تعزيز اليقين وهداية الحيران

إله لفجوات المعرفية

إله لفجوات المعرفية

 

تعرَّضنا في نهاية المقال السابق (هل تنزل الأمطار برحمة الله أم بتكاثف الغيوم؟) إلى مصطلح (إله الفجوات المعرفية) الذي يطلقه الملحدون عادةً لوصف إيمان المؤمنين بالله، حيث يظنُّ الملحدون أنَّ المؤمنين يعتقدون بقوَّةٍ غيبيةٍ خارقةٍ تقف خلف الظواهر الكونية التي لم يتمكَّن الإنسان من الوصول إلى معرفة سببها، وأنَّه لو عرف سببها لما احتاج إلى الإيمان بقوَّةٍ تقف وراءها.

سنخصص هذا المقال لبسط الحديث عن أصل المسألة وكيفية تشكُّلها في عقلية الإنسان الملحد، لكن قبل الخوض في تتمَّة المقال ننوِّه إلى أنَّنا سنضَّطر -آسفين– إلى ذكر بعض المصطلحات أو الاقتباسات التي يتناولها الملحدون عادةً، وذلك في سبيل تقريب فهم الحالة الإلحادية وتشخيصها بشكلٍ سليم.

 

أصل المشكلة كما يراها الملحدون

يعتقد الملحدون أنَّ الإنسان تطوَّر من كائناتٍ بدائيَّةٍ غير عاقلة، وفي بداية تطوُّره الفكريّ (أو في زمن الطفولة المعرفية كما يسمِّيه بعض الملحدين) بدأ الإنسان يخاف من بعض الظواهر الطبيعية كالكسوف والرعد والصواعق، وبسبب جهله بالأسباب المادِّية المؤدّية إلى حدوث هذه الظواهر؛ افترض الإنسان البدائي مجموعةً من الأسباب الغيبيَّة العظيمة (آلهةً) فجعل إلهاً للبرق، وإلهاً للشمس، وإلهاً للبحر والعواصف وغيره، ثم قدّسها وقدّم لها القرابين حتَّى لا تؤذيه.

ويعتقد الملحدون أنَّه لو عرف الإنسان منذ البداية السبب وراء هذه الأمور لم يكن ليفترض لها سبباً غيبياً، ولما احتاج الأمر إلى تكلُّفٍ وعناءٍ لافتراض وجود قوَّةٍ غيبيَّة. ووفقاً لهذه النظرة فإنَّ “فرضية” الآلهة مرتبطةٌ بشكلٍ أساسيٍّ بالطفولة المعرفيَّة لدى الإنسان، وإنَّ الإنسان “العالِم” اليوم لم يعد بحاجةٍ إلى “فرضية الإله”، وإنَّ (العلم دفن الإله) مع سنوات الجهل المرافقة لطفولة الإنسان المعرفية وعصور الظلام The Dark Ages.

فبسبب التقدُّم الهائل في مضمار العلم التجريبيّ تضاءل حجم جهالة الإنسان بالكثير من الأسباب الكونية التي كانت تشكِّل لغزاً محيِّراً للإنسان على مدى قرونٍ طويلة، وبدأت فجوات الإنسان المعرفية بالانسداد، وسُدَّت معها كلُّ مساحةٍ كان يشغلها الإله سابقاً (وفقاً للنظرة الإلحادية)، ولم يبق للإله سوى بضع فجواتٍ معرفيَّةٍ يسدُّ المؤمن جهله به، ومن هنا ظهر مصطلح: (إله الفجوات المعرفيَّة).

 

عبّر عن هذه النظرة أحد أهمِّ رموز الملحدين في العالم (ريتشارد دوكنز) من خلال مقولةٍ شهيرةٍ له، إذ يقول:

((لقد طرد (دارون) الإله من البيولوجيا، ولكن الوضع في الفيزياء بقي أقلَّ وضوحاً، ويُسدِّد (هوكينج) الضربة القاضية الآن)).

حيث يشير (دوكنز) في عبارته السابقة إلى جهود العالم الفيزيائيّ الراحل: (ستفين هوكنيج) -الملحد كذلك- في اكتشاف آليات نشوء الكون، فهو يريد أن يقول: إنَّنا كنَّا نؤمن بالله لأنَّنا لم نكن نعرف (كيفية) نشوء الكائنات الحيَّة فشرح لنا (دارون) ذلك، ثمَّ بقينا مُحتارين قليلاً لأنَّنا لا نعرف (كيفية) نشوء الكون، و(هوكينج) يقوم بذلك، فلا حاجة لله بعد الآن.

ووفقاً لهذه النظرة، فإنَّ الإنسان كلَّما اكتشف سبباً علمياً وراء إحدى الظواهر؛ زال الغموض المكتنف بها و”تقهقر الإله” لصالح المكتشفات العلمية الحديثة، لدرجة أنَّ بعضهم يقول: (لقد تقهقر الإله إلى ما وراء الانفجار العظيم)، حيث يظنُّ أنَّ العلم التجريبي قد عرف كلَّ الأسباب المادِّية المحيطة بالكون ولم يبق ثمَّة فجواتٌ معرفيَّةٌ في عقل الإنسان سوى تلك التي تسبق الانفجار العظيم.

 

معرفة الكيفية والاستغناء عن الموجِد

لا يجادل اثنان في أنَّ عصرنا الحالي قد امتاز بكثرة الاكتشافات العلمية وتسارعها الحثيث، وليست المشكلة في تلك الاكتشافات؛ لكنَّ المشكلة تكمن في اقترانها مع تصوُّراتٍ خاطئةٍ عن قدرة الله وأفعاله، كالتَّصوُّرات التي بيَّنَّا بطلانها في المقال السابق (راجع مقال: هل تنزل الأمطار برحمة الله أم بتكاثف الغيوم؟)

حيث ذكرنا تحت عنوان: (لماذا وكيف؟) أنَّ التفسير العلميَّ للحوادث ليس إلَّا تفسيراً للكيفية التي تمَّت بها الأشياء كما أراد الله أن يخلقها، فمعرفتي لـ(الكيفية) التي تمَّت بها الأمور الكونية لا يعني أنَّ هذه (الكيفية) هي التي (خلقت) هذه الأمور، كما أنَّ إدارة الحسابات المصرفية لا تعني إيجاد أموالٍ من العدم، وإلَّا لتحوَّلت البرامج المحاسبيَّة والمصرفيَّة إلى آلاتٍ لصناعة النقود.

وكذلك فإنَّ فهم الإنسان لكيفية نشوء بعض الظواهر الكونيَّة لا يعني أنَّه هو الذي يملكها أو يتصرَّف بها، فضلاً عن أن يكون هو الذي أوجدها أصلاً! فهناك فرقٌ كبيرٌ بين (مَن الذي أوجد) وبين (كيف أوجد)، كالفرق بين (لماذا) و(كيف) الذي بيّناه في المقال السابق.

فإذا ما اعتبرنا أنَّ الاقتباس الذي ذكرناه لـ (دوكنز) معبِّرٌ عن النظرة الإلحاديَّة للوجود والحياة، فإنَّنا يمكننا تفنيد تلك النظرة من خلال تبيين الفرق الكبير بين معرفة (كيفية) نشوء شيءٍ والحاجة (للموجد) الذي أنشأ هذا الشيء من الأساس.

لن نقوم بالتأكيد بمناقشة (الكيفيَّات البيولوجية) التي تحدَّث عنها دارون، أو (الكيفيَّات الفيزيائية) التي تحدَّث عنها هوكينج، ومدى صحَّتها من بطلانها؛ فذلك له كتبٌ ومؤلَّفاتٌ لأساتذةٍ جامعيين في كلا المجالين (البيولوجيا والفيزياء) تناقش النظريَّات التي أوردها كلٌّ من (دارون) و(هوكينج).

لكنَّ الأهمَّ من ذلك -برأيي- أنَّه ولو سلّمنا جدلاً بصحَّة اكتشافات علماء الأحياء والفيزياء التي أشار إليها (دوكنز)، فما علاقة ذلك بالحاجة إلى الموجد الذي أوجد الكون بالكيفيَّات التي اكتشفها هؤلاء العلماء؟

 

تقهقر الفجوات المعرفية وازدياد عظمة الإله

وهكذا نجد أن تقهقر الفجوات المعرفية ليست (تقهقراً للإله) كما يظنُّ الملحدون، بل تقهقرٌ للجهل الإنسانيّ، وازديادٌ لمعرفة الإنسان بالكيفيَّات المختلفة التي أبدعها الخالق سبحانه، فتزداد قلوب المتبصِّرين إعظاماً وإجلالاً له بعد هذه الاكتشافات العلمية.

وكلَّما اكتشف الإنسان شيئاً في الكون؛ ازدادت هيبته للذي أوجده، وسجد عقلُه وقلبُه في محراب الخالق، خاشعاً متضرِّعاً بين يديه، مستحضراً معنى (فاطر السماوات والأرض)؛ فيكون من العلماء الذين ذكرهم –سبحانه– في السورة التي سمَّاها (فاطر):

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر : 27-28].

بهذه النظرة الإيمانية، أبدع المسلمون حضارةً ملأت الأرض تقدُّماً وإيماناً، اقترن فيها الإيمان بالعمل، والتقوى بالعلم، فنشروا الإيمان والحضارة معاً لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، وكانت الاكتشافات العلمية التي زادت قلوبهم إيماناً وتقوى، مستذكرين عظمة الخالق شاكرين لما أنعم عليهم من معرفةٍ وعلم. ثمَّ تراجعت حضارتهم لَمَّا تراجع ذلك الإيمان.

فإن كان الوعي الحضاريُّ الغربيُّ متأثِّراً بما ورثه من ثقافةٍ باعدت بين العلم والدِّين، وظنَّت أنَّ الإنسان لن يبدع ولن يتقدَّم إلَّا في ظلام الإلحاد؛ فإنَّه ليس على المسلم أن ينهزم أمام تلك الثقافة فضلاً عن أن يعتنقها. بل إنَّ المسلمين -كلَّهم- أمام مسؤوليةٍ تاريخيَّةٍ ليعيدوا إلى الإنسان وعيَه ورشدَه وحضارته بنور العلم والإيمان.

المصدر