تعزيز اليقين وهداية الحيران

نقد موقف ريتشارد دوكينز من الصدفة (5)

الرئيسية / كشاف الشبهات / دعاة الإلحاد / دعاة الإلحاد / نقد موقف ريتشارد دوكينز من الصدفة (5)

نقد موقف ريتشارد دوكينز من الصدفة (5)

يعتبر الدي أن أي عبارة عن حمض نووي يخزن المعلومات الجينية للخلية على شكل شريط، متضمنًا تسلسلًا من الأسس الآزوتية A ، G ، C ، T (اختصارات للأدنين (A)، الغوانين (G)، السيتوزين (C)، التيامين (T) ). وحتى من أجل شريط صغير جدًّا جدًّا من الدي أن أي مكوّن من 100 أساس – وهو أصغر بكثير مما نجده في أي خلية حقيقية – تكون الاحتمالات مقابل الحصول على تركيبة محددة قليلة جدًّا. 1 إلى 4100. نستطيع رؤية الفرق الواضح بين الاحتمالية الحقيقية واحتمالات دوكينز شديدة التفاؤل. يعتقد دوكينز بأنّ الاحتمالات مقابل ظهور شريط من الدي أن أي صدفة هي 1 إلى 1000000000. ولكن عندما نقوم بالحسابات الصحيحة نجد بأنّ الاحتمالات مقابل حصول ذلك أكثر بقليل من: 1 إلى 1600000000000000000000000000000000000000000000000000000000000.

ليس على أحدنا أن يكون عالما أو خبيرًا إحصائيًا ليرى الفرق بعدد الأصفار. بالطبع، لا نستطيع مقارنة الاثنين ببساطة. ادّعى دوكينز هذه الاحتمالات بما يتعلّق بظهور الدي أن أي على كوكبٍ واحد من بين مليار كوكب (دون أن يكشف عن طريقة حسابه لهذه الاحتمالات أو استنباطها) خلال فترة زمنية من بين ملايين السنين، وليس احتمالات الحصول على شريط دي أن أي محدد بلحظة واحدة. يمكن تخفيض الاحتمالات الـ 4100 الضخمة عبر مضاعفة عدد التجارب وإطالة فترة الزمن، وتقليل ضخامة المركبات الكيميائية الثانوية التي تتدافع مع بعضها. (وبشكل مشابه، تصوّر تأثير إضافة 10000000 موزّع للأوراق وجميعهم يعملون خلال 10000000 سنة وذلك لتخفيض الاحتمالات لتقليل الوقت الذي يحتاجه موزّع واحد ليوزّع أوراقا كاملة في لعبة البريدج). إذا أضفنا عوامل كهذه بشكلٍ كافٍ، سيبدو بأننا نستطيع الوصول لتفاؤل دوكينز باحتمال 1 إلى مليار في النهاية.

الصعوبة، مهما يكن، بأنّ الظروف التي من السهل إضافتها سترجع الأمور إلى الوراء بالاتجاه المعاكس مجددًا، إلى احتمالات 4100، وهذه العوامل جعلت العلماء قلقين من افتراض احتمالات بسيطة. لا تقفز الأسس النتروجينية – A ، G ، C ، T – إلى الوجود فجأة لتبدأ بالتدافع فيما بينها. يجب بناؤها خطوة خطوة، ويجب حساب احتمالات ارتباط المواد الكيميائية عشوائيًا خطوة خطوة. هذا صعب، إذا أردنا قول ذلك فقط على الأقل. وبمحاولة قيامنا بذلك، يجب ألّا نخلط الظروف المخبرية مع الظروف الطبيعية. في المخبر، يستطيع العلماء المباشرة بكلِّ خطوة بتركيزٍ عالٍ من المواد الكيميائية الضرورية. في الطبيعة، ستكون نتيجة كل خطوة عبارة عن كمية قليلة بما يمنع تقريبًا من بدء الخطوة التي تليها. إذا أردنا تفسير هذه الصعوبة، تخيّل احتمالية واحد إلى مليار للحصول على مركب كيميائي معقد B عشوائيًا ابتداءً من مواد كيميائية بسيطة (نستطيع أن نطلق عليها للتسهيل A). يعني النجاح بذلك أنّنا حصلنا من خلال مليار تجربة على نتيجة إيجابية واحدة. هذا ليس بالشيء الكثير الذي نستطيع الاستمرار على أساسه، وفي الواقع، يقلّل ذلك بشدّة من احتمالات الحصول على المركب C من المركب B عشوائيًا.

من الواضح أنّنا نستطيع مضاعفة عدد التجارب، ولكنّ ذلك ينطوي على مشكلة مخفية متعلّقة بحساب تركيز المادة A الكبير. كيف ظهرت هذه المشكلة؟ نعود بذلك إلى النقطة الأساسية. تحت الظروف الطبيعية، نتوقّع أنّ كمية المادة الكيميائية المرغوبة والتي أُنتجت للخطوة التالية ستكون دوماً قليلةً بعض الشيء (ومن ناحية أخرى، لن يكون إنتاجها مسألة احتمالات ضئيلة)، ولذلك ستبدأ كل خطوة بكميّة محدّدة من المواد الكيميائية المطلوبة والتي سترتبط فيما بينها خلال الخطوة التي تليها عشوائيًا، وبذلك تزداد الاحتمالات المعاكسة للنجاح بالحصول على المستوى التالي من المعقد الكيميائي. تعتبر صور المحيطات المكتظّة بالأحماض الأمينية أو النووية خيالًا أكثر منها حقيقة.

أيضًا، بما أن كل خطوة كيميائية جرت تحت ظروف مميّزة، يجب أن تكون احتمالية الحصول على هذه الظروف في الوقت الملائم مصمّمة. إنّها ليست مسألة اعتقاد أو احتمالات حسابية مجرّدة أو أنها ببساطةِ الحصولِ على التركيبة الرابحة. وحتى بافتراض إنتاج كمية مهمة من التركيبات الناجحة، سيختفي عدد كبير منها ولن يستخدم ببساطة.

ولكن كما يبدو، تملك فكرة الحصول على شيءٍ يشبه الدي أن أي لها إمكانية ضئيلة. إذا استبعدنا تبسيط دوكينز، ودخلنا العالم الحقيقي للخليّة، سندرك بأنّ الد أن أي هي جزءٌ من الخلية الحية فقط. وحتى التسليم بسخف فكرة ظهور الدنا فجأة للوجود، فالخلية أكبر من مجرد الدنا بكثير. بينما يختزن الدنا المعلومات التي تستخدمها الخلية للقيام بالعمليات المعقّدة، تقرأ الخلية بنفسها الدنا وتترجمه إلى بنى حيّة وأفعال حيّة. الدنا غير وظيفي دون الخلية، ويعني ذلك بأنّ المعلومات ليس لها معنى، إنّها لغة بلا قارئ، لمخطط بناءٍ دون بان.

يمكن فهم ما يعني ذلك من خلال هذا التمثيل. تصوّر قطعةً من الورق مكتوبًا عليها العبارة التالية. “في معظم الحالات، لن تحتاج استخدام فاصل، تستطيع التخزين حتى 32 رقم

وتعتبر الفاصل كرقم 1 من هذه الأرقام”. هذه التعليمات الوظيفية متناسبة مع شريط دنا مؤلف من 100 أساس. لكنها تعليمات من أجل ماذا؟ لا يوجد نص يخبرنا بذلك. تبقى المعلومات بلا معنى حتى ندرك بأنها جزءٌ من تعليمات تشغيل الهاتف. بالطبع، نعلم ما هو الهاتف لأنه موجود حاليًا، لكن تخيّل لو أنّ قصاصة من التعليمات سافرت عبر قوى سحريّة ألف سنة قبل اختراع الهاتف. ماذا ستعني لأي أحدٍ وقتها؟ هذا، وبشكل مشابه، ما سيكون عليه ظهور تسلسلٍ من الدي أن أي قبل ظهور الخلية.

ولهذا، حتى توجد الدي أن أي كمعلومات، يجب أن توجد الخلية التي يعمل الد أن أي بوجودها كمعلومات. لكن هنا النقطة. لا تعتبر الخلية مصنوعة من الدي أن أي، الخلية نفسها مصنوعة من البروتينات (والبروتينات مصنوعة من الحموض الأمينية)، ويعتبر الصف الواسع من البنى البروتينية والأعمال المرتبطة بالبروتين هو الذي يسمح لشيفرة الدنا الجينية أنْ “تظهر للحياة”.

لذلك نحتاج أن تقوم الصدفة بتوليد بنى بروتينية متنوّعة، وأن تولّد الد أن أي أيضًا. تظهر هنا مشكلة تشبه التي واجهتنا مع الد أن أي نفسه. تتركّب البروتينات من الحموض الأمينية التي يجب (كالأسس النتروجينية في الدنا) أن توجد ضمن تسلسلات محدّدة بدقّة. وباختيار بروتين صغير جدًا مكونٍ من 100 حمض أميني فقط، نجد بأنّ احتمالية الحصول على التركيبة المطلوبة عن طريق الصدفة هي أقل بكثير من احتمالية 1 إلى مليار الخاصة بدوكينز. تقدّر الاحتمالات لذلك بـ 1 إلى 20100. عرض دوكينز الاحتمالات البسيطة عندما طرحها كـ 1 إلى مليار. لكن عندما نقوم بالحسابات الفعلية مستخدمين بروتينًا بسيطًا فقط، نجدُ بأنّ الاحتمالات حوالي 12000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 إلى احتمال واحد يؤدي للحصول على أبسط تركيب بروتيني عن طريق الصدفة. مجدداً، لست بحاجة لتكون عالماً او مختصاً إحصائياً لرؤية الفرق بعدد الأصفار.

بما أنّه من غير الممكن أن تعمل الخلية بوساطة بروتين صغير مفرد (وبالمثل بوساطة تسلسل صغير مفرد من الدي أن أي)، فإنّ احتمالية قدرة الصدفة على إظهار ما يكفي من البروتينات للقيام بأبسط وظيفة خلوية مهملة خلف جميع الحسابات السابقة. ذلك مع الحموض النووية والدي أن أي، وأيضًا مع البروتينات.

يمكن التخلّص من هذه الاحتمالات، ولكن، مجددًا، يجب إضافة العوامل نفسها التي حسّنت من الاحتمالات في حالة الدي أن أي. مع ذلك، فربّما لا تعني شيئًا حتى بهذه العوامل. وذلك بسبب عدم قدرة البنى البروتينية في الخلية على التوالد بمفردها دون الدي أن أي. إذًا، نواجه بهذا ما يطلق عليه في دراسات أصل الحياة بمشكلة الدجاجة والبيضة. تحتاج الخلية للدي أن أي والبروتين لتعمل، يوصل الحصولُ عليهما معًا متكاملين مسألةَ الاحتمالية إلى نقطة التحطّم.

إذا كانت الاحتمالات بهذا السوء [سيئة لدرجة اعتبارهم أنّ الشيء الأقرب من المستحيل ممكنًا] فماذا يمكننا اعتبار إيمان دوكينز غير المحسوب بالصدفة؟ لنبدأ بهذا، يعتقد دوكينز بأنّه لا يملك شيئًا يحتاج للبرهنة: “مهما يكن، فقد تقع لااحتمالية أصل الحياة،” ويُطمئنُ دوكينز قرّاءه: “نعرف بأنّها حدثت على الأرض لأننا هنا”[1].

هذه ليست بحجة؛ إنها بأفضل حالاتها افتراضٌ اعتبره برهانًا. نستطيع بأسلوبه نفسه أن نبرهن أنّ الجنيّات وراء خلق الحياة، كقوله “نعرف بأنّها حدثت على الأرض لأننا هنا”. مجددًا، نواجه مغالطة افتراض المقدمة: إنّها تثبت لا شيء، لأنها تثبت أيَّ شيء.

Answering New Atheism (27 – 32)

للبروفسور سكوت هون، والدكتور بنيامين ويكر

[1] ريتشارد دوكينز, وهم الإله The God Delusion, 137.

المصدر