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أنّ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَانً خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ في الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: 5] .

ويعرض القرآن الكريم على العقل البشري ما في الأنفس من عظمة وإبداع كدليل على وجود مبدع خالق، حيث يقول الله تعالى:]أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ[ [الطور:35].

ومن تدبر هذه الآية استخرج منها أقيسة عقلية، ومنطق عقلي يسوقه القرآن في أسلوب بلاغي بياني، فالمخاطبون مخلوقون لا شك في ذلك، وهذه قضية بديهة أضمرها القرآن الكريم لبداهتها، وكل مخلوق لابد له من خالق، وهذا الخالق إما أن يكون هو الصدفة وهو محال بداهة، وإما أن يكون هو نفس المخلوق، وإما أن يكون غيره، فكونهم خلقوا من غير شيء محال، وكونهم خلقوا أنفسهم محال أيضًا، فلم يبق إلا أنهم مخلوقون لله، والنتيجة أنّ الله خالق كل شيء.

 كذا في النباتات والحيوانات. فهل ينسب للمصادفة العمياء التي لا تعقل فعل هذا؟

 فبالنظر إلى” ثنايا الجسم البشري وفي غيره من أجسام الحيوانات والنباتات؛ بل والجمادات أيضًا نجد صنائع فنيه، يدل وجودها على أنها وليدة عقل وتدبير؛ وحذق حتمًا، ويُوحي بأنّ المصادفة ليس لها مجال في الموضوع، إذ المصادفة لا تنهض بذلك ولا تستطيع” ([4])، هكذا يصنع الله في الكون دلائل وجوده وعظمته.

 وهذا دليل على أنّ الله تعالى جعل خلق الكون من دلائل إثبات وجوده، وعجائب الكون براهين لقدرته.

لقد جعل القرآن من إيجاد هذه المخلوقات على النسق التي هى عليه دليل على وجود مبدع أبدعها وهو الله تعالى. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾[ الفرقان:61].

فهذه السماء بما اشتملت عليه من الكواكب، ومنازل لهذه الكواكب، بالإضافة إلى الشمس والقمر؛ فضلاً عن تعاقب الليل والنهار بصورة منظمة ملفتة للأنظار تؤكد وجود خالق لها على أسس محكمة، ودقة لا مثيل لها.

الأمر الذي يستوجب الإقرار بوجوده والشكر على هذه النعم العظيمة ([5]).

وتتوالى الآيات التي ترشد إلى عناية الله تعالى بالمخلوقات فنجدها في مثل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)﴾ [ الواقعة: 63، 64]، ففي هذه الآيات ” يوضح الله تعالى أنه المتفضل على المخلوقات، وذلك بالعناية بها والإشراف عليها، ويتجلى ذلك بوضوح في عملية الزراعة، وذلك من خلال إنباته للنبات في الأرض، وحفظه، وبقائه رحمة للناس”([6]).

 وثمة سؤال جوهري في الإسلام، هل الكون موجود بمحض الصُدفة؟ أم بقدرة العناية الإلهية؟ فالمناقشة العبثية ونكران الغائية تجعل العالم الذي هو مادة فاعلة ومنفعلة في آنٍ واحد، دون فاعل حكيم، وهذا ما أبطله العلم الحديث.

 يقول عالم الوراثة والبيئة الدكتور جون وليان كلوتس: ” إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الاتفاق، والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع والأمور التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى”([7])، وهكذا يثبت أنه في تأمل الكون، والوقوف على نظامه برهان على وجود مبدع عظيم أبدعه، فالعقل يقيم هذه الرابطة المنطقية بين النظم والشعور، وأنه من الممتنع عقلاً أن يكون النظم البديع وليد الصُدفة، أو خصوصية في المادة”([8]).

 هذا وبرهان الضبط الدقيق في الإسلام بَيّن في كتاب الله المسطور والمنظور، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾[الفرقان: 2]، قال الإمام الطبري:” فسوّى كل ما خلق وهيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت” ([9]).

والتقدير والتسخير هو دليل على وجود خالق للكون والكائنات، وأنها تسير وفق قدرة الله وقيوميته على خلقه.

 قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وأنزل مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ في الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأنّهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ [ إبراهيم: 32 –33].

فالحياة قائمة على التسخير، وهو برهان واضح على فساد القول بالصُدفة، وهو يقوم على مقدمتين: الأولى: حسية، والأخرى: عقيلة، ” فأما الأولى: فهي أنّ هناك نظامًا بديعًا يسود كل أرجاء الكون من الذرة إلى المجرة، وهو أمر تتكفل بإثباته المشاهدة والملاحظة، وأما الثانية: فهي أنّ العقل بعد ما لاحظ النظام وما يقوم علية من المحاسبة، والتقدير والهداية والقصد والتوازن، ويحكم بأنّ هذا يمتنع صدوره بمحض الصُدفة والاتفاق، بل لا ينبع إلا من فاعل قادر عليه ذي إرادة وحكمة وقصد”([10])، فنظام العالم وترتيبه على هذا النحو ينقض القول بفرضية الصدفة.

وهذا الدليل يكشف لنا عن عظيم قدرة الله تعالى في خلقه، ولهذا أعطاه القرآن الكريم قدرًا كبيرًا من الاهتمام والمساحة الواسعة شرحًا وبيانًا وتفصيلاً انظر مثلاً إلى قوله تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: 6- 8].

إنّ استمرار العالم بهذا الإبداع، يجعلنا نتساءل مع الأستاذ العقاد ” لماذا تماسك نظام هذا الكون واستمر وجوده بعد أن وجد مصادفة واتفاقا، ولم يسرع إليه الخلل وتنجم فيه الفوضى قبل أن ينتظم على نحو من الانحناء؟ وما الذي قدره وأمضاه وجعله مفصلًا على الخلل والفوضى وهما مثله ونظيره في كل احتمال؟”([11]).

إنّ النظام الدقيق في الكون كما أوضحت بعض دلائله يبين لنا أنّ الكون صُنعٌ مُتقن، وعلى درجة غاية في الدقة والاتفاق، يستحيل أن تنتج عن صدفة، وإنما هو كون مخلوق يقوم بتدبير أمره خالق حكيم عليم سبحانه جلَّ شأنّه، وأصدق تعبير عن هذا كله هو قوله تعالى:﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ [ النمل: 88].

وقد أشار القرآن الكريم إلى دليل العناية الذي يثبت وجود الله بصورة لا أكمل ولا أتم منها، وذلك لتنبيه الذهن الغافل إلى ما في تلك العناية من العبرة فيقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنّ جَعَلَ اللَّهُ عليكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنّ جَعَلَ اللَّهُ عليكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)﴾ [ الفرقان: 71- 73]. هكذا ترشد الآيات إلى قدرة الصانع ووجوده فقد بان بكل وضوح أنه ما من شيء في هذه الحياة إلا وهو يحمل في صميمه، وكيانه الحجة على بارئه، وينادي به سبحانه، فهو يدل على الخالق، ويحمل الحجة على وجوده صغر أو كبر.

 وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل فيما أشار إليه من الأدلة الكثيرة التي تنبه الذهن إلى تدبير العلى الحكيم وتقديره وعلو إفضاله ورحمته فقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأنّ بَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19].

 أي منضبط مقدر في بنائه، وتركيبه الدقيق، منضبط مقدر في معالمه، وخصائصه، منضبط مقدر في مقدار كميته التي ظهر للوجود بها حتى جاء وفق الحاجة التي يحتاجها لا أكثر ولا أقل بدليل قوله تعالى: ﴿وإن مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:21]. وقوله تعالى:

﴿وأنزلنا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ في الْأَرْضِ وَانًا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18]

فالكون كله متقن، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: 1].

يقول الأصفهاني:” أي أبدعهما، بدلالة قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117]،

وليس الخلق الذي هو الإبداع إلا الله تعالى، ولهذا قال تعالى في الفضل بينه وبين غيره: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 17]” ([12]).

” فتعال نتصور عدد ما في عالم الخلق” من شيء” في ملكوت السماوات والأرض، من الذرة إلى المجرة، وعدد ما يربط بينها في عالم الأمر من روابط وعلائق. ثم تعال ندرس على ضوء العلم والقرآن الكريم بعض ما في الكون من تقدير واتزان وتنظيم وترتيب وإحكام واتفاق، لنعرف ما هو حظ المصادفة في تكوينه؟ هل يعقل أن يكون قد كُتب الفوز لهذا التقدير الدقيق، والاتزان المعجز، والتنظيم البديع والترتيب المذهل، والإحكام الرائع، والاتفاق منقطع النظير حظ المصادفة ضد عدد هائل من الممكنات الأُخر المتزاحمة؟” ([13])

فحركة الكون لا سبيل إلى نسبتها إلى المصادفة، لأنّ القصد فيها ظاهر، والتدبير أكيد، فما من حاجة لحي من الأحياء فيي الكون إلا لها ما يسدها، ويلبي مطالبها على أكمل وضع وأتقنه، والعناية تستلزم الاتقان في الصنع، فكل مشمول بالعناية.

*****

(([1] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، الطبعة السلطانية، 1311هـ، 13/304..

([2]) فرج الله عبد الباري، العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، ط دار الآفاق العربية، 2004م، ص 99

([3]) القاسمي، دلائل التوحيد، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، 1405ه- 1985م، ص 52.

([4]) هلال على هلال، الجائزة أو لماذا أؤمن بالله، ص 98، 99.

([5]) الزمخشري، (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل)، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، ط3(1407هـ)، جـ 3، صـ 290، الفخر الرازي، (مفاتيح الغيب) أو (التفسير الكبير) الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3/ (1420هـ)، جـ24 صـ 107-108.

([6]) ابن كثير، (البداية والنهاية)، تحقيق/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلأنّ، ط1، (1418هـ – 1997م)، سنة النشر: (1424هـ / 2003م)، جـ 4 صـ 461 – 462

([7]) جون كلوفر مونسيما، الله يتجلى في عصر العلم، ص76.

([8]) المصدر السابق، صفحة 76.

([9]) ابن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط1(1420هـ – 2000م) 17/ 396.

([10]) فتحي عبد الرحمن عطية، جهود الشيخ حسين الجسر الكلامية في الإلهيات، رسالة ماجستير إعداد الباحث – كليه أصول الدين بطنطا 1421هـ-2000م، ص124.

([11]) عباس العقاد الله- كتاب نشأة العقيدة الإلهية، ص149.

([11]) الراغب الأصفهاني، (الحسين بن محمد بن المفضل)، (ت 425 هـ) : مفردات ألفاظ القرآن، مادة خلق، تحقيق: عدنان داوودي، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط 3، 1423هـ 2002م، ص 296.

([12]) الراغب الأصفهاني، (الحسين بن محمد بن المفضل)، (ت 425 هـ) : مفردات ألفاظ القرآن، مادة خلق، ص 296.

([13]) د. صبري الدمرداش، للكون إله، ص533

المصدر

 الصُّدفة في ميزان الفلسفة والعلم والدين دراسة تحليلية نقدية – المبحث الثالث – المطلب الثاني

بقلم أ.د عماد العجيلي

استاذ ورئيس قسم العقيدة بجامعة الازهر والجامعة الإسلامية بمنيسوتا

المطلب الثاني

 نقد علماء الإسلام لدعوى فَرضِية الصُدفة

إنّ هذا الكون المخلوق على هذا الوجه من الحياة، والنظام، والعقل، والتدبير، لا يكون صادرًا عن قانون ضروري مجرد، أو مادة صماء، أو صدفة عشوائية، فهذا كمن يتصور أنّ حيوانًا أعجمًا، أو طفلًا رضيعًا؛ يبرمج حاسوبًا ذكيًا! ولو ادعى أحد من الناس هذا لرُمِيَ بالجنون، فكيف بمَن يدعيه في الكون جملة أنه نشأ دفعة من العدم، فيجعل استمداد الوجود من العدم، لكنها تطورت وصممت كل ما في الكون من مخلوقات بطريق الصدفة والعشوائية كما هو ادعاء القائلين بها.

لقد جعل العلماء من عناية الله تعالى بالكون دليلًا واضحًا على فساد القول بالصُدفة، فالكون المادي يسوده النظام، وهذا الدليل شائع ومنتشر، بين فلاسفة الإسلام، والمتكلمين على اختلاف فرقهم.

قال الكندي: ” فإن في نظم هذا العالم وترتيبه، وفعل بعض لبعض، وتسخير بعض لبعض، واتفاق هيئته على الأمر الأصلح في كون كل كائن، وفساد فاسده، وثبات كل ثابت، وزوال كل زائل لأعظم أدله على أتقن تدبير، ومع كل تدبير مدبر، وعلى أحكم حكمه، ومع كل حكمة حكيم”([1])

معنى هذا الكلام، أن الكون قد صيغ على صورة تجمع بين التعقيد والوظيفة، إذ أنّ النظر في ائتلاف الكون يقود إلى العلم أنه وجد لغاية، ولذلك يُسمي أصحاب هذه الرؤية هذا البرهان الغائي كما عند توما الإكويني، أو” برهان العناية” كما عند ابن رشد قبله، ويقوم عند ابن رشد على ” أصلين: موافقة جميع أجزاء العالم لوجود الإنسان، وأنّ ما كان مُسدَّدًا نحو غاية واحدة، فهو مصنوع لحكمة ضرورة فهو أثر عن إرادة وحكمة ” ([2]) أي أن جميع أجزاء العالم مهيأ في خلقه وتركيبه لوجود الإنسان، وأن العالم يسير بعناية إلهية.

 برهان الضبط الدقيق المعاصر و الذي عبر عنه ابن رشد من قبل ب (برهان العناية)؛ لكنه صيغ مجددًا في ضوء علم الاحتمالات، وأضحى أوسع من جهة أنه معنى بوجود كل صورة للحياة ممكنة، لا الإنسان فقط.

ويروق لنا شرح الإمام الباقلاني؛ وهو بصدد حديثه عن علم الله تعالى حيث قال: ” ويدل على أنه عالم: صدور الأفعال الحكيمة المتقنة الواقعة على أحسن ترتيب ونظام، وإحكام واتقان، وذلك لا يحصل إلا من عالم بها، ومن جوَّز صدور خط معلوم منظوم مرتب من غير عالم بالخط؛ كان عن المعقول خارجًا، وفي عمل الجهل والجًا! “([3])

وهذا مسلك من مسالك المتكلمين في إثبات وجود الله، فقد استدل به الإمام الغزالي على وجود الله حيث يقول: “فليس يخفي على من معه أدنى مسكة من عقل، إذا تأمل بأدنى فكرة مضمون هذه الآيات، وأدار نظره على عجائب خلق الله في الأرض والسموات، وبدائع فطرة الحيوان والنبات، أنّ هذا الأمر العجيب، والترتيب المحكم، لا يستغني عن صانع يدبره، وفاعل يحكمه، ويقدره، بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره، ومصرفة بمقتضى تدبيره”([4]).

 فالصُدفة لا معنى لها ولا قدرة لها، وكيف ينسب إلى الصُدفة الإحياء أو الإماتة؟ إنها ” لا تجري على نسق، ولا تسير بنظام، وكل ما في هذا العالم يجري على نسق عجيب ونظام بديع ” (5)

 ووجود الإنسان يأتي على هذا النسق العجيب، فخلق الإنسان، وإماتته يحتاج إلى قدرة وإرادة، وهذا ليس متوفرًا في الصُدفة، فهل الصُدفة هي التي أوجدتني وأوجدتك من العدم؟ وهل خلق آدم أبو البشر صدفة؟

 ولا يستطيع أحد أن يدعي أنّ الصُدفة تعني الخلق والعقل والعلم والحكمة، والقدرة المطلقة والنظام والترتيب، والصُدفة فعل بدون قصد، ولا هدف، ولا غاية، والحقيقة أنّ كل ما في الوجود مقصود وموجه إلى غاية وهدف.

 والحق أننا أمام اختيارين: إما القول بالإرادة الإلهية، أو القول بالمصادفة، “ومن الواضح أنّ القول الأول هو الذي يميل إليه كل ذي عقل صحيح أو قلب سليم، ولا دافع يدفع إلى القول الثاني من العقل أو القلب إلا أن يكون كراهية محضة لله سبحانه وتعالى”(3).

 ونتساءل: “لماذا نجد أنّ أشكال الناس وبصمات أصابعهم وبصمات صوتهم، وكذلك رائحة كل منهم مميزة، ولها خاصية تختلف من إنسان لآخر ولا يوجد اثنان من البشر يتحدان في هذه الصفات؟ فمن الذي جعل لكل واحد مميزاته وصفاته المنفردة؟ ولماذا؟ وكيف؟”(1)، بل نجد اختلاف في بصمة العين.

 الجواب لكل تلك التساؤلات، بلا شك يوجد خالق حكيم وراء خلق الإنسان، فالتباين والاختلاف بين الناس يدلان على القصد والحكمة، ولو كان خلق الإنسان بالصُدفة لجاء متشابهًا لا اختلاف فيه.

لقد عجزت النظريات المادية، بما في ذلك نظرية التطور الداروينية، بعد أن ظهر بطلانها عن تفسير البعد الإنساني في ظاهرة الإنسان.

إن فكرة الصُدفة إنما هي فكرة تخمينية، ليست نتيجة عملية تجريبية، أو ملاحظة علمية، وإنما هي نتيجة عملية عقلية محضة، وتدعى أنها علم.

إذن، القول بالصُدفة يتنافى مع تدخل الإرادة الإلهية في الخلق والإماتة، ذلك لأنّ المصادفة لا قدرة لها، ولا معنى لها، ولا تتكرر، وتتنافى مع القوانين العلمية، والآيات القرآنية.

*****

([1]) الكندي، رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق د. محمد عبد الهادي أبو ريده، دار الفكر العربي، 1950م، صـ215.

([2]) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تصحيح: مصطفي عبد الجواد عمران، المطبعة العربية، ط3/ 1388ه-1968م، ص62.

([3]) الباقلاني، الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، تحقيق محمد زاهد الكوثري، مؤسسة الحانجى للطباعة ط2، 1963م، 34 – 33. وانظر أيضًا الباقلاني التمهيد، تحقيق: محمود الخضري، ومحمد عبد الهادي أبو ريده، ط: القاهرة 1947م، صـ44-والانصاف، صـ30-31.

([4]) الغزالي، إحياء علوم الدين، ط ، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1432هـ، 1/190.

  • سامي محمد شهاب، الإسلام يتصدى لأباطيل المستشرقين والملحدين، المؤسسة العربية الحديثة 1988، ص 143.

المصدر

بالصدفة

عبد الله زيدان

بالصدفة يكسر الكتكوت البيضة عند أضعف نقطة فيها .. فيخرج

بالصدفة تلتئم الجروح وتخيط شفراتها بنفسها .. ولكن بدون جرّاح

بالصدفة تصنع أشجار الصحاري لنفسها بذوراً مجنحة لتطير عبر الصحاري إلى حيث ظروف إنبات وري وأمطار أفضل .

بالصدفة إكتشف النبات قنبلته الخضراء ( الكلوروفيل ) واستخدمها في توليد طاقة حياته ..

بالصدفة صنعت البعوضة لبيضها أكياساً للطفو .. لكن دون أن يعلم أرشميدس .

والنحلة التي أقامت مجتمعاً ونظاماً ومارست العمارة وفنون الكيمياء المعقدة التي تحول بها الرحيق إلى عسل وشمع ..

وحشرة الترميت التي اكتشفت القوانين الأولية لتكييف الهواء فأقامت بيوتاً مكيفة وطبقت في مجتمعها نظاماً صارماً للطبقات ..

والحشرات الملونة التي اكتشفت أصول وفن مكياج التنكر والتخفي ..

هل كل هذا جاء بالصدفة ؟؟

إن أجبت بنعم ..

فراجع ضميرك الفطري

وراجع عقلك ..

وإذا سلمنا بصدفة واحدة في البداية ، فكيف يقبل العقل سلسلة متلاحقة من المصادفات والخبطات العشوائية ؟؟

إنها السذاجة بعينها التي لا تحدث إلا في الأفلام الهزلية الرخيصة ..

وقد وجد الفكر المادي نفسه في مأزق أمام هذه السذاجة.. فقال إن كل هذه الحياة المذهلة بألوانها وتصانيفها بدأت من حالة ضرورة ..

الضرورة التي تدفعك إلى الطعام ساعة الجوع ..

ثم تعقدت الضرورة بتعقد الظروف والبيئات والحاجات فنشأت كل هذه الألوان ..

كانت هذه التفسيرات مقبولة في عصور الظلام ..

ولكن الآن ..

البشرية قد بلغت سن الرشد ..

عقول البشر أصبحت لا تقبل مثل هذه الترّاهات ..

إذاً ..

من خلق كل هذا وأبدع وأتقن كل شيء في خلقه ؟؟

لا تفكر طويلاً ..

إنه الله ..

تعرّف عليه الآن ..

المصدر

الصدفة العمياء لا تملك حياة

يعتقد الملحدون بالصدفة، وهي أن جميع الأشياء والمخلوقات تم تكوينها على ما هي عليه بطريق الصدفة، والمقابلة، وليس ذلك بطريق القصد والإرادة والتدبير.

ومن حكمة القول مع هؤلاء أن يُقال لهم: من أين حصل لهذا العالم هذا النظام العجيب، والترتيب الحكيم الذي حارت فيه العقول؟ كيف ينسب ذلك إلى الاتفاق والمصادفة ومجرد البخت؟ وكيف اجتمعت تلك الأجزاء على اختلاف أشكالها، وتبايُن مواردها وقواعدها، وكيف حُفظت وبَقيت على تآلفها، وكيف تجددت المرة بعد المرة؟!

إن مثل من يقول أو يعتقد أن هذا النظام والإبداع والإتقان وُجِدَ بطريق الصدفة لا غير، كمثل من وضع حروف الهجاء: أ، ب،ت … ، في صندوق ثم جعل يحركه طمعاً منه أن تتألف هذه الحروف من تلقاء نفسها، فيتركب منها قصيدة بليغة، أو كتاب دقيق في الهندسة، أليس ذلك من السّفه المبين ونقص العقل؟! فإنه لو داوم على تحريك هذا الصندوق السنين والدهور لم يحصل إلا على حروف.

ومثله كمن يقول: إن رجلاً أعمى غرزت له إبرة في لوحة، وأُعطي ألف إبرة، وقيل له: ارم هذه الإبر واحدة بعد الثانية، لتدخل الإبرة الأولى في ثُقب الإبرة المغروسة في اللوحة، وتدخل الإبرة الثانية في ثقب الأولى، والثالثة في ثقب الثانية، وهكذا بطريق الصدفة، حتى دخلت كل الإبر في بعضها بطريق الصدفة، فهل عاقل يصدق بهذه العملية والتي قبلها؟ لا يمكن أن يُصدّق عاقل بهذا، لأنه من قبيل المستحيل الذي لا تقبله العقول ولا تُقرّه، فكيف يُصدّق عاقل أن الكون كله بما فيه من إبداع وتنظيم في كل ذرة من ذراته وُجِدَ بطريق الصدفة؟

إن مخلوقاً يُصدّق بهذه التخيلات لمجنون قطعاً، لا تصلح نسبته إلى العُقلاء، ولا يُذكر في عدادهم أبداً {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} (1).

وهذا فيه دلالة عقلية قاطعة على أن اللَّه هو الخالق لكل شيء، وأن الصدفة لا وجود لها ولا تصرف في مخلوقات اللَّه – تعالى – وبهذا تبطل شبه أهل الإلحاد والعناد الذين قالوا بالصدفة، وللَّه الحمد.

المصدر