تعزيز اليقين وهداية الحيران

نقد موقف ريتشارد دوكينز من الصدفة (1)

الرئيسية / كشاف الشبهات / دعاة الإلحاد / دعاة الإلحاد / نقد موقف ريتشارد دوكينز من الصدفة (1)

نقد موقف ريتشارد دوكينز من الصدفة (1)

سنبدأ بكشف الإيمان الغريب المعادي للرب لدى ريتشارد دوكينز، حيث يقوم هذا الإيمان عنده مقام إلهه ووجهة إيمانه وأمله؛ بل نجرؤ على القول إنه “إن لم يكن حبه، فهو إذن الكثير من الإخلاص له”، ولكي يفهم القارئ الثقة المطلقة عند دوكينز بعدم وجود الخالق، فعليه أولًا أن يتعرف إلى اعتقاده اللاعقلاني بالصدفة.

ماذا سيكون رد فعلنا المنطقي لو رأينا في وضح النهار تمثالًا مهيبًا للسيدة العذراء وقد لوح لنا فجأة؟

الدهشة التامة وإيماننا العميق بأننا شاهدنا معجزة.

الدهشة التامة وتقريبًا إيمان عميق بأننا شاهدنا معجزة مع الاعتقاد بلزوم عمل تحقّق شامل لتحرّي وجود سبب محتمل آخر.

نقول هذا حظ بالتأكيد، ونتابع شؤوننا. لو كانت استجابتك (أ) فستعتبر طبيعية تمامًا ومنطقية، ولكنها ربما متسرّعة، وإن كانت استجابتك (ب) فستكون طبيعية تمامًا ومنطقية أيضًا، وفيها تشكّك كافٍ لتسمح للعقل بمزيد من البحث.

ولكن إن كانت استجابتك (ث) فستكون أنت ريتشارد دوكينز، أو على الأقل، هذا ما يبدو وفق حججه.

لماذا أتيت بهذا السيناريو المنافي للعقل فيما يبدو؟ لقد أتى به دوكينز قبلي في كتاب ارتقى سابقًا سُلّم أفضل المبيعات هو كتاب: صانع الساعات الأعمى (The Blind Watchmaker) (وروّج له بعدها مرة أخرى في كتابه وهم الإله[1]). فبينما يكون هذا المثال دليلًا مثيرًا لاعتقاده اللاعقلاني باستحالة حدوث المعجزات، فإنه يعتبر دليلًا قويًا أيضًا لاعتقاده اللاعقلاني بقوّة الصدفة، اعتقاد يرجع أصله لرغبته الشديدة بالاعتقاد بأنّ الإله غير موجود.

لنضع جانبًا الآن قضية إمكانية حدوث المعجزات، ولنهتمّ بقضية إيمان دوكينز اللامتناهي بقوة الصدفة. هل يمكن لهذا الإيمان أن يكون عقلانيًا ومنطقيًا؟ بالنسبة لدوكينز، فإن كل شيء يستطيع الإله فعله، تستطيع الصدفة فعله بشكل أفضل، ويعني ذلك بأنّ أي حدث مهما بدا خارقًا للعادة، يمكن تفسيره بأنّه حظ جيّد.

وكما سنرى، يؤثّر هذا مباشرة في قدرة دوكينز على تقييم الدليل العلمي الأحدث، والذي يشير لوجود خالق عليم. لكن قبل أن نصل إلى النتائج، لندع اعتقاد السيد دوكينز النفيس المتعلّق بقوة الصدفة يتكلّم عن نفسه.

يقول دوكينز في كتابه صانع الساعات الأعمى بأنَّ “المعجزة عبارة عن شيء ممكن الحدوث، لكن حدوثه مفاجئ جدًا. فإذا لوّح تمثال رخامي لمريم العذراء بيده تجاهنا فعلينا اعتبار ذلك معجزة، لأنّ كلَّ خبراتنا ومعارفنا تؤكّد لنا عجز الرخام عن هذه الحركة”. لكنه يتابع ليطمئن القارئ بأنّ العلم لن يحكم على هذه الحادثة كـ”مستحيلة تمامًا”، ولكنها فقط “غير محتملة الحدوث للغاية[2]”.

هذا خلط أساسي يظهر عند دوكينز؛ إنه الخلط بين ضآلة الاحتمال والاستحالة (الصدفة). يطمئِنُ دوكينز القارئ ويقول:” تعني الصدفة أمرًا غير محتمل الحدوث للغاية”.

هذه طريقة ساذجة للقول بأنّ أيّ شيءٍ يمكن حدوثه. بما أنّ أيّ شيءٍ ممكنٌ، فإن أيّ شيءٍ محتمل، حتى وإن كانت تلك الاحتمالية رقمًا صغيرًا بشكل فلكي. نعود إلى التمثال الذي لوّح بيده:

“فيما يتعلّق بالتمثال الرخامي، تتدافع الجزيئات في الرخام الصلب فيما بينها باتجاهات غير محدّدة باستمرار، يلغي التدافع بين الجزيئات المختلفة بعضه، لذلك تبقى كامل يد التمثال ثابتة. ولكن إذا حدث واتجهت كل الجزيئات – بصدفة مطلقة – باتجاه واحد في اللحظة نفسها فستتحرّك اليد. من الممكن أن يلوّح تمثال رخامي لنا في هذه الحالة. من الممكن أن تحدث، لكن الاحتمالات المعاكسة لمثل هذه صدفة، كبيرةٌ بشكلٍ غير ممكنٍ تخيّله. ولكن ليست عصية على الحساب كثيرًا. قام زميلٌ فيزيائي بحساب ذلك لي، ووجد أنّ عدد الاحتمالات كبيرٌ جدًا بحيث أنّ عمر الكون حتى يومنا هذا صغير جدًا لا يكفي لكتابة كل الأصفار! من الممكن لبقرةٍ أن تقفز إلى القمر نظريًا مع أنّ احتمالية ذلك قليلة. إنّ خلاصة هذا الجزء من النقاش أن نتمكًن بالحساب من الوصول إلى مناطق من ضآلة الاحتمال بشكل أكبر بكثير مما نستطيع أن نتخيله معقولًا”[3].

اقتبسنا هذا المقطع كاملًا، لأنه في حال ذكرنا ملخّص المقطع فقط، فلن يصدّق أيّ عاقل بأنّ دوكينز ذكر ذلك، أو سنُتّهمُ بأننا أسأنا عرض كلماته بما ينافي السياق المذكور فيه. لكنْ هذه هي الفقرة كما قالها كلمة كلمة. وبذكرها هكذا، نجد أن دوكينز قد ذهب بعيدًا في فكرة مهمّة بأنّ العديد من الأشياء التي تكون إمكانيةُ حدوثها قليلةٌ جدًا، تمتلك بعض الإمكانية في الحدوث، لسبب ما، أراد دوكينز من قراءه الاعتقاد بأنّ المستحيل هو فقط عبارة عن أمر غير محتمل الحدوث بشكل كبير، ولكن من الممكن حدوثه.

الاعتراض الأوّل والواضح على هذا المنطق هوك التالي: ما هو المستحيل إذا كان أي شيءٍ – أو على الأقل، أي حدث فيزيائي من النوع الموصوف سابقًا – ممكنًا؟ وإذا كانت مثل هذه الأمور المستحيلة ممكنة، لماذا لا يكون التمثال الذي لوّح بيده معجزًا بالفعل؟ لماذا لا نعتبر الإعجاز ممكنًا؟

الإجابة بسيطة جدًا. يعتقد دوكينز بأنَ أيّ شيءٍ ممكنٌ إلا المعجزات، وذلك يقوده إلى الاعتقاد بأنّ المستحيل، مهما كان سخيفًا، فهو ممكن الحدوث. فالقمر الذي تستطيع البقرة أن تقفز إليه خلال لحظات قليلة فقط، يمكن أن يكون مصنوعًا من الجبن الأخضر حقًا إن حدثت إعادة هيكلة عشوائية للجزيئات.

هذا يقود لنقطة أخرى. من الواضح أن عرض دوكينز للإعجاز والاستحالة هو فقط ليظهر ويعبّر عن إنكاره لوجود الرب (أي ليعبّر عن إلحاده). فمن أيّ نوع من الملحدين هو؟ يصنّف دوكينز نفسه في كتابه وهم الإله بأنه ملحد واقعي وجودي (“لا أستطيع المعرفة على وجه التحديد، ولكننّي أعتقد أنّ الرب أمرٌ لا يمكن وجوده، وأنا أعيش حياتي بافتراض أنّه غير موجود”)[4]. وأضاف دوكينز قائلًا “أنا ملحد لا أصدّق بوجود الرب بدرجة مماثلة لإنكاري وجود الجنيّات تحت الحديقة”[5].

ولكن إليكم المشكلة، منذ قيامه بإعادة تصنيف الأمور المستحيلة إلى أمور غير متوقّع حدوثها جدًا فقط، يبقى غامضًا في كلامه الاختلافُ الممكن بين (1) تلويح التمثال الرخامي لمريم العذراء، (2) قفز بقرة بما يقارب 240000 ميل في الهواء فجأة، مع الأخذ بالحسبان مسافة صعودها وتأثير دوران الأرض والسحب المطبّق عليها من قبل الغلاف الجوي (وتجنّبها الاحتراق نتيجة الاحتكاك مع الغلاف الجوي بطريقة ما)، (3) تواجد الجنيات أسفل الحديقة، و(4) وجود الرب. باختصار، إذا كان الرب مجرّد أمرٍ غير محتمل جدًا، هل يكون وجوده أقل احتمالًا من حدث يملك عدم احتمالية غير معقولة والتي لا يستطيع الشخص حساب احتمالية وقوعها خلال 13.5 مليار سنة؟

وباعتبار ضخامة عدم الاحتمالية، كيف يستطيع الشخص معرفة أي الأمرين ذو احتمال أكبر؟ وإذا كان الرب بحساب دوكينز أمرًا محتملًا كالتلويح المفاجئ من تمثال رخامي على الأقل، فإن الاحتمال أن يكون الرب وفق منطقه هو مسبّب التلويح الإعجازي لتمثال مريم العذراء الرخامي سيكون مماثلًا لاحتمال تدافع الذرات العشوائي على الأقل.

Answering New Atheism (10 – 14)

للبروفسور سكوت هون، والدكتور بنيامين ويكر

[1] ريتشارد دوكينز, وهم الإله, 373-374.

[2] ريتشارد دوكينز, صانع الساعات الأعمى: لماذا تُظهِر أدلة التطوّر كوناً بلا مصمم (نيويورك: نورتون, 1996), 159.

[3] ريتشارد دوكينز, صانع الساعات الأعمى The Blind Watchmaker, 159-160.

[4] ريتشارد دوكينز, وهم الإله The God Delusion, 51.

[5] ريتشارد دوكينز, وهم الإله The God Delusion, 51.

المصدر